الاستيلاء كسبب للملكية بين القانون والشريعة الإسلامية
لا شك أن الملكية الخاصة – كانت ولا تزال – محل اهتمام شُراح القانون وفقهاه ، ويرجع ذلك لأهميتها الكبرى في حياة الشعوب ، فهي أساس البنيان الاقتصادي منذ القدم ، لذا من يُطالع القانون المقارن يجد جُل التشريعات والأنظمة المختلفة قد جعلت لها حظاً وفيراً ، فَقُنِنَت القوانين وسُنت التشريعات التي اهتمت بأحكامها وتنظيمها ،وبينت أسباب كسبها وسلطاتها ووسائل حمايتها والقيود التي ترِد عليها فبوبت لها أبواباً وفصلت لأحكامها فصولاً وفرعت لها فروعاً ، ومن قبل ذلك كله كان فقهاء الشريعة الإسلامية في المذاهب المختلفة قد عكفوا على أحكامها تأصيلاً وتحليلاً ، ولا سيما أن للملكية الفردية في الفقه الإسلامي احترامها متى كانت أسباب كسبها مشروعة .
وحيث أن مقالنا سنعرض فيه للاستيلاء كسبب لكسب الملكية في القانون، فكان لزاماً علينا أن نعرض باقي أسباب كسبها في إجمالٍ نسلس منه إلى عنوان موضوعنا، حتى يتسنى للقارئ أن يقف على أصل المسألة ولترتبط الموضوعات تبسيطاً وتوضيحاً .
فقد جاء القانون المدني الأردني منظماً للملكية بدءاً من المادة 1018 إلى المادة 1320 بمجوعة 302 مادة شملهم الباب الأول والثاني من الكتاب الثالث ، ووضح أن أسباب كسب الملكية الاستيلاء، والميراث والوصية ،والالتصاق، والعقد، والشفعة، والحيازة والضمان ، وقد جاءت هذه الأسباب على سبيل الحصر لا المثال لذا سنحط رحالنا حول السبب الأول لكسب الملكية ( الاستيلاء ) .
توطئة: الاستيلاء كسبب للملكية
يُعد الاستيلاء من أسباب كسب ملكية الأشياء المباحة في القانون المدني ، وقد نصت على ذلك (المواد من 1076وحتى 1083 ) المدني الأردني ، والكلام عن الاستيلاء سيكون من خلال عدة نقاط تتمثل في الآتي :-
أولاً : تعريف الاستيلاء وبيان عناصره :
رابعاً : النصوص التشريعية المتعلقة بالاستيلاء :
وذلك كله وفقاً لأحكام القانون المدني والفقه الإسلامي مع مقارنة لطيفة بتشريعات أخرى.
أولاً : تعريف الاستيلاء وبيان عناصره :
المستقر عليه فقهاً وقانوناً أن الاستيلاء وسيلة من وسائل كسب الملكية للأشياء المباحة ،ومن ثم سنقف على ماهيته في القانون والفقه .
1_ حقيقة الاستيلاء قانوناً:
تكون بوضع اليد على الشيء المباح والسيطرة عليه بنية التملك .
فيبدو من خلال تعريفه أن الاستيلاء كسبب للملكية هو واقعة مادية ، تتمثل في وضع اليد والسيطرة على الشيء والظهور عليه بمظهر المالك ، ويمكننا اعتبار واقعة الاستيلاء العنصر المادي ،ونية التملك عنصراً معنوياً.
وبالمثال يتضح الحال، فإذا اقتنص شخصٌ ما صقراً يطير في الهواء وأمسك به وأحكم سيطرته ورغب في تملكه أصبح الصقر مملوكاً له ؛ وسبب التملك واقعة الاستيلاء التي تمت بعنصريها المادي والمعنوي ، ورتب هذا الملك أثاره القانونية .
2_حقيقة الاستيلاء في الفقه الإسلامي:
لم تخل كُتب المذاهب الفقهية من الوقوف على الاستيلاء وبيان مفهومه ، ففي اللغة: هو السبق إلى وضع اليد على مال لا مالك له – والاستيلاء على المباح طريق من طرق التملك-
(معجم لغة الفقهاء ص67)
وبذا فالاستيلاء فيه معنى الإحراز والقبض والحيازة لأن الشيء إذا صار في يده فقد قبضه وأحرزه – كما هو في عرف أهل اللغة-.
أما الفقهاء: فإنهم يستعملون الاستيلاء في حيازة المال المباح ويعدونه من أسباب كسب الملك.” “موسوعة الفقه المصرية” (صـ 63).
والمباح هو: المال الذي لم يدخل في ملك شخص معين، ولم يوجد مانع شرعي من تملكه كالماء في منبعه، والكلأ والحطب والشجر في البراري، وصيد البر والبحر. ” الفقه الإسلامي وأدلته” (4/2905).
– وخلاصة القول: أن الاستيلاء في الفقه الإسلامي بمعنى السيطرة على الأشياء المباحة بنية تملكها ، والشيء يكون مباحاً إذا خلا من مالك له ، ومن ثم فانه يتطلب أيضاً عنصري التملك ووضع اليد كالاستيلاء في القانون المعاصر ، وإن كان يُحسب للفقه سبق العرض والتصنيف.
ثانياً : طبيعته وما يميزه
يتشابه الاستيلاء مع الحيازة في طبيعته القانونية، ولذا فلا يمكن اعتبار الاستيلاء ذات طابع الحق الشخصي أو الحق العيني ، فهولي حق أصلاً وإنما هو واقعة مادية تتمثل في الظهور والسيطرة تخللها عنصراً معنوياً متمثلاً في نية التملك، فرتب ذلك أثاراً قانونية .
ويختلف الاستيلاء عن الحيازة من حيث نطاقه فالاستيلاء أضيق نطاقاً ، فالحيازة ترد على العقار والمنقول بينما الاستيلاء سبب لملكية المنقول دون العقار ، كما أن الاستيلاء يرتب أثاره القانونية مباشرة دون اشتراط مرور مدة زمنية معينة على عكس الحيازة التي لها شروط أخرى .
ولا يفوتنا – في هذا المقام – بيان أن إثبات الاستيلاء كواقعة مادية يخضع للقواعد العامة في الإثبات ، فيثبت بكافة طرق الإثبات ، فيجوز إثباته بالبينة والقرائن وشهادة الشهود ، ولا يُشترط الإثبات بالكتابة لأنها ليست تصرف قانونيا .
ولما كان الاستيلاء كواقعة مادية ترتب أثاراً قانونية فانه يتميز عن غيره من وسائل كسب الملكية بأمرين:
1 – أنه يعد سبب نشأة الملكية وذلك لأنه لا ينقلها بل يُنشئها بخلاف العقد، فانه ينقل الملكية من شخص لآخر لا ينشئها ؛وعلة ذلك أن الاستيلاء يرد على الأشياء المباحة سواء كانت مباحة بطبيعتها أصالة أو لتخلى صاحبها عنها.
2 – لا يستلزم كسب الملكية بالاستيلاء توافر سن الرشد فيكفى سن التمييز أن الفعل في ذاته نفع محض ونية التملك تكفى فيها أهلية التمييز لا التصرف وعليه يُتصور التملك بالاستيلاء من الصبى المميز.
– وجاء في الفقه الإسلامي ما نصه ” ويتميز هذا النوع بما يأتي”: –
أـ أنه سبب منشئ للملكية على شيء لم يكن مملوكاً لأحد. أما بقية أسباب الملكية الأخرى (العقد، الميراث ونحوهما) فإن الملكية الحادثة مسبوقة بملكية أخرى.
ب ـ أنه سبب فعلي لا قولي: يتحقق بالفعل أو وضع اليد، فيصح من كل شخص ولو كان ناقص الأهلية كالصبي والمجنون والمحجور عليه. أما العقد فقد لا يصح من هؤلاء أو يكون موقوفاً على إرادة أخرى، وهو سبب قولي. ( الفقه الإسلامي وأدلته 4/2905 )
ثالثاً : محل الاستيلاء وشروطه
من يطالع التشريعات المقارنة وبالأخص منها العربية كالتشريع المصري والأردني والسوري سيجد – للوهلة الأولى – أنها ما يزت في أحكام الاستيلاء بين العقار والمنقول ، وجعلت الاستيلاء سبب لكسب ملكية الأخير دون الأول .
فالمنقول وهو ما يمكن نقله من مكانه دون تلف ، كالماء والهواء ،والطير والحيوانات، والمعادن والكنز، ونحوها من المنقولات أجاز القانون تملكها بالتقادم ،بينما العقار وهو ما لا يمكن نقله من مكانه دون تلف كالأراضي الصحراوية والزراعية والمباني عليها ونحوها، لا يمكن أن تُكتسب ملكيتها بالاستيلاء في أغلب التشريعات المدنية المعاصرة .
ومما يُجدر الإشارة إليه أن المنقولات التي يمكن كسبها بالاستيلاء يمكن حصرها في صنفين باعتبارها أشياء مباحة .
× منقولات مباحة بطبيعتها.
× منقولات مباحة أصبحت من غير مالك.
1 – المنقولات المباحة بطبيعتها:
ونقصد بها المنقولات التي لم يكن لها مالك أصلاً ، فلم تكن في ذمة أو ملك أحد في يوم ما ، ومن ذلك الطير على اختلاف أنواعه في الهواء ، والسمك في الماء ، والحيوانات غير الأليفة كالغزلان والنحل والذئاب والثعالب ،والماء والهواء والشمس ،وكل الأشياء المباحة التي لا يملكها أحد ، ولا يمكن أن يدعى الاستئصال بها اذا أمكنه حصر شيئاً منها ، فهذه الأشياء إذا استولى عليها أحد فأمكنه تحلية قدراً من ماء البحر أو جمع شيئاً من ماء الأمطار في وعاء فهنا أصبح مالكاً لها بالاستيلاء ، ويرتب ذلك أثاراً قانونية ، تتمثل في الحقوق والواجبات التي تترتب على حق الملكية وما يخوله لصاحبه من سلطات الاستعمال والاستغلال والتصرف في الشيء المملوك له ، وكذا يلقى واجباً عاماً على الجميع احترامه ، ويحظر عليهم التعرض له تعرضاً ينقص حقه .
2 – المنقولات التي أصبحت بغير مالك (الأشياء المتروكة):
أما هذا النوع من المنقولات فهو كان مملوكاً لكن صاحبه تخلى عن ملكيته له وتركه فأصبح من مصاف الأشياء المباحة التي لا مالك لها ويجوز الاستيلاء عليه وكسب ملكيته ، وذلك كأن يتخلى شخص عن حقيبته أو معطفه فيجده شخص آخر فيأخذه فيصبح ملك الأخير لطالما كان ترك الأول تخلياً .
ومما يُجدر ذكره أن التخلي مسألة تُفهم من خلال الظروف والملابسات وتدل عليها القرائن والأحوال ، فاذا ما وجدها شخص آخر بعد أن تخلى عنها مالكها صارت مباحاً يجوز كسبها بالاستيلاء .
ويبدو هنا الاختلاف بين الأشياء المتروكة والكنز؛ لأن الأخير لم يتخل عنه صاحبه، بل على العكس فإن الظروف والملابسات توحى بأنه بدفنه في باطن الأرض رغب في إخفائه والحفاظ عليه ، لكن لما لم يُعرف له صاحب نجد أن التشريعات المختلفة أفردت نصوصاً تنص صراحة على أحكام الكنز .
كذلك فإن الأشياء الضائعة تختلف عن المتروكة لأن الأولى لم يتخل عنها صاحبها ، لذا فلا يجوز اعتبارها من الأشياء المباحة ، ومن ثم فإذا وجد شخص شيئاً ضائعاً من صاحبه وجب عليه رده ، فان لم يفعل واستولى عليه فلا يصح القول بأنه كسب ملكيته بالاستيلاء ، لأن واقعة الاستيلاء لم تقع على شيء مباح وإنما على شيء ضائع غير مباح فيعتبر غصباً لا استيلاء ويلزمه رده ، وإن لم يكن يُعرف له صاحب وجب أيضاً تسليمه للجهات الإدارية وإلا اعتبر مرتكباً لجريمة .
شروط الاستيلاء على الأشياء المباحة :
نستخلص من العرض السابق أن الاستيلاء كسبب لكسب الملكية ينبغي أن تتوافر فيه عدة شروط تتمثل في الآتي :
1 – أن تقع السيطرة والاستيلاء بوضع اليد على الشيء المباح.
2 – أن تكون السيطرة بنية التملك.
3 – أن يكون الشيء محل الاستيلاء منقولاً مباحاً.
– أما الفقه الإسلامي فلم يميز بين المنقول والعقار ؛ ولعل ذلك يعود الى أن الفقه الإسلامي يشترط فقط أن يكون الشيء مباحاً سواء كان عقار أو منقول ، أما إن كان الشيء مملوك لآخر سواء كانت الملكية عامة أو خاصة فلا يعتبر السيطرة عليها استيلاء مشروع، وإنما غصباً يستوجب رده ، أما القوانين المعاصرة فلم يعد لديها الإمكان ترك الأمر كذلك؛ وذلك لأن الدولة باتت تملك حتى الأراضي الأموات فلا يجوز تملكها إلا بإذن من السلطة المختصة وفقاً للقوانين المنظمة لذلك.
ويشترط للتملك بهذا الطريق أي إحراز المباح شرطان:
أولهما ـ ألا يسبق إلى إحرازه شخص آخر، لأن «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له» كما قال النبي عليه السلام.
ثانيهما ـ قصد التملك: فلو دخل الشيء في ملك إنسان دون قصد منه لا يتملكه، كما إذا وقع في حِجْر إنسان، لا يتملكه، ومن نشر شبكته، فإن كان للاصطياد تملك ما يقع فيها، وإن كان للتجفيف لم يتملك ما يقع فيها؛ لأن «الأمور بمقاصدها».( الفقه الإسلامي وأدلته” (4/2905).)
رابعاً : النصوص التشريعية المتعلقة بالاستيلاء :
نختم مقالنا بذكر النصوص التشريعية التي بينت الاستيلاء وأحكامه كسبب للملكية .
1_ نصوص القانون المدني الأردني
1 – نصت (المادة 1076) مدني على أن: ” من احرز منقولاً مباحاً لا مالك له بنية تملكه ملكه”.
2- ونصت (المادة 1077) 1- مدني على أنه: ” يصبح المنقول بغير مالك إذا تخلى عنه مالكه بقصد التخلي عن ملكيته”. 2- وتعتبر الحيوانات غير الأليفة بغير مالك ما دامت طليقة، وما روض من الحيوانات وألف الرجوع إلى مكانه المخصص ثم فقد هذه العادة صار بغير مالك”.
3- أما (المادة 1078) 1- فقد نصت على أن: ” الكنوز والمعادن وغيرها التي يعثر عليها في أرض مملوكة لشخص معين تكون مملوكة له وعليه الخُمس للدولة”.
2- الكنوز والمعادن التي تكتشف في أرض مملوكة للدولة تكون مملوكة لها كلها.
3- أما إن كانت الأرض موقوفة وقفاً صحيحاً فإن ما يُكتشف يكون لجهة الوقف.
4- تنظم القوانين الخاصة الأمور المتعلقة بما ذكر.
4- بينما (المادة 1079) قد نصت على أن: ” الحق في صيد البر والبحر واللقطة والأشياء الأثرية تنظمه القوانين الخاصة.
5- وقد جاء في (المادة 1080) أن: 1- الأراضي الموات والتي لا مالك لها تكون ملكاً للدولة.
2- ولا يجوز تملك هذه الأراضي أو وضع اليد عليها بغير إذن الحكومة وفقاً للقوانين.
6- (والمادة 1081) جاء فيها ما ينص على أن: 1- “من أحيا أو عمَّر أرضاً من الأراضي الموات بإذن من السلطة المختصة كان مالكاً لها”.
2- وللسلطة المختصة أن تأذن بإحياء الأرض على أن ينتفع بها فقط دون تملكها”.
7- وفي (المادة 1082) ” إذا أحيا أحد جزءاً من أرض أُذن له بإحيائها وترك باقيها كان مالكاً لما أحياه دون الباقي إلا إذا كان الجزء المتروك وسط الأراضي التي أحياها”.
8- وقد ورد في (المادة 1083) 1- تحجير الأرض الموات لا يعتبر إحياء لها.
2- ومن قام بتحجير أرض لا يملكها إلا بانقضاء ثلاث سنوات على هذا التحجير، وقيامه بإحيائها وحصوله على إذن بالتملك من السلطة المختصة.
2_ نصوص القانون المدني المصري
أما القانون المصري فقد جاءت أحكام القانون المدني تنص بالمواد 870 وما بعدها على الآتي:
– (المادة 870) من وضع يده على منقول بنية تملكه ملكه.
– (والمادة 871) ونصت على أنه: 1- “يصبح المنقول لا مالك له إذا تخلى عنه مالكه بقصد النزول عن ملكيته”.
2- وتعتبر الحيوانات غير الأليفة لا مالك لها ما دامت طليقة وإذا اعتقل حيوان منها ثم اطلق عاد لا مالك له إذا لم يتبعه المالك فوراً، أو إذا كف عن تتبعه، وما رُوض من الحيوانات وألف الرجوع إلى المكان المخصص له ثم فقد هذه العادة يرجع لا مالك له.
-وفي (المادة 872)1- الكنز المدفون أو المخبوء الذي لا يستطيع أحد أن يثبت ملكيته له يكون لمالك العقار الذي وجد فيه الكنز، أو المالك رقبته.
2- والكنز الذي يعثر عليه في عين موقوفة يكون ملكاً خالصاً للواقف ولورثته.
-( والمادة 873) نصت على أن ” الحق في صيد البحر والبر والأشياء الأثرية تنظمه لوائح خاصة.
– (المادة 874) 1- الأراضي غير الممزوعة التي لا مالك لها تكون ملكاً للدولة.
2- ولا يجوز تملك هذه الأراضي أو وضع اليد عليها إلا بترخيص من الدولة وفقاً للوائح.
إعداد: محمد عبد الله الحفناوي
[1]– (استولى) عَلَيْهِ ظهر عَلَيْهِ وَتمكن مِنْهُ وَصَارَ فِي يَده وعَلى الْأَمر بلغ الْغَايَة وعَلى الْغَايَة سبق إِلَيْهَا. ” معجم الوسيط” (2/1057).
الاِسْتِيلَاءُ يَكُونُ حَقِيقِيًّا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُبَاحِ فِعْلاً، «الموسوعة الفقهية الكويتية» (4/ 162).

