التنفيذ بالقيام بعمل أو بامتناع عن عمل

التنفيذ بالقيام بعمل أو بامتناع عن عمل

تتمثل طرق تنفيذ الالتزام في وسائل ثلاث، وهم التنفيذ بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو التنفيذ بإعطاء أي بنقل حق عيني سواء على عقار أو منقول، ومن الأهمية بمكان أن يتم تحديد طبيعة الالتزام المُلقى على عاتق المدين حيث يكون لذلك انعكاساته على إثارة مسئوليته حال تخلفه على تنفيذ الالتزام.

ففكرة التخلف عن تنفيذ الالتزام تختلف باختلاف طبيعة الالتزام ذاته سواء كان بعمل أو امتناع عن عمل أو بإعطاء، بل أن كيفية إجبار المدين عن تنفيذ الالتزام تختلف – كذلك – باختلاف طبيعته، وهذا ما سنبينه في مقالنا الحالي:

أولاً: الالتزام بعمل:

ثانيا: الالتزام بالامتناع عن عمل:

ثالثا: الإخلال بالالتزام بالامتناع عن العمل:

أولاً: الالتزام بعمل:

 بادئ ذي بدأ لا يفوتنا أن ننوه إلى أن الالتزام بعمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام هم :

  • الالتزام ببذل عناية.
  • الالتزام بإنجاز عمل معين.
  • الالتزام بالتسليم.

وسوف أتطرق للحديث عنهم بالتفصيل فيما  يلى :-

1- الالتزام ببذل عناية:

إن الالتزام ببذل عناية قد يكون متعلقا بشيء، أو متعلقا بعمل فإذا كان متعلقا بشيء فإن التزام المدين قد يكون إما:

أ- المحافظة على الشيء:

كالتزام المودع عنده في عقد الوديعة بالمحافظة على الشيء المودع، وكذلك في عقد العارية وعقد الإيجار يلتزم المستعير أو المستأجر بالمحافظة على الشيء المعار أو العين المؤجرة، وأخيراً في عقد البيع يلتزم البائع بتسليم المبيع إلى المشترى وقبل ذلك بالمحافظة عليه حتى وقت تسليمه، وفى كل هذه الأمثلة يلتزم المدين بعمل وهو المحافظة على الشيء، ويجب عليه توخى الحيطة وبذل العناية المطلوبة لإتمام ذلك الالتزام.

ب- إدارة هذا الشيء:

فالدائن المرتهن رهن حيازي يلتزم بإدارة العين المرهونة، وذلك باستثمارها استثماراً كاملاً، وكذلك الوكيل يلتزم بإدارة العين الموكل إليه إدارتها، وأيضاً في هذه الأمثلة يلتزم كل منهما بالمحافظة على الشيء وإدارته، وهو التزام بعمل وأن يبذلا العناية المطلوبة لتنفيذ التزامهما.

فإذا كان الالتزام ببذل عناية متعلقاً بعمل، كالطبيب الذى يلتزم بعلاج المريض والمحامي الذى يلتزم بالدفاع عن مصالح موكله أمام القضاء، ففي مثل هذه الحالات يكون المدين قد نفذ التزامه إذا بذل العناية المطلوبة وقام بواجبه حتى ولو لم تتحقق النتيجة وهى شفاء المريض أو كسب الدعوى.

والسؤال الذى يطرح نفسه ويدور في الأذهان هو: ما هي درجة العناية المطلوبة التي يطلبها القانون في الالتزام ببذل عناية ؟ هل هي عناية الشخص العادي أم أكثر أم أقل؟

إن الأصل أن يبذل المدين بالتزام بعمل في تنفيذه لالتزامه كل ما يبذله الشخص العادي من عناية، وهذا ما يستفاد من خلال القراءة الأولية لنص (المادة 358) من القانون المدني الأردني والتي نصت علي أنه : ( إذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة علي الشيء أو القيام بإدارته أو توخي الحيطة في تنفيذ التزامه، فإنه يكون قد وفي بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي، ولو لم يتحقق الغرض المقصود، هذا مالم ينص القانون أو الاتفاق علي غير ذلك، وفي كل حال يبقي المدين مسئولا عما يأتيه من غش أو خطا جسيم)[1].

وتفسيراً لذلك يعتبر المدين في كل الأحوال وفى بالتزامه، طالما بذل عناية الرجل العادي ولو أخفق العمل، أو هلك الشيء المحفوظ، أو أدى إدارته له لخسارة الدائن، ولكن أحياناً يوجب القانون على المدين عناية أكثر أو أقل من عناية الشخص العادي، كما هو الحال في العارية حيث يلتزم المستعير بعناية أشد من الرجل العادي، وعلى العكس في الوديعة تكون العناية أقل.

كما أنه أيضا واستخلاصاً من نص المادة سالفة البيان يمكن أن يتم الاتفاق بين الدائن والمدين على أن يبذل المدين عناية أقل أو أكثر من الشخص العادي وأن مثل هذا الاتفاق صحيح وجائز، ويجوز الاتفاق على إعفاء المدين من العناية وبالتالي إعفائه من المسئولية إلا في حالتي الغش والخطأ الجسيم.

2- الالتزام بإنجاز عمل معين:

إن الالتزام بإنجاز عمل معين ينقسم من حيث تدخل المدين الشخصي في تنفيذ الالتزام تنفيذا عينياً، أي من حيث ضرورة تدخله أو إمكانية التنفيذ دون حاجة لتدخل شخصي من المدين، أو الاستعاضة بحكم القاضي ليقوم مقام تنفيذ المدين له، إلى الصور الثلاثة  الأتية:

الصورة الأولى: الالتزام بعمل معين يمكن تنفيذه عيناً دون تدخل المدين:

وفى هذى الصورة يكون الالتزام بعمل مما يمكن تنفيذه عيناً دون حاجة لتدخل المدين مثال (التزام المقاول بإقامة بناء، فإذا امتنع عن تنفيذ التزامه يمكن التنفيذ العيني دون تدخل المدين الشخصي) وكذلك (إذا تعهد صانع بصنع شيء معين، يمكن لصناع غيره أن يصنعوه ) وهكذ.

والذى يحدد صفة الالتزام الدائن، فهو الذى يرى ما إذا كان يكتفى بتنفيذ الالتزام على نفقة المدين دون تدخله أم يجب أن ينفذ المدين الالتزام بنفسه، فالدائن هنا هو صاحب المصلحة، فإذا رأى الدائن أن طبيعة الالتزام تسمح بتنفيذ الالتزام عيناً دون تدخل من المدين، وامتنع المدين عن التنفيذ، كان للدائن أن يلجأ إلى القضاء في دعوى برفعها على المدين ليطلب الحكم له بالتنفيذ العيني للالتزام على نفقة المدين ( فيتعاقد مع مقاول آخر لإقامة البناء الذى تعهد المقاول الأول بإقامته، ولم ينفذ التزامه مثلاً ثم يرجع رب العمل على المقاول الأول بما أنفقه)، وتطبق هذه القاعدة في كل التزام بعمل يمكن تنفيذه عيناً دون حاجة لتدخل شخصي من المدين.

أما إذا كان التنفيذ العيني لا يحتمل التأخير، ولا انتظار صدور حكم قضائي حيث يوجد حالة استعجال، كما هو الحال في حالة الإصلاحات العاجلة للعين المؤجرة، فيجوز للمستأجر ودون ترخيص مسبق بحكم القضاء أن يعهد إلى مقاول بالقيام بهذه الإصلاحات العاجلة، ويفضل قبلها إعذار المؤجر، ثم يرجع بنفقة هذه الإصلاحات على المؤجر، بدعوى يطالبه فيها بأن يدفع له قيمتها، وفى هذه الحالة يراقب القاضي طلب الدائن ليتأكد من أن الظروف تبرر عدم الحصول على ترخيص منه، ومن أن ما أنفقه ليس فيه إسرافا أو مغالاة، وإلا خفضها إلى حد المعقول.

الصورة الثانية: الالتزام بعمل لا يمكن تنفيذه دون تدخل المدين:

قد يحدث أن يكون محل التزام المدين القيام بعمل لا يمكن إنجازه بغير تدخل شخصي منه في التنفيذ، ويكون مصدر ذلك إما الاتفاق كاشتراط الدائن على المدين أن يقوم بتنفيذ الالتزام بنفسه (كالتعاقد مع جراح معين لإجراء عملية جراحية أو مع محام معين للدفاع عنه في قضية)، وقد يكون مرجع ذلك هو طبيعة الالتزامات ذاتها، فهناك من الالتزامات ما تقضى طبيعتها أن يكون تنفيذها على يد المدين شخصياً (كتعهد مغن أو ممثل بالغناء أو بالتمثيل في حفلة) فتنفيذ التزامه يقتضى أن يغنى أو يمثل هو بنفسه، أو أن يتعهد رسام يرسم لوحة فنية، أو نحات يصنع تمثال وهكذا.

فإذا كان التنفيذ العيني يحتاج تدخل المدين الشخصي، كما ذكرنا فإنه يجوز للدائن أن يرفض الوفاء من غير المدين نفسه وذلك وفقا لما ورد في (المادة ٣٥٦) من القانون المدني الأردني والتي تنص علي أنه : (إذا كان موضوع الحق عملا، واستوجبت طبيعته أو نص الاتفاق علي أن يقوم المدين به بشخصه، جاز للدائن أن يرفض الوفاء به).

وإذا امتنع المدين عن تنفيذ التزامه اختياراً، فلا يمكن قهره على التنفيذ لأن ذلك غير مجد أو غير ملائم، ولا يكون أمام الدائن سوى أن يختار بين أحد طريقين:

  • أولهما: التهديد المالي لحمل المدين على تنفيذ التزامه عيناً.
  • والثاني: أن يطالب المدين بالتعويض النقدي لتعذر التنفيذ العيني.

الصورة الثالثة: الالتزام بعمل معين يقوم “حكم القاضي” مقام تنفيذه:

هناك نوع من الالتزامات تسمح طبيعتها بأن يقوم حكم القاضي مقام تنفيذها عيناً، وأشهرها أنه إذا امتنع البائع عن التصديق على إمضائه في عقد البيع لتسجيله جاز للمشترى، أن يطلب الحكم بإثبات صحة توقيع البائع ويكون الحكم بمثابة عقد مصدق على التوقيع منه.

وكذلك دعوى صحة ونفاذ عقد البيع الحكم فيها يقوم مقام تسجيل العقد،  كما جاء في (المادة ٣٥٧) من القانون المدني الأردني والتي نصت علي أنه: (يقوم حكم المحكمة مقام التنفيذ، إذا كان موضوع الحق عملا وسمحت بذلك طبيعته).

وكذلك في الوعد بالتعاقد إذا امتنع الواعد عن تنفيذ وعده، ورفع الموعود له دعوى يطالبه بتنفيذه، فللموعود له أن يستصدر حكماً بإثبات التعاقد، ويقوم الحكم مقام العقد الموعود بإبرامه.

وكذلك التزام الدائن المرتهن بشطب الرهن بعد سداد الدين، إذا امتنع الدائن من التقدم إلى قلم كتاب المحكمة لإجراء هذا الشطب، جاز للمدين أن يستصدر حكماً يقوم مقام التنفيذ العيني ويشطب بمقتضاه الرهن.

3- الالتزام بالتسليم:

قد يكون الالتزام الذى يجب على المدين تنفيذه هو أن يسلم الشيء إلى الدائن، فينشأ على المدين التزام بالتسليم، وإذا لم ينفذ المدين التزامه بالتسليم طوعاً، أجبر على التنفيذ عيناً أو عن طريق التعويض.

ولعله من المفيد أن نؤكد أن الالتزام بالتسليم قد يكون مستقلاً، كالتزام المستأجر برد العين المؤجرة  للمؤجر، وقد يكون الالتزام بالتسليم تبعياً يتضمنه التزام بنقل حق عيني، كالتزام البائع بتسليم المبيع إلى المشترى، يتضمنه التزام بنقل حق عيني وهو حق الملكية إلى المشترى[2].

ويثار تساؤل هام في هذا الشأن وهو من يتحمل هلاك الشيء قبل تسليمه، وذلك إذا هلك بسبب آخر لا يد للمدين فيه؟

وللإجابة على هذا التساؤل يلزم التفرقة بين نوعى الالتزام بالتسليم على النحو التالي:

أ- اذا كان الالتزام بالتسليم التزاماً تبعياً: فالأصل أن الذى يقع عليه تبعية الهلاك هو المدين بالتسليم، حتى لو انتقلت الملكية إلى الدائن، لأن الملكية لا تستقر للدائن إلا بعد التسليم، والمدين ملزم بنقل الملكية والتسلم معاً، فمثلاً في عقد البيع إذا هلك الشيء المبيع قبل التسليم لسبب لا يرجع للبائع، انفسخ البيع بقوة القانون، واسترد المشترى الثمن.

ب- إذا كان الالتزام بالتسليم التزاماً مستقلاً : فيتحمل المالك تبعة الهلاك، وغالباً يكون المالك هو الدائن بالتسليم، ففي حالة التزام المستأجر برد العين المؤجرة للمؤجر، إذا هلكت العين المؤجرة بسبب أجنبي، فإن تبعة الهلاك تكون على المؤجر لأنه الدائن بتسليم العين المؤجرة .

ويلاحظ أنه قد يكون المالك في بعض الحالات هو المدين بالتسليم، كالتزام المؤجر بتسليم العين المؤجرة للمستأجر وتمكينه من الانتفاع، وهنا يتحمل المالك تبعة الهلاك، تطبيقاً لقاعدة الغرم بالغنم، فطالما أنه يغنم ويكسب من الشيء فهو الذى يتحمل الغرم، فعلى سبيل المثال إذا هلكت العين المؤجرة أثناء الإيجار هلاكاً كلياً بسبب أجنبي، ينفسخ العقد من تلقاء نفسه بقوة القانون، فتبعة الهلاك هنا على المالك وهو المؤجر .

ولا يخفى عن الفطنة أن الأعذار ينقل تبعة الهلاك من طرف إلى الطرف الآخر، وذلك سواء كان التزام المدين بتسليم الشيء للدائن التزاماً مستقلا أو كان التزاماً تبعياً، ففي عقد البيع مثلاً إذا قام البائع بإعذار المشترى طالباً إليه أن يتسلم المبيع، وهلك المبيع بسبب أجنبي بعد الإعذار وقبل التسليم، فإن تبعة الهلاك تنتقل من البائع إلى المشترى، أي من المدين إلى الدائن، فيلتزم المدين أن ينزل للدائن عما قد يكون له من حق أو دعوى في التعويض عن الشيء الذى هلك.

وفى هذا الإطار أيضاُ وفى عقد الإيجار، إذا أعذر المؤجر المستأجر طالباً إليه تسليم العين المؤجرة وردها، وهلكت العين المؤجرة بعد الإعذار وقبل التسليم، فإن تبعة الهلاك تنتقل من المؤجر إلى المستأجر.

ولا يفوتنا أن ننوه على أنه إذا أثبت المدين أن الشيء كان سيهلك في يد الدائن أيضاً لو أنه سلم إليه، تنتفى عنه التبعية وينقضي التزامه، بيد أنه يتحمل المدين التبعية كاملة إذا كان الشيء مسروق، وكان المدين هو السارق، لأنه يلتزم برد الشيء إلى مالكه وهو الدائن، فهو سيء النية، ومن ثم إذا هلك الشيء المسروق قبل رده إلى مالكه يتحمل المدين السارق تبعة هلاكه دائماً، سواء أعذره المالك أم لم يعذره.

والسؤال الآن: متى يتعين على المدين تنفيذ التزامه وما هو مكان التسليم وعلى من تقع نفقات التسليم؟

أ- زمان التسليم :

بين المشرع الأردني أحكام وقت تنفيذ الالتزام بموجب (المادة 334) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (الوفاء بالتسليم يتم فوراً مالم يوجد اتفاق أو نص قانونيا يقضى بغير ذلك).

ب- مكان التسليم:

 يكون مكان التسليم في المكان الذى يوجد به المبيع وقت نشوء الالتزام وذلك وفقاً لما قررته (المادة 336/1) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (إذا كان محل الالتزام شيئا معينا بالذات وجب تسليمه في المكان الذي كان موجودا فيه وقت نشوء الالتزام ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك).

أما في حالة إذا كان المبيع غير معين بالذات أي كان معيناً بالنوع ولم يتم الاتفاق على مكان تسليمه فيكون مكان التسليم هو موطن البائع وهو ما أكدته الفقرة الثانية من (المادة 336) من القانون المدني الأردني.

ج- نفقات التسليم:

نصت (المادة 531) من القانون المدني الأردني على أن: (نفقات تسليم الثمن وعقد البيع وتسجيله وغير ذلك من نفقات تكون على المشتري ونفقات تسليم المبيع تكون على البائع ما لم يوجد اتفاق أو نص في قانون خاص يقضي بغير ذلك).

فيتضح إذن أن نفقات التسليم عادة ما تكون على المدين بالتسليم، إلا أن تلك القاعدة لا تتعلق بالنظام العام فيجوز الاتفاق على ما يُخالفها، فضلاً عن أن القانون قد ينص على حكم أخر فيما يتعلق بنفقات التسليم وذلك مثلاً كما في ورد في (المادة 555) من القانون المدني والتي نصت على أن: (مصروفات عقد المقايضة ونفقات التسليم وما ماثلها تكون مناصفة بين طرفي العقد ما لم يتفق على غير ذلك)، فضلاً عما ورد (بالمادة 575) من القانون المدني والتي نصت على أن: (نفقات عقد الهبة ومصروفات تسليم الموهوب ونقله على الموهوب له إلا اذا اتفق على غير ذلك).

ثانيا: الالتزام بالامتناع عن عمل:

إن المدين بالتزام بامتناع عن عمل يكون قد أخل بالتزامه، إذا أتى العمل المحظور عليه إتيانه، ومن الأمثلة للالتزام بامتناع عن عمل ما يلي[3]:

1- التزام مصدره العقد:

أن يبيع شخص متجر لأخر ويلزمه بعدم منافسته أو بعدم العمل في مجال محدد، فهنا يقع التزام بامتناع عن عمل على المشتري، و أيضاً إذا تعاقد صاحب مصنع مع مهندس، وتعهد المهندس ألا يعمل في مصنع منافس، فهذا أيضاً التزام بامتناع عن عمل. وكذلك الممثل أو المغنى إذا تعهد ألا يمثل أو ألا يغنى في غير مسرح معين.

2- التزام مصدره القانون:

فالجار ملتزم ألا يضر جاره ضرراً فاحشاً، والطبيب والمحامي ملتزمان بعدم إفشاء سر المهنة.

وترتيباً على ما تقدم يرى البعض أن المدين إذا أتى العمل المحظور إتيانه، في حالة التزامه بالامتناع عن عمل، فذلك يجعل التنفيذ العيني مستحيلاً، حتي لو أمكن إزالة العمل الذى قام به المدين، إذا تعتبر الإزالة في هذه الحالة تعويضاً عينياً، وليس تنفيذاً عينياً للالتزام بالامتناع عن عمل، لكن هناك رأى أخرى يرى وبحق أنه إذا أمكن إزالة العمل المخالف، كهدم البناء المجاور، أو غلق المحل التجاري المنافس، فإننا نكون بصدد تنفيذ عيني للالتزام.

والقاضي إذا ما طُلب إليه الدائن الترخيص بإزالة المخالفة فإن له سلطة تقديرية، فله أن يقضى بذلك، كما أن له أن يرفضه إذا كان التنفيذ العيني مرهقاً للمدين، ولا يترتب على الاقتصار على التعويض النقدي ضرر جسيم يلحق الدائن. وذلك وفقا لما تنص عليه (المادة ٣٥٩) من القانون المدني الأردني والتي تقرر أنه: ) إذا كان موضوع الحق هو الامتناع عن عمل وأخل به المدين، جاز للدائن أن يطلب إزالة ما وقع مخالفا له أو أن يطلب من القضاء إذنا بالقيام بهذه الإزالة علي نفقة المدين).

 وهذه المادة تقابلها (المادة ٢١٢) من التقنين المدني المصري والتي تنص علي أنه: (إذا التزم المدين بالامتناع عن عمل، وأخل بهذا الالتزام، جاز للدائن أن يطلب إزالة ما وقع مخالفا للالتزام، وله أن يطلب من القضاء ترخيصا في أن يقوم بهذه الإزالة علي نفقة المدين).

ولما كان التنفيذ العيني على ذلك الوجه لا يجبر الضرر الذى يلحق الدائن قبل حصول هذا التنفيذ، فإنه يجوز للمحكمة أن تقضى للدائن فضلاً عن إزالة المخالفة بتعويض نقدى.

ثالثا: الإخلال بالالتزام بالامتناع عن العمل:

يصبح المدين مخلاً بالتزامه بالامتناع عن عمل حين يقترف العمل الممنوع إتيانه، وحينئذ لا يكون هناك مجالاً إلا التعويض أما التنفيذ العيني نفسه فقد أصبح مستحيلاً بمجرد الإخلال بالالتزام.

وفى بعض حالات الإخلال بالالتزام بالامتناع، لا يكون أما الدائن سوى المطالبة بالتعويض النقدي ( كما إذا أفشى المحامي أو الطبيب سر المهنة ). وقد يكون التعويض عينياً لا نقدياً، بإزالة المخالفة التي وقعت إذا أمكن ذلك.

والفرق بين التنفيذ العيني والتعويض العيني أن الأول يكون قبل وقوع الإخلال بالتزام، والثاني يكون بعد وقوع الإخلال بالالتزام،  مثال ذلك ( أن يضر الجار بجاره ضرراً فاحشا بإقامة حائط يسد عليه منافذ النور والهواء، عندئذ يجوز للدائن أن يطلب التعويض العيني بإزالة هذا الحائط فإذا امتنع المدين عن الإزالة، جاز للدائن أن يطلب من القضاء إزالة الحائط على نفقة المدين).

وأخيراً لا يفوتنا أن ننوه على أنه في كثير من الحالات يكون التعويض العيني غير كاف لتعويض الضرر تعويضاً كاملاً، فيحكم القاضي بالإضافة إليه بتعويض نقدى.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] يقابل هذا النص المادة ٢١١ من التقنين المدني المصري.

[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني “الجزء الثاني”، 1968، دار النهضة العربية، ص784.

[3] أنظر في ذلك الأستاذ الدكتور/ سمير تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، 2009، ط1، مكتبة الوفاء القانونية، ص238.

Scroll to Top