حق تقرير المصير
يعد حق المصير من أهم الحقوق الجماعية، بحيث لا يكون هناك مجال للحديث عما يتمتع به المواطن أو الإنسان من حقوق دون أن يكون في الأصل متمتعا بهذا الحق، ويتمثل هذا الحق في إقامة دولة تحظى باستقلال وسيادة كاملة وفعلية على إقليمها والموارد التي توجد به وأن يكون لها الحق الكامل في استخدام كافة الوسائل المشروعة لتحقيق هذا الأمر، وأحد أهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي المعاصر هو حق المصير بحيث يشمل الجانب الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ولا يقتصر على الجانب السياسي فقط.
لا شك أن المجتمع الدولي له محاولات عديدة في إبراز مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ولم تنجح هذه المحاولات نظريا إلا في نهاية الأول من القرن العشرين, وحتى وقتنا هذا توجد العديد من الدول التي تعاني بشكل واضح من اضطهاد استعماري ونهب للثروات, وحتى الدول التي نجحت في الحصول على استقلالها تعرضت لنوع أخر من الاستعمار وذلك عن طريق ما يعرف بالتبعية الاقتصادية بحيث فقدت هذه الدول مرة أخرى حقها في تقرير مصيرها, ونظرا لوجود ما يعرف بالسياسة غير المتوازنة فان حق تقرير المصير يظهر و يختفي من حين لأخر, ولا شك أن الإسلام قد سبق عالمنا بأكثر من 1400 عام عندما اقر لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها.
وسوف نتحدث في هذا المقال عن العناصر الأتية :
ثانيا: التطور التاريخي لحق تقرير المصير:
ثالثا: أسباب انتهاك حق تقرير المصير:
رابعاً: حق تقرير المصير وانفصال جنوب السودان:
خامساً: الوسائل السلمية لتقرير مصير الشعوب:
سادساً: القيمة القانونية لحق تقرير المصير:
أولا: مفهوم تقرير حق المصير:
لقد تم الاعتراف بحق تقرير المصير في العديد من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومنحتها الحق في استعمال القوة لتحقيق أهدافها في إطار القانون الدولي الإنساني، فلا يجوز معاملة حركات التحرر الوطني بوصفهم إرهابيين، أو اعتبارهم مجرمين، بل يجب معاملتهم كمحاربين تسري عليهم القوانين الإنسانية.[1]
ولقد وضع هذا التعريف العديد من القواعد والتي تتمثل فيما يلي:
1- أن كل دولة تتمتع بحرية كاملة في صياغة الدستور الخاص بها وأن تتمتع بالسيادة الكاملة على مواردها و ثرواتها المختلفة, وان تقيم الدولة ما تشاء من علاقات تجارية مع غيرها من الدول, وكذلك للدولة أن تصون وتحفظ و تحمي المعتقدات الثقافية والاجتماعية الخاصة بها وكذلك حرية اختيار النظام التعليمي.
2- الحرية الكاملة للشعوب في التصرف في ثرواتها ومواردها الطبيعية, دون أن يترتب على هذا التصرف إخلال بالتعاون الاقتصادي الدولي القائم على المنفعة المشتركة.
3- للشعوب المستعمرة حق أصيل في المطالبة بتحررها وتخلصها من الاستعمار وكذلك أن تختار شكل نظام الحكم الملائم لها.
4- أن إلحاق أو ضم جزء من دولة إلى دولة أخرى يجب أن يكون عن طريق الاستفتاء من قبل سكان ذلك الإقليم[2].
5- أن يوجد مساواة بين جميع الدول في الحصول على الحقوق وفي تحمل الالتزامات وذلك بغض النظر عن عدد السكان ومساحة الإقليم.
6- ضمان سيادة و استقلال جميع الدول والتخلص من الهيمنة الاستعمارية و التسلط الأجنبي.[3]
7- رفض أي نوع من أنواع التمييز بين مختلف الدول سواء كان ذلك التمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس.
8- حق الشعب المستعمر في أن يلجأ إلى الكفاح المسلح للتخلص من الاستعمار الأجنبي.
وبناء على ما سبق فإن حق تقرير المصير من حقوق الإنسان العامة، وهذه الحقوق غير قابلة للتجزئة ومترابطة ومتشابكة، ويجب على المجتمع الدولي أن يعامل جميع حقوق الإنسان على نحو شامل وبطريقة منصفة وعلى قدم المساواة وبالقدر نفسه.[4]
لذلك كان استخدام الدول المستعمرة للسلاح لمواجهة وصد الاستعمار الأجنبي لا يعد إرهابا، بل أنه حق أصيل لهذه الدول يطلق عليه حق الكفاح المسلح، ونظراً لأن هذا الحق قد أقره القانون الدولي فإنه ليس لأي دولة معاقبة الدولة الأخرى التي استخدمت حق الكفاح المسلح، بل أن الأمر يفوق هذا حيث إنه واجب على الدول أن تقدم المساعدة والمعاونة والدعم للدول التي تعرضت للاستعمار الأجنبي.
وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب التي تعرضت للاستعمار الأجنبي حيث أعلنت فيه ما يلي:
- الاستعمار بكافة صوره ومظاهره يجب أن ينتهي نهاية سريعة وغير مشروطة.
- إنكار حقوق الإنسان الأساسية يتمثل في أن تخضع دولة لهيمنة واستعمار دولة أخرى.
- لكل الشعوب في جميع أنحاء العالم الحق في أن تقرر مصيرها.
- عدم الاعتداد بمبرر تأخير استقلال الدولة نظرا لعدم استعداد شعبها سواء من الناحية الاقتصادية، أو التعليمية، أو الاجتماعية، أو السياسية.
- ضرورة اتخاذ الخطوات الضرورية لنقل السلطات إلى شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
من خلال ما سبق عرضه يتضح لنا بصورة واضحة المفهوم الصحيح لحق الشعوب في تقرير مصيرها وأنه يجب على جميع الشعوب في جميع أنحاء العالم أن تتمسك بهذا الحق.
ثانيا: التطور التاريخي لحق تقرير المصير:
مما لا شك فيه أن هذا الحق من المبادئ المستحدثة في القانون الدولي، وقد ظهرت ملامحه بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية، ويرجع الفضل في بلورة هذا المبدأ وحصول العديد من الدول على حقها في تقرير مصيرها إلى ما يعرف بالتوازن الدولي.
وكما وضحنا سابقا أن الإسلام قد سبق المجتمع الدولي من أكثر من 1400 عام عندما اقر واعترف بهذا المبدأ لجميع الشعوب حول العالم، فقواعد العدل والتسامح التي توجد في الشريعة الإسلامية لا تسمح بأن يتم السيطرة والهيمنة على أحد الشعوب ونهب ما تملكه من ثروات وموارد.
1- حق تقرير المصير في الإسلام:
الإسلام دين فضيلة وتقوى، يهدف أساسا إلى تحرير الإنسان من الظلم والاستغلال الذي يعانيه من أية جهة كانت وإن كان من نفسه. وقد رفض الإسلام نظام استغلال الشعوب الأخرى، وهو يرفض أن يأخذ به رفضا نهائيا ونظاميا ولذلك فهو لم يعترف ولم يأخذ بنظام الاستعمار أو الاحتلال العسكري، أو الحماية الاستعمارية. ولعل مرجع ذلك إلى الشريعة بوصفها نظاما ودينا تقوم على العدل والشورى والمساواة[5].
ولم يكن الإسلام هدفه الوحيد كما ادعى البعض هو أن يغير ما يعبده الناس من أوثان إلى عباده الله عز وجل وحده، بل سعى الإسلام إلى أن ينظم أخلاقيات وسلوكيات الناس بحيث تكون علاقة الشخص مع نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه علاقة صحية وسليمة. وكان من أهم الحقوق التي سعى الإسلام لتقريرها للشخص هو حق تقرير المصير.
وقد وردت العديد من الآيات القرآنية تثبت هذا الحق، ومن ذلك قوله تعالى: “قل يا أيها الكافرون، لا اعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما اعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما اعبد، لكم دينكم ولي دين”،[6]فقول الله سبحانه وتعالى في هذا الآية يوضح أن لكل أنسان الحق في يقرر مصيره بحيث يحق له أن يعبد ما يشاء ويؤمن بما يشاء دون أن يتعرض له أحد ما لم يتعرض هذا الشخص لاحد أيضا.
وكان لأهل الذمة أيضا نصيب كبير من حق تقرير المصير، ولكن أولا يجب أن نوضح من هم أهل الذمة، فأهل الذمة هم الذين يقيمون في الدولة الإسلامية ويخيرون بين الإسلام أو الجزية أو القتال، وتكون الجزية مقابلا لحمايتهم وحماية أموالهم وألا يتعرض أحد إليهم.
وهذه الجزية لا تفرض على الجميع إنما اقتصر تطبيقها فقط على الذكور البالغين الأحرار ولم تطبق على الصبية والنساء والمجنون الذي فقد عقله والمقعد العاجز ولم تطبق أيضا على العبد والشيخ والفقراء وأهل الصوامع وهم الزاهدين في الدنيا. فعندما يختار من وجبت عليه الجزية أن يدفعها فإنه في المقابل يحظى بحق تقرير مصيره سواء فيما يتعلق بمعتقداته الدينية أو السياسية أو غير ذلك وكذلك يتمتع بحماية من المسلمين.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى للدول التي عاصرت رسالته حق تقرير المصير فمنع المسلمين من التدخل في شؤون الدول وتركها في أن تحظى بحق تقرير المصير. فقد ورد عنه أنه قال: “اتركوا الترك ما تركوكم واتركوا الحبشة ما تركوكم”.[7]
ويتضح من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يتم ترك الدول مادامت هذه الدول لا تتعرض بأي ضرر للمسلمين، أما إذا حدث أي ضرر أو عدوان للمسلمين فان الرسول امر بان يكون حق الدفاع واجب ضد الدول التي أقامت هذا العدوان.
وبناء على ما تم عرضه فان شريعتنا الإسلامية لم تقر أبدا حق استغلال ثروات ونهب الشعوب والعدوان عليها، وأن هدف الحروب والفتوحات التي خاضها الإسلام هو نشر الدين الإسلامي ونشر قواعد العدل والتسامح وأن هذه الفتوحات أيضا قد ساعدت هذه الشعوب من التخلص من ظلم واضطهاد حكامها وما تعرضوا له من قوانين ظالمة وضرائب باهظة.
2- تطور حق تقرير المصير في القانون الدولي المعاصر:
كان ينظر القانون الدولي للاستعمار على أنه عمل مشروع لم يجرمه ولم يمنعه، بحيث أن أشكال وأساليب الاستعمار كانت متنوعة وعديدة بحيث ظهرت أنظمة استعمارية متنوعة أقرها القانون الدولي منها: التبعية والحماية الدولية والحماية الاستعمارية والضم[8].
وجاءت العصبة بنظام الانتداب وقسمته إلى ثلاث درجات[9], ثم جاء ميثاق الأمم المتحدة بنظام الوصاية، وتلك الأنظمة تقنن – بلا شك – فكرة الاستعمال الدولي.
فالقانون الدولي قد أجاز أن تقوم دولة باحتلال أقاليم وذلك لعدم وجود دولة تتولى إدارة هذه الأقاليم، وأن الدولة التي تقوم باكتشاف إقليم فإنها تحتله. وقد تطلب القانون الدولي التقليدي عدد من الشروط لكي يكون هذا الاحتلال أو الاستعمار مشروعا وهذه الشروط هي:
- يتم الاستعمار بأمر صادر من البابا أو بموافقته.
- أن تضع الدولة المستعمرة يدها على الإقليم المحتل قبل غيرها من الدول ولا تكفي نية الاحتلال هنا.
وعلى الرغم من الشروط التي وضعها القانون الدولي التقليدي فإن الدول الاستعمارية لم تلتزم بهذه الشروط وظهر ذلك بشكل واضح بعد الحرب العالمية الأولى وكان لدول الوطن العربي نصيب كبير من التعرض للاستعمار والاحتلال بحيث لم تلتزم الدول المستعمرة بأي قواعد أو شروط وضعتها القوانين الدولية، فكانت تستعمر الدول وتنهب الموارد والثروات وتقتل شعوبها وترتكب جميع أنواع الجرائم.
ومبدأ حق تقرير المصير لم يعترف به إلا بعد كفاح طويل وظهور الأفكار الإنسانية، وقد أقر مؤتمر السلام المنعقد في باريس عام 1919 هذا الحق غير أن التطبيق العملي لأطراف المؤتمر كان يتناقض مع هذا المبدأ، وخاصة في مؤتمر سان ريمو المنعقد عام 1920 والذي اقر بموجبه تقسيم الدول العربية بين دول الحلفاء بحجة عدم تحديد معنى مبدأ حق تقرير المصير.[10]
وتجد الإشارة إلى أن الدول التي قامت بوضع هذا المبدأ وضعته بشكل بتوافق مع مصالحها ورغباتها، ونتيجة لذلك فإن هذا المبدأ لم يتم تطبيقه بشكل صحيح حتى الآن.
ثالثا: أسباب انتهاك حق تقرير المصير:
كان تبني الجمعية العامة للأم المتحدة والمؤتمرات الدولية لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها أثره الإيجابي في أن تحصل الكثير من الدول على استقلالها وأن تتخلص من تعرضها للاستعمار وأن يكون حكم الدولة عن طريق الدولة ذاتها وليس عن طريق مستعمر أجنبي.
ولكن من الناحية العملية نرى أن هذا الحق قد تعرض لكثير من الانتهاكات حيث إن الدول الكبرى ازداد تدخلها في شؤون الدول، وتمثل هذا التدخل في فرض أنظمة حكم مخالفة لإرادة شعبها، ومثال هذه الانتهاكات التي حدثت في الفترة ما بين 1990 إلى 2002 عندما تدخلت قوات أمريكا العسكرية لكي تغير نظام الحكم في بنما وإندونيسيا، وأيضاً محاولاتها العديدة في الشرق لتغيير نظام الحكم في دولة العراق وليبيا والسودان، وكذلك محاولات أمريكا المستميتة لمساندة الكيان الصهيوني بعدم حصول الشعب الفلسطيني على حق تقرير مصيره. وكذلك الحملة العسكرية الضخمة التي شنتها القوات العسكرية الأمريكية ضد حكومة أفغانستان وإسقاطها وإقامة حكومة غيرها.
وقد تحايلت الولايات المتحدة الأمريكية على مبدأ حق تقرير المصير بعدة طرق ومن هذه الطرق إقناع دول الخليج العربي بوضع قواعد عسكرية على أراضيها وكان مبررهم في هذا الصدد هو حمايتهم من هجمات عدوانية قد يتعرضوا لها، ولكن كان هدف هذه القوات الأساسي هو الاستفادة من المواقع الاستراتيجية لهذه الدول والاستفادة من الثروات والموارد التي تحظى بها هذه الدول.
وقد استغلت القوات الأمريكية هذا المبدأ مرة أخرى وانتهكته بحجة حماية الأقليات من أجل أن تتدخل في شؤون الدول الداخلية ومثال ذلك ما فرضته من حظر جوي في بعض المناطق في شمال العراق وذلك دون أن تعرض هذا الأمر على الأمم المتحدة، وما قامت به أيضا بحجة حماية الأقلية الألبانية من احتلال لبعض الأراضي الموجودة في دولة يوغسلافيا، وكذلك بحجة حماية الأقلية المسيحية قامت بفصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا.
وعلى الرغم من الكثير من الانتهاكات التي قامت بها أمريكا إلا أنها حصلت على تأييد العديد من الدول والمنظمات الدولية وبصفة خاصة الأمم المتحدة.
ومن ثم يمكن القول بأن أسباب تعرض مبدأ حق تقرير المصير إلى الانتهاكات تتمثل فيما يلي:
1- ما تعرضت له الدول الاشتراكية من انهيار عام 1990, بحيث كانت هذه الدول هي الداعم الأكبر لحق الشعوب في تقرير مصيرها على المستوى الدولي, وكانت الدول الاشتراكية هي التي تقف أمام انتهاكات الدول المضطهدة لهذا المبدأ, فالدول الاشتراكية كانت تدعم و تساعد حركات التحرر الوطني للتخلص من استعمار الدول الأجنبية.
2- ما أدى إليه انهيار الاتحاد السوفيتي من انتهاء لسياسة التوازن الدولي وبعد أن هيمنت و سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على توجيه وإدارة السياسة الدولية, اتجهت الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض سيطرتها على جميع دول العالم, وانتهكت بشكل واضح مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها, فكان هدفها الرئيسي هو محاولة تقسيم العديد من الدول مثل إندونيسيا والعراق وكذلك فرض سيطرتها السياسية على الهند.
3- محاولة الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق ما يعرف بالعولمة عن طريق فرض مناهج سياستها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية, وهذا الأمر يعد انتهاك واضح لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها, بحيث لا تحظى الدول بحرية في تحديد ما يتمتع به الشعب من اتجاهات سياسية أو تعليمية أو ثقافية, وهذا يتضح بشكل أوضح من محاولة لتأصيل و نشر الفكر الغربي في سلوكيات و تصرفات الشباب في الدول العربية المختلفة.
4- ما زالت بعض الشعوب الإفريقية تخضع لسيطرة استعمارية مباشرة, كما أن الدول التي نجحت في تطبيق هذا المبدأ خضعت لنوع من الاستعمار غير مباشر والذي يتمثل في التبعية الاقتصادية الناتجة عن إغراق الدول النامية في شبكة الديون ثم يتم فرض سياسات عليها تهدف إلى خدمة تلك الديون.
5- كان السبب الأول و الرئيسي في تطوير مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها هو حركة عدم الانحياز, غير أن وفاة قادة هذه الحركة لم يجعلها تؤدي دورها بالشكل المرغوب فيه ونتيجة لتعرضها لهجمات و انتقادات من التيارات المختلفة أدى إلى إنهاء دورها بصورة كاملة[11].
6- عملت العديد من الجهات الدولية على بلورة مبدأ جديد في القانون الدولي, مفاده القضاء على مبدأ سيادة الدولة بحجة أن التدخل في قضايا حقوق الإنسان لا تحده السيادة.[12]
وقد لاقى هذا المبدأ قبول من قبل أطراف متعددة بحيث يعني السماح بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول والقضاء على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
7- كان لاستغلال العديد من المنظمات الدولية وبعض الدول لهذا المبدأ أثره في إنهاء القيمة القانونية لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
8- ما أعطته بعض الدول من تأييد للتدخل العسكري الأمريكي للشؤون الداخلية لبعض الدول اعتقادا من هذه الدول أن هذا التأييد سيحميها من الهجمات العسكرية الأمريكية, وهذا التأييد قد أنهى بشكل واضح حق العديد من الدول في تقرير مصيرها.
9- نظرت الكثير من الدول إلى هذا الحق على أساس أنه وسيلة جيدة لاستعمار الدول ونهب ثرواتها ومواردها وليس وسيلة لتحرير الدول من الاستعمار و التبعية.
10- كان لبعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا رغبة واسعة في القضاء على جميع أشكال نضال الشعوب التي تواجه هيمنة الاستعمار الأجنبي حيث نظمت هذه الدول حملات للقضاء نهائيا على هذه المقاومات وكانت حجتهم مقاومة و مكافحة الإرهاب, ولا شك أن هذا كان سبب رئيسي في انحسار مبدأ حق الدول في تقرير مصيرها.
رابعاً: حق تقرير المصير وانفصال جنوب السودان:
1- الشرعية القانونية لانفصال الجنوب:
الشرعية القانونية لانفصال جنوب السودان تعتمد بصفة أساسية على معايير إنشاء الدول المحددة في اتفاقية مونتيفيديو لعام 1993 وهذه المعايير تتمثل في وجود سكان دائمين وأرض محددة وسلطة قادرة على ممارسة السيادة وتصريف الشؤون الداخلية والقدرة على إقامة العلاقات مع باقي الدول، والأقليات التي تتوافر لديها هذه المعايير يكون لها الحق في الانفصال عن الدولة الأم في شكل دولة مستقلة وبجانب هذه المعايير هناك معايير أخرى يجب أن تتوافر في هذه الأقليات تتمثل فيما يلي :
أن يجمع أبناء تلك الأقلية ما يميزها عن الأغلبية السائدة عرقيا ولغويا وثقافيا وتاريخيا وان تعيش في منطقة متصلة جغرافيا داخل إقليم الدولة الأم.
- أن يكون تأثير وحجم هذه الأقلية كبير لا يستهان به.
- أن تكون سياسات الحكومة المركزية تجاه الأقليات غير عادلة.
- أن يكون الانفصال هو حل المشكلات التي تتواجد بين هذه الأقليات والحكومة المركزية.
- أن ترفض الحكومة المركزية جميع حلول المفاوضات مع الأقليات.
أما فيما يتصل بالإسناد القانوني لهذا الانفصال فينطلق من إدراجه تحت عنوان حق تقرير المصير وهو تكييف قانوني مستنبط من الفقرة السابعة، حق الانفصال العلاجي من المبدأ الخامس من إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون الصادر بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة[13].
وهناك اتجاه ذهب إلى أن الاتفاقية سالفة الذكر حددت شروط معينة لمطالبة الأقليات بالانفصال وهذه الشروط تتمثل فيما يلي:
- الاضطهاد ضد الأقليات على أساس الدين أو اللغة أو الجنس.
- وجود نزاع بين الدولة الأم والحكومة المركزية
- وجود تعنت من الحكومة المركزية فيما يتعلق بالمفاوضات
- أن يكون حجم الأقليات كبير ويجمعهم عادات وثقافات واحدة
وأما الفقه الدولي يرى أن حق المصير شرع لحماية الدول من الاحتلال فقط وأن حق تقرير المصير الداخلي يؤدي إلى عدم الاستقرار الدولي وأن اقصى ما يمكن أن يطالب به الأقليات هو وجود مركز سياسي داخل الدولة، بحيث يكون حق تقرير المصير الداخلي هو حق التقرير داخل الحكومة.
وهناك اتجاه وسط ذهب أن حق تقرير المصير متاح، ولكن بشروط محددة على سبيل الحصر وهذه الشروط تتمثل فيما يلي:
- وجود أقلية على إقليم جغرافي تتمتع بنفس اللغة والدين وتتعرض للاضطهاد السياسي من جانب الحكومة المركزية.
- ما تتخذه الحكومة المركزية من إجراءات تعسفية تجاه الأقلية ومنها عدم التفاوض معهم.
ويعد هذا الاتجاه الوسط هو الاتجاه الراجح فيما يتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
2- الأثار المترتبة على انفصال جنوب السودان:
مرت السودان بتغيرات سياسية منذ استفتاء جنوب السودان على الانفصال عام 2011, وكان لهذا الانفصال أثار سياسية منها :
- قد تنشأ صراعات دولية نتيجة لمطالبة عدد كبير من الأقليات في أفريقيا بالانفصال عن دولتهم الأم.
- تهديد السلام والأمن الدولي.
- ما ينشأ داخل جنوب السودان من نزاعات بسبب مطالبة كل حزب سياسي بالحكم وإدارة الموارد.
- سوف يؤدي ذلك إلى مطالبة الأقاليم التابعة للسودان بالانفصال ومنها إقليم كردفان.
خامساً: الوسائل السلمية لتقرير مصير الشعوب:
العمل الدولي قدم لنا صورا عن هذه الوسائل حيث إن ميثاق الأمم المتحدة لم يتعرض لها، وتتمثل هذه الوسائل في الاقتراع العام والاستفتاء الشعبي، وهي وسائل دستورية متفق عليها على الصعيد المحلي والدولي، ويعد الاستفتاء أهم هذه الطرق.
ولذلك كان هذا سبب إشراف الأمم المتحدة على عمليات الانتخاب المباشر أو الاستفتاء، وذلك لضمان النزاهة والحيدة، حيث يكون المتابعة ولأشراف والرقابة بواسطة مندوبين يتمتعون بالحياد فيمنعوا بذلك حدوث تزوير للانتخابات.
وهذا ما نصت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 637 الصادر في 1952م بأنه: “…تعمل الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة على تحقيق حق المصير لشعوب المناطق التي لا تتمتع بالحكم الذاتي، ولشعوب المناطق التي تخضع للوصاية والتي تقع تحت إدارتها. وتيسير سبل ممارسة هذا الحق لشعوب هذه المناطق وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وروحه، ووفقا للرغبات الحرة للشعوب المعنية ويتثبت من رغبات الشعوب بواسطة الاستفتاء أو غيرها من الوسائل الديمقراطية المعترف بها، ومن المفضل أن تجرى هذه الاستفتاءات وغيرها من الإجراءات تحت إشراف الأمم المتحدة ورقابتها”.
حيث أوضح نص الأمم المتحدة هذا أهمية الاستفتاء كوسيلة مشروعة لتقرير حق مصير الشعوب بحيث يكون الاستفتاء معبرا عن إرادة وصحيحة وسليمة لرغبة الشعب.
ولا شك أن تقرير المصير يُعد من ألزم الأمور التي يتعين اللجوء فيها إلى الاستفتاء وذلك لأن صاحب الحق في تقرير المصير هو الشعب. كما يعتبر الاستفتاء من أفضل الوسائل الديمقراطية لتقرير المصير والذي تواتر عليه الشعوب منذ القدم وحتى يومنا[14].
سادساً: القيمة القانونية لحق تقرير المصير:
على الرغم من تكريس حق تقرير المصير في العديد من الاتفاقيات الدولية والإعلانات العالمية إلا أنه لا يمكن القول بأن هذا المبدأ قد ترسخ في المجتمع الدولي، فحتى يومنا هذا قد يُضرب بهذا المبدأ عرض الحائط دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً وعلى وجه الخصوص إذا كان المسئول عن انتهاك هذا المبدأ أحد الدول العُظمى في المجتمع الدولي.
فلا يوجد ثمة عرف دولي يشير إلى استقرار المجتمع الدولي على احترام شعوب الدول في تقرير مصيرها، الأمر الذي دفع العديد من الفقهاء إلى القول بأن هذا الحق يُعد بمثابة حق أدبي أخلاقي لا ينطوي على ثمة إلزام، ولا يترتب على مخالفته توقيع أي جزاءات على الدولة المتسببة في المخالفة.
ولكن وعلى الرغم من ذلك يمكن القول بأن تكريس هذا المبدأ في المواثيق والإعلانات الدولية يُعد بمثابة خطوة إيجابية في تكريس هذا الحق على المستوى التطبيقي.
ومن ضمن التشريعات الدولية التي تبنت هذا المبدأ ما يلي:
1- ميثاق الأمم المتحدة الذي ذكر في (مادته 55) أنه يجب احترام المبدأ الذي يقضي بتسوية الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها.
2- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي نص في مادته الأولى على أن لكل الشعوب الحق في تقرير مصيرها وتقرير وضعها السياسي.
3- القرارات الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة مثل القرار رقم 1415 لعام 1960 والمنهي لحالات الاستعمار والذي قرر للعديد من الشعوب الحق في تقرير مصيرها مثل الشعب المغربي والجزائري والتونسي.
فضلاً عن القرار رقم 2625 الصادر عن الجمعية العامة والذي قرر حق الشعوب في تقرير مصيرها دون ثمة تدخل خارجي بالإضافة تأكيده على أن تأسيس دول مستقلة أو مندمجة مع غيرها يُعد تطبيقاً لممارسة الشعب في تقرير مصيره.
4- القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والتي تكرس حق الشعوب في تقرير مصيرها وذلك مثل القرار رقم 1199 الصادر في تاريخ 23/2/1998 والمتعلق بحق الحكم الذاتي لكسوفو.
إعداد/ حسام حسن.
[1] سهل حسن الفتلاوي, من حقوق الأنسان حق تقرير المصير, 2005, مجلة البحوث و الدراسات الاستراتيجية, ص9.
[2] الدكتور عصام عطيه, القانون الدولي العام, دار الحكمة للطباعة و النشر, بغداد 1993ص224.
[3] يراجع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 1514 في 14 كانون أول 1960.
[4] الدكتور احمد أبو الوفا, نظام حماية حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة و الوكالات الدولية المتخصصة, المجلة المصرية للقانون الدولي, المجلد الرابع و الخمسون, القاهرة 1999 ص 27.
[5] الدكتور حامد سلطان, الشريعة الإسلامية والقانون الدولي, مجلة القانون و العلوم السياسة, الحلقة الدراسية الثالثة, بغداد يناير 1969 ج1 الهيئة المصرية للكتاب القاهرة 1972 ص 73.
[6] سورة الكافرون.
[7] فيض القدير شرح الجامع الصغير لعلامه المناوي, مطبعة مصطفى محمد مصر 1948, ص117.
[8] القانون الدولي العام, تعريب شكر الله خليفة, الأهلية للطباعة والنشر بيروت 1982 ص 142. والدكتور محمود سامي جنينة، القانون الدولي العام، ط2 مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1938 ص 126.
[9] المادة 22 من عهد العصبة.
[10] عادل حامد الجادر, اثر قوانين الانتداب البريطاني في إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين, جامعة بغداد 1976ص27
[11] من أبرز قادة حركة عدم الانحياز الذين وافاهم الأجل: جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر العربية، وتيتو رئيس جمهورية يوغسلافيا، ونهرو رئيس جمهورية الهند، وسوكارنو رئيس جمهورية إندونيسيا.
[12] طرح السيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة هذا الاتجاه و أيدته بعض الدول في الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1999/2000.
[13]أحمد محمد عفيفي، حق تقرير المصير ومبدأ قابلية الدول للتجزئة، 2018، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، ص 50.
[14] مصطفى احمد أبو الخير, أزمات السودان الداخلية و القانون الدولي المعاصر, د ط, ابتراك للطباعة و النشر و التوزيع مصر, 2006, ص 17, 178,

