البيع بشرط الاختبار والتجربة

أحكام البيع بشرط الاختبار والتجربة

يعتبر شرط البيع بالاختبار أحد البيوع المتوقفة على شرط، والتي لا يتم نفاذها إلا بعد تحقق هذا الشرط، ويتمثل الشرط في هذا البيع في اختبار المشتري للمبيع وموافقته على إتمام الشراء، ولا شك في أن هذا النوع من البيوع له أهمية كبيرة وفائدة عظيمة خاصة للمشتري، لكونه يتيح له الفرصة لمعاينة المبيع وتجربته بصورة كافية تنفي عنه الجهالة والإبهام، كما أنه يلبي حاجة الناس إليه في تعاملاتهم اليومية المختلفة.

وفي هذا المقال سوف نتعرض إلى أحكام البيع بشرط الاختبار والتجربة بوجه عام، موضحين في سياق ذلك موقف التقنين المدني الأردني من هذا النوع من البيوع.

أولاً: ماهية البيع بشرط الاختبار والتجربة

ثانياً: التزامات طرفي العقد في البيع بشرط التجربة

ثالثاً: طبيعة الشرط في البيع بشرط الاختبار هل هو شرط واقف أم شرط فاسخ؟

رابعاً: أركان عقد البيع بشرط الاختبار

خامساً: أثر هلاك المبيع في البيع بشرط التجربة

سادساً: أثر فقدان المشتري للأهلية أو وفاته قبل تمام البيع بشرط الاختبار والتجربة

سادساً: فسخ عقد البيع بشرط التجربة والاختبار

سابعاً: الخاتمة

أولاً: ماهية البيع بشرط الاختبار والتجربة

1- تعريفه

البيع لغة هو المبادلة أو المعاوضة، وقد عرفته (المادة 465) من القانون المدني الأردني بأنه (تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض).

وعقد البيع بشرط الاختبار لا يختلف عن غيره من عقود البيع في خاصية أنه ملزم للجانبين، إلا أن الالتزام في عقد البيع بشرط الاختبار يختلف وقت إتمامه عن غيره من البيوع، لأنه متوقف على شرط قبول المشتري لإتمام البيع بعد اختباره للمبيع، وبالتالي فلا ينشأ الالتزام على المشتري ولا يلتزم بأداء الثمن إلا من وقت قبوله المبيع، ويُعد عقد البيع بشرط الاختبار أحد العقود المسماة التي اهتم المشرع بها، وأفرد لها مواد لتنظم أحكامها مثل عقود البيع والهبة وغيرها.

ويعرف البيع بشرط الاختبار والتجربة هو البيع الذي يُمَكِن فيه البائع المشتري من استعمال المبيع وتجربته خلال مدة محددة قبل إتمام العقد أو التراجع عنه.

والصورة الأساسية للبيع بشرط التجربة تتمثل في أن يقوم البائع بتسليم المبيع إلى المشتري بقصد أن يقوم المشتري بتجربته لمدة محددة، فإن ثبت للمشتري بعد التجربة أن المبيع على الحالة الموصوفة له أتم البيع وسلم الثمن للبائع، وإن ثبت له بعد التجربة أن هناك ثمة تناقض بين وصف المبيع وحقيقته جاز له التراجع عن إتمام البيع.

2- أهميته وآليته

البيع بشرط التجربة والاختبار شائع مثل بيع وشراء الملابس والسيارات وأشياء كثيرة لا تؤدي التجربة لها واختبارها بشكل يتفق مع طبيعتها أي انتقاصاً لقيمتها، فالمشتري الذي يقصد أحد محال بيع الملابس الجاهزة بغرض شراء ملابس يلزمه القيام باختبار تلك الملابس عن طريق ارتدائها لمعاينة مقاساها ومدى ملاءمتها له، وكذلك من يرغب في شراء سيارة خاصة حتى وإن كانت مستعملة فإنه يرغب دائماً في تجربتها والتأكد من صلاحيتها ومطابقتها للمواصفات التي أبلغها به البائع.

ولا شك أن في ذلك حماية للمشتري وضمانة تتيح له التعبير عن إرادته المتمثلة في رضائه بإتمام البيع من عدمه وهو على قناعة تامة، كما أنها تحمي البائع من مغبة رجوع المشتري عليه بعد إتمام البيع، ذلك لأن البائع بتمكينه المشتري من تجربة المبيع يكون قد أتم التزامه الملقى عليه.

ولا يشترط في البيع بشرط الاختبار أو التجربة أن يقوم المشتري بنفسه بتجربة المبيع، فله أن يوكل من يراه مناسباً للقيام بذلك، فالمشتري الذي يشتري سيارة قد يأتي بأحد المهندسين أو الفنيين الذين يثق في رأيهم، وعلى أساس تجربتهم للمبيع يبدون رأيهم للمشتري بإتمام البيع من عدمه.

والبيع بشرط الاختبار قد يتضح نوعه ويتبين بشكل صريح، كما قد يفهم من واقع الحال أيضاً، فشراء الملابس والآلات المستعملة يحوي اتفاقاً ضمنياً على أن عقد البيع لن يتم إلا بعد تجربة المبيع، فإن ثبت للمشتري أن المبيع مناسباً أبدى رغبته في إتمام البيع أو سكت حتى انقضاء مدة الاختبار المتفق عليها، أما إن عدل المشتري عن رغبته في إتمام العقد وجب عليه إعلام البائع بعدولة عن إتمام العقد خلال المدة المتفق عليها[1].

 ولما كان الأصل أن القاعدة القانونية يقصد من وضعها تقنين وضع قائم ومجابهة مشكلات قد تنتج عن التعامل اليومي بين الأفراد، فكان لزاما على المشرع أن يضع نصوص قانونية تحكم العلاقة بين البائع والمشتري في عقد البيع بشرط الاختبار، وهذا ما انتهجه المشرع الأردني في التقنين المدني حيث أفرد عدة نصوص قانونية تنظم وتحكم العلاقة بين البائع والمشتري في عقد البيع بشرط الاختبار وما يترتب عليه من آثار والتزامات على عاتق طرفي العقد، حيث نص المشرع في القانون المدني الأردني في (المادة 470/1) على أنه (يجوز البيع بشرط التجربة مع الاتفاق على مدة معلومة فإن سكت المتبايعان عن تحديدها في العقد حملت على المدة المعتادة).

أ- المدة في عقد البيع بشرط التجربة

الأصل أن البائع والمشتري يتفقا مسبقاً على تحديد مدة للتجربة، بحيث إذا انقضت تلك المدة ولم يكن المشتري قد أبدى رغبته في استكمال إجراءات البيع من عدمه، عندئذ يصبح البيع ملزماً له ووجب عليه تسليم الثمن إلى البائع، ولا شك أن تحديد المدة التي يتم فيها تجربة المبيع هو أمر يقلل من إمكانية إثارة أي نزاع بين طرفي العقد.

ويثور تساؤل عن ماهية الحكم في حالة أن يسكت الطرفين عن تحديد مدة التجربة أو الاتفاق عليها؟، وتتمثل إجابة هذا التساؤل في أنه عندئذ يتم تحديد المدة بالمدة المعتادة، أي المدة اللازمة في العادة لتجربة ما يماثل الشيء المبيع، بحيث إذا زادت مدة التجربة عن المدة المعتادة كان من اللازم على المشتري استكمال عقد البيع وتسليم الثمن إلى البائع، وذا كانت أقل فهو بالخيار من إتمام العقد أو التراجع عنه.

–  وإذا نشأ نزاع بين طرفي العقد بشأن تحديد المدة المعقولة فإن المحكمة هي التي تحددها بسلطتها التقديرية، وبجانب استعانتها بأهل الخبرة في ذلك، ولا يكون حكمها بتحديد المدة في معرض رقابة محكمة التمييز باعتبارها مسألة موضوعية بحته لا تدخل تحت رقابتها[2].

والمعيار في تحديد المدة المعتادة هو العرف الذي يختلف على حسب اختلاف الشيء المبيع، حيث تختلف المدة المعتادة في تجربة الملابس قبل شرائها عن تجربة السيارة، فالملابس لا يجوز للمشتري أن يقوم بتجربتها بالخروج بها خارج المحل، أو أن يطلب تجربتها لمدة يوم مثلا أو ما إلى ذلك، لأن ذلك يختلف مع طبيعة الملابس التي يؤدي تجربتها بهذا الشكل إلى فقدانها قيمتها ويكون استعمالها زيادة عن حاجة التجربة، وبالتالي فإن فعل المشتري ذلك يكون قد لزمه البيع لأن مجرد مرور الوقت المعتاد دون إبلاغ المشتري للبائع بعدم رغبته في إتمام البيع قرينة ودلاله على صدور القبول من المشتري، والقاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار وفي تأخير المشتري الرد على البائع وإعلان رغبته ضرراً على البائع قد يؤدي لفوات مصلحة معتبرة عنه، لذا حسنا فعل المشرع عندما قرر جزاء على المشتري في حالة تأخره في التجربة عن المدة المتفق عليها أو المعتادة صيانة للأموال وحفاظا على الحقوق وضماناً للجدية في إبرام العقود.

ب- شروط المبيع محل عقد البيع بشرط الاختبار

يشترط في المبيع في عقد البيع بشرط الاختبار أن تكون طبيعته غير متعارضة مع إمكانية تجربته، ذلك لأن المبيع إن لم يكن صالحاً للتجربة بطبيعته وكانت تجربته تؤدي إلى ذهاب منفعته أو هلاكه أو فقدان قيمته، فلا يصلح في هذه الحالة أن يكون محلاً لعقد البيع بشرط الاختبار، وكمثال على ذلك الأدوية ومستحضرات التجميل والأكلات السريعة وكل ما لا يصلح استخدامه الا لمرة واحدة فقط.

ثانياً: التزامات طرفي العقد في البيع بشرط التجربة

1- التزامات البائع

 يلتزم البائع بتمكين المشتري من المبيع لتجربته لكي يتحقق الغرض الأساسي من عقد البيع بشرط التجربة والاختبار، حيث يعاين المشتري الشيء المبيع ويجربه حتى يتمكن من اتخاذ قراره سواء بالسير في إجراءات إتمام البيع أو التراجع عنه.

 ومما لا شك فيه أن هذا الشرط بديهي ومنطقي وتقتضيه ظروف البيع بشرط التجربة، فالمشتري الذي يذهب إلى محل الملابس لشراء ملابس جديدة لا يمكن بأي حال أن يمتنع البائع عن تسليمه المبيع لتجربته واختباره وليتأكد من مناسبته له وملائمته من حيث الطول والقياس، ذلك أن شرط الاختبار هو شرط واقف في البيع بالاختبار، والاختبار لا يمكن إتمامه إلا بتسليم المبيع للمشتري.

2- التزامات المشتري

يلتزم المشتري بأن تكون تجربته للشيء المبيع بالطريقة المعتادة لتجربة مثله، أي أن تكون تجربته للمبيع متوافقة مع طبيعة المبيع وفيما يستخدم له دون زيادة في الاستعمال خلال المدة المتفق عليها للتجربة؛ ويترتب على ثبوت زيادة المشتري في استعمال الشيء المبيع أثناء التجربة زيادة لا يقصد منها مجرد التجربة أن يلزمه البيع والتزامه بأداء الثمن للبائع إن لم يكن قد أداه، ذلك لأن المشتري في استعماله للشيء المبيع زيادة عن حاجة التجربة إقراراً ضمنياً منه بقبول الإيجاب الصادر من البائع، فينعقد عندئذ العقد ويلزمه أداء الثمن.

إلى جانب أن استعمال المشتري للمبيع استعمالاً زائداً عن حاجة التجربة قد تجعله يحقق المصلحة والغرض منه دون أن يشتري المبيع، فيكون قد حصل على منفعة من ملك الغير بدون عوض عن طريق إيهام البائع برغبته في الشراء، مثل أن يقوم المشتري بأخذ الآلة المراد بيعها بقصد تجربتها إلا أنه يزيد في الاستعمال عن ذلك بقضاء مصلحته الشخصية بها ثم يقوم بإبلاغ البائع بعدم رغبته في إتمام العقد.

ولما كان في ذلك شكل من أشكال التحايل، فقد تصدت القاعدة القانونية لذلك بأن جعلت استعمال المشتري للمبيع استعمالاً زائداً عن حاجة التجربة سببا في إتمام العقد، حتى لو تراجع المشتري عنه فللقضاء أن يلزمه بإتمام العقد وتسليم الثمن للبائع.

ويقع عبء إثبات استعمال المشتري للمبيع زيادة عن حد التجربة على عاتق البائع، إعمالا للقاعدة القانونية التي مفادها أن على المدعي إثبات دعواه، ويجوز إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات بما فيهم البينة والقرينة وشهادة الشهود، ذلك لأن الاستعمال زيادة عن الحاجة واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة طرق الإثبات.

كما يلتزم المشتري وفي خلال المدة المتفق عليها أن يعلم البائع في رغبته بعدم إتمام العقد، فإن سكت المشتري عن ذلك حتى انقضاء المدة المتفق عليها يلتزم بأداء الثمن.

فإذا تخاذل البائع عن تمكين المشتري من استعمال المبيع لتجربته والتأكد من صلاحيته، فيكون من حق المشتري أن يطلب من المحكمة إلزام البائع بتمكينه من المبيع لتجربته مادام إجراء التجربة ممكنا حتى ذلك الوقت[3]، كما أن للبائع الحق في أن يلجأ للقضاء لتنفيذ العقد، باعتبار أن المشتري هو السبب في عدم إجراء التجربة وأن البائع أدى ما عليه من التزامات[4].

ثالثاً: طبيعة الشرط في البيع بشرط الاختبار هل هو شرط واقف أم شرط فاسخ؟

الأصل أن الشرط في البيع بشرط الاختبار هو شرط واقف، حيث يتوقف فيه إتمام البيع على إبداء المشتري رغبته في إتمامه، ويترتب على ذلك ان المبيع يدخل في ملكية المشتري منذ تحقق الشرط الواقف وليس بأثر رجعي، وبالتالي إذا هلك المبيع بسبب أجنبي قبل تحقق الشرط الواقف، تكون تبعة الهلاك على البائع لأن مجرد التسليم لا ينقل تبعة الهلاك إلى المشترى إلا في البيع المنجز.

وقد يكون الشرط في البيع بشرط الاختبار هو شرط فاسخ متى كان الشرط هو إعلان المشتري عدم رغبته في إتمام العقد، وهذا الشرط يكون باتفاق طرفي العقد غالبا، ويكون المشتري في هذه الحالة مالكا للمبيع منذ بداية الاتفاق على البيع بشرط التجربة أي بأثر رجعى، وتكون التجربة هي الشرط الفاسخ متى أبدى المشتري رفضه لإتمام البيع خلال مدة التجربة وقبل انتهائها، فإذا هلك المبيع بسبب أجنبي كانت تبعة الهلاك على المشتري باعتبار أن المشتري مالكاً له منذ البداية[5].

رابعاً: أركان عقد البيع بشرط الاختبار

لا تختلف أركان البيع بشرط الاختبار عن غيره من عقود البيع وتتمثل في ركن الرضا والمحل والسبب وذلك وفقاً للتالي.

1- التراضي

يشترط في عقد البيع بصفة عامة وفي عقد البيع بشرط الاختبار بصفة خاصة أن يكون البيع صادراً عن رضا من الطرفين، والرضا المقصود هنا هو الرضا القانوني والمتمثل في اتحاد إرادة المتعاقدين على إحداث أثر قانوني، وهو صدور إيجاب من أحد طرفي التعاقد يقابله قبول من الطرف الآخر بقصد إحداث النتيجة القانونية، وفي عقد البيع بشرط التجربة يصدر الإيجاب من البائع، ويتوقف على قبول المشتري للمبيع وإبداء رغبته بإتمام عقد البيع أو سكوته حتى انقضاء المدة المتفق عليها للاختبار، ويجب أن يكون الرضا خالياً من العيوب التي قد تؤدي إلى بطلانه، وبطلان ما ترتب عليه من أثر قانوني .

2- المحل

والمقصود بالمحل في عقد البيع بشرط التجربة ما يجب على كل من طرفي التعاقد القيام بأدائه، فمحل التزام البائع يتمثل في تسليم المبيع إلى المشتري، بينما يكون محل التزام المشتري هو تسليمه الثمن إلى البائع، ويشترط في المحل أن يكون موجوداً، فلا يتصور في البيع بشرط الاختبار تحديداً أن يكون محل البيع غير موجود وقت الاتفاق، ويجب أن يكون المحل مشروعاً ويجوز التعامل به فلا يجوز أن يكون محل عقد البيع بشرط التجربة المخدرات مثلا لأن محل العقد في هذه الحالة لا يجوز التعامل به.

3- السبب

المقصود بالسبب هو الغرض والباعث من إبرام التصرف القانوني، وقد اشترط المشرع الأردني أن يكون السبب في العقد مشروعاً وقانونياً حتى لا يعرض العقد للبطلان، حيث نص القانون المدني الأردني في (المادة 166/1) منه على أنه (لا يصح العقد إذا لم تكن فيه منفعة مشروعه لعاقديه).

* ويترتب على تخلف أحد أركان عقد البيع بشرط الاختبار بطلان العقد بطلاناً مطلقاً، ولا تصححه الإجازة، لأن البطلان المطلق للعقد يجعل العقد هو والعدم سواء لتخلف أحد أركانه، خلافا للبطلان النسبي الذي قد تصححه إجازة من تقرر البطلان لصالحه[6].

خامساً: أثر هلاك المبيع في البيع بشرط التجربة

يقصد بهلاك المبيع فقدانه صلاحيته للاستخدام فيما أعد له، سواء كان ذلك الفقدان جزئياً أو كلياً، فإذا هلك المبيع في البيع بشرط التجربة وهو مازال تحت يد البائع وقبل تسليمه للمشتري لتجربته؛ فمن البديهي أن يكون أثر الهلاك على البائع لكون المبيع مازال في حيازته وتحت يده، وأن مجرد الاتفاق على البيع بشرط التجربة لا ينقل ملكية المبيع لأنه ليس بيعا منجزا.

أما إذا هلك المبيع بعد تسليمه من البائع إلى المشتري بغرض تجربته تمهيداً لانعقاد عقد البيع بالتجربة، وكان هلاكه لسبب يرجع للمشتري كإساءة استعماله للمبيع أو الاستعمال الزائد عن حد التجربة، وجب عندئذ على المشتري تسليم الثمن إلى البائع واستلام المبيع على حالته بعد الهلاك، ولا يجوز له التعلل بعدم تمام العقد للإفلات من التزامه مادام كان الهلاك أثراً لفعله ومترتباً عليه، ويقدر ثمن المبيع على الحال التي كان عليها قبل هلاكه أو زوال منفعته، ولا شك في أن ذلك ضماناً للبائع من سوء استعمال المشتري للشيء المبيع واستعماله بشكل ينتج عنه حتماً هلاك المبيع، وهو أيضاً تحذيراً للمشتري في عقد البيع بشرط الاختبار أو التجربة بعدم الإسراف في تجربة الشيء المبيع بشكل قد يؤدي إلى هلاكه، وإعلاماً له بما يترتب على ذلك من آثار وأهمها التزامه بأداء الثمن وضمانه لهلاك المبيع.

ويثور تساؤل عما إذا كان هلاك المبيع تحت يد المشتري لسبب يرجع إلى المبيع ذاته، كما لو كان المبيع به عيب أدى إلى هلاكه، وذلك دون أدنى تدخل من المشتري، فعلى من تقع تبعة الهلاك في تلك الحالة؟

لم يتناول القانون المدني الأردني تلك الحالة وهو في مجال عرضه لأحكام البيع بشرط الاختبار، ولذلك يجب الرجوع في هذا الأمر إلى القواعد العامة في القانون، والتي تضمنت أنه متى ادعى المشتري أن هلاك المبيع لا يد له فيه، وأن هلاكه يرجع إلى عيب في الشيء المبيع لم يبينه المشتري في مواصفاته، وكان العيب خفياً بالقدر الذي لا يكتشفه الشخص العادي، فإن البائع يكون سيء النية لكونه أخفى هذا العيب عن المشتري، ومتى استطاع المشتري إثبات ذلك، فله أن ينقل تبعة هلاك المبيع إلى البائع لسوء نيته، وتبرأ ذمة المشتري من أداء ثمن المبيع[7].

وقد نصت (المادة 472) من التقنين المدني الأردني على أنه (إذا هلك المبيع في يد المشتري بعد تسلمه لزمه أداء الثمن للبائع إذا هلك قبل التسلم بسبب لا يد للمشتري فيه يكون مضموناً للبائع).

سادساً: أثر فقدان المشتري للأهلية أو وفاته قبل تمام البيع بشرط الاختبار والتجربة

1- فقدان المشتري الأهلية

يقصد بالأهلية الصلاحية لدى الشخص لاكتساب الحقوق والالتزام بالواجبات، ومتى فقد المشتري في عقد البيع بشرط الاختبار أهليته، وذلك بأن لحق به عارض من عوارضها كالجنون، أو العته، أو عارض أنقص من أهليته، كالسفه، والغفلة، وهي أمور تطرأ على الإنسان فتصيب تمييزه بعوار لذلك فقد قررت الشريعة الإسلامية وكذلك القوانين الوضعية وضعه تحت الحماية القانونية حفاظاً عليه من تصرفاته التي قد تكون ضارة له ضرراً محضاً، وأوجبت وضعه تحت الوصاية، أو الولاية لأحد أهليته المتمتعون بالأهلية الكاملة.

ولما كان البيع بشرط الاختبار يشترط فيه كباقي عقود التصرف الرضا والذي لا يصدر إلا ممن يتمتع بالأهلية الكاملة، لذلك عنى المشرع الأردني في القانون المدني الأردني بحالة زوال أهلية المشتري في عقد البيع بشرط الاختبار باعتبار أنه وارد أن يحدث بكثرة، خاصة أن المدة التي قد يتم الاتفاق عليها بين طرفي العقد تكون طويلة، وقد يتحقق خلالها أي عارض من عوارض الأهلية.

وترتيباً على ذلك إذا فقد المشتري أهليته قبل تمام البيع، فالأمر يرجع عندئذ لمن عينته المحكمة ولياً عليه أو وصياً في تحديد مصلحته، بحيث إذا رأى الولي أو الوصي أن تمام البيع قد يكون فيه ضرر للمشتري الذي فقد أهليته، كان له الحق في إعلان البائع برغبته في عدم إتمام البيع، أما إذا رأى الولي أو الوصي على المشتري الذي فقد الأهلية أن في إتمام البيع مصلحة معتبرة لفاقد الأهلية، فله الحق بإتمام البيع.

كما تسري على الولي أو الوصي على المشتري ذات أحكام المشتري الأصلي، وذلك من حيث فوات ميعاد التجربة المتفق عليها أو الميعاد المعتاد، حيث إن الوصي أو الولي يحل محل المشتري الأصلي الذي فقد أهليته، ويلتزم بذات التزاماته ويقبض لصالحه ما ينفعه.

2- فقدان البائع الأهلية قبل إتمام البيع

لم يتطرق المشرع الأردني في القانون المدني أيضاً إلى تلك الحالة، وذلك لأن البيع بشرط التجربة يصدر فيه القبول من البائع بتسليمه المبيع إلى المشتري، وتحديد ثمنه، ويقف إتمام البيع على تجربة المشتري للمبيع، فإن أراد إتمام البيع عبر بالقبول لذلك بتسليم الثمن، ولا يجوز للبائع أن يتراجع عن البيع، حيث أن البيع معلق على شرط واقف يتمثل في موافقة المشتري على إتمام البيع وليس موافقة البائع، وفي ذلك نصت (المادة 474) من القانون المدني الأردني على أنه (إذا فقد المشتري أهليته قبل أن يجيز البيع وجب على الولي أو الوصي أو القيم اختيار ما هو في صالحه).

3- وفاة المشتري قبل تمام عقد البيع بشرط التجربة

وهنا إذا توفي المشتري ولم يصدر منه القبول في البيع بشرط الاختبار أو التجربة، ولم تكن المدة المتفق عليها للاختبار قد مرت أو لم تمر المدة المقررة عرفاً للتجربة في حالة سكوت الطرفين عن تحديد مدة، في هذه الحالة يجب التفرقة بين أمرين:

الأمر الأول: إذا كان المشتري له دائن وقد أحاط دينه بكل تركة المشتري الذي توفى، ويعني ذلك أن المشتري ذمته المالية مشغولة بدين لشخص آخر وهو الدائن، وأن هذا الدين بعد جرد تركة المشتري المتوفي يزيد أو يساوي تركته بأكملها بما في ذلك ثمن المبيع، وفي هذه الحالة ينتقل شرط الاختبار إلى الدائن ويحل الدائن محل المشتري بحيث يكون له الحق في اختبار المبيع، وله الحق في إتمام البيع أثناء مدة الاختبار أو التراجع عنه قبل انتهاء المدة المحددة للاختبار إن كانت المدة معينة أو المدة المعتادة في تجربة مثله إذا كانت المدة غير محددة.

هذا إذا لم تكن المدة المتفق عليها بين المتوفي والبائع قد انقضت قبل وفاته أو انقضت المدة المعتادة في التجربة، فإن كانت المدة قد انقضت أصبح المبيع جزء من تركة المتوفي، وللبائع أن يطالب بإتمام العقد، كذلك لو أن استعمال المبيع من قبل المشتري كان زيادة عن حاجة التجربة ثم توفى ولو لم يتم العقد، فللبائع أيضاً في هذه الحالة أن يطالب بإتمام العقد وقبض الثمن إن لم يكن قبضه.

الأمر الثاني: إذا لم يكن على المشتري الذي توفى ديناً يستغرق كل تركته، فهنا تنتقل التركة إلى ورثته، ويكون لهم الحق في إتمام عقد البيع بشرط الاختبار، ولكن يشترط لتمام البيع بشرط الاختبار أن يكون ذلك باتفاق جميع الورثة، أما إذا وافق بعض الورثة والبعض الآخر تراجع فإن مآل هذا البيع إلى الرد وعدم تمامه، ما لم تكن المدة المتفق عليها أو المعتادة قد مرت وطالما كان المبيع على حالته عندما استلمه المشتري المتوفي ولم يتعرض إلى الهلاك أو الاستعمال الزائد عن حد التجربة، فإن كان تعرض لذلك وجب إتمام البيع ولا يتوقف على قبول جميع الورثة أو رفضهم ، وذلك وفقاً لنص (المادة 475) من التقنين المدني الأردني والتي تنص على أنه (إذا مات المشتري قبل اختياره وكان له دائن أحاط دينه بماله انتقل حق التجربة له وإلا انتقل هذا الحق للورثة فإن اتفقوا على إجازة البيع أو رده لزم ما اتفقوا عليه وإن أجاز البعض ورد البعض لزم الرد).

سادساً: فسخ عقد البيع بشرط التجربة والاختبار

لا يكون الفسخ إلا في العقود الملزمة للجانبين، ولما كان عقد البيع بشرط الاختبار من العقود الملزمة للجانبين، فيكون من حق أي طرف من طرفي العقد الذي أضير من عدم تنفيذ الطرف الآخر لالتزامه أن يطالب بفسخ العقد، فالبائع الذي يمتنع عن تسليم المبيع للمشتري بقصد تجربته يجعل من حق المشتري المطالبة بفسخ عقد البيع، وكذلك المشتري الذي يمتنع عن أداء الثمن بعد مرور وقت التجربة يجعل من حق البائع المطالبة بفسخ العقد إذا كان ذلك في مصلحته، ويجب أن يكون طالب الفسخ قادرا على تنفيذ التزامه، فليس من المنطقي أن يكون طالب الفسخ غير قادر على تنفيذ التزامه، والفسخ القضائي يقع تحت السلطة التقديرية للقاضي فيبحث القاضي مدى توافر مبررات الفسخ من عدمه[8].

سابعاً: الخاتمة

ختاماً يظهر لنا جلياً أن القانون المدني الأردني قد عني بالبيع بشرط الاختبار أو التجربة، حيث أفرد لأحكامه جزء لا بأس به من نصوصه، ويرجع ذلك إلى أنه أحد البيوع الشائعة والتي لا يخلوا التعامل بها من إثارة بعض المشكلات، والتي تحتاج لحلها إلى أحكام واضحة وملمة بالموضوع، فحسنا فعل المشرع الأردني في إفراده لأحكامها عدة نصوص قانونية واضحة في دلالتها وقاطعة في أحكامها، ليتمكن المتعاملين في هذا النوع من البيوع من تحديد ما لهم من حقوق وما يجب عليهم من التزامات.

كتابة: محمد إسماعيل حنفي

– [1] أنور طلبه – المطول في شرح القانون المدني – دار الناشر – مصر – المجلد (6) – 2019 – ص ٤٥٧.

[2] – حسن علي الذنون – شرح القانون المدني: أصول الالتزام – مطبعة المعارف – بغداد – 1970 – ص ٧٦، ص٧٧.

[3] – الياس ناصيف – موسوعة العقود المدنية والتجارية: عقد البيع – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – ج9 – مجلد (2) – ص 160.

[4] – زهدي يكن – شرح قانون الموجبات والعقود – دار الثقافة – لبنان – ج7 – مجلد (1) – 1995.

[5] – أنور طلبة – المرجع السابق – ص 458.

[6] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني: نظرية الالتزام بوجه عام – دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ص 527 وما بعدها.

7- أنور طلبة – نفاذ وانحلال عقود البيع – دار الكتب القانونية – مصر – 2003 – ص 68 وما بعدها.

8- عبد الرزاق السنهوري – المرجع السابق – ص955.

Scroll to Top