إنكار العدالة
إن القضاة هم سدَنة للعدل وحُماة للحق، حاملين رسالة الله في الأرض يُناط بهم إماطة اللثام عن الحقائق والعمل على إرجاع الحق لكل ذي حق سُلب منه، لذلك تعين عليهم أن يكونوا حريصين كل الحرص على القضاء في الدعاوى التي ترفع أمامهم، الأمر الذي أدى إلى جعل فعل إنكار العدالة من الأفعال المستنكرة على الصعيد الداخلي والدولي والذي يتمثل في إحجام القاضي عن الحكم في النزاع المعروض أمامه.
فامتناع القاضي عن الحكم في المنازعة المثارة أمامه لهو من الأمور التي تؤدي إلى ضياع الحق وسلبه من مستحقه مما يؤدي إلى إهدار الثقة في جهاز القضاء والذي يجب أن يتحلى بضمير زاخر مترفع منأى به عن مواطن الشبهات.
فالقاضي يحمل أمانة مقدسة خطيرة تنوء بها الجبال ويحفها جلال لا يشعر به سوى من كان له قلب بصير وضمير متأرق يخشى أن يظلم أو يهدر حق ولو عن غير ذي عمد.
ثانياً: مسئولية القاضي عن إنكار العدالة:
ثالثاً: أركان جريمة إنكار العدالة:
رابعاً: إنكار العدالة على الصعيد الدولي:
أولاً: مفهوم إنكار العدالة:
إن العدالة لا تُعد اختصاص وإنما تُكيف على أنها وظيفة تمارسها الأجهزة القضائية في الدولة وتعمل على تحقيقها، لذلك نكون بصدد إنكار عدالة في كل حالة يمتنع فيها أحد القضاة عن ممارسة وظيفته وتحقيق العدال والذي يكون من خلال النطق بالحكم في النزاع المعروض أمامه.
فإنكار العدالة له معنى واضح جلي يشير إلى امتناع القاضي عن النطق بالحكم في الدعوى القضائية المعروضة أمامه، حيث أن القاضي يلتزم دائماً بالحكم في الدعاوى التي ترفع إليه ويطبق عليها النصوص القانونية التي سنها المشرع.
ولكن ماذا لو لم يجد القاضي نص يطبقه على موضوع النزاع المعروض أمامه؟
من المفترض – حتماً – أن يجد القاضي نفسه أمام فراغ تشريعي ناتج عن تطور طارئ على المجتمع لم يتمكن المشرع من مواكبته وتنظيمه بنصوص قانونية تصلح للانطباق عليه، أو أن يجد نفسه أمام نص غامض متعارض تعارض جلي مع غيره من النصوص.
والواقع أن تلك الحالات – ومثيلاتها – لا تُعد ذريعة للقاضي أو عذر يستند إليه ليمتنع عن إصدار حكم في الدعوى المعروضة أمامه، فالمشرعين عادة ما يوفرون بين يدي القضاة العديد من المصادر القانونية التي يمكنهم اللجوء إليها بحيث يكون لهم – دوماً – صلاحية الفصل في جميع المنازعات التي تعرض عليهم.
فنجد مثلاً أن المشرع المصري قد قرر بموجب (المادة 1) من القانون المدني أن: (تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة).
فيتبين إذن أن المشرع المصري قد جعل للقاضي كافة السبل التي توصله لإصدار الحكم في الدعوى، بأن ألزمه بإنزال النص التشريعي على النزاع القائم أمامه، فإن وجد فراغ تشريعي حكم بمقتضى العرف، فإن غاب العرف الصالح للانطباق على النزاع حكم بموجب أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، فإن خلت الشرعية الإسلامية من حكم يصلح للانطباق فيحكم بموجب قواعد العدالة والقانون الطبيعي، وكأن المشرع يريد أن يوجه رسالة للقاضي مؤداها أنه لا مناص من الحكم في الدعوى حتى وإن أضطر – في نهاية المطاف – أن يقضي باجتهاده في النزاع المعروض أمامه وفقاً لقواعد العدالة والقانون الطبيعي.
وذات النهج قد سار عليه المشرع الأردني، وهو ما يتضح من مُطالعة (المادة 2) من القانون المدني والتي نصت على أن: (تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص، فاذا لم تجد المحكمة نصاً في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم توجد حكمت بمقتضى العرف، فإن لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة).
ولكن هل يقتصر فع إنكار العدالة على محض الامتناع عن الحكم في الدعوى؟
إن كانت الصورة المثلى لإنكار العدالة تتجسد في الإحجام عن النطق بحكم حاسم للنزاع المعروض أمام القاضي، إلا أن بعض الفقه يرى أن إنكار العدالة يكون متحققاً في كل حالة يتأخر فيها القاضي عن نظر الدعوى أو تجاهل طلبات الخصوم أو التسويف الغير مبرر الذي لا ستند إلى سند قانوني.[1]
ويؤكد ذلك المعنى ما أصدره القضاء الفرنسي في العديد من أحكامه، فمثلاً قضت محكمة النقض الفرنسية في أحد أحكامها أن تأجيل الفصل في الملف دون مبررات يُعد من قبيل إنكار للعدالة، وفي حكم آخر لها قضت بأن امتناع القاضي عن الفصل في جزء من الطلب المقدم إليه يُعد مجسداً لجريمة إنكار للعدالة.
والواقع أن بطئ تحقيق العدالة هو ظلم بين لا يقل في وطأته عن الامتناع عن تحقيقها، وآية ذلك أن الله عز وجل قرن انعدام الظلم بسرعة الحساب في قولة تعالى: ” لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”[2].
ويتعين أن نشير – أيضاً – إلى أن فعل إنكار العدالة قد يرتكب من غير القاضي، حيث أن المشرع قد يتهم بإنكار العدالة في كل حالة يسن فيها تشريع يُصادر حق الأفراد في اللجوء إلى القضاء، وهذا ما دفع المحكمة الدستورية “الأردنية” إلى القضاء بعدم دستورية (المادة 51) من قانون التحكيم رقم (31) لسنة 2001 ذلك أنها كانت تصادر حق الأفراد في اللجوء للعدالة حيث تمنعهم من الطعن في قرار محكمة الاستئناف الصادر بتأييد حكم المحكمين، وهو ما يمثل إقرار من المحكمة بطلبات الطاعن الذي رأى أن تلك المادة هي نموذج لتجسيد إنكار العدالة.[3]
ثانياً: مسئولية القاضي عن إنكار العدالة:
تباينت التشريعات المقارنة في وصف إنكار العدالة بالصفة التجريمية، فمنهم من ذهب إلى أن فعل إنكار العدالة يُمثل جريمة جنائية يُعاقب عليها القانون، ومنهم من لم يُضمن هذا الفعل ضمن الأفعال الجنائية.
فنجد أن المشرع المصري قد عاقب على هذا الفعل بموجب (المادة 121) من قانون العقوبات المصري والتي نصت على أن: (كل قاض امتنع عن الحكم أو صدر منه حكم ثبت أنه غير حق وكان ذلك بناءً على سبب من الأسباب المذكورة في المادة السابقة يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في المادة 105 مكرراً وبالعزل).
وكذلك المشرع الجزائري الذي عاقب على جريمة إنكار العدالة بموجب (المادة 136) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: ( يجوز مُحاكمة كل قاضي أو موظف إداري يمتنع بأي حجة كانت عن الفصل في ما يجب أن يقضي فيه بين الأطراف بعد أن يكون قد طُلب إليه ذلك ويصر على امتناعه بعد التنبيه عليه من رؤسائه، ويُعاقب بغرامة من 750 دج إلى 3000 دج، وبالحرمان من ممارسة الوظائف العمومية من خمس سنوات إلى عشرين سنة).
وكذلك سار على ذات النهج المشرع المغربي والفرنسي حيث قرروا أن فعل إنكار العدالة يُعد جريمة يقع فاعلها تحت طائلة القانون الجنائي، في حين نجد أن هناك بعض الدول التي لم تقرر العقاب على فعل إنكار العدالة ومنها الأردن، حيث أن المشرع الأردني لم يتناول بالتجريم فعل إنكار العدالة مما يؤدي إلى عدم جواز مُعاقبة القاضي الذي يمتنع عن الحكم في الدعاوى المعروضة أمامه لعدم وجود نص يُجرم هذا الفعل استنادا إلى مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات القاضي بأن “لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص القانون”.
ثالثاً: أركان جريمة إنكار العدالة:
1- الركن المادي:
إذا نظرنا إلى جريمة إنكار العدالة لوجدنا أنها أحد صور جرائم السلوك السلبي، أي أنها تتحقق بمحض الامتناع عن الحكم في الدعاوى المعروضة أمام القاضي، فإنكار العدالة تتمثل في الامتناع عن القيام بواجب يفرضه القانون على القاضي والمتمثل في البت في القضايا.
ومن ثم يتعين بداية أن يكون القاضي مُلزم “بنص القانون” في أن يحكم في النزاع المعروض أمامه، حتى يمثل امتناعه ماديات جريمة إنكار العدالة ليكون عُرضة للمسائلة الجنائية حال توافر الركن المعنوي في شانه.
ويذهب البعض إلى أن جريمة إنكار العدالة هي إحدى جرائم السلوك التي لا تحتاج إلى نتيجة إجرامية – مثلها مثل جريمة حمل سلاح بدون ترخيص، أو مجاوزة السرعة القانونية – فتتحقق بمجرد الامتناع عن الحكم في الدعوى، في حيث يرى البعض الأخر أن تلك الجريمة حتى يكتمل بنيانها القانوني لابد من تحقق نتيجة إجرامية تتمثل في تعطيل العدالة وإهدار الحقوق والإضرار بمركز المتقاضين.
ولكن يتعين أن نشير إلى قوام الركن المادي لا يتحقق إلا بتوافر فعل – إيجابياً كان أو سلبياً – ونتيجة إجرامية وعلاقة سببية تربط بين الفعل والنتيجة الإجرامية، ومن ثم يجب أن يكون امتناع القاضي عن الحكم في الدعوى هو السبب المباشر المؤدي إلى إهدار الحق وضياع العدل.
حيث لا يرتكب جريمة القاضي الذي يمتنع عن النطق في الدعوى المعروضة أمامه نتيجة لخطأ أحد الخصوم أو إهماله، كما لو طلب القاضي من أحد الخصوم – وعلى وجه الخصوص لو كان المدعي – أن يُقدم مستنداً معيناً ولكنه امتنع عن ذلك دون عُذر مقبول، ففي مثل هذه الحالة يكون للقاضي أن يمتنع عن الحكم بل وله أن يوقف النظر في الدعوى وقفاً جزائياً.
وكذلك لا يرتكب جريمة القاضي الذي لا يحكم في الدعوى نتيجة لقوة قاهرة حالت دون تمكنه في الحكم في الدعاوى في المواعيد المقررة للنطق بالحكم، فنجد مثلاً أن جائحة كرونا المعاصرة كان لها عظيم التأثير على عمل أجهزة العديد من الدول، ومن ثم فإذا امتنع أحد القضاة عن النطق بالحكم نتيجة للإجراءات التي اتخذت لتحجيم انتشار الفيروس فإن فعله يكون مقرون بقوة قاهرة يرفع عنه صفة التجريم.
2- الركن المعنوي:
يتمثل قوام الركن المعنوي في عنصرين وهما العلم والإرادة، فيتعين أن يكون لدى القاضي علم بأنه يحجم عن النطق في أحد الدعاوى المعروضة أمامه، وأن تتجه إرادته الحرة إلى القيام بهذا الفعل.
أما مجرد خطأ وإغفاله للنطق بالحكم في بعض الدعوى أو الطلبات المقدمة إليه لا يمثل جريمة جنائية وإن أمكن أن يُثير مسئولية القاضي التأديبية.
رابعاً: إنكار العدالة على الصعيد الدولي:
1- مفهوم إنكار العدالة في القانون الدولي:
لا يُعد مفهوم إنكار العدالة من المفاهيم الحديثة في القانون الدولي، حيث عُرف هذا المفهوم منذ عدة قرون للتعبير عن حالة الشخص الأجنبي الذي يُصاب بضرر حال وجوده في دولة غير دولته وعدم وجود الآليات القضائية التي تُمكنه من الحصول على حقه في هذه الدولة.[4]
وهناك بعض الفقه من رأى أن إنكار العدالة الدولية لا يقتصر على حرمان الأجنبي من اللجوء إلى القضاء في الدولة الأجنبية التي يوجد بها، وإنما يتحقق إنكار العدالة في كل حالة يُصاب فيها الجهاز القضائي في الدولة الأجنبية بالفساد والذي من شأنه أن يجعل القضاء الوطني يُصدر أحكام ظالمة ضد الأجنبي.
2- وسيلة واجهة إنكار العدالة في القانون الدولي:
ولقد كانت “خطابات الانتقام” هي الوسيلة التي كان يستخدمها الأشخاص قديماً في حال أن تعرضوا لظلم من الأجهزة القضائية خارج دولهم، حيث كانت تلك الخطابات تمنح للأشخاص المتضررين من دول جنسيتهم لتمنحهم الحق في الحصول على تعويض من الشخص المتسبب في إلحاق الظلم بهم حال وجد في الدولة مصدرة الخطاب.
أما في ظل القانون الدولي المُعاصر فقد تطورت وسائل مواجهة إنكار العدالة وأصبح للدولة التي ينتمي إليها الأجنبي بجنسيته أن تقيم دعوى المسؤولية الدولية على الدولة التي يُنسب إلى جهازها القضائي ارتكاب جريمة إنكار العدالة.
3- أساس المسؤولية الدولية لجريمة إنكار العدالة:
يستند اتهام الدولية بإنكار العدالة على التزام كل دولة أمام المجتمع الدولي بضمان حسن سير العدالة على إقليمها والتزامها بإقامة نظام قضائي يكفل للأجنبي المقيم على إقليمها حداً أدنى من الضمانات القانونية التي تمكنه من الحصول على حقوقه.[5]
وجديراً بالذكر أن فكرة إنكار العدالة لم تعد قاصر على حماية الأجانب من الأحكام الظالمة أو التهاون في تمكينهم في الحصول على حقوقهم في الدول الأجنبية، حيث كانت تلك هي النظرة السائدة لفكرة إنكار العدالة على الصعيد الدولي في ظل القانون الدولي التقليدي.
أما الآن فالأمر أصبح أوسع نطاقاً، حيث يمكن أن تثار مسئولية الدولية عن جريمة إنكار العدالة في كل حالة يتبين فيها قيامها باتخاذ تدابير قانونية أو سياسية من شأنها أن تعطل العمل القانوني أو تحرم “مواطنيها” من اللجوء إلى القضاء ليتمكنوا من الحصول على حقوقهم.
4- أساس الالتزام الدولي بتحقيق العدالة:
يوجد العديد من المواثيق الدولية التي تضع على الدول التزاماً بتحقيق العدل والإنصاف على إقليمها سواء تعلق الأمر بمواطنيها أو بأجانب يقيمون على إقليمها سواء أكانت إقامة دائمة أم عابرة.
فمثلاً تنص (المادة 8) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: (لكلِّ شخص حقُّ اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصَّة لإنصافه الفعلي من أيَّة أعمال تَنتهك الحقوقَ الأساسيةَ التي يمنحها إيَّاه الدستورُ أو القانونُ)، وأيضاً تنص (المادة 10) من ذات الإعلان على أن: (لكلِّ إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحقُّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا مُنصفًا وعلنيًّا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أيَّة تهمة جزائية تُوجَّه إليه.).
وكذلك كفلت نصوص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تحقيق العدالة للكافة – مواطنين كانوا أم أجانب – بتقريره أن تتعهد كل دولة بأن تكفل توفير سبيل فعال لإنصاف أي شخص تنتهك حقوقه أو حرياته المعترف بها في العهد حتى لو صدر الانتهاك من أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر في ذلك د/ على عوض الجبرة، د/ محمد خليل أبو بكر، المسؤولية الجزائية للقاضي النظامي في القانون الأردني، 2019، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والقانونية، ص229. وفي ذات المعنى أنظر مقني عمار، المسؤولية الجزائية والتأديبية عن إنكار العدالة في القانون الجزائري والمقارن، 2012، جامعة الإسكندرية – كلية الحقوق، ص1302.
[2] سورة غافر، الآية 17.
[3] أنظر الحكم رقم (2) لسنة 2013 الصادر عن المحكمة الدستورية.
[4] أحمد حسن فولي، إنكار العدالة الجنائية الدولية في عمليات بناء الإسلام، 2017، جامعة الإسكندرية – كلية الحقوق، ص658، 659.
[5] أحمد حسن فولي، المرجع السابق، ص 660.

