حقوق التأليف الإلكترونية
تُعد حقوق التأليف الإلكترونية نتاج تمخض عن التطور التكنولوجي الهائل الذي طرأ على العالم في الحقبة الراهنة، فتلك الحقوق تتمثل في تجسيد إبداعات المؤلفين والمنتجين في صورة تقنيات تكنولوجية لا يتم قراءتها أو الاطلاع عليها إلا من خلال الأجهزة التكنولوجية. الأمر الذي أدى إلى سهولة نشر تلك المصنفات وعرضها على الجمهور بشكل أوسع وأسرع.
إلا أن كان لذلك الأمر العديد من السلبيات والتي تتمثل في سهولة انتهاك حقوق المؤلفين والمبدعين بسرقة لتلك المصنفات والاعتداء عليها من خلال إعادة نشرها وتعديلها ونسبتها إلى أخرين، مما دعا المشرعين – محليين كانوا أو دوليين – إلى إضفاء الحماية القانونية على تلك المصنفات واعتبارها أحد داخلة في نطاق حقوق الملكية الفكرية.
أولاً: مفهوم حق المؤلف وحقوق الملكية الفكرية:
ثانياً : حقوق الملكية الفكرية داخل البيئة الإلكترونية:
ثالثاً: صور الاعتداء على حق المؤلف داخل البيئة الإلكترونية:
رابعاً: حقوق التأليف الإلكترونية في القوانين والتشريعات العربية:
خامساً: أحكام اتفاقية تريبس المتعلقة بالمصنفات الإلكترونية:
سادساً: الإشكالات التي تواجه المؤلفين في حفظ حقوقهم داخل البيئة الإلكترونية:
أولاً: مفهوم حق المؤلف وحقوق الملكية الفكرية:
أثار تعريف حق المؤلف جدلاً واسعاً، حيث إنه لم يتم الإجماع على تعريف محدد له فقد واجه الفقهاء صعوبة بذلك وهذا يعود إلى طبيعة حق المؤلف التي يصعب تحديدها لكون هذا الحق لا يندرج ضمن التقييم التقليدي للأحوال والحقوق وكذلك كون حق المؤلف يحتوي على عنصرين أحدهما مادي والأخر أدبي.
ومما يزيد صعوبة الأمر هو اشتراك هذه الحقوق مع حق الملكية ببعض الخصائص واختلافها بأخرى مما يجعل هذا الحق ذو طبيعة مختلفة من الصعب تحديدها وتعريفها، وبدى جليا هذا الاختلاف بين الفقهاء والقضاء في تحديد هذا التعريف فتارة تم تعريفها باسم الملكية الأدبية أو الفنية، وحينا آخر باسم (الحقوق العينية أو الأدبية)، وآخر ما توصلوا له اسم (الحقوق الذهنية) وهو الاسم الذي لاقى شيوع ورواج في الفقه المعاصر كونه أقدر من غيره على بيان طبيعة هذه الحقوق[1].
ونود أن ننوه إلى أن تلك الحقوق – المادية والأدبية – ليست فقط علي المؤلفات المكتوبة، إنما تمتد لتشمل كافة أنواع المؤلفات بكافة أشكالها، سواء كانت محتوي مكتوب أو مسموع أو مرئي، وخاصة على الشبكة العنكبوتية، فنجد أن أغلب السرقات تقع على المحتوى المرئي والمسموع، لذلك تتجه المواقع الرئيسية والكبيرة إلى تنظيم قوانين ولوائح داخلية لها بشكل يتناغم مع القانون للحد من السرقات الأدبية ولحماية لحقوق المؤلف ومنشئي المحتوى، مثل موقع (يوتيوب) والذي يعتبر أشهر منصة عرض فيديوهات حول العالم، وغيره من المواقع الشهيرة.
ثانياً: حقوق الملكية الفكرية داخل البيئة الإلكترونية:
إن الانتشار السهل والسريع للإنترنت ساهم بشكل كبير في قرصنة الكتب والمؤلفات بشكل عام، لا سيما عبر المواقع غير الرسمية، وتعد الحقوق الإلكترونية وسيلة للحفاظ على حقوق المؤلف، ولكن بطرق رقمية خاصة، تمنع من يريد سرقة نتاج غير المنشور على الإنترنت.
وبعد أن تعرفنا على حقوق المؤلف بوجه عام في العنصر السابق، كان لزاما علينا توضيح وتعريف البيئة الإلكترونية، كي نتعرف بشكل أعمق على فكرة الحقوق الأدبية داخل تلك البيئة:
1- تعريف البيئة الإلكترونية:
هي تلك التي يجري فيها تناول المعلومات مـن خلالها بشـكل رقمي بواسطة وسائل الاتصال الحديثة، وتتيح الوصول المباشر وبالنص الكامل إلـى المعلومات، سـواء بشـكل خدمي أو تجاري. وهـي البيئة التي تتكون من العناصـر التكنولوجية المترابطة فيما بينها لتشكل منظومة العمل اليومي بينها وتشمل هذه العناصر أجهزة الحواسيب وملحقاتها من المعدات والبرمجيات الخاصة للتطبيقات وتشغيله الأجهزة والكوادر البشرية القائمة على الإدارة والتشغيل[2].
وتعمل الحكومات على ضبط الموضوع، سواء كان ذلك عبر التنسيق مع المواقع الكبيرة والمرخص لها من قبل الحكومات، أو عن طريق ملاحقة وإغلاق مواقع القرصنة ومواقع (التورنت)، وهي عبارة عن مواقع تحتوي على (سيرفرات) خاصة تتيح تحميل الكتب والمحتوى الرقمي بكافة أنواعه بشكل مجاني تماما، وتربح أمولا طائلة من الإعلانات المخزنة على صفحاتها.
بل وأبعد من ذلك فتسعى أيضا الحكومات لغلق تلك المواقع على الإنترنت العميق والغير متاح للعامة، والمتوفر به أيضا العديد من المحتوى المقرصن بكافة أنواعه، لذلك نجد أن أي مُؤلَف يتم نشره على الشبكة العنكبوتية، يُحاط بعدة قيود وقوانين وضوابط تجعل من عملية قرصنته وإهدار حقوقه المالية والأدبية أمرا صعبا إلى حد ما.
ولعل من أبرز تلك الدول ألمانيا وأمريكا، فعلي سبيل المثال في القانون الألماني تعد عملية تحميل مؤلف – مسموع أو مرئي أو مكتوب – من موقع غير رسمي جريمة تعرض الشخص إلى الذهاب للسجن.
2- مفهوم المصنف الرقمي:
المصنفات الإلكترونية تشير إلى تلك المصنفات الإبداعية التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا من خلال الأجهزة الإلكترونية نظراً لكونها تنطوي على رموز لا تفهمها سوى الآلات التكنولوجية فقط، فالمصنف الرقمي يشمل برامج الكمبيوتر من حيث البناء والأداء الرقمي، وقاعدة البيانات من حيث آلية ترتيبها وتبويبها، فضلاً عن المصنفات متعددة الوسائط والدوائر المتكاملة[3].
فالمصنف الرقمي يُعد بمثابة أحد مفرزات التطورات التكنولوجيا والتي تزامنت مع ظهور الحاسب الآلي وترسخت بصورة واضحة أكبر مع ظهور الإنترنت وانتشاره في مختلف دول العالم.
ومن ثم يمكن تقسيم المصنفات الإلكترونية إلى ما يلي:
أ- المصنفات الخاصة ببيئة الحاسوب:
وذلك مثل برامج الحاسوب والتي تُعد أحد أهم المصنفات المعلوماتية باعتبارها الكيان المعنوي لنظام الحاسوب، بالإضافة إلى قواعد البيانات وطبوغرافية الدوائر المتكاملة.
ب- المصنفات الخاصة ببيئة الإنترنت:
والتي تتمثل في أسماء النطاق – أو عنوان الموقع الإلكتروني -، بالإضافة إلى النشر الإلكتروني والذي يُعد مكان التسوق وموضوع للأعمال والخدمات باعتباره فضاء غير متناه من الصفحات لنشر الأخبار والأبحاث والمؤلفات العلمية أو الفنية[4].
3- خصائص المصنفات الإلكترونية:
للمصنفات الإلكترونية عدة خصائص تتمثل فيما يلي:
أ- المصنفات الإلكترونية ترد على الحامل الرقمي:
فإذا كانت المصنفات التقليدية ترد على الحامل الورقي فإن المصنفات الإلكترونية ترد على الحامل الرقمي، حيث إن المصنفات الإلكترونية تتمثل في ملفات – أياً كانت صورتها – أو برامج لا يمكن قراءتها أو مطالعتها إلا من خلال الأجهزة الإلكترونية.
مع ضرورة الإشارة إلى إمكانية تحويل المصنف الورقي إلى مصنف رقمي من خلال التمرير على جهاز ماسح ضوئي ليصبح النص مرقماً.
ب- اتسام المصنفات الإلكترونية بالتعقيد:
ويرجع اتسام تلك المصنفات بالتعقيد إلى كونها نتاج التطورات التكنولوجية الحديثة، الأمر الذي خلق صعوبة في تحديد مفهومها.
ج- تخضع للحماية بموجب قوانين حقوق المؤلف:
فتلك المصنفات أصبحت في الوقت المُعاصر تحتل مكانة غاية في الأهمية ومرجع ذلك التطور التكنولوجي الذي يمر به العالم المعاصر، مما جعل المشرعين الدوليين أو الوطنيين يولون هذا النوع من المصنفات اهتمامهم البالغ ليتمكنوا من إضفاء حماية عليه تتسم بكونها فعلية وفعالة تحفظ حق المؤلف من الانتهاكات مما يطمئن المؤلفين ويشجعهم على نشر أعمالهم وأبحاثهم.
ثالثاً: صور الاعتداء على حق المؤلف داخل البيئة الإلكترونية:
لا شك أنه من الملاحظ زيادة عملية الاعتداء على حقوق المؤلفين في الآونة الأخيرة، خاصة عبر الإنترنت، وذلك لسهولة الوصول وسرعة الانتشار، ولا شك أن هناك العديد من صور القرصنة والاعتداء على المؤلفات.
فنجد على سبيل المثال؛ نسخ أسطوانات البرامج وأنظمة تشغيل وإعادة توزيعها والتربح منها، وكذا عمليات الاعتداء على الأبحاث العلمية عن طريق الاقتباس الغير مشروع، حيث يكون عن طريق عدم ذكر مصدر النص المقتبس والمستخدم في البحث، أو عن طريق التعديل في البحث بالكامل ونسبه إلى الغير.
كذلك نجد في المجال الفني عملية اقتباس القصص من أفلام وروايات بلغة أجنبية بدون ذكر أو استئذان المؤلف الفعلي للقصة، فنجد أفلام كاملة تعرض على أنها مؤلف جديد وما هي إلا إعادة صياغة بلغة أخري، ناهيك عن عملية فك تشفير البرامج والبث الإلكتروني المحاط بحقوق نشر لكرة القدم وغيرها على سبيل المثال، وكذلك إعادة بيع النسخ المزيفة من المؤلفات والتربح منها.
ولا يقتصر هذا فقط على المواقع غير الشرعية أو المجموعات المنظمة لسرقة تلك المؤلفات، ولكن الأمر أيضا يشارك فيه الأفراد والمستخدمين العاديين للإنترنت، حيث إنهم يشاركون بشكل مباشر وغير مباشر في بعض الأحيان في انتشار تلك السرقات، وتعتبر عملية تحميل مؤلف دون إذن صاحبه من موقع مجهول سرقة، وتعامل بنفس الأحوال – في بعض البلدان – التي تعامل بها قضايا وجنح السرقات، فهم يساهمون بشكل أو باخر في إهدار حقوق المؤلف وبالتالي خسارة جزء كبير من الناتج العلمي والثقافي والإبداعي لهم.
ومن صور القرصنة والاعتداء هي نشر المؤلفات غير الموجودة في البيئة الإلكترونية دون إذن صاحبها، فمثلا عمليات نشر الكتب الورقية وتصويرها ونشرها على الإنترنت، وبالتالي يقل حجم الشراء الورقي لها نظرا لتوفرها بشكل مجاني على البيئة الإلكترونية.
كل ذلك جعل من عملية الخسارة المادية والأدبية للمؤلف أمراً شائعا على البيئة الإلكترونية، لذلك نجد أن التشريعات قد تحدثت وأفردت مساحة تشريعية كبيرة لحقوق الملكية الفكرية عبر الإنترنت، وسوف نسرد في السطور التالية موقف بعض التشريعات العربية كمثال لذلك:
رابعاً: حقوق التأليف الإلكترونية في القوانين والتشريعات العربية:
اهتمت التشريعات العربية بحماية حق المؤلف، خاصة وأن الدول العربية كانت مهدا للحضارات والعلوم والثقافة منذ القدم، فكان موضوع السرقات الأدبية ليس بجديد، حيث شهدت فترة قيام الحضارات الغربية الحديثة العديد من التعديات على المؤلفات العربية، والتعدي على النتاج الفكري لعلماء العرب، لذلك اهتمت التشريعات العربية فيما بعد بالحد من تلك السرقات، سواء كان ذلك داخل البيئة الإلكترونية أو خارجها.
1- القوانين والتشريعات المصرية لحماية حقوق التأليف الإلكترونية:
تعتبر مصر من أهم البلدان العربية في مجال حقوق الطبع والنشر بشكل عام وداخل البيئة الإلكترونية بشكل خاص، حيث إن مصر بلد المبدعين والأدباء والعلماء منذ مهد التاريخ، فكان لزاما على الشارع في مصر الحفاظ على هذا النتاج الفكري والجسر المعرفي الهائل من السرقات الأدبية والمادية.
لذلك نجد أن القانون رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢ – قانون الملكية الفكرية – قد اهتم اهتماما شديدا بالحفاظ على حقوق المؤلف بوجه عام، منظما قواعد تسجيل براءات الاختراع وموضعا لعقوبات قد تصل إلى الحبس حالة مخالفة أحكامه، وأيضا قد اهتم أيضا ذات القانون سالف الذكر بالحقوق التي تقع داخل البيئة الإلكترونية، فقد جاءت (المادة 181) من القانون المذكور بالنص على أن: (مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد في قانون آخر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب أحد الأفعال الآتية:
- نشر مصنف، أو تسجيل صوتي ،أو برنامج إذاعي ،أو أداء محمى طبقا لأحكام هذا القانون عبر أجهزة الحاسب الألى، أو شبكات الإنترنت ،أو شبكة المعلومات ،أو شبكات الاتصالات ،أو غيرها من الوسائل بدون إذن كتابي مسبق من المؤلف أو صاحب حق المجاور.
- التصنيع، أو التجميع، أو الاستيراد بغرض البيع، أو التأجير لأي جهاز، أو وسيلة، أو أداة مصممه، أو معدة للتحايل على حماية تقنية يستخدمها المؤلف أو صاحب الحق المجاور التشفير أو غيره.
- الإزالة أو التعطيل أو التعييب بسوء نية لأية حماية تقنية يستخدمها المؤلف أو صاحب الحق المجاور كالتشفير أو غيره.
فنجد أن قانون الملكية الفكرية في هذه المادة وغيرها من المواد الأخرى قد نظم بعض الحقوق الهامة داخل البيئة الإلكترونية، كذلك وبناء على هذا القانون قد تم إنشاء مكتب حماية الملكية الفكرية، والذي سعى إلى ملاحقة كل من ينتهك تلك الحقوق.
كذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي نص على عقوبات تصل إلى الحبس حالة الاعتداء على الحقوق داخل البيئة الإلكترونية، وأيضا صدور الكتاب الدوري رقم ١١ لسنة ٢٠٠٧ والصادر من النائب العام لحماية المصنفات، وكذلك تصدي المحكمة الاقتصادية للأمور المستعجلة، لوقف عرض فيلم على سبيل المثال، لعدم مراعاته إلى حقوق الملكية الفكرية.
وجاء أيضا قانون تنظيم الإعلام بإمكانية حجب المواقع المخالفة، ومن ضمن المخالفات التي نص عليها القانون سالف الذكر هي انتهاكات حقوق الملكية الفكرية على الموقع، وكذا قانون تنظيم الاتصالات والذي جرم الانتفاع بمنتج رقمي بطريق غير قانوني.
2- القوانين والتشريعات الأردنية لحماية حقوق التأليف الإلكترونية:
لقد اهتم المشرع الأردني بحقوق الملكية الفكرية لا سيما داخل البيئة الإلكترونية، ويعود الاهتمام الأردني إلى تاريخ قديم مع حقوق الملكية الفكرية بوجه عام، حيث اعترفت الدولة في عام ١٩٢١ بقانون حماية حقوق التأليف العثماني لسنة ١٩١٠، والذي رسخ حقوق المؤلف ونظمها، وفي التاريخ الحديث مع بداية التكنولوجيا الإلكترونية تم تشريع قانون حماية حق المؤلف لعام ١٩٨٢م، وتم تعديل هذا القانون في عام ١٩٩٢م، حيث ضم برامج الحاسوب والمحتوى الرقمي للحقوق المجاورة للمؤلف[5].
ولم تكتف المملكة الأردنية بتشريع القوانين فقط، بل انضمت للاتفاقات الدولية، في أعوام ١٩٨٧م، و١٩٩٩م، حيث تعد المملكة عضوا في اتفاقية (برن) منذ ذلك التاريخ، كما أنها عضو في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) منذ عام ١٩٨٤م.
وفي 11/4/2000، تم الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) بعد أن استكملت كافة متطلبات الانضمام، وكذلك تمت المصادقة على اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في نهاية عام 2001، والتي تنص في بعض جوانبها على حماية حقوق المؤلفين والحقوق المجاورة، وكذلك تم الانضمام رسمياً إلى اتفاقيتي الوايبو بشأن حق المؤلف و الأداء والتسجيل الصوتي (اتفاقيتي الإنترنت) حيث سيدخلان حيز النفاذ في 27/4/2004 و 24/5/2004 على التوالي، علماً بأن التعديل الأخير للقانون قد أخذ بعين الاعتبار هاتين الاتفاقيتين وتم إضافة وتعديل العديد من المواد لتتفق معهما[6].
ويتبين من السابق أن المملكة الأردنية تسعى إلى تحقيق أقصي حماية قانونية لحقوق المؤلف، سواء كان ذلك عن طريق القوانين أو التوقيع على الاتفاقيات الدولية والانضمام إلى منظمات حقوق الملكية الفكرية وعن طريق إنشاء مكاتب حقوق المؤلفين وإنشاء المركز الوطني للملكية الفكرية والعمل على تطويره بأحدث الوسائل التكنولوجية الحديثة، كل ذلك يعكس الإرادة الجادة في مجابهة انتهاكات حقوق الطبع والنشر الإلكترونية.
خامساً: أحكام اتفاقية تريبس المتعلقة بالمصنفات الإلكترونية:
تُعد اتفاقية تريبس أحد أهم الاتفاقيات التي تكرس الحماية القانونية للمصنفات الأدبية والفكرية، ولقد اعتبرت تلك الاتفاقية أن برامج الحاسوب وقواعد البيانات أحد المصنفات الأدبية الجديرة بالحماية القانونية، حيث نصت (المادة10/2) على أن: (تتمتع بالحماية أيضا البيانات المجمعة أو المواد الأخرى سواء أكانت في شكل مقروء آليا أو أي شكل آخر، إذا كانت تشكل خلقا فكريا نتيجة انتقاء أو ترتيب محتوياتها).
ولقدد قررت اتفاقية تريبس أن تكون تلك المصنفات خاضعة للحماية القانونية لمدة خمسين سنة من تاريخ إنتاج العمل وذلك بُغية تشجيع روح الابتكار التكنولوجي والعمل على نشر تلك الأعمال على نحو يضمن حقوق المؤلف المالية والأدبية ويؤدي إلى نشر المعرفة على المستوى العالمي.
سادساً: الإشكالات التي تواجه المؤلفين في حفظ حقوقهم داخل البيئة الإلكترونية:
بالرغم من تلك التشريعات سالفة الذكر والتي تحد من عملية الاعتداء على حقوق المؤلفين داخل البيئة الإلكترونية، وبالرغم من عمل أجهزة الدولة على ملاحقة تلك العناصر على شبكة الإنترنت، إلا أنه حتى يبقى من الصعب جدا القضاء على تلك الظاهرة.
فعلي سبيل المثال تصدي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر للعديد من المواقع العارضة للمؤلفات الإلكترونية دون ترخيص، ولكن سرعان ما يتمكنون من تغير أسماء مواقعهم والبدء من جديد لتفادي هذا الحظر، ولكثرة تلك المواقع يكون من الصعب جدا تعقبها جميعا وحظرها محليا.
فالمؤلف هنا وشركات الإنتاج يتكبدون خسائر مالية وأدبية ضخمة جراء تلك الأفعال غير المسؤولة، ناهيك عن سرقة الأفكار العلمية وتطبيقها في دول أخرى، مما يعرض المؤلف إلى الإحجام عن نشر أحدث نتائج أبحاثه العلمية.
لذلك لابد أن يكون هناك وعيا عالميا لخطورة تلك الانتهاكات، وأن توضع خطط ضخمة تتحد فيها الدول لإنهاء تلك السرقات، حتى يستمر الإبداع والبناء المعرفي والجسر الذي يخدم البشرية بأكملها وينقذ حيوات الناس، فالأمر هنا ليس متعلقا بالجانب الترفيهي أو المؤلفات الفنية فقط، بل أبعد من ذلك بكثير، لقيام حضارة إنسانية مبنية على التبادل العلمي والمعرفي بين جميع الأجيال عبر العصور.
إعداد /عماد محمد.
[1] حسن كيرة، المدخل إلى القانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، عام١٩٧١، ص٤٨١.
[2] عبدالرزاق مصطفي، حقوق التأليف والملكية الفكرية في البيئة الرقمية والتجربة الأردنية، مجلة المكتبات والمعلومات والتوثيق في العالم العربي، ص١٥.
[3] أنظر بوعمرة آسيا، المصنف الرقمي وآليات حمايته في ظل القوانين المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، ص 183.
[4] أنظر غفار عبد اللطيف، المعلوماتية وانعكاساتها على الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية، 2019، مجلة القانون والأعمال، ص 41، 42.
[5] أنظر المادة 3 من قانون حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وتعديلاته. وانظر مقال للمحامي سامي العوض محامي جرائم إنترنت، منشور على موقع حماة الحق – محامي الأردن – .
[6] السيد مأمون التلهوني، ندوة الوايبو الوطنية عن الملكية الفكرية للصحفيين، حماية حقوق الملكية الفكرية وإنفاذها في الأردن، ص٥.

