التحقيق في الجريمة الإلكترونية

التحقيق في الجريمة الإلكترونية

بادئ ذي بدئ لابد أن نؤكد على تطور وسائل وأساليب ارتكاب الجريمة في العصر الحالي، فالتطور التكنولوجي لتقنية المعلومات والاتصالات قد نجم عنه ظهور نوع خطير من الجرائم هو ما يسمى (بالجريمة الإلكترونية)، والتي أصبحت تهدد أمن الأفراد، والشركات، بل والدول أيضاً على حد سواء.

وترتيباً على ذلك بذلت العديد من الدول جهوداً كبيرة لتطوير أساليب البحث والتحقيق القضائي، وكذلك الإثبات الجنائي، لمكافحة مثل هذا النوع من الجرائم، التي يتمتع مرتكبوها بقدر كبير من المعرفة الفنية ببرامج الحاسب الآلي.

وعليه فإننا في هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على التحقيق في الجرائم الإلكترونية، من خلال العناصر الآتية:

أولا: ماهية الجرائم الإلكترونية وخصائصها:

ثانياً: آلية التحقيق في الجرائم الإلكترونية:

ثالثاً: الخصوصية باعتبارها من أهم التحديات التي يوجهها التحقيق الإلكتروني:

رابعاً: إجراءات الإثبات الإلكتروني والتحقيق الابتدائي في الجرائم الإلكترونية:

خامساً: معوقات إثبات الجريمة الإلكترونية:

أولا: ماهية الجرائم الإلكترونية وخصائصها:

مما لاشك فيه أن التطور التكنولوجي قد ساعد على ظهور طائفة جديدة من المجرمين التي سعت إلى استخدام تقنية المعلومات كوسيلة لارتكاب نوع حديث من الجرائم، وهو ما يطلق عليه الجرائم الإلكترونية وذلك بسبب عدة دوافع منها:

دوافع ربحية: حيث يسعى الجاني من وراء ارتكابه للجرائم الإلكترونية إلى إشباع رغبته في الحصول على المال.

دوافع ذاتية: رغبة الجاني مرتكب الجريمة الإلكترونية لإثبات ذاته، وأنه يستطيع اختراق تقنية النظم المعلوماتية .

دوافع انتقامية: فقد يرتكب الجاني الجريمة الإلكترونية لتهديد شخص، أو الانتقام منه، أو الذم أو التشهير به أو ابتزازه، وأحياناً بغرض التجسس والمنافسة، خصوصاً في مجال الأعمال التجارية.

دوافع سياسية: وذلك عندما يتم اختراق الجهات الحكومية والأمنية في مختلف دول العالم، لنشر أفكار تمس أمن الدولة ونظام حكمها، أو تعطيل مصالحها الوطنية.

دوافع إرهابية: وذلك عندما تستخدم الجماعات الإرهابية تقنية المعلومات لنشر أفكارها الإرهابية، والتحريض على القتل، وصنع المتفجرات وذلك عبر الإنترنت.

ولقد وردت العديد من التعريفات للجريمة الإلكترونية منها ما اعتمد على معيار الوسيلة المستخدمة في ارتكاب الجرمية، ومنها ما اعتمد على معيار موضوع الجريمة ذاتها، ومنها ما جمع بين المعيارين السابقين، وسوف نعرض لأشهر هذه التعريفات فيما يلى:

1- تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:

تعريف الجرمية الإلكترونية بأنها: ( كل فعل أو امتناع من شأنه الاعتداء على الأموال المادية أو المعنوية، يكون ناتجاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن تدخل التقنية المعلوماتية ).[1]

2- تعريف مكتبة المحاسبة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية :

يعرفها بأنها: ( تلك الأفعال العمدية التي تسبب خسائر للحكومة، أو مكاسب للأفراد، والمرتبطة بتصميم أو استخدام أو تشغيل النظام الذى تقع هذه الأعمال في نطاقه ).[2]

ومن الناحية القانونية يمكن تعريف الجرمية الإلكترونية بأنها: ( كل فعل أو امتناع عن فعل يأتيه الإنسان إضراراً بمكونات الحاسب الآلي المادية والمعنوية، وشبكات الاتصال الخاصة به، باعتبارها من المصالح والقيم المتطورة التي يحميها قانون العقوبات).

واستخلاصا مما سبق فإن للجريمة الإلكترونية عدة خصائص أبرزها ما يلى:

1- خطورة الجريمة الإلكترونية:

فهي تختلف عن الجرائم العادية حيث أنها تمس الحياة الخاصة للإنسان، وتمس أيضاً أمن المؤسسات العامة للدولة، وذلك عندما تستهدف الجريمة استقرار الدولة السياسي أو الاقتصادي، بتسريب بيانات هامة أو تخريب أنظمة تشغيل المعلومات الخاصة بها، أو التحريض ضد أمنها القومي، وبالإضافة إلى ذلك فقد تمس الجريمة الإلكترونية المؤسسات الخاصة كالبنوك والمصارف، كل هذا يجعل الجريمة الإلكترونية أشد ضرراً وخطورة.

2- عالمية الجريمة الإلكترونية:

فهي من الجرائم العابرة للحدود الوطنية، حيث ترتكب بعضها داخل أجهزة الحاسوب الشخصية في أي مكان، في غرف النوم أو داخل الأجهزة الرئيسية الكبيرة، فهي لم تعد جريمة داخلية بل أصبحت تجاوز القارات، وذلك بسبب انتشار شبكة الاتصالات العالمية، ووجود الحواسيب في مختلف دول العالم، وارتباطها بهذه الشبكة.

٣- صعوبة إثباتها وموجهتها:

لأنها عكس الجرائم العادية لا تترك دليلاً خارجياً، فالجريمة الإلكترونية تتميز بالسرعة الفائقة في ارتكابها، فتحدث عبر نبضات إلكترونية، مما يصعب التخطيط لمواجهتها، وتشكل عقبة أمام اكتشافها ومعرفة مرتكبيها وتعقب آثارها.

والجريمة الإلكترونية تحتاج لخبرة فنية لا تتوافر في المحقق العادي للتعامل معها، وتعتمد على ذكاء مرتكبها، ومعرفته الكبيرة بالتقنيات المعلوماتية الحديثة، وقدرته على الخداع والتضليل.

4- الجرائم الإلكترونية لا تعتمد على العنف:

عكس السرقة والاغتصاب في الجرائم التقليدية، التي تحتاج إلى جهد وعنف، فإن الجريمة الإلكترونية يطلق عليها الجريمة الناعمة، لأن العوائق المادية لا تستطيع  منع ارتكابها، فمثلاً سرقة الأرصدة النقدية من البنوك عن طريق الحاسوب لا تواجه العوائق المادية التقليدية، فلا تحتاج من الجناة كسر الأبواب، واستخدام السلاح، بل يكفى المعرفة الكبيرة بالحاسب الآلي، والدخول غير المشروع على شبكة معلومات البنك، وإجراء تحويلات غير مشروعة لأرصدة مالية ضخمة من حسابات المجنى عليهم (الضحايا) إلى حسابات الجناة في نفس البنك، أو في بنوك أخرى.

ثانياً: آلية التحقيق في الجرائم الإلكترونية:

غنى عن البيان أن التصدي للجرائم الإلكترونية ومواجهتها يحتاج وبحق إلى إجراء تحقيق فعال، مع توافر قدرة فائقة على جمع الأدلة، وفرق عمل متخصصة للتعامل مه كافة الأدلة الرقمية، لجمعها وفحصها وصولاً إلى الإثبات الإلكتروني للجريمة.

لذلك فإن التحقيق في الجريمة الإلكترونية يمر بمرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الأولى: وتتعلق بالإجراءات التي يتم تنفيذها في مسرح الجريمة، وتشمل هذه المرحلة (إغلاق مسرح الجريمة لمنع فقد أو تلف، أو تلوث الأدلة، ومن ثم الحفاظ على مسرح الجريمة وكيفية تأمينه ومنع العبث به).

أما المرحلة الثانية : فيجب فيها على مأموري الضبط القضائي اتخاذ الإجراءات التالية:

  • توثيق حالة مسرح الجريمة وحالة الكمبيوتر : مفتوح أم لا، متصلاً بالأنترنت أم لا.
  • تحديد هوية جهاز الكمبيوتر الذى عثر عليه في مسرح الجريمة، حيث أن رمز بروتوكول الإنترنت (IP) يلعب دور كبير في تحديد موقع ومكان المشتبه فيه.
  • تحديد هوية وتوثيق أجهزة التخزين.
  • تصوير مسرح الجريمة.
  • حفظ الأدلة والموارد الرقمية والوثائق المطبوعة، وكافة الأجهزة الموجودة في مصرح الجريمة.
  • استرجاع الوثائق العالقة والملغاة أو التي تم مسحها.
  • نقل الأدلة التي يتم ضبطها.[3]

ويلاحظ أن المشرع الأردني في قانون جرائم أنظمة المعلومات الأردنية رقم 30 لسنة 2010، قد سمح لمأموري الضبط القضائي وذلك بعد الحصول على إذن من وكيل النيابة المختص الدخول إلى أي مكان تشير الدلائل إلى استخدامه لارتكاب أي من الجرائم الإلكترونية، وأجاز القانون لمأمور الضبط القضائي التحفظ على بيانات الحاسوب، وبيانات مرور الاتصالات السلكية واللاسلكية بعد الحصول على إذن من وكيل النيابة المختص، وذلك في الحالات الأتية:

  • إذا كان هناك احتمال بأنه تم ارتكاب جريمة.
  • إذا كان لدى عضو النيابة العامة مبرر للاعتقاد بأن البيانات متعلقة بالتحقيق في الجريمة.
  • إذا كان لدى عضو النيابة العامة مبرر للاعتقاد بأن البيانات المعنية عرضة للفقدان، أو التعديل بشكل خاص.

ولا يخفى عن الفطنة أنه إذا لم يمتثل الشخص لأمر التحفظ العاجل على بيانات الحاسوب أو بيانات مرور الاتصالات السلكية واللاسلكية، فإنه يجوز لعضو النيابة العامة أو الشرطة مطالبة المحكمة بإصدار قراراً بالقبض عليه، ويجب ألا تزيد مدة الاحتجاز التي تفرضها المحكمة عن أربعة أسابيع.

ويجوز للقاضي تجديد أمر التحفظ العاجل المشار إليه سابقاً لفترة زمنية اذا وجدت ضرورة حتى 90 يوم أو 180 يوم بحد أقصى، إذا كان الأمر قد تم إصداره بموجب طلب للحصول على المساعدة القانونية المتبادلة.

وأجاز القانون سالف البيان لعضو النيابة في حالة وجود اشتباه معقول بأنه قد تم ارتكاب جريمة، أو وجود مبررات للاعتقاد بأن البيانات المطلوبة تمثل أدلة على ارتكاب جريمة، أن يصدر أمر إلى مقدم خدمة الاتصالات السلكية واللاسلكية ليكشف له عما يلى:

  • هوية المشترك، أو مالك، أو مستخدم جهاز الاتصالات، أو نقطة الوصول إلى نظام الحاسوب قيد الاستخدام.
  • تحديد جهاز الاتصالات السلكية أو اللاسلكية، أو نقطة الوصول إلى نظام الحاسوب.
  • معلومات عما اذا كان جهاز الاتصالات قيد الاستخدام أو نشط.

ثالثاً: الخصوصية باعتبارها من أهم التحديات التي يوجهها التحقيق الإلكتروني:

تجدر الإشارة إلى أن الخصوصية تُعد أحد أهم التحديات التي تواجه المحقق في الجريمة الإلكترونية ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفالها، أو غض النظر عنها هي خصوصية المتهم، ففي ظل نمو ملحوظ لتكنولوجيا المعلومات في الآونة الأخيرة، وضرورتها في حياة المجتمعات الديمقراطية يواجه المشرع وصانع القرار إشكالية الحفاظ على قيم المجتمع، وعلى حق مالك الحاسوب في الخصوصية، وحقه في سرية معلوماته الشخصية الموجودة عليه، وعدم خرقها بل وحمايتها.

وترتيباً على ما سبق فإن المحقق كثيراً ما يواجه أثناء بعض التحقيقات في الجرائم الإلكترونية عدة عراقيل، تقف عقبة أمامه خاصة مع التزامه بالنصوص القانونية المتعلقة باحترام الحق في الخصوصية، والتي تختلف من دولة إلى أخرى.

وجدير بالذكر أن نطاق الخصوصية بدأ في الانحسار خاصة في ظل التقدم التكنولوجي والحماية الأمنية، بالرغم من أن اتفاقية بودابست قد ألزمت الدول الأطراف عند تطبيق النصوص الإجرائية المتعلقة بالتحقيق في الجرائم الإلكترونية وجمع أدلتها بمراعاة حقوق الإنسان واحترام الحريات العامة .

بيد أن الاتفاقية قد ألزمت الشخص المعنى بالحفاظ على المعلومات الرقمية التي بحوزته لمدة كافية من الزمن لا تزيد عن تسعين يوماً، لكى تستطيع السلطات المختصة من الاطلاع عليها وفحصها. كما أن الاتفاقية أيضاً ألزمت الدول الأعضاء بوضع التشريعات التي تمكن السلطات المختصة من أن تطلب من المشترك تسليم معلومته الرقمية الضرورية التي يحوزها في جهاز الكمبيوتر الخاص به، وأي من أدوات تخزين المعلومات .

وأيضاً وضع التشريعات اللازمة لكى تطلب السلطات المختصة من مزود الخدمة تقديم معلومات المشترك مثل : نوع الخدمة المقدمة له ومدة اشتراكه وهويته وعنوانه وقم هاتفه وغيرها من المعلومات الخاصة واللازمة للتحقيق في الجريمة الإلكترونية.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا الخرق للخصوصية بدأ يحدث في دول عريقة في الديمقراطية، وذلك بسبب الرغبة في مكافحة الإرهاب الدولي، حيث بدأت قوانينها تتجه إلى وضع العديد من التشريعات التي تحد من خصوصية الأفراد.

ومن هذا المنطلق وعلى سبيل المثال فإن قانون (باتريوت) الذى شرع في الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب وغيره من الجرائم، يعطى السلطات تنفيذ القانون القدرة الكبيرة على المراقبة وزرع أجهزة التنصت لأجهزة الاتصال والإنترنت، بل ووضع برامج إلكترونية سراً على أجهزة الكمبيوتر الشخصية  للأفراد لجمع المعلومات.

رابعاً: إجراءات الإثبات الإلكتروني والتحقيق الابتدائي في الجرائم الإلكترونية:

في مستهل حديثنا عن الإثبات الإلكتروني لابد أن نشير إلى أن هناك نوعان من أدلة الإثبات: الأول وهو الأدلة التقليدية للإثبات كشهادة الشهود والكتابة وغيرها، والثاني الأدلة غير التقليدية أو ما تسمى بالأدلة الرقمية.

فمن المسلم به أن الجاني عندما يرتكب الجريمة الإلكترونية، يخلف وراءه بصمات رقمية، غير مرئية، توجد في ذاكرة تخزين المعلومات، وتتخذ هذه البصمات إحدى الصور الآتية:

  • الصورة الأولى: ملفات فعالة، يمكن الوصول إليها بسهولة لأنها متاحة بغير كلمة سر فلا تحتاج إلى خبراء.
  • الصورة الثانية: ملفات مؤرشفة، وهى مخزنة في وحدات تخزين دائمة، ويمكن أيضاً الوصول إليه بسهولة ويسر، ولا تحتاج إلى خبراء، بل يمكن طباعتها بسهولة .
  • والصورة الثالثة والأخيرة: ملفات ممسوحة، وهى تبقى مخزنة أوتوماتيكيا لفترة مؤقتة في خوادم.

ويجب التعامل مع هذه الأنواع الثلاثة بحذر، حتى لا تتلف أو تدمر أو تفقد حسب طبيعتها فتصبح كدليل غير مقبول في الإثبات، ويجب أيضاً الحفاظ على النسخة الأصلية منها، حتى لا يطعن المتهم في سلامة الدليل الرقمي، وبأن المحققين قد تلاعبوا فيه وغيروه.

وتجدر الإشارة إلى أن المواقع الإلكترونية يعتبرها النظام القانوني الأردني كالمطبوعات، حيث يسرى عليها قانون المطبوعات والنشر.

وقد أبدت محكمة التمييز الأردنية ذلك في أحد أحكامها حيث انتهت في حكمها إلى أن (الموقع الإلكتروني هو وسيلة من الوسائل التي يتم فيها تدوين الأفكار والمقالات ونشرها، وبالتالي فإن المواقع الإلكترونية تعتبر من المطبوعات وفقاً لتعريف المطبوعة الوارد في قانون المطبوعات والنشر وتخضع لأحكامه).[4]

وتلعب الأدلة الرقمية دوراً هاماً في إثبات الجرائم الإلكترونية، خاصة مع زيادة استعمال الكمبيوتر والإنترنت، ودخول أنواع جديدة من الأدلة الرقمية، فأصبح من اللازم على المشرعين أن يواكبوا هذا التطور التكنولوجي، عن طريق وضع تشريعات جديدة أو تعديل التشريعات الحالية .

وهناك العديد من الإجراءات التي يمكن للمحقق اتباعها للحصول على دليل إثبات على وقوع الجريمة ، وسنتناول بعض منها حسب أهميتها :-

1- التفتيش:

التفتيش الجنائي بشكل عام يُقصد به البحث عن جسم الجريمة، والأداة التي استخدمها الجاني في ارتكابها، وكل ما له علاقة بها أو بفاعلها.

أما التفتيش الإلكتروني، فهو إجراء من إجراءات التحقيق الابتدائي يستهدف البحث عن أدلة الجريمة الرقمية، في مستودع جهاز كمبيوتر، أو أي من أجهزة الاتصال الذكية، ويكون بأمر من عضو النيابة لمأمور ضبط قضائي مختص، وقد يكون البحث عن الدليل الإلكتروني في موقع إلكتروني محدد.

ويجب أن يراعى التفتيش الإلكتروني خصوصية المشتبه فيه المراد تفتيش جهازه، لذا يلزم تحديد نوع الملف أو اسم البرنامج المراد تفتيشه، وتحديد الأدلة المطلوب البحث عنها وضبطها، كما يلزم تحديد نطاق التفتيش.

ومن الجدير بالذكر أن المشرع الأردني قد سمح لمأمور الضبط القضائي تفتيش الأجهزة والبرامج التي يحتمل أن تحتوى على دلائل تم استخدامها في ارتكاب الجريمة الإلكترونية، وألزم المشرع مأمور الضبط القضائي الذى قام بالتفتيش بإجراء محضر بتلك الإجراءات وعرضه على وكيل النيابة، وأجاز له ضبط الأجهزة الأدوات والبرامج والتحفظ على المعلومات والبيانات المتعلقة بالجريمة.

والتفتيش الإلكتروني يتم على مرحلتين :

المرحلة الأولى: التفتيش في الموقع:

وذلك في حضور صاحب الجهاز أو شاهدين، ويتم أثناء وصل الجهاز بالكهرباء والإنترنت، وذلك لأن فصل الجهاز تمهيداً لنقله قد يؤدى إلى ضياع بعض المعلومات، كما أن ذلك يؤدى إلى خلل وانقطاع عن العمل، خاصة للشركات التي يعتبر الكمبيوتر أساس في عملها، بالإضافة إلى معارضة المؤسسات والأفراد وأيضاً لنقل أجهزتهم إلى أقسام التحقيق، خوفاً على وثائقهم وملفاتهم، لذا يفضل لكل هذه الأسباب أن يجرى التفتيش داخل الموقع.

المرحلة الثانية: التفتيش خارج الموقع:

 وذلك عندما يريد المحقق استرجاع المعلومات فيحتاج إلى نقل الجهاز إلى المعمل، حيث لن يسمح العمل في الموقع بذلك لحاجته إلى أجهزة وفريق عمل كبير، ويجب أن يعهد للتفتيش عن الأدلة الإلكترونية إلى جهة متخصصة ومحايدة، وحماية الأدلة من عبث المتهم أو محاولة طمسها أو إخفائها.

2- الخبرة:

وهم أشخاص أو هيئات متخصصة في مجال معين يتعلق بجريمة معروضة على المحكمة، تستعين بهم المحكمة لإيضاح الرأي الفني في تحديد قيمة الدليل، وذلك لما لهم من قدرات علمية، واستعانة المحقق الجنائي بالخبير هو تدعيماً لمبدأ التخصص في المسائل الفنية، المتعلقة بشخص المتهم أو جسم الجريمة أو المواد المستعملة في ارتكابها وآثارها.

ومن المسلم به أن الجرائم الإلكترونية مرتبطة بمسائل فنية وعلمية بحتة، ومن ثم تتضح أهمية التقارير التي يعدها خبراء تقنية المعلومات، ويختلف اختيار الخبراء حسب طبيعة الجريمة الإلكترونية فقد تكون تزوير مستندات أو إطلاق الفيروسات أو التجسس أو الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ولابد أن يكون التقرير على مستوى تقنى عال الجودة، ويمكن للمحكمة أن تناقش الخبير في تقريره الذى قدمه في الجريمة محل التحقيق.

3- المعاينة:

هي أحد إجراءات التحقيق الابتدائي، والتي قد يبدأ بها المحقق وهى تخضع للسلطة التقديرية للمحقق، فيجوز اللجوء إليها إذا وجدت حالة ضرورة خاصة في الجرائم الإلكترونية، لأنه نادراً ما يتخلف عن ارتكابها آثار مادية لمرور فترة زمنية بين وقوع الجريمة واكتشافها مما يعرض آثار الجريمة للطمس، لذلك فيجب إجراء المعاينة في الجريمة الإلكترونية على وجه السرعة حتى لا يستطيع الجناة العبث بالأدلة ومحوها.

ومحل المعاينة هو الآثار التي تركها مستخدم الإنترنت، وتشمل جميع الرسائل المرسلة منه والمستقبلة من خلال الجهاز الذى يقوم باستخدامه.

وتواجه المعاينة عدة تحديات أبرزها أن مسرح المعاينة في الجريمة الإلكترونية هو من الطبيعة الرقمية، وهناك تحدى آخر في تاريخ ووقت المعاينة فقد يكون الجهاز مضبوطاً بتوقيت يختلف عن توقيت الصورة لأن الكاميرا توقيتها مختلف.

وهناك أيضاً تحدي ثالث، وهو احتمال أن يكون الجاني قام بمحو البيانات من الملفات، خوفاً من اكتشافه، وهنا يلزم التحفظ على سلة المهملات، لوجود تقنيات تعمل على استرجاع البيانات بعد محوها.

4- الشهادة:

شهادة الشهود تلعب دوراً هاماً في إبراز الحقيقة، سيما في المسائل الجنائية، وتتضح أهميتها في الجريمة الإلكترونية كسند من أسانيد أدلة الثبوت أو النفي، ويجب على المحقق الاستماع لأقوال الشهود، وأن يواجههم بعضهم البعض، وبالخصوم، والشاهد المعلوماتي في الجريمة الإلكترونية هو أحد الفئات التالية:

  • مشغلو الحاسب الآلي: هو عامل تشغيل الحاسب الآلي، ولابد أن يتوافر لديه خبرة واسعة في هذا المجال.
  • خبراء البرمجة: متخصصون في مختلف أنواع البرامج المتعلقة بالحاسب.
  • مهندسو الصيانة والاتصالات: يقومون بأعمال الصيانة للحاسب وشبكات الاتصال المعلقة به.
  • المحللون: شخص يحلل الخطوات ويدرس البيانات ويحللها.
  • مديرو النظم: يقومون بأعمال الإدارة في النظم المعلوماتية.

ويجب على الشاهد المعلوماتي أن يعلم سلطات التحقيق بكل المعلومات الجوهرية التي تساعد في كشف الحقيقة، وإلا عوقب بجريمة الامتناع عن الشهادة.

خامساً: معوقات إثبات الجريمة الإلكترونية:

مما لاشك فيه أن هناك العديد من العراقيل والمعوقات التي تقف حجر عثرة أمام إثبات الجريمة الإلكترونية، سنبينها في النقاط الآتية:

1- المعوقات المتعلقة بالجريمة:

أ- اختفاء آثار الجريمة، وغياب الدليل المرئي، لأن الجناة في الجرائم الإلكترونية يتمتعون بقدرة فائقة على إخفاء أي آثار مادية ملموسة على جرائمهم.

ب- صعوبة الوصول إلى الدليل، للإحاطة بوسائل الحماية الفنية مثل كلمات السر التي تمنع الوصول إلية.

ج- سهولة محو وتدمير الدليل في زمن قصير جداً من قبل الجاني.

د- ضخامة حجم المعلومات التي يجب فحصها واحتمال خروجها عن نطاق إقليم الدولة.

هـ- الجناة في الغالب لا يستخدمون في دخولهم على شبكة الإنترنت أجهزتهم، بل يعتمدون على مقاهي الإنترنت المنتشرة في الدولة، ولا يمكن معرفة مستخدميها.

و- أغلب البيانات والمعلومات المتداولة عبر الحاسب الآلي هي رموز مخزنة على وسائط ممغنطة، لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الحاسب الآلي، من قبل أشخاص مؤهلين لذلك.

2- المعوقات المتعلقة بالجهات المتضررة من الجريمة:

أ- بعض المؤسسات يكون لديها رغبة في عدم الإبلاغ عن الجريمة الإلكترونية حفاظاً على سمعتها.

ب- التسارع لاستخدام الشركات لأحدث التقنيات في نظم المعلومات، وتبسيط الإجراءات لزيادة المنتجات، وعدم تركيزها على الجانب الأمني.

ج- قد يكون سبب عدم الإبلاغ عن الجريمة عدم معرفة الضحية بوجود جريمة أصلاً، وعدم قناعته أنها ممكن أن تحدث لمؤسسته.

3- المعوقات المتعلقة بجهات التحقيق:

أ- شخصية المحقق : وذلك عندما يتهيب من استخدام الكمبيوتر والإنترنت .

ب- عدم توافر الأجهزة والبرامج المناسبة للتحقيق.

وهناك العديد من المعوقات التشريعية كعدم وضع تشريعات جديدة تتناسب مع التطور التكنولوجي لتقنية المعلومات وظهور أدلة رقمية حديثة في ارتكاب الجرائم الإلكترونية مما يعيق إثبات الجريمة.

وأخيراً ينبغي أن نستعرض التجربة الأردنية في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية، وحري بنا أن نعرف أن الجرائم الإلكترونية تم تصنيفها حديثاً في الأردن فاستحدثت (شعبة المتابعة والتحقيق) سنة 2008، لكى تختص بالجرائم الإلكترونية.

وصدر قانون جرائم أنظمة المعلومات في الأردن سنة 2010، وقبل صدوره كانت الجرائم المعلوماتية تستمد أحكامها من قانون العقوبات الأردني.

ولمواجهة مشكلة الجرائم الإلكترونية انضمت المملكة الأردنية الهاشمية للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تجرم جرائم الإنترنت، وسنت قوانين وتشريعات جديدة تجرم الجرائم المعلوماتية، كقانون المعاملات الإلكترونية، وأنشئت إدارة جديدة بوزارة الاتصالات تكون مسئولة عن الجرائم الإلكترونية.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] نظر سامي علي حامد عياد، الجريمة المعلوماتية وإجرام الإنترنت ، دار الفكر العربي ، ٢٠٠٧ص٤٢

[2] سامي علي حامد عياد، المرجع السابق، ص 42. وانظر  مقال محامي جرائم  إنترنت، منشور على موقع محامي الأردن – حماة الحق.

[3] أنظر عبدالباقي مصطفي، التحقيق في الجريمة الإلكترونية وإثباتها ، ٢٠١٨، ص٢٨٦، ٢٨٧.

[4] الحكم رقم 1729 لسنة 2009 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية، الصادر بجلسة 10/1/2010.

Scroll to Top