خيار رؤية المبيع في عقد البيع

خيار رؤية المبيع في عقد البيع

خيار الرؤية من خصائص عقود المعاوضات التي تقبل الفسخ كالبيع ونحوه وقد شرع هذا الخيار بالسنة النبوية الشريفة فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم “من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه”.

 فقد تدفع الحاجة المشتري إلى شراء شيء معين ولا يتمكن من رؤيته لكونه بعيدا عن بلدته أو لأي سبب آخر وعدم رؤيته للمعقود عليه الذي قد يدفع فيه ثمنا باهظا كالعقارات ونحوها تجعله غير مطمئن لهذا العقد فهو يخشى أن يجد المعقود عليه بخلاف ما كان يرغب فيه فيكون مرغما على قبوله ومن ثم يكون رضاه غير تام لذلك حرصت الشريعة الغراء على منح المشتري ونحوه الحق في الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه الذي لم يره وقت العقد وفي ذلك حماية لماله من أن ينفق فيما لا يريده ومنحه مهلة للتروي والتفكر قبل أن يكون العقد لازما في حقه وتيسيرا للمعاملات بين الناس وسوف نتناول في هذا المقال بيان أحكام خيار الرؤية في كلا من الفقه والقانون المدني الأردني وذلك على النحو التالي:

أولاً: تعريف خيار الرؤية في الفقه والاصطلاح

ثانيا: مشروعية خيار الرؤية في الفقه والقانون

ثالثا: من يثبت له خيار الرؤية

رابعا: شروط ثبوت خيار الرؤية

خامسا: وقت ثبوت خيار الرؤية في الفقه والقانون

سادسا: مدة ثبوت خيار الرؤية في الفقه والقانون

سابعا: آثار خيار الرؤية في الفقه والقانون

ثامنا: مسقطات خيار الرؤية

تاسعا: انتهاء خيار الرؤية بالفسخ وشروط الفسخ

عاشرًا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بخيار الرؤية

أولاً: تعريف خيار الرؤية في الفقه والاصطلاح:

تعريف خيار الرؤية في الفقه: اختلف الفقه في تعريف خيار الرؤية ومن بين هذه التعريفات  “أنه حق يثبت للمتملك الفسخ أو الإمضاء عند رؤية محل معين الذي عقد عليه ولم يره”[1].

تعريف خيار الرؤية في القانون: لم يذكر المشرع الأردني تعريفا لخيار الرؤية وإنما ذكره بصفة عامة واكتفى بذكر أحكامه وترك أمر التعريف للفقه القانوني, وقد تعددت التعريفات ومن بينها أنه حق يثبت للمتصرف له بمقتضاه يخير بين إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه الذي لم يره وقت العقد.

ويقصد بالخيار: التخيير بين إجازة العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه.

ويقصد بالرؤية: الرؤية التي يدرك بها خصائص المبيع وماهيته بواسطة الحواس كالنظر واللمس والشم والتذوق.

ثانيا: مشروعية خيار الرؤية في الفقه والقانون:

أ)مشروعية خيار الرؤية في الفقه:

اختلف الفقه في بيان مشروعية خيار الرؤية تبعا لاختلافهم فيما يتعلق ببيع العين الغائبة أي التي لم توجد وقت العقد أو وجدت ولكن لم يتمكن المشتري من رؤيتها, وترتب على خلافهم هذا ثلاثة مذاهب:

مذهب الحنفية: أجاز الحنفية خيار الرؤية للمتملك مطلقا دون حاجة إلى اشتراط حقه في خيار الرؤية في العقد فهو يثبت بالشرع لا بالشرط بخلاف خيار العيب وخيار الشرط , فيجوز عندهم بيع العين الغائبة سواء وصفت في العقد أم لا, وبناء على ذلك يجوز للمشتري شراء شيء لم يره قبل العقد أو عند العقد ويكون له الخيار عند رؤية هذا المبيع إن شاء أتم البيع وإن شاء رده حتى وإن كان المبيع مطابقا لما وصف له .

واستدلوا على ذلك بما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم” من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه” فهذا دليل من السنة النبوية عن ثبوت خيار الرؤية.

وهو ما أخذ به التقنين المدني الأردني.

مذهب المالكية: أجاز المالكية خيار الرؤية إذا اشترطه المتعاقدان في العقد فهو إذا لا يثبت بالشرع وإنما بالشرط بخلاف ما ذهب إليه المذهب الحنفي, فالمالكية يجيزون بيع العين الغائبة الموصوفة فإن كان المبيع عند الرؤية مطابقا للوصف لزم المشتري المبيع وإن كان غير مطابق للوصف فالمشتري يكون بالخيار حينئذ بين إتمام العقد أو فسخه.

مذهب الشافعية: لم يجز الشافعية خيار الرؤية في المذهب الجديد لأن بيع العين الغائبة عندهم لا يصح سواء كانت العين موصوفة أو غير موصوفة واستدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم “لا تبع ما ليس عندك ” وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.

وقد رد الأحناف على هذا القول بأن بيع العين الغائبة لا تؤدي إلى النزاع بين المتعاقدين لأن المشتري يكون له الخيار عند رؤية المبيع بين إتمام العقد أو فسخه.

ب)مشروعية خيار الرؤية في القانون :

 خيار الرؤية لا يتعارض مع النظام العام فقد أجازته التشريعات المدنية المختلفة ومن بينها التشريع المدني الأردني فنص في (المادة 184) منه على  أنه “يثبت خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ لمن صدر له التصرف ولو لم يشترطه إذا لم ير المعقود عليه وكان معينا بالتعيين”.  ويتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أن خيار الرؤية حق يثبت للمشتري دون حاجة إلى اشتراطه في العقد ,وقد بين القانون شروط ثبوته وحكمه وكيفية الفسخ والإجازة وحالات سقوط الخيار.

ثالثا: من يثبت له خيار الرؤية:

هل يثبت خيار الرؤية لأحد المتعاقدين فقط أم أنه يثبت لكليهما؟ ونبين ذلك  في كل من الفقه والقانون:

أ_ من يثبت له خيار الرؤية في الفقه:

ذهب الحنفية إلى ثبوت خيار الرؤية للمتصرف له أي الطرف المتملك لا المُمَلّك  كالمشتري و نحوه دون البائع؛ لأن البائع يستطيع معرفة ما يبيعه أكثر من المشتري فلا حاجة لثبوت خيار الرؤية في حقه فمن ورث أرضا ولم يرها ثم باعها دون أن يراها لا يحق له طلب فسخ العقد بناء على خيار الرؤية عند رؤية المبيع.

أما المشتري فهو حين يشتري شيئا لم يره فإن رضاه بهذا المبيع تكون غير كافية لذلك شرع له خيار الرؤية ليتمكن من فسخ العقد إذا لم يعجبه المبيع أو كان بغير الصفة التي وصفت له فلا يجبر على شراء شيء لا يريده .

ودليل ذلك أن عثمان بن عفان باع مالا له بالكوفة لم يره لطلحة بن عبيد الله فقيل لعثمان: إنك قد غبنت. فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أر. فقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت مالم أر, فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان.

فقد جعل الخيار للمشتري دون البائع وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد.

وأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للبائع إذا باع ما لم  ير ووصفه للمشتري”.[2]

ب- من يثبت له خيار الرؤية في القانون:

يثبت للمتصرف له أيضا كالمشتري ونحوه  دون البائع وهو ما أكدت عليه المادة (184) من القانون المدني بقولها:” يثبت خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ لمن صدر له التصرف ولو لم يشترطه إذا لم ير المعقود عليه وكان معينا بالتعيين” .

فهو حق يثبت بحكم الشرع و بقوة القانون دون حاجة إلى اشتراطه أو النص عليه في العقد.

رابعا: شروط ثبوت خيار الرؤية:

من خلال نص المادة( 184)من القانون المدني الأردني يتبين لنا أنه اشترط عدة شروط في المعقود عليه حتى يثبت خيار الرؤية وهذه الشروط هي:

1-أن يكون العقد مما يحتمل الفسخ برد المعقود عليه:

كالبيع وإجارة الأعيان وقسمة غير المثليات ( القيميات) والصلح على مال هو عين بالذات فهذه العقود الأربعة تنفسخ برد المعقود عليه, أما العقود التي لا تحتمل الفسخ كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد فلا يثبت فيها خيار الرؤية, فالمرأة التي تقبل أن يكون مهرها قطعة أرض ولم تر هذه الأرض لا يثبت لها خيار الرؤية بأن تكون بالخيار بين قبول المهر عند رؤية الأرض أو عدم قبوله لأن المهر لا يفسخ العقد برده.

 2-أن يكون خيار الرؤية للمتصرف له :

أي المتملك كالمشتري والمستأجر ونحوه أما المتصرف أو المالك كالبائع فلا يثبت له خيار الرؤية فمن ورث قطعة أرض ثم باعها قبل أن يراها لا يكون له حق فسخ العقد عند رؤيتها .

3-عدم رؤية المعقود عليه عند العقد:

فقد اشترط القانون المدني الأردني لثبوت خيار الرؤية عدم رؤية المعقود عليه عند العقد, أما إن كان المشتري قد رأى المعقود عليه قبل العقد وكان المعقود عليه مما لا تتغير أوصافه فلا يثبت له خيار الرؤية , أما إن رأى المعقود عليه قبل العقد وكان مما تتغير أوصافه فخيار الرؤية يثبت في حقه لأنه بتغير وصف المعقود عليه أصبح شيئا مختلفا فكأنه اشترى ما لم يره.

4-أن يكون المعقود عليه مما يتعين بالتعيين:

فيجب على المشتري أن يعلم بالمبيع علما نافيا للجهالة وذلك بأن يكون معينا أو قابلا للتعيين, فيكون على علم بجنسه ونوعه وكميته وثمنه وإن لم يره بحيث لو رآه لعلم أنه المعقود عليه المقصود فمثلا عند شراء قطعة أرض لم يرها المشتري يجب معرفة مساحتها وموقعها وهكذا.

خامسا: وقت ثبوت خيار الرؤية في الفقه والقانون:

يقصد بوقت ثبوت خيار الرؤية: الوقت الذي يحق للمتصرف له فسخ العقد أو إمضائه أي الذي ينشئ فيه خيار الرؤية , فهل يكون هذا الوقت هو وقت الرؤية ذاته أم أن هذا الخيار ينشئ قبل رؤية المعقود عليه؟ وسوف نوضح هذا الوقت في كلا من الفقه والقانون على النحو التالي:

1_ وقت ثبوت خيار الرؤية في الفقه:

يثبت الحق في خيار الرؤية وقت رؤية المعقود عليه لا قبل الرؤية لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم” من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه”.

فبين الحديث النبوي الشريف وقت ثبوت الرؤية وهو وقت الرؤية ذاته” إذا رآه”, وبناء عليه إذا أجاز المشتري البيع قبل رؤية المعقود عليه بما يدل على رضاه به صراحة كأن يقول (رضيت) فإن هذه الرضا لا تسقط حقه في خيار الرؤية عند رؤية المبيع ولا تجعل البيع لازما في حقه بل يظل من حقه الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه والقول بغير ذلك مخالف لنص الحديث النبوي الشريف؛ لأنه لو ثبت حقه في إجازة العقد قبل رؤية  المعقود عليه لسقط حقه في الإجازة بعد الرؤية وفي ذلك مخالفة ظاهرة لنص الحديث .

هذا ما يتعلق بإجازة العقد قبل رؤية المعقود عليه أما فسخ العقد قبل رؤية المعقود عليه فقد اختلف فيه الفقهاء على النحو التالي:

فبض الفقهاء يرى أن المتصرف له لا يملك فسخ  العقد قبل رؤية المعقود عليه كما لا يملك إجازته قبل الرؤية لأن خيار الرؤية  يثبت عند الرؤية سواء فيما تعلق بالإيجاز أو الفسخ.

وذهب الحنفية إلى أنه يحق للمتصرف له كالمشتري فسخ العقد قبل رؤية المعقود عليه وهو القول الصحيح؛ لأن العقد قبل رؤية المعقود عليه يكون غير لازما في حق المشتري فيحق له فسخه كسائر العقود الغير لازمة والفسخ حينئذ لا يكون بسبب خيار الرؤية وإنما بسبب جهالة المبيع عند العقد لعدم رؤيته , فإذا رآه ثبت له حق الفسخ أيضا لخيار الرؤية هنا .

2_ وقت ثبوت خيار الرؤية في القانون:

يثبت خيار الرؤية وفقا للقانون المدني الأردني وقت رؤية المعقود عليه فقط وليس قبل رؤية المعقود عليه وهو ما أكدت عليه المادة (185) منه بقولها: “يبقى خيار الرؤية حتى تتم الرؤية في الأجل المتفق عليه أو يوجد ما يسقطه”.

وكذلك المادة(5\144)من مذكرته الإيضاحية بقولها:”5. ووقت ثبوت الخيار هو وقت الرؤية لا قبلها ويترتب على ذلك ما يأتي:

لو أجاز قبل الرؤية ورضي بالمبيع صراحة بأن قال أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى ثم رأى المبيع بعد ذلك فله أن يرده لأن نزوله عن الخيار قبل أن يثبت لا يعتد به لأن المعقود عليه قبل الرؤية مجهول الوصف والرضا بالشيء قبل العلم به والعلم بوجود سببه محال فكان ملحقا بالعدم.

أما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم لا يجوز لأنه لا خيار قبل الرؤية ولهذا لم تجز الإجازة فلا يجوز الفسخ. وقال بعضهم يجوز وهو الصحيح لأن هذا عقد غير لازم فكان محل الفسخ كالعقد الذي فيه خيار العيب وعقد الإجارة والإيداع وقد خرج الجواب عن قولهم أنه لا خيار قبل الرؤية لأن ملك الفسخ لم يثبت حكما للخيار وإنما يثبت حكمه لعدم لزوم العقد(الكاساني295:5).”

سادسا: مدة ثبوت خيار الرؤية في الفقه والقانون:

المقصود بمدة ثبوت خيار الرؤية: المدة التي يحق للمتصرف له (سواء أكان المشتري أو غيره) فيها الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه بعد رؤية المعقود عليه.

 فهل هي مدة مؤقتة أم أنه حق دائم وسوف نوضح ذلك في كل من الفقه والقضاء على النحو التالي:

1_ مدة ثبوت خيار الرؤية في الفقه:

اختلف الفقه في تحديد مدة ثبوت خيار الرؤية هل هي مطلقة أم مؤقتة ونبين ذلك فيما يلي:

1.يثبت على التراخي فهو ليس محدد بمدة معينة بل يظل هذا الحق في الخيار ثابت إلا إذا وجد ما يسقطه فهو أشبه بخيار العيب لأن سبب خيار الرؤية عدم رؤية المبيع مما يؤثر على رضا المشتري .وهذا الرأي قول بعض الحنفية وهو الأصح.

2.يثبت على الفور بعد الرؤية فهو مؤقت وليس دائم فإذا رأى المشتري المبيع وتمكن من الفسخ لكنه لم يقم بالفسخ أو لم يصرح بالرضا لزمه العقد وسقط خيار الرؤية .

 2_ مدة ثبوت خيار الرؤية في القانون:

نصت المادة (185) من القانون المدني الأردني على أجل خيار الرؤية بقولها:” يبقى خيار الرؤية حتى تتم الرؤية في الأجل المتفق عليه أو يوجد ما يسقطه”

ويتضح من خلال نص هذه المادة أن أجل ثبوت خيار الرؤية ينتهي بأحد سببين هما:

1.انتهاء المدة المتفق عليها بين المتعاقدين على رؤية المعقود عليه فيها: كأن يشتري شخص قطعة أرض مثلا لم يكن قد رآها بعد واتفق مع البائع على رؤيتها خلال ثلاثة أيام فإذا انتهت الثلاثة أيام ولم يقم المشتري برؤية قطعة الأرض سقط حقه في خيار الرؤية فلا يصح له بعد انتهاء هذه المدة ورؤية المعقود عليه أن يطالب بالفسخ بناء على خيار الرؤية.

2.وجود مسقط من مسقطات خيار الرؤية فحينئذ يسقط حق المشتري في الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه ويلزمه البيع.

وكذلك المادة(144) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني بقولها:” وهل خيار الرؤية مؤقت بوقت ذهب بعض الفقهاء إلى أنه مؤقت بعد الرؤية بقدر ما يتمكن فيه من الفسخ فإذا تمكن من الفسخ بعد الرؤية فلم يفسخ بطل خياره ولزم البيع فيه.

والمختار أنه لا يتوقف بل يبقى إلى أن يوجد ما يسقطه(فتح القدير141:5).

وقد رؤي في المشروع تقييد الفسخ بالوقت الذي يتمكن صاحب الخيار من الفسخ رغبة في استقرار المراكز.”

سابعا: آثار خيار الرؤية في الفقه والقانون:

1_ آثار خيار الرؤية في الفقه:

اختلف الفقه في صفة العقد من وقت اتفاق الطرفين عليه إلى وقت الرؤية  هل هو لازم لكلا المتعاقدين أم لمن لم يثبت له خيار الرؤية فقط ونبين ذلك على النحو التالي:

1.العقد لا زم للبائع فقط دون المشتري أي للمتصرف دون المتصرف إليه؛ لأن المشتري لم يكتمل رضاه بالمبيع الذي لم يره بعد ومن ثم لا يكون العقد لازما في حقه ويجوز له فسخه قبل الرؤية لا على أساس خيار الرؤية لأنه يثبت وقت الرؤية وإنما على أساس الخلل في رضاه.

 وعدم لزوم العقد في حق المشتري قبل الرؤية لا يمنع من انتقال ملك البدلين فيمتلك البائع الثمن ويمتلك المشتري المبيع وتستمر الملكية بعد الرؤية إلى حين استعمال المشتري حقه في الخيار فإن أقر بالمبيع لزمه وإن رفض المبيع وفسخ العقد زال الملك . وهو أحد قولي الجمهور ماعدا المالكية.

2.العقد لازم لكلا المتعاقدين سواء بالنسبة للبائع أو المشتري بمجرد انعقاده ولا يحق للمشتري فسخ العقد قبل رؤية المعقود عليه فإن رأى المعقود عليه يصبح العقد حينئذ غير لازم في حقه لأنه أصبح مالكا لخيار الرؤية عند رؤية المعقود عليه فيجوز له فسخ العقد .

وتنتقل ملكية البدلين بمجرد انعقاد العقد كما في الرأي السابق وهذا القول الثاني للجمهور.

3.هو قول المالكية الذين اعتبروا خيار الرؤية كخيار الشرط يجب أن يتفق عليه المتعاقدين في العقد فإن لم يتفقا عليه صراحة فلا يثبت هذا الخيار للمشتري لأنه يثبت عندهم بالإرادة لا بمقتضى الشرع كما ذهب إليه الجمهور وبناء على مذهب المالكية فإن العقد يكون غير لازم لكلا الطرفين إلا من تاريخ تحقق الشرط وهو رؤية المشتري للمعقود عليه فإن أجازه انتقلت ملكية البدلين حينئذ وإن لم يجزه فلا يترتب أي أثر على العقد.

2_ آثار خيار الرؤية في القانون:

نصت المادة (186) من القانون المدني الأردني على أن” خيار الرؤية لا يمنع نفاذ العقد وإنما يمنع لزومه بالنسبة لمن شرط له الخيار”.

ويتضح من خلال نص هذه المادة أن خيار الرؤية لا يمنع من انعقاد العقد ولا من صحة العقد, وتنتقل ملكية البدلين لكلا الطرفين فيمتلك البائع الثمن ويمتلك المشتري المبيع حتى وإن لم يره لكن العقد يكون غير لازم في حق المشتري أو المتصرف له ولازم في حق البائع لأن المشتري هو من يتحقق الخلل في رضاه بعدم رؤيته للمعقود عليه فإن رآه ثبت له حق الخيار فإن شاء أمضى العقد وأتم حكم البيع حينئذ وإن شاء فسخ العقد ورد البدل .

وهذا ما أكدت عليه المذكرة الايضاحية لنص المادة (186) من القانون المدني سالفة الذكر بقولها” خيار الرؤية لا يمنع انعقاد العقد ولا صحته ولا نفاذه فيثبت الملك للمشتري في المبيع ويثبت الملك للبائع في الثمن بالرغم من قيام خيار الرؤية فخيار الرؤية يمنع من تمام العقد حكم العقد فلا يتم حكم البيع إلا إذا رأى المشتري المبيع ولم يرده”.

ثامنا: مسقطات خيار الرؤية:

يقصد بمسقطات خيار الرؤية: الحالات التي ينتهي فيها حق المتصرف له في الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه بحيث يصبح العقد لازما للمتصرف له حينئذ.

والأصل ان خيار الرؤية يسقط بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهذه المسقطات تختلف باختلاف أسباب نشأتها: فقد تنشئ بتنازل المشتري الصريح وهو ما يعرف (بالإسقاط), أو بإرادة المشتري (الفعل الاختياري) ,أو بفعل خارج عن إرادته (الفعل الضروري), فهل تنطبق جميع هذه المسقطات على خيار الرؤية أم أن هناك استثناء نظرا لكون خيار الرؤية ثابت بالشرع؟ وهذا ما سنعرف الإجابة عنه في النقاط التالية:

1_ مسقطات خيار الرؤية بالإسقاط:

المقصود بإسقاط خيار الرؤية: تنازل المشتري ( المتصرف له) عن حقه في خيار الرؤية قبل رؤية المعقود عليه بأن يقول( أسقطت خياري) مكتفيا بالوصف الذي وصف له من قبل البائع .

وتنازل المشتري عن حقه في خيار الرؤية لا يجوز شرعا بخلاف خيار الشرط وخيار العيب لأنه حق ثابت بالشرع فلا يجوز التنازل عنه قبل ثبوته بالرؤية كخيار الرجعة بالنسبة للمطلقة لا يجوز التنازل عنه مادامت المرأة في العدة لأنه ثابت بالشرع أيضا فليس جميع الحقوق يجوز التنازل عنها .

أما خيار الشرط فهو ثابت باشتراط المتعاقدين فهو شرط إرادي لا شرعي  ومن ثم يملكان التنازل عنه , وكذلك خيار العيب فإن “سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري فكان ذلك كالمشروط صراحة”[3] .

وهو ما أكدت عليه نص المادة (187) من القانون المدني الأردني بقولها:” لا يسقط خيار الرؤية بالإسقاط”.

وكذلك المادة (143) من  المذكرة الإيضاحية للقانون المدني بقولها:” الأصل أن كل ما يبطل خيار الشرط والعيب يبطل خيار الرؤية إلا أن خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإسقاط, وخيار الرؤية لا يسقط بصريح الإسقاط لا قبل الرؤية ولا بعدها, أما قبلها فلأنه لا خيار قبل الرؤية لأن أوان ثبوت الخيار هو أو أن الرؤية  فقبل الرؤية لا خيار وأما بعدها فلأن الخيار ما ثبت باشتراط العاقدين لأن ركن العقد مطلق عن الشرط نصا ودلالة وإنما يثبت شرعا لحكمة فيه فكان ثابتا حقا لله تعالى فالعبد لا يملك التصرف فيه إسقاطا مقصودا ويتضمن ذلك سقوط حق الشرع..”.

2_ مسقطات خيار الرؤية بالفعل الاختياري:

يقصد بالفعل الاختياري: اتجاه إرادة المتصرف له بإنهاء حقه في خيار الرؤية برضاه بالمعقود عليه ولزوم العقد في حقه, والرضا قد تكون صراحة وقد تكون دلالة :

فالرضا صراحة : تكون بالقول كأن يقول المشتري (رضيت بالبيع أو أجزت أو اخترت)أو ما يجري مجراها , أو بالكتابة أو بالإشارة الدالة على رضاه بالمعقود عليه. سواء علم البائع بهذه الإجازة أم لم يعلم؛ لأن الأصل في البيع الخالي من الشروط أن يكون لازما وشرع خيار الرؤية لخلل في رضا المتصرف له لعدم رؤيته للمعقود عليه فإذا رأى المعقود عليه ورضي به زال الخلل الذي شاب رضاه.

أما الرضا دلالة: تكون بتصرف المشتري في المبيع بعد رؤيته تصرفا يدل على رضاه بالميع كقبض المبيع أو يدل على ملكيته للمبيع كأن يكون المبيع أرضا فقام بالبناء عليها .

وهو ما أكدت عليه المادة (187) من القانون المدني الأردني بقولها:” 2. ويسقط برؤية المعقود عليه وقبوله صراحة أو دلالة..”.

وكذلك المادة(144) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني بقولها:”6. الإجازة قد تكون صراحة أو دلالة ومثال الصريح أن يقول أجزت البيع أو رضيت أو اخترت أو ما يجري هذا المجرى سواء علم البائع بالإجازة أو لم يعلم لأن الأصل في البيع المطلق هو اللزوم, والامتناع لخلل في الرضا فإذا أجاز ورضي فقد زال المانع فيلزم.

وأما الدلالة فهو أن يوجد من صاحب الخيار تصرف في المعقود عليه بعد الرؤية يدل على الإجازة والرضا نحو أن يقبضه بعد الرؤية لأن القبض بعد الرؤية دليل الرضا بلزوم البيع” .

3_ مسقطات خيار الرؤية بالفعل الضروري:

يقصد بسقوط خيار الرؤية بالفعل الضروري: أي الذي لا تتدخل فيه إرادة المتصرف له بإنهاء حقه في خيار الرؤية ولزوم العقد في حقه بل يكون بفعل خارج عن إرادته ومثاله:

أ- موت المتصرف له( المشتري) :

فإذا توفي المشتري بعد ثبوت خيار الرؤية ولم يكن قد اختار إمضاء العقد أو فسخه سقط خيار الرؤية ولا ينتقل هذا الخيار للورثة كخيار الشرط لأن هذا الخيار حق للعاقد وحده والورثة ليسوا بعاقدين بخلاف خيار التعيين والعيب, وقد خالف الإمام مالك هذا القول وأثبت للورثة حق خيار الرؤية بموت مورثهم لأن الإرث يثبت في الأملاك وكذلك في الحقوق ومن بين هذه الحقوق خيار الرؤية فينتقل للورثة كخيار التعيين والعيب.

أما القانون المدني الأردني فقد أكد على سقوط خيار الرؤية بموت المشتري وأنه لا يورث في المادة (187) بقوله”2. ويسقط برؤية المعقود عليه وقبوله صراحة أو دلالة كما يسقط بموت صاحبه..”.

وقد أكدت على ذلك أيضا المذكرة الإيضاحية له بقولها في المادة(143):” 2. ولكن يسقط خيار الرؤية بموت صاحبه قبل أن يختار فيلزم العقد بموته ولا ينتقل الخيار إلى ورثته لأن خيار الرؤية كخيار الشرط لا يورث بخلاف خيار التعيين والعيب فإنهما يورثان”.

ب-هلاك المبيع كله أو بعضه أو تعيبه في يد المتصرف له:

لأن بهلاك المبيع أو تعيبه لا يستطيع المشتري فسخ العقد لأن الفسخ يلزم رد المبيع في الحالة التي كان عليها وقت العقد وقد تعذر ذلك بسبب الهلاك أو التعييب فحينئذ يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع.

وقد أكدت على ذلك المادة(187)من القانون المدني الأردني بقولها:”2….كما يسقط بموت صاحبه وبهلاكه كله أو بعضه وبتعيبه”

وكذلك المادة (143) من مذكرته الإيضاحية بقولها:” ويسقط خيار الرؤية ايضا بهلاك بعض المبيع او تعيبه او تغييره قبل ان يختار”.

ج-تصرف المشتري في المبيع تصرفا لا يحتمل الفسخ أو تصرفا يوجب حقا للغير قبل الرؤية:

إذا تصرف المشتري في المبيع قبل أن يراه بمقتضى ثبوت ملكه فيه حتى قبل رؤيته له وكان هذا التصرف لا يقبل الفسخ كأن يعتق عبدا بعد أن اشتراه دون أن يراه, أو أنشأ بتصرفه حقا للغير كأن يبيع ما اشتراه  لشخص آخر بدون خيار أو رهنه له أو أجره أو قام بهبته وتسليمه للموهوب له فجميع هذه التصرفات تكون نافذة وبعد نفوذها لا يجوز فسخها بمقتضى خيار الرؤية لأن فيه ضياع لحقوق الغير .

أما إن كان تصرف المشتري في المبيع قبل رؤيته لا ينشئ حقا للغير كأن يهب المبيع ولا يسلمه للموهوب له أو أن يبيعه بشرط الخيار للبائع فهنا لا يسقط خيار الرؤية في حقه لأن المشتري يملك الرجوع فيها فيكون حقه في خيار الرؤية لازال قائما.

وهو ما أكدت عليه المادة(2\187) من القانون المدني بقولها:” ويسقط…..بتصرف من له الخيار تصرفا لا يحتمل الفسخ أو تصرفا يوجب حقا للغير”.

وكذلك المادة(4\143)من مذكرته الإيضاحية بقولها:” ويسقط خيار الرؤية أيضا بتصرف العاقد في المعقود عليه كتصرف المشتري في المبيع وهنا يجب التفرقة بين ما إذا صدر التصرف قبل رؤية المشتري المبيع أو بعد رؤيته:

أ. فإن صدر قبل رؤيته فإن كان التصرف لا يمكن رفعه كالإعتاق والتدبير, أو كان لازما يوجب حقا للغير كالبيع والهبة مع التسليم والرهن والإجارة سقط خيار الرؤية, ويبقى الخيار ساقطا ولو نقضت هذه التصرفات اللازمة كما لو باع أو رهن أو أجر ثم رد بعيب أو أفتك الرهن أو انقضت مدة الإجارة فخيار الرؤية لا يعود بعد أن يسقط إذ الساقط لا يعود إلا بسبب جديد.

وإن كان التصرف الصادر من المشتري قبل الرؤية غير لازم كأن باع بشرط الخيار أو عرض للبيع أو وهب ولم يسلم له لم يسقط خيار الرؤية لأن هذه التصرفات يمكن للمشتري الرجوع فيها ولا يتعذر فسخها كل ما تدل عليه هو الرضا الخيار قبل الرؤية لا يسقط بصريح الرضا فبدلالة الرضا أولى.

ب. وإن صدر التصرف بعد الرؤية فإنه يسقط خيار الرؤية سواء كان يمكن رفعه أو لا يمكن, تعذر فسخه أو لم يتعذر إذ أقل ما يدل عليه هو الرضا والخيار بعد الرؤية يسقط بالرضا صراحة أو دلالة.”

تاسعا: انتهاء خيار الرؤية بالفسخ وشروط الفسخ:

ينتهي حق المتصرف له في خيار الرؤية بعد رؤيته للمعقود عليه باختياره فسخ العقد ويكون الفسخ بتصريح المشتري بفسخه للعقد إما بالقول بأن يقول( فسخت العقد أو نقضته أو رددته أو ما يجري مجرى هذه الألفاظ) , أو بالفعل الدال على عدم قبوله المبيع , كما ينتهي خيار الرؤية بالفسخ في حالة هلاك المبيع فبل قبضه فينفسخ العقد هنا ضرورة لعدم وجود محله وهو المبيع.

وكما أشرنا سابقا يجوز فسخ العقد قبل رؤية المعقود عليه كما ذهب إليه الحنفية استنادا إلى عدم لزوم العقد في حقه وليس استنادا إلى خيار الرؤية لأنه لا يثبت في حقه إلا من وقت رؤية المعقود عليه.

ويترتب على الفسخ انتهاء العقد ورد كل من البدلين لصاحبه وزوال ملك المشتري للمبيع وزوال ملك البائع للثمن.

1- شروط فسخ العقد بخيار الرؤية :

يشترط لصحة فسخ العقد بخيار الرؤية ما يلي:

 1.أن يكون خيار الرؤية موجودا وثابتا في حق المتصرف له لأن الخيار إذا سقط بأحد الأسباب سالفة الذكر كان العقد لازما ومن ثم لا يحتمل فسخه.

2.ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع بأن يقبل ببعض المعقود عليه ويرد الباقي سواء كان قبل قبض المبيع أو بعده لأن في ذلك ضرر على البائع كما أن خيار الرؤية يمنع تمام البيع فكان ذلك باطلا.

3.يجب أن يكون البائع عالما بالفسخ ليكون على بينة من أمره ويتمكن من التصرف في سلعته كيفما شاء وهو قول أبو حنيفة, وذلك بخلاف إجازة المشتري للمبيع فلا يلزم علم البائع بها .

 وقد أكد القانون المدني الأردني هذه الشروط في المادة(188) منه بقوله:” يتم الفسخ بخيار الرؤية بالقول أو بالفعل صراحة أو دلالة بشرط علم المتعاقد الآخر”.

وكذلك مذكرته الإيضاحية في المادة (144) بقولها:

“1.الفسخ بخيار الرؤية كما هو في خيار الشرط وخيار التعيين لا يتوقف على رضاء أو قضاء.

2.ويكون بالفعل أو بالقول صراحة أو دلالة كما في خيار الشرط وخيار التعيين ومثاله أن يقول المشتري: رددت البيع أو فسخته أو ما يجري هذا المجرى بعد الرؤية أو قبلها قبل القبض أو بعده.

3.وينفسخ العقد دون حاجة إلى رضاء البائع بالفسخ ودون حاجة إلى رفع الأمر إلى القضاء ولكن يشترط علم البائع بالفسخ عند أبي حنيفة ومحمد ولا يشترط هذا العلم عند أبي يوسف.”

عاشرًا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بخيار الرؤية

ورد في الحكم رقم 48 لسنة 1960 لمحكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية المبدأ التالي:

  1. خيار الرؤية يسقط باستلام المال المشترى ودفع ثمنه بعد رؤيته مادة 320 من المجلة “.

إعداد: أبرار سيد

[1]) الإمام تاج الدين السبكي, رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه, دار الكتب العلمية, ص437

([2] كتاب الفقه الإسلامي وأدلته, وهبة الزحيلي , ص3581

([3] كتاب الفقه الإسلامي وأدلته, وهبة الزحيلي, ص3596

Scroll to Top