العدالة القضائية
تناضل العديد من الدول من أجل الوصول إلى تحقيق أكبر قدر يمكن الوصول إليه للعدالة القضائية والتي تؤدي إلى قيام دوله صالحه لتولي مهمتها في الداخل والخارج، وعلي ذلك يستلزم الوصول إلى العدالة القدرة علي سبل الانتصاف من المظالم والنفاذ إلى هذه السبل عن طريق إحدى سلطات الدولة وهي السلطة القضائية ممثله في القضاء المحلي.[1]
وثمة بُعد خاص للوصول إلى العدالة القضائية يتعلق بالتغلب على مظاهر الظلم والجور والتمييز فيما بين القضاة أو بين الأطراف المتنازعة وذلك للوصول إلى عدالة حقيقة وليست زائفه. ولنتبين ذلك من خلال النقاط التالية:
أولاً: ماهية العدالة القضائية:
ثانياً: العدالة القضائية وتطبيقها في العالم الغربي:
ثالثاً: العدالة القضائية وتطبيقها في العالم العربي والإسلامي:
رابعاً: العدالة القضائية وتطبيقها بعد جائحة کوفید19:
أولاً: ماهية العدالة القضائية:
تعبر العدالة القضائية عن عدم الانحياز في محاكمه أي إنسان لأي أمر، فالعدالة هدف إنساني يتم تنظيمه عن طريق قانون وضعي، حيث تتم صياغة القوانين الوضعية عن طريق مشاركه كافة طوائف المجتمع، فتكون العدالة هي العمل وفقا لمتطلبات القانون، لذلك تعتبر العدالة قاعده اجتماعيه الهدف الأساسي منها هو استمرار الحياة بين البشر.
والإسلام خير مثال علي ذلك فهو يقوم بتطبيق العدالة القضائية في أتم صورها ويجعلها مرتبطة بشروط معينه يترتب على تخلفها انعدام العدالة، وقد اشترط عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – علي القاضي الالتزام بما يلي:[2]
- سرعه تنفيذ الحكم عند التأكد من كونه صحيحا لا يشوبه عيب،
- وكذلك المساواة بين المتقاضين في صغائر الأمور حتى وإن كان لا يُنظر إليها،
- والامتثال لقاعده مؤداها أن البينة علي المدعي واليمين على من أنكر ومناقشه فكره التصالح بين الأطراف طالما لا تتعارض مع الدين.
والواقع أن الله عز وجل قد أرسى قاعدة هامة للعدالة يغفل عنها العديد من البلدان أو يلمون بها ولكن يغضون الطرف عنها والتي تتمثل في ضرورة سرعة الحساب واقتضاء الحقوق، فبطئ العدالة هو النموذج الأمثل للبعد عنها وذلك ما يتضح من قول الله تعالى ” لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ “[3]، فالآية الكريمة توضح وجود ترادف بين الظلم وبطء الحساب.
ثانياً: العدالة القضائية وتطبيقها في العالم الغربي:
1- العدالة القضائية في العالم الغربي:
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مؤسس علي مبدأ عام مفاده أن لكل إنسان الحق علي قدم المساواة التامة مع الأخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقله نزيهة نظراً عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وأي تهمه جنائية أخري توجه إليه.[4]
فهذا الإعلان هو بمثابة اتفاق مشترك بين الدول التي تعاهدت على العمل بمقتضي هذا الإعلان فالإعلان وإن كان ملزم للدول الداخلة فيه فهو غير ملزم لبقيه الدول ولكنه له حيز كبير في التطبيق بين الدول الداخلة في هذا الإعلان، مثل عرف عام لكل الدول يجب الاقتضاء به والحذو حذوه، فهذا الإعلان يطلعنا بطريقه ما على دور العدالة القضائية في الدول الأوروبية.
فضلاً عما ورد بالميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان والحريات الجوهرية المبرم سنه1950 والذي تنص مادته السادسة في فقرتها الأولى على أن: (لكل شخص عند الفصل في حقوقه المدنية أو في حقوقه الجنائية الحق في مرافعة علنيه عادله وخلال مده معقوله أمام محكمه مستقله غير منحازة ومشكله طبقا للقانون).
وكذلك الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان لعام 1969 والذي تنص المادة الثامنة فقره أولي منه على أن: بالميثاق الأمريكي لحقوق الأنسان 1969 م وذلك بين ما ورد به على أن: (كل أنسان له الحق في أن تنظر دعواه بالضمانات اللازمة وخلال مده زمنيه معقوله في محكمه مؤهله مستقله ومحايده، سبق إقرارها قانونيا لإقامه الحجة علي أية اتهامات ذات طبيعة جنائية توجه إليه أو للفصل في حقوقه والتزاماته ذات الطبيعة المدنية أو المهنية أو الضرائبية أو غيرها)
فالعدالة تعتمد بصفه أساسيه على وجود سلطه قضائية مستقله ومحايده لكي يتم بها إنفاذ الحقوق، فوجود هذه السلطة بكل اختصاصاتها وتوافر الشروط اللازمة بمقتضي القانون تحقق عدالة قضائية سليمة لكل من المتقاضيين والقضاة علي وجه سواء لكي يتم إنفاذ صحيح القانون.
ولما كان ذلك فقد وضع أكثر دول الغرب متطلبات معينه يجب توافرها للحصول على المعنى الحقيقي للعدالة بالنسبة لقطاع القضاء ومن ضمنها متطلب الحيادية وهو استقلال القضاء استقلالا ذات طبيعة مرنه من أجل اللجوء إلى هدف وهو تحقيق العدالة.[5]
فالمجتمع الحر القادر على تحقيق العدالة هو المجتمع الذي يمنح القانون سلطة الرقابة على الحكام والمحكومين لكي يكون قادرا على استيعاب الهدف من وراء تطبيق القاعدة القانونية وهو تحقيق العدالة في أتم صورها.
إن الاستقلال أو الحيادية الذي يفرضه المجتمع الغربي على القضاء يتمثل في استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية الممثلة في الحكومة، والواقع أنه يجب أن يكون مستقلا كذلك عن السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان وذلك بصفتها واضعة للقانون ولا يقصد بالاستقلال الاستقلال الجامد ولكنه استقلال مشرب بنوع من التعاون وذلك لإرساء العدالة[6].
حيث أن ثقة الناس في المعاملات القضائية ولما فيها من نزاهة وعدل يحقق الهدف المنشئ له القضاء وهو فصل الخصومات وقطع المنازعات بين الناس على الصعيدين الوطني والمحلى ولعل خير مثل لذلك ما قاله أحد القضاء.
إن سلطة المحكمة التي لا تخضع للمال أو القوة وإنما ترتكز بالمقام الأول على استمرارية ثقة الشعب في قانونها الأخلاقي, مثل هذا الشعور يجب تغذيته بانفصال المحكمة التام فعليا وظهريا عن أية ارتباطات سياسيه وبالامتناع عن إقحام نفسها في صراع القوى السياسية [7]
2- التطبيقات المختلفة للعدالة القضائية في الدول الغربية
أ- وجود حرية التعبير والانتماء:
فاٍن لأعضاء الهيئات القضائية مثلهم في ذلك مثل المواطنين يكون لهم حرية التعبير والانتماء إلا أن ذلك وإن كان الهدف منه تحقيق العدالة إلا أنه يجب أن يكون في إطار الحيادية والاستقلال والمعرفة التامة بما يشكل آرائهم من خطورة على سير النظام وعلى تحقيق العدالة المتطلبة
ب – انتقاء العناصر القضائية القادرة على تطبيق العادلة:
حيث يتم انتقاء العناصر القضائية من أفضل العناصر القانونية، فضلاً عن خضوعهم للتدريب المستمر والذي يكفل لهم التمكن من الفصل السليم في المنازعات وفقاً لقواعد الحيدة والحياد المنوطين بهم.
ج- عدم العزل إلا بقانون:
فحظر عزل القضاة يُمثل أحد أهم الضمانات التي يمكن أن يُحاط بها أعضاء الهيئة القضائية، حتى لا يكونوا عُرضة للتأثير عليهم من أي سلطة – وعلى وجه الخصوص السلطة التنفيذية – حيث بوجود تلك الضمانة يكون القاضي على علم – وعلى يقين – أنه لن يُعصف به حال إصداره لحكم يُخالف أهواء السلطة الحاكمة، حيث لن تستطع يدها أن تمتد إلى القاضي لتحصنه بعدم جواز عزله إلا بمقتضى أحكام القانون.
ثالثاً: العدالة القضائية وتطبيقها في العالم العربي والإسلامي:
إن القضاء هو الوتيرة الصامدة في وجه كل مخالف لأحكام القانون وإن كان العالم العربي عرف هذه المعلومات في وقت متأخر إلا انه قد وضع أسس مختلفة لمعالجة هذه المشكلة وان كانت لا تكفي لتحقيق اقصى عدالة حقيقيه إلا أنها لها ضوابط قادره على تحقيق عدالة حقيقة وان كانت غير منجزه؟
وتبع العالم العربي العالم الغربي في المبادئ التي تحقق العدالة وإن كان هناك تغيير في بعض هذه المبادئ من حيث تفعيلها وتفاصيل القيام بها ومواجهتها للظروف والتطورات والاختلافات بين كلا من العالم الغربي والعربي
فقد أرسي العالم العربي العدالة القضائية من خلال مبدئ الحيادية والاستقلال وعدم جواز عزل القاضي إلا بقانون والمساواة بين الخصمين وسرعة تنفيذ الأحكام الباتة التي لا تقبل الطعن، وكذلك حق الطعن على الأحكام التي يشوبها عيب في الإجراءات أو كانت جائره مطمرة لحق على أخر
مثال ذلك ما نصت عليه (المادة 184) من الدستور المصري أن السلطة القضائية مستقله تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفقا للقانون، ويبين القانون صلاحيتها والتدخل في شؤن العدالة أو القضايا الأخرى جريمة لا تسقط بالتقادم
وكذلك ما ذكره المشرع الأردني في (المادة 97) من الدستور على استقلال السلطة القضائية حيث نص بوضوح على أن القضاة لا يخضعون إلا لسلطة القانون وكذلك من المفترض أن يوافق الملك على قرار التعيين والإقاله بالنسبة للقضاة لكن يشرف مجلس القضاة الأعلى في الواقع على هذه العملية.[8]
وكذلك تمنح كلا من (المادة 102) من الدستور وقانون الإجراءات الجنائية الأردني الشخص المتهم حق الاستعانة بمحام يختاره بنفسه خلال فترة التحقيق.[9]
كما تنص (المادة 22) من قانون الإجراءات الجنائية الأردني على أنه يحق للمحامي حضور التحقيق ما لم يكن التحقيق سريا.
فهناك شبه اتفاق بين المبادئ والأسس التي تقوم عليها الدساتير المختلفة من اجل تحقيق عدالة قضائية.
رابعاً: العدالة القضائية وتطبيقها بعد جائحة کوفید19:
كوفيد 19 كان له عظيم الأثر على الناحية القضائية وذلك من حيث وقف العمل في بعض المحاكم وتعطيلها فتره معينه شأنها في ذلك شأن باقي القطاعات، وانتبه العالم بعد هذه الجائحة إلى منظومة العدالة القضائية الإلكترونية وذلك على نطاق الحكم والتحقيق وتم عمل أبحاث وتطويرات كثيرة في مجال العدالة الرقمية وذلك في شتي مجالاتها ومن ضمنهم كذلك المحاماة الإلكترونية وتدخل الأدوات الرقمية في القضاء وفي التحقيق وكل ذلك تم العمل على تطويره في مرحلة ما بعد کوفید19.
1- أهمية العدالة الرقمية:
فالعدالة الرقمية توفر مناخ من التطور[10] يؤدي العمل بها إلى تحقيق عدالة أفضل مما سبق من عدم العمل بها وذلك لما لها من كيفيه تجنب مشكله العدالة غير الناجزة وذلك لآن البطء في إصدار الحكم سواء بالإدانة أو البراءة يكون ظلم وعدم تطبيق للعدالة، ولكن لا يقصد من ذلك أن يكون القاضي سريعا في إصدار الأحكام تلك السرعة التي تؤدي إلى خطأ في تطبيق القانون أو الإهمال فيه أو عدم محاباة الحقيقة، لكن سرعه تجنب هذه المشاكل تؤدي إلى عدالة ناجزه لتوصيل الحقوق إلى أصحابها.
كما تؤدى إلى تسهيل التواصل بين المواطنين والمحامون والقضاة لأن استخدام تكنولوجيا المعلومات يؤدي إلى الولوج بسرعه إلى كافة البيانات المتطلبة سواء بالنسبة للمحامين أو القضاة وكذلك الإداريين في المحكمة فهو يكفل ضمانه حقيقة في قطاع العدالة الرقمية بالنسبة للقضاة وهي تسهيل التواصل بين كل أطراف العلاقة والداخلين فيها والمتداخلين
وتتمثل أهمية هذا التطور في قطاع العدالة القضائية في زيادة كفاءه النظام القضائي وكذلك الحد من التكاليف وانتهاء الخصومة في فتره وجيزة، وكذلك تبسيط الإجراءات القانونية بين موظفو الحكومة والنيابات وكل العاملين في المجال القضائي مما يقلص عدد المترددين على المحكمة إلى اقل بكثير ممن قبل.
2- مميزات المحاكم الافتراضية:
إن المحكمة الافتراضية وهي بصدد ممارسة عملها في القضاء تحقق عدالة ناجزه قادرة على إيصال الحقوق إلى أصحابها وتذليل كافة الصعوبات على المواطنين وتقريب المسافات مما يجعل بعد ذلك ألا يكون هناك داعيا لتحقيق الاختصاص المكاني.
إذ أن القاضي يحقق في الواقعة وهو في حيز مكاني مختلف عن مكان المتهم وهو بذلك يعالج مشكلة اكتظاظ دور المحاكم إذ كثيراً ما تواجه الشعوب المختلفة في تحقيق العدالة الرقمية صعوبات جمة وتختلف الدول في سبيل حل هذه المشكلات.
وتتمثل الرقمنه القضائية لتحقيق العدالة في شتى صورها من خلال إيداع المذكرات إيداعا رقميا وكذلك دفع الرسم المخصص للخدمة عن طريق الدفع الإلكتروني، ومن ضمن الأمثلة التي يحتذى بها في تطبيق العدالة الرقمية بعد کوفيد19 هي شبكة المحامين الخاصة الافتراضية في (R p v a ) وهي شبكه للحاسب الألى تتيح التواصل بين المحامين من خلال الإجراءات التي يتم اتخاذها قضائيا وإداريا سواء فيما يتعلق بالقسم المدني أو الجنائي أو الإداري أو الدولي وذلك من خلال شبكه مؤمنه الكتر ونيه.
يتم اللجوء إلى هذه الشبكة الإلكترونية عن طريق الحصول على اسم مستخدم وكلمه مرور يحصل عليها المحامي من الإدارة القائمة عليه.
إلا انه يجب لتحقيق كل هذا التطور بعض المتطلبات التي لا يجب الاستغناء عنها للتمكن من الممارسة الفعالة للعدالة الرقمية وهي وجود حاسب ألي له حيز على الشبكة المعلوماتية ومتصل بها.
كما يجب أن يكون هناك خوادم عملاقه ومؤمنه لتخزين البيانات وحفظها وكذلك الإمكانيات البشرية[11] القادرة علي مواكبه هذا التطور واستخدامه بالطريقة المثلي لتحقيق اقصي استفادة ممكنه وعلى ذلك تكون الرقمية نموذج رائد لتحقيق العدالة القضائية في أتم صورها.
كتابه الباحث/ وليد سيد حسن
[1] تقرير لجنه الخبراء عن دورتها الخامسة (ARS/21/52) صفحه (5) وما بعدها
[2] د/ محمد حميد الله الحيدر أبادي، مجموعه الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، مطبعه القاهرة، مصر صفحه 56
[3] الآية 17، سورة غافر.
[4] الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المادة (10) الذي أعلنته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 10 من ديسمبر سنه 1948م
[5] انظر أيضا مجله المنظومة بعنوان ضمانات تحقيق العدالة القضائية الناشر هيئه المحامين بجده صفحه ٨٨٦ وما بعدها
[6] لورد بينجهام أوف كرول رئيس المحكمة العليا بإنجلترا استقلال القضاء المحاضرة الثانوية لمجلس الدارسات القضائية 1996
[7] قضية بيقر ضد كار المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية 1962 فرانكفورت
[8] نص المادة 97 من الدستور الأردني بقولها (القضاة مستقلون لا سلطه عليهم في قضائهم لغير القانون) مطبوعات مجلس النواب 1432هجريا,2011ميلاديا
[9] مشروع يور ميد للعدالة الثاني/الوصول إلى العدالة والمساعدة القضائية في البلدان المتوسطية الشريفة/جوليان لويليه خبير علمي صفحه 15
[10] / مصطفي حامد محمد عيسى ضمانات العدالة المتعلقة بالحكم القضائي واهم تطبيقاتها المعاصرة دراسة فقهيه مقارنه مجله كليه الدارسات الإسلامية للبنين بأسوان العدد الرابع تاريخ ذو القعدة 1442ه صفحه 3110وما بعدها
[11] من المحكمة الإلكترونية إلى المحاكمة الإلكترونية في ظل وباء وجائحه كرونا للأستاذ محمد القاسمي صفحه 462 وما بعدها.

