حجية الأوراق غير موقعة
أعطى المشرع الأردني الأوراق غير الموقعة قوة في الإثبات تتناسب مع ما تتضمنه من عناصر تدعمها وتؤيدها ،حيث ذكر منها الرسائل والبرقيات والأوراق الخاصة ،ودفاتر التجار ،وقد ذكر على وجه التفصيل ذلك في المواد 13-18 من قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952 و تعديلاته.
جدول المحتويات
السندات المؤشر عليها بما يستفاد منها براءة المدين
المقصود بالرسائل والبرقيات
تكمن أهمية الرسائل والبرقيات في الإثبات في الأمور التجارية، وهي وإن كانت أوراقا غير معدة للإثبات، إلا أنها تتضمن شرط التوقيع على الكتابة حسب ما تطلبه القانون بالنسبة للسندات العادية، حيث جاء نص المادة 13 من قانون البينات الأردني ليؤكد أن للرسائل قوة الأسناد العادية طالما وردت موقعة من مرسلها، على أنه إذا أثبت من يحتج عليه بالرسالة أنه لم يرسلها ولم يكلف أحد بإرسالها فلا تكون حجة عليه.
وعليه فأن المشرع أشترط في الرسائل ما أشترطه في السند العادي من حيث الكتابة والتوقيع على نحو أعطى للرسائل قوة في الإثبات كقوة السند العادي.
أما فيما يتعلق بالبرقيات، فقد منحها المشرع الأردني قوة في الإثبات كالسند العادي، طالما كان أصلها المودع في دائرة البريد موقعا عليه من قبل مرسلها.
وينتقل الاحتجاج بالرسائل والبرقيات إلى ورثة المرسل إليه باعتباره مالكا لهذه الرسائل والبرقيات بعد ورودها إليه، ولهم الحق بالاحتجاج بها واعتمادها في الإثبات، بالحدود التي كان لمورثهم حق التمسك بها والاحتجاج فيها.[1]
الدفاتر والأوراق الخاصة
يمكن بيان ماهية هذه الدفاتر والأوراق بأنها تلك التي ألف الناس تدوين مذكراتهم فيها وتضمينها بعض شؤونهم المالية والمنزلية، كذكر ما تم قبضه أو دفعه من المال وما أنفق على المنزل وما أرتبط به صاحبها من التزامات، ولا يلتزم أحد بتنظيم شؤونه الخاصة ونفقاته العائلية في دفاتر كما هو شأن الدفاتر التجارية، وليس لهذه الدفاتر والأوراق شكل معين فقد تكون على شكل أجندات أو دفاتر محاسبية، أو أوراق مرتبه أو مذكرات يومية.[2]
وبموجب نص القانون فإنه ليس لهذه الدفاتر والأوراق أية حجية لصاحبها، بمعنى أن منظم هذه الدفاتر وكاتب هذه الأوراق، لا يستطيع الاحتجاج بها في مواجهة من تعتبره هذه الدفاتر مدينا ولا تكون حجة لصاحبها.
الحالات التي تكون فيها الأوراق والدفاتر حجة على صاحبها
الحالة الأولى: أن يذكر فيها صاحبها صراحة أنه أستوفى ديناً.
الحالة الثانية: أن يذكر فيها صاحبها صراحة أنه قصد فيها تدونه فيها أن تقوم مقام السند لمن أثبت حقا لمصلحته.
ويمكن الاحتجاج بالدفاتر والأوراق الخاصة من قبل خصم صاحبها كاستثناء ورد النص عليه قانونا، وهذا استثناء من القاعدة التي تقوم أنه لا يجبر الخصم أن يقوم دليلا ضد نفسه.
وهذه الأحوال التي يمكن للخصم أن يحتج بالدفاتر والأوراق الخاصة وتكون عادة مشتركة بي الطرفين، كما هو الحال في الشركات والتركات أو إذا كان الخصم قد استند إليها في مرحلة من مراحل المحاكمة.
السندات المؤشر عليها بما يستفاد منها براءة المدين
يقوم الدائن أحيانا بالتأشير على السندات التي بحوزته بعبارات تفيد أنه أستوفى حقا من المدين بها، أو أن هذا المدين بريء الذمة، ويكون لمثل هذه الحالة وضع قانوني مفاده أن السند المؤشر عليه بما ذكر، يعتبر حجة على حائزة طالما لم يخرج هذا السند من حيازته وقد أشترط المشرع الأردني في هذا السند شرطين جاء بالنص عليهما في متن المادة 19/1 من قانون البينات الأردني.
الشرط الأول :إذا قام الدائن بالكتابة على سند له ،سواء أكانت الكتابة على وجه السند أو على ظهره ،بما يفيد أنه أستوفى الدين ،أو أن الدين بريء في مواجهته تقوم ضده قرينة الوفاء ،مما يعني أن المدين بريء الذمة ،على أن تكون عبارة التأشير واضحة ،ولا يشترط توقيع حائز السند على عبارة التأشير ،كما أنه ليس من الضروري أن تكون الكتابة بخط يد الدائن ،كما يجوز أن يكون التأشير على وجه السند أو ظهره ،أو في ذيله أو منتصفه أو أعلاه ،ويكون على نسخة ثانية من السند يحتفظ بها المدين ،كما قد يكون التأشير على شكل مخالصة تعطى للمدين عندما يدفع أقساطا من أصل الدين المثبت في السند ،يحتفظ الدائن بالسند الذي يحتوي على قيمة الدين كامل ،وتكون المخالصة بالدفعات التي أوفاها المدين.
الشرط الثاني: ألا يخرج السند المؤشر عليه ببراءة ذمة المدين من حيازة الدائن، لأنه وببقاء السند في حيازة الدائن تتحقق قرينة الوفاء، والتي تتساوى مع القرينة القانونية التي يقوم بها الدليل على براءة الذمة، والتي تغني المدين عن تقديم بينات لإثبات براءة ذمته، كون القرينة القانونية تغني من تقررت لمصلحته عن تقديم أية بينه لدفع ادعاء الخصم.
وإن التأشير على السند ببراءة ذمة المدين يجب أن يكون السند لا زال في حيازة الدائن، وإلا فلا يعتبر حجة على من أشر عليه إلا إذا كان التأشير موقعا منه، وبذلك يمكن الاحتجاج عليه وفق الأحكام القانونية الباحثة في السندات العادية.
الدفاتر التجارية
وقد تناول المشرع الأردني وتحديدا في المواد 15 و16 و17 من قانون البينات الأردني الدفاتر التجارية واعتبرها حجه لصاحبها في مواجهة التاجر، ولا تكون هذه الدفاتر حجة على غير التاجر سواء أكانت منظمه أم لا، ومع ذلك فإنها حجة ضد صاحبها في مواجهة تاجر أو غير تاجر وحتى وإن كانت غير منظمة في أحوال ورد النص عليها في قانون البينات.
ونظرا للأهمية التي تتمتع بها الدفاتر التجارية فقد نظمها المشرع أيضا بموجب أحكام قانون التجارة في المواد من 16-21، حيث عرفها وحدد أنواعها وبين مدة الاحتفاظ بها، وحالات الاطلاع عليها.
وعليه فإن المشرع ألزم كل تاجر بأن يمسك الدفاتر التجارية، بما يعني أن كل من يكتسب صفة التاجر سواء أكان شخصا طبيعيا أم معنويا ويمارس عمله في الأردن أن يلتزم بتنظيم دفاتر تبين أحوال تجارته.
أنواع الدفاتر التجارية
تقسم الدفاتر التجارية إلى نوعين هما:
- الدفاتر الإجبارية: ويمثل هذا النوع من الدفاتر الحد الأدنى من الوثائق التي يتوجب على التاجر تنظيمها بشأن أوضاع تجارته، وهذه الدفاتر تتمثل بدفتر اليومية، ودفتر صور الرسائل، ودفتر الجرد والميزانية.
- الدفاتر الاختيارية: وهذا النوع من الدفاتر لا يكون التاجر ملزم بتنظيمها كما هو الحال في الدفاتر الإجبارية، فطبيعة الأعمال التجارية وتشعبها فرضت على التاجر بأن يستعين بدفاتر تجارية أخرى إضافية وفق مقتضيات أعماله، ومن هذه الدفاتر، دفتر الأستاذ، وسجل الأوراق التجارية، ودفتر الصندوق والمخزن.
حجية الدفاتر التجارية
قضت محكمة التمييز الأردنية بأن المشرع قرر للدفاتر التجارية حجية معينة في الإثبات، حيث ورد في قرار لها أنه يستفاد من نص الفقرة الثانية من المادة 16 من قانون البينات أن القانون أضفى على الدفاتر التجارية حجية معينة في الإثبات، وخرج فيها عن حكم القاعدة التي لا تجيز للشخص أن يصنع دليلا لنفسه ومنح التاجر حق التمسك ببيانات دفاتره لمصلحته، وهو اعتبار أملته الثقة والسرعة اللتان تتصف بهما الأعمال التجارية، كما أن للتاجر الآخر الذي يحتج عليه بالدفاتر إثبات عكس ما جاء فيها من بيانات بجميع طرق الإثبات. [3]
حجية الدفاتر التجارية في الإثبات لمصلحة التاجر
اذا كان الخصم تاجرا فإن الدفاتر التجارية تصلح دليل إثبات لمنظمها ضد خصمه التاجر وفق أحكام المادة 16 من قانون البينات حيث نصت على أن دفاتر التجار الإجبارية تصلح لأن تكون حجة لصاحبها في المعاملات المتعلقة بتجارته إذا كانت منظمة وكان الخلاف بينه وبين تاجر ،وبهذا يجوز للقضاء قبول الدفاتر التجارية لغايات الإثبات في دعاوى التجار اذا كانت مستوفية الشروط القانونية على نحو يمكن من القول إن دفاتر التجار دليل كاف للإثبات يستطيع منظمها التمسك بها لمصلحته ،ويقتضي ذلك أن يكون النزاع بين تاجرين ،وأن يكون هذا النزاع ذا علاقة بالعمل التجاري بالإضافة الى أن تكون الدفاتر التجارية التي يريد التاجر التمسك بها كدليل لإثبات حقه في مواجهة خصمه منظمة تنظيما قانونيا كما ذكرنا سابقا .
وعليه إذا توافرت الشروط فإن القاضي يحكم للتاجر الذي قدم دفاتره بالحق الذي يدعيه، إلا إذا قدم خصمه التاجر دفاتره أيضا وكانت منظمة وتبين منها تناقضا مع دفاتر المدعي، فإنه بهذه الحالة يحكم القاضي بأن البينتين متهاترتان بما يعني استبعادهما من البينة، وله أن يرجح أحداهما وهذا ما قضت به المادة 17 من قانون البينات.
أما إذا كان الخصم من الغير (ليس تاجرا) فإنه لا يصح اعتماد دفاتر التجار ضده إلا إذا كان الطرفان قد اتفقا على أن تكون هذه الدفاتر بينة، أو إذا كانت المطالبة تقل عن مئة دينار وبهذه الحالة تعد الدفاتر التجارية مجرد وسيلة لاستخراج القرائن الدالة على ثبوت الحق عند خصم التاجر.
وفي حال كانت قيمة المطالبة تزيد على المئة دينار فإن الدفاتر التجارية غير كافية للاستناد والحكم على أساسها، حيث تعتبر دليلا ناقصا يمكن استكماله بتوجيه اليمين الى الخصم غير التاجر، وهذا ما أوردته وأكدت عليه المادة 15 من قانون البينات والتي ورد فيها أن الدفاتر التجارية لا تكون حجة على غير التجار إلا أن البيانات الواردة فيها عما أورده التجار تصلح أساسا، يجيز للمحكمة أن توجه اليمين المتممة لأي من الطرفين.
حجية الدفاتر التجارية في الإثبات ضد التاجر
تصلح الدفاتر التجارية بنوعيها الإجبارية و الاختيارية للإثبات ضد التاجر الذي نظمها ،حيث ورد في نص المادة 16 من قانون البينات أن الدفاتر التجارية حجة على صاحبها سواء أكانت منظمة أو غير منظمة ،وبهذه الحالة فإن خصم التاجر الذي يحتكم الى دفاتر نظمها التاجر ،يكون من حقه الاستناد إليها باعتبارها تمثل إقرارا كتابيا أصدره التاجر ،ومع ذلك فإن خصم التاجر إذا أراد الاحتكام الى دفاتر التاجر فعليه أن لا يجزئ منها ما يثبت به ادعاءه ويستبعد الباقي ،وعليه فإن من يدعي أنه دائن لتاجر وأراد أن يستند الى دفاتر هذا التاجر فليس له أن يتمسك بجزء منها ويستبعد الجزء الآخر ،كونه يستند الى إقرار لا يجوز لمن أراد اعتماده أن يجزئ هذا الإقرار ،يأخذ منه ما يؤيد دعواه ويترك ما يدفعها .
حجية الدفاتر التجارية غير المنظمة
لا تتمتع الدفاتر التجارية غير المنظمة بأي حجية للإثبات ،باعتبار أنها استثناء على الأصل ،بمعنى أن القاعدة تقضي أن لا يصنع الشخص دليلا لنفسه ولا يجبر على أن يقدم دليلا ضد نفسه ،واعتماد الدفاتر التجارية دليلا يعتمد عليه القاضي في قضائه استثناءات على الأصل اذا كانت منظمة ،أي مرقمة وموقعة ومختومة من مراقب السجل التجاري ،بالإضافة الى أن البيانات المدونة فيها عبارة عن عمليات دونت حسب تواريخ وقوعها دون ترك بياض أو فراغ ،وليس في هذه الدفاتر شطب أو تحشيه ،لذلك تعد الدفاتر التجارية غير المنظمة من بين المستندات التي يمكن عرضها أو إبرازها في معرض البينة لاستخلاص ما يتعلق منها بالنزاع باعتبارها لا تمثل دليلا له كفاية ذاتية . [4]
اجتهادات المحاكم الأردنية بشأن حجية الأوراق غير الموقعة
القرار الصادر عن محكمة صلح حقوق الزرقاء رقم 6398/2019 تاريخ 24/1/2021
“وبتطبيق أحكام القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة
وحيث أن العلاقة بين المدعي و المدعى عليه هي علاقة بيع وقد ثبت استجرار المدعى عليه لبضائع من المدعي بقيمة 1342 دينار فإن ذلك يوجب على المدعى عليه دفع ثمنها وحيث أثبت المدعي دعواه بورقة خاصة غير موقع عليها مروسة باسم المدعى عليه هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنه وسندا لأحكام القانون المدني المادة رقم 522 منه والتي نصت على وجوب تسليم المشتري الثمن للبائع عند التعاقد أو المطالبة به أن البينة المقدمة من المدعي تعتبر من الأوراق غير الموقع عليها وفق المادة 15 من قانون البينات وهي بينة غير كاملة للحكم بالدعوى كما ويعتبر توجيه اليمين المتممة أمر جوازي لمحكمة الموضوع وأنه في أية حالة كانت عليها الدعوى أن توجه المحكمة اليمين المتممة من تلقاء نفسها إلى أي من الخصمين لتبني على ذلك حكمها في موضوع الدعوى أو في قيمة ما يحكم به ويشترط في توجيه هذه اليمين ألا يكون في الدعوى دليل كامل وألا تكون الدعوى خالية من أي دليل بما يتوافق مع أحكام المادة 70 من قانون البينات وأن اليمين المتممة طبقا لصريح المادة (15)من قانون البينات هي اليمين التي يوجهها القاضي إلى أحد الخصوم عندما يراد الاحتجاج بدفاتر التاجر ضد خصم غير تاجر ليكمل بها اقتناعه ……”
إعداد المحامية : ثمار إبراهيم
المراجع والهوامش
[1] د. مفلح القضاة، أصول التنفيذ ط 97 –البينات في المواد المدنية والتجارية
[2] د. عبد الرزاق السنهوري ص 93 – الوسيط في شرح القانون المدني نظرية الالتزام بوجه عام –الإثبات –آثار الالتزام ص 258
[3] المحامي سامي العوض، حماة الحق للمحاماة
[4] -تمييز حقوق رقم 669/1986 تاريخ 15/10/1991 -منشورات عدالة.

