حق التتبع

حق التتبع

إن نقطة البداية التي ننطلق منها في هذا المقال هي أن تصرف المدين الراهن في العقار المرهون كان من الممكن أن يؤثر على الدائن المرتهن، إذا امتنع عليه – كما هو الشأن بالنسبة للدائن العادي – أن يتخذ إجراءات التنفيذ على مال خرج من ذمة المدين قبل التنفيذ.

أما وأن القانون قد خول للدائن المرتهن الحق في اتخاذ إجراءات التنفيذ على المال المرهون حتى بعد خروجه من ذمة المدين الراهن، فإنه والحال كذلك يتبين لنا مدى أهمية حق التتبع وأنه – وبحق – ضمانة هامة لا غنى عنها للدائن المرتهن، كما أنه يعد مظهر من مظاهر نفاذ الرهن في مواجهة الغير.

ومن خلال ما سبق بيانه نقسم هذا الموضوع الهام إلى خمسة عناصر رئيسية كما يلي :

أولاً: ماهية حق التتبع:

ثانياً: شروط ممارسة الدائن المرتهن لحق التتبع :

ثالثاً: إجراءات ممارسة حق التتبع:

رابعاً: مكنات الحائز لتوقي حق التتبع:

خامساً: وسائل استيفاء الحائز لما وفاه:

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التميز بشأن حق التتبع:

أولاً: ماهية حق التتبع:

نصت (المادة 1060) من القانون المدني المصري في فقرتها الأولى على أنه: ( يجوز للدائن المرتهن عند حلول أجل الدين أن ينزع ملكية العقار المرهون في يد الحائز لهذا العقار إلا إذا اختار الحائز أن يقضى الدين، أو يطهر العقار من الرهن، أو يتخلى عنه ).

كما نصت (المادة 1352) من القانون المدني الأردني على أنه: ( للدائن المرتهن رهناً تأمينياً حق تتبع العقار المرهون في يد أي حائز، لاستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به طبقاً لمرتبته).

ومن استقراء النصوص سالفة البيان يتضح لنا أن حق الدائن المرتهن في تتبع العقار المرهون يعني باختصار، حقه في اتخاذ جميع إجراءات التنفيذ على هذا العقار في أي يد يكون، لبيعه، واستيفاء دينه من ثمنه.

ثانياً: شروط ممارسة الدائن المرتهن لحق التتبع :

1- الشروط التي تتعلق بالدائن المرتهن وهى:

أ- حلول أجل الدين:

من المسلم به أنه لكي يقوم الدائن بالتنفيذ على المال المرهون ببيعه، واستيفاء الدين من ثمنه يجب أن يكون هذا الدين المضمون بالرهن حال الأداء، فلا يجوز له قبل حلول الأجل أن يطالب المدين الراهن، أو أن يقوم بالتنفيذ في مواجهته.

والدين يحل بحلول أجله، أو للأسباب الأخرى كسقوط الأجل وهي (إفلاس المدين أو إعساره، أو في حالة إضعاف التأمينات لدرجة كبيرة، أو عدم تقديم ما وعد بتقديمه من تأمينات).

ب- أن يكون الرهن سارياً في مواجهة الحائز:

غنى عن البيان أن الرهن لا ينتج أثاره، ولا ينفذ في حق الغير إلا إذا قيد قبل أن يكتسب هذا الغير حقاً عينياً على العقار، فالقيد هو الذي يمنح الرهن الصفة الرسمية، وهو السبب في ف الرهن باسم الرهن الرسمي.

وترتيباً على ما تقدم فإنه يشترط للممارسة حق التتبع من قبل الدائن المرتهن أن يكون قد سجل الرهن في الدائرة المختصة قبل أن يقوم حائز المال المرهون بتسجيل حقه، وذلك وفقاً لما ورد في (المادة 1323) من القانون المدني الأردني، والتي نصت على أنه: ( لا ينعقد الرهن التأميني إلا بتسجيله).

2- الشروط التي بحائز العقار المرهون:

تجدر الإشارة إلى أن حائز العقار المرهون له معنى آخر يختلف تماماً عن المعنى القانوني المعتاد، لأنه في الرهن الحائز ليس مجرد واضع اليد على العقار المرهون بنية تملكه، بل إن معناه المقصود في الرهن هو كل من آلت إليه ملكية العقار المرهون كله أو بعضه، سواء بطريقة مفرزه أو شائعة، وسواء ملكية تامة، أم ملكية رقبة، وأيضاً هو من اكتسب على العقار المرهون حقاً عينياً أصلياً قابلاً للبيع بالمزاد العلني استقلالاً عن العقار المقرر عليه مثل حق الانتفاع.

وهذا المعنى هو ذاته ما قررته (المادة 1354) من القانون المدني الأردني، كما أكده المشرع المصري من خلال المادة 1060/2 من القانون المدني المصري.

ومفاد ما تقدم أنه يشترط لاعتبار الشخص حائزاً عدة شروط نجملها فيما يلي:

أ- أن يكون سند الحائز مسجلاً وفقاً لأحكام القانون، وذلك إذا كان سبب ملكية الحائز للعقار المرهون تصرفاً قانونياً كعقد بيع أو هبه، أما لو انتقلت له الملكية بالتقادم فإنه لا يخضع للتسجيل.

فلا يخفى عن الفطنة أن الدائن المرتهن له أن ينفذ على العقار المرهون في يد الراهن، ويتجاهل تصرفه إذا كان غير مسجل، لأنه وفقاً للمادة 1148 من القانون المدني الأردني ( لا تنتقل الملكية، ولا الحقوق العينية الأخرى بين المتعاقدين وفى حق الغير إلا بتسجيلها ).

كما نصت (المادة 9) من قانون الشهر العقاري المصري على أنه: ( جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية، أو نقله، أو تغييره، أو زواله، وكذلك الأحكام النهائية المثبتة لشيء من ذلك يجب شهرها التسجيل ).

ب- أن يكون قد كسب ملكية العقار المرهون كله، أو بعضه، أو أي حق عيني قابل للرهن، أو أي حق يصح بيعه بالمزاد على وجه الاستقلال سواء كان حق انتفاع، أو ملكية الرقبة.

ج- يشترط أن يكون كسب الحق بعد تسجيل الرهن، وقبل تسجيل قرار الحجز على العقار المرهون.

د- ألا يكون مسئول مسئولية شخصية عن الدين المضمون بالرهن ( كالمدين المتضامن أو الكفيل أو الوارث) فجميعهم لا يعد حائز لأنهم مسئولين عن الدين مسئولية شخصية، لأنه وفقا للقانون المدني الأردني وأيضا المصري، واستناداً لمبدأ (لا تركة إلا بعد سداد الديون ) فإن الوارث مسئول عن الدين،  كما أن الكفيل ليس حائز لأن الدائن المرتهن يجوز له التنفيذ عليه فهو أيضا مسئول عن الدين, كما أن المستأجر لا يعد حائز لأن حيازته عرضية،  ولو كان عقد إيجاره مسجل, والسبب في ذلك أن عقد الإيجار لا ينشئ للمستأجر سوى حق شخصي, ولا يكسبه حقاً عينياً.

هـ – ألا يكون اكتساب الحائز لحقه من شأنه إسقاط حق الدائن المرتهن في التتبع مثل ( نزع ملكية العقار المرهون للمنفعة العامة ) حيث ينتقل العقار إلى الدولة مطهراً مما عليه من حقوق، أو تأمينات، ولا يكون أمام الدائن المرتهن سوى التقدم على التعويض أو الثمن.

ثالثاً: إجراءات ممارسة حق التتبع:

1- الإجراءات السابقة على بيع العقار:

أ- تسجيل الحجز في دائرة الأراضي:

من المسلم به أن الدائن المرتهن يقدم طلب التنفيذ أمام دائرة التنفيذ المختصة محلياً طالباً فيه حجز أموال المدين غير المنقولة،  ليقرر رئيس التنفيذ الحجز على هذه الأموال، ثم يتم تبليغ قرار الحجز إلى مأمور تسجيل الأراضي ليؤشر بالحجز في السجل المختص.

ولا يخفى عن الفطنة أن العلة التي ابتغاها المشرع من ذلك الإجراء هي حماية الغير الذين قد يتعاملوا مع صاحب العقار المحجوز بشأن العقار المرهون.

والأثر المترتب على وضع مأمور تسجيل الأراضي إشارة الحجز، هي منع المدين من القيام بالتصرف في العقار المحجوز إلا بموافقة دائرة التنفيذ.

ب- إخطار الحائز والمدين:

وتجدر الإشارة هنا إلى تباين موقف المشرع المصري عن موقف المشرع الأردني في اتخاذ هذا الإجراء، فبينما يوجب المشرع المصري القيام أولاً بتنبيه المدين، ثم بعد ذلك إنذار الحائز، فإن المشرع الأردني يوجب إنذار المدين والحائز معاً.

جـ – وضع اليد على العقار المرهون:

بعد اتخاذ الإجراءين السابقين، إذا لم يؤد الدين خلال ثلاثين يوماً، فإن مدير تسجيل الأراضي يقرر وضع اليد على العقار المرهون، ويعد المدين حارساً عليه إلى أن يتم البيع، ما لم يعزله الرئيس عن الحراسة أو يحدد سلطانه.

2- بيع العقار بالمزاد العلني:

وتتلخص إجراءات بيع العقار المرهون بالمزاد العلني فيما يلي:-

  • الإعلان عن بيع العقار وافتتاح المزايدة.
  • صدور قرار الإحالة.
  • حق المدين في استرداد عقاره خلال سنة من تاريخ تسجيل المال باسم من أحيل عليه.

3- توزيع ثمن العقار المبيع:

يستفاد من نصوص القانون المدني الأردني أن الدائن المرتهن يتقدم في استيفاء الدين من المال المرهون عن غيره من الدائنين المرتهن التاليين له في المرتبة والدائنين العاديين، ويشمل نطاق هذا التقدم ( أصل الدين والمصروفات والفوائد ).

ولكن يثار هنا تساؤلاً هاماً مفاده ما حكم تزاحم الدائنين المرتهنين رهناً تأمينياً ؟

في الحقيقة يجب التفرقة بين موقف المشرع الأردني وموقف المشرع المصري:-

فبالنسبة للمشرع الأردني: يفضل الدائن الأسبق في تسجيل رهنه، وقيده في الدائرة المختصة بذلك، لكن إذا تم التسجيل من قبل هؤلاء الدائنين في نفس اليوم، فإنهم يشتركون في نفس المرتبة.

أما المشرع المصري: ففي حالة التزاحم يرى أن العبرة أيضاً بالأسبقية في قيد الرهن بيد أنه إذا تم القيد من أكثر من دائن مرتهن في ذات اليوم فالعبرة في الأسبقية بالساعات.

وهناك تساؤلاً آخر يتبادر للذهن، وهو هل يمكن لدائن أن يتنازل عن مرتبة التقدم؟

 في البداية لابد أن نوضح معنى النزول عن مرتبة التقدم،  وهو يعنى تنازل دائن مرتهن متقدم في المرتبة عن مرتبته إلى دائن مرتهن آخر تالي له في المرتبة، ويكون على نفس العقار،  وهو ليس انقضاءً للدين، وليس تنازلاً عن الرهن نفسه، بيد أنه من استقراء النصوص القانونية الواردة في أحكام القانون المدني الأردني والقانون المدني المصري يجب أن يتوافر عدة شروط ليصح مثل هذا التنازل وهذه الشروط هي:

  • يشترط أن يتم النزول لصالح دائن آخر له رهن أو تأمين عيني مقيد على نفس العقار وليس دائن عادى.
  • لا يجوز النزول عن مرتبة الرهن إلا بمقدار دين المتنازل.
  • يجوز للدائن التالي في المرتبة أن يدفع أمام الدائن المتنازل له بكل الدفوع التي كان يستطيع الدفع بها.
  • يلزم تسجيل التنازل عن مرتبة الرهن في القيد الأصلي، لا كان غير نافذ في مواجهة الغير.

رابعاً: مكنات الحائز لتوقي حق التتبع:

تجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني والمصري قد أرادا الموازنة بين مصلحة جميع الأطراف، حيث وفر كل منهما  للدائن الوسائل التي تخول له الحصول على دينه المضمون بالرهن،  كما أنهما أعطا في المقابل للحائز أيضاً مكنة الاحتفاظ بالعقار المرهون الذى اكتسب ملكيته أو حق عيني عليه،  بأن وفرا له العديد من الحقوق والخيارات، ومن ضمن هذه الحقوق فقد جعلا له الحق في الاعتراض على جميع الإجراءات القانونية التي اتبعها الدائن المرتهن في نزع ملكية العقار وبيعه، وذلك بالعديد من الدفوع سواء المتعلقة بالدين المضمون بالرهن ( كالدفع ببطلان الدين أو انقضاؤه ) أو ما يتعلق بالرهن ذاته (كعدم استيفاء شروطه الموضوعية أو الشكلية أو عدم سريانه ).

فاذا لم يتمسك الحائز بهذه الدفوع، فقد أعطاه المشرع وسلتين حتى يتمكن من الاحتفاظ بملكية العقار ويتوقى بيعه بالمزاد العلني:

الوسيلة الأولى: حق تطهير العقار:

1- مضمون حق تطهير العقار الموهون:

معناه: أن يقوم الحائز بتحرير العقار المرهون من الحقوق العينية المترتبة عليه، بأن يعرض مبلغ من النقود يمثل القيمة الحقيقية للعقار المرهون على جميع الدائنين المسجلة حقوقهم على العقار قبل تسجيل حق الحائز[1].

أ- ما الحكم إذا رفض الدائنون المرتهنون عرض الحائز بتطهير العقار المرهون؟

في هذه الحالة يجب عليهم المطالبة ببيع العقار المرهون، وهذا ما أكدته نصوص القانون المدني سواء الأردني أو المصري .

ب- هل يجوز لمن اكتسب ملكية العقار المرهون تحت شرط واقف أو فاسخ أن يستخدم هذا الخيار؟

في الحقيقة للإجابة عن هذا السؤال يلزم التفرقة بيت أمرين:

الأمر الأول: إذا كانت الملكية مبنية على شرط واقف، فإنه لا يجوز للشخص أن يقوم بإجراءات تطهير العقار المرهون، لأنه لم يمتلك بعد العقار فهو ليس حائز.

الأمر الثاني: إذا كانت الملكية مبنية على شرط فاسخ، فإنه يعد حائزاً قانوناُ ويتملك فعلياً العقار،  وله الحق في أن يقوم بإجراءات تطهير العقار.

ج- ما حكم التطهير الذي قام به المالك تحت شرط فاسخ، إذا تحقق الشرط الفاسخ وزالت ملكيته؟

نص المشرع المصري على حل لهذه المشكلة في (المادة 1083) من القانون المدني المصري حيث أكد فيها على أنه 🙁 إذا تمت إجراءات التطهير انقضى حق الراهن الرسمي نهائياً، ولو زالت لأي سبب من الأسباب ملكية الحائز الذي طهر العقار المرهون ).

ويفهم من هذا النص، أنه لا يزول التطهير بأثر رجعى في هذه الحالة، والحكمة التي ابتغاها المشرع المصري من ذلك لا تخفى عن الفطنة، وهي الرغبة استقرار الأوضاع والمعاملات القانونية.

ويجوز أن يقوم بإجراءات التطهير مشترى العقار كله أو بعضه، والمقايض، والمرهون له، والموصي له والشفيع ، لكن لا يجوز لمن له حق ارتفاق على العقار، أو حق استعمال، أو حق سكنى أن يقوم به لأنها جميعاً حقوق غير قابلة للرهن .

وبالنسبة للوارث أيضاً لا يجوز له اتخاذ إجراءات التطهير، لأنه لا تركه إلا بعد سداد جميع الديون وانقضاء الرهن.

2- ميعاد التطهير:

المشرع الأردني أبقى للحائز الحق في التطهير حتى تاريخ بيع العقار بالمزاد العلني، وهذا ما ورد بموجب (المادة 1356) من القانون المدني والتي نصت على أن: (لحائز العقار المرهون رهناً تأمينيا حق تطهير العقار الذي آل إليه من كل حق عيني ترتب عليه توثيقاً لدين مسجل بأداء الدين حتى تاريخ إجراء بيعه أو في المواعيد التي حددها قانون الإجراء أو القوانين الخاصة).

وإذا أراد الحائز استخدام هذا الخيار يجب عليه إعلان جميع الدائنين المقيدة حقوقهم على العقار سواء كانوا دائنين مرتهنين رهناً رسمياً، أو رهناً حيازياً، أو أصحاب حقوق امتياز خاصة على العقار، سواء حلت آجال ديونهم، أم لم تحل.

ويلاحظ هنا أن عرض التطهير يوجه للدائنين الذين قيدت حقوقهم قبل تسجيل سند الحائز إذا كان قابلاً للتسجيل، ويكون العرض بإعلان رسمي على يد محضر، وإلا كان باطلاً قانوناً، بيد أنه لا يلزم أن يقترن هذا العرض بعرض القيمة نقداً، أو إيداعها خزانة المحكمة.

3- الأثر المترتب على تطهير العقار:

أ- بالنسبة لحائز العقار المرهون :

فإنه يلتزم بالإبقاء على عرض التطهير الذي قدمه للدائنين لمدة ثلاثين يوماً من آخر إعلان رسمي وجه إلى الدائنين، ويضاف إلى هذه المدة ميعاد المسافة كما ورد في القانون المدني المصري،  ومصدر التزام الحائز هنا هو إرادته المنفردة.

ب- بالنسبة لأصحاب الحقوق المقيدة ( الدائنون المرتهنون ):

حيث لن يخرج موقفهم عن اختيار أحد الخيارين الآتيين:

الخيار الأول: قبول عرض الحائز بتطهير العقار المرهون:

وهذا القبول قد يكون صريحاً، أو ضمنياً بسكوتهم عن طلب بيع العقار بالمزاد العلني خلال مدة الثلاثين يوماً، وذلك إذا كان المبلغ المعروض عليهم يكفي للوفاء بديونهم جميعاً.

ويترتب على قبول الدائنون لعرض الحائز بتطهير العقار المرهون أن يصبح ملتزماً بدفع المبلغ الذي تضمنه إعلان التطهير وبضمان جميع أمواله، كما يترتب على قبول الدائنين لعرض الحائز التزامه بدفع الفوائد من وقت إنذاره بالدفع، أو التخلية، أو من وقت العرض إذا أجراه قبل الإنذار.

الخيار الثاني: رفض الدائنون المرتهنون لخيار الحائز بتطهير العقار المرهون :

لم يشأ المشرع أن يجبر الدائنون المرتهنون على قبول هذا الخيار، بل يجوز لكل دائن مرتهن منهم، ولكل كفيل أيضاً رفض خيار عرض الحائز بتطهير العقار المرهون، ويكون ذلك بطلب بيع العقار بالمزاد العلني، ولكن يجب أن يوجه هذا الطلب خلال المدة المحددة للحائز وللمالك السابق، مع إيداع مبلغاً كافياً لنفقات البيع بالمزاد العلني[2].

الوسيلة الثانية: قضاء الديون:

قضاء الديون هو قيام الحائز بالوفاء للدائنين المرتهنين بحقوقهم المقيدة على العقار المرهون حتى لا يتم بيع العقار، ويجب على الحائز في هذه الحالة سداد أصل الدين، وملحقاته والمصروفات، وكل ما تم إنفاقه في إجراءات التنفيذ.

والمقصود بالديون التي يجب قضائها هي الديون التي حلت آجالها للدائنين المرتهنين فقط وليست الديون التي لم تحل.

ويبدأ حق الحائز في قضاء الديون من وقت إنذاره، وأما بالنسبة لانتهاء الوقت الممنوح للحائز لقضاء الديون فإن المشرع الأردني يعطي وقت طويل ليسهل عليه سداد هذه الديون، حيث يمتد هذا الوقت حتى صدور قرار الإحالة القطعية للمشترى، على عكس المشرع المصري الذي يقصر ممارسة هذا الحق على ما قبل وقت رسو المزاد فقط.

ومن مزايا هذا الخيار أنه إذا لم يوف الحائز بعد بثمن العقار للبائع فيقوم بقضاء الدين المترتب على البائع نفسه، وفى ذات الوقت يقضى ما في ذمته من ثمن العقار، فيتمكن من الاحتفاظ بالعقار، وتتضح الفائدة من ذلك عندما يكون الثمن الذي في ذمته أكبر من الدين أم مساوٍ له، كما أن قضاء الديون يوفر وقت وجهد للدائنين مقارنة بإجراءات بيع العقار بالمزاد العلني.

ويلاحظ أخير أنه إذا لم يستعمل الحائز أياً من هذه الخيارات سالفة البيان والممنوحة له من قبل المشرع، والمتمثلة في قضاء الديون أو تطهير العقار المرهون، فإنه يجوز لحائز العقار المرهون الاشتراك والدخول في إجراءات بيع العقار بالمزاد العلني واستيفاء ما وفاه.

خامساً: وسائل استيفاء الحائز لما وفاه:

تجدر الإشارة إلى أنه سواء اختار حائز العقار المرهون الوفاء بدين الدائنين، أو تطهير العقار من الرهن، أو دخول المزاد فإنه يقوم بذلك من أجل الاحتفاظ بملكية العقار المرهون بقدر المستطاع، وهو أمر قد ينجح فيه أو يفشل لكنه في كل الحالات من حقه الرجوع بما وفاه بإحدى الوسائل الآتية :

1- دعوى الإثراء بلا سبب:

وهي دعوى شخصية يرجع بها الحائز على المدين لدفع الدين الذي أداه الحائز، وأدى إلى افتقاره واغتناء المدين وفقاً للقواعد القانونية الواردة في أحكام القانون المدني الأردني والمصري.

وهذه الدعوى تنقضي بمرور ثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه الدائن (الحائز) بحقه في الرجوع ولا تسمع بانقضاء خمسة عشر سنة من اليوم الذي نشأ فيه حق الرجوع.

2- دعوى الضمان:

وجدير بالذكر أن هذه الدعوى هي أيضاً دعوى شخصية يرجع فيها الحائز على من تلقى منه الملكية سواء المدين أو غيره، حيث إن قضاء الدين في حكم الاستحقاق الجزئي أو الكلى وقد فرق المشرع في هذه الدعوى بين حالتين:

الحالة الأولى/ قبل تسليم المبيع، وهنا يجب أن ترفع الدعوى على كل من المشترى والبائع.

الحالة الثانية / بعد تسليم المبيع، ترفع الدعوى فقط على المشترى لكن من حقه المطالبة بإدخال البائع إذا أراد الرجوع عليه.

ويلاحظ أنه إذا كان التصرف بلا مقابل وكان وصية، فلا يستطيع الحائز الرجوع على المالك السابق.

أما إذا كان التصرف هبه فنفرق بين أمرين:

الأمر الأول/ إذا كانت هبه بعوض، فلا يضمن الراهن الاستحقاق إلا بمقدار ما دفعه المرهون له من عوض.

الأمر الثاني/ إذا كانت هبه بلا عوض، فلا ضمان للحائز.

3- دعوى الحلول:

ترفع هذه الدعوى في حالة قضاء الديون، أو تطهير العقار، لأن الحائز يحق له أن يحل قانوناً كموفي محل الدائن المرتهن (الموفي له) بحدود ما وفاه، وبنفس خصائص حق الدائن المرتهن، وتوابع هذا الحق، وبما يكفله من تأمينات وما يرد عليه من دفوع، وهذا ما أكده القانون المدني الأردني في (المادة 1363/1) والقانون المدني المصري في (المادة 1061).

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التميز بشأن حق التتبع:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1930 لسنة 2020 ما يلي:

أجازت المادة (1335) من القانون المدني ” للراهن أن يتصرف في عقاره المرهون رهناً تأمينياً دون أن يؤثر ذلك على حقوق المرتهن”، كما أعطت المادة (1352) من القانون ” للدائن المرتهن رهناً تأمينياً حق تتبع العقار المرهون في يد أي حائز له لاستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به طبقاً لمرتبته”، وأن للدائن المرتهن رهنا تأمينيا وفقا للمادة (1353) من القانون ذاته أن يتخذ إجراءات نزع ملكية العقار المرهون وبيعه إذا لم يؤد الدين في ميعاده وذلك بعد إنذار المدين وحائز العقار طبقاً للإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراء والقوانين الخاصة”

وورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2950 لسنة 2011 ما يلي:

إن ما قام به المدعى عليهما الأول والثانية من تنظيم سند الرهن قد تم وفق أحكام المادة 1324 من القانون المدني الأمر الذي بني عليه أن حق الدائن …… تتبع العقار المرهون وإعادته إلى الحالة التي كان عليها عند إجراء الرهن بما في ذلك المطالبة بإبطال أية بيوعات أو تصرفات حصلت عليه بعد الرهن من المدينين ولا يرد القول بأن الطاعنة كانت حسنة النية عندما آل إليها العقار عن طريق البيع لأن ذلك لا يمنع صاحب الرهن من تتبع العقار في يد حائز كانت وإعادة الرهن عليه بصرف النظر عن سوء النية أو حسنها في ضوء صراحة النصوص القانونية السابقة.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] أنظر علي عبد العزيز سليمان، حق الدائن المرتهن في بيع العقار المرهون في التشريع الأردني “دراسة مقارنة”، 2014، ص 71.

[2] أنظر في ذلك الأستاذ الدكتور/ نبيل سعد، التأمينات العينية والشخصية، 2006، دار الجامعة الجديدة، ص 156.

Scroll to Top