القواعد الموضوعية للإثبات
إن الإثبات من المسائل التي أفرد المشرع ذكرها في قانون مستقل ينظمها وذلك نظرا لأهميتها القصوى، حيث لا يتخيل نزاع بين الخصوم حول حقا ما دون وسيلة متاحة لهم لإثبات ذلك الحق، وقد تناول قانون البينات الأردني مسائل الإثبات الثلاث وهي ( أولا ) محل الإثبات، ( ثانياً ) عبء الإثبات، ( ثالثاً ) طرق الإثبات، وتعتبر تلك المسائل هي المُشكلة للقواعد الموضوعية لعناصر الإثبات، وهي بذلك تختلف عن القواعد الإجرائية التي تنظم مسألة تقديم الأدلة، وكيفية المنازعة فيها.
والقواعد الموضوعية للإثبات غايتها الوصول إلى حقيقة النزاع في الدعوى القضائية، عن طريق توفير الضمانات اللازمة للوصول إلى تلك الغاية، من حياد القاضي الذي ينظر النزاع إلى أحقية الخصوم في إثبات دعواهم وفقا لمبدأ المجابهة في تقديم الدليل مما يتيح للخصوم الوقوف على جميع الأدلة المقدمة في الدعوى للرد عليها، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الوصول إلى الغاية المستهدفة وهي إثبات أو نفي الواقعة محل النزاع.
وسوف نتناول في مقالنا القواعد الموضوعية للإثبات، بداية بالقواعد المتعلقة بمحل الإثبات، ومرورا بالقواعد المتعلقة بعبء الإثبات، نهاية بالقواعد المتعلقة بوسائل الإثبات مع بيان موجز لتلك الوسائل والطرق المنصوص عليها في قانون البينات، على أن نستهل مقالنا بتعريف ما هو المقصود بالإثبات في نطاق القانون المدني والغاية منه، وذلك من خلال النقاط الآتية:
ثانيا: قواعد الإثبات ذات الطبيعية الموضوعية:
ثالثاً: بعض التطبيقات الخاصة بالأحكام الموضوعية لكيفية الإثبات:
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القواعد الموضوعية في الإثبات:
أولا: تعريف الإثبات:
يُقصد بالإثبات قانونا تأكيد حق متنازع فيه له أثر قانوني بالدليل الذي أباحه القانون لإثبات ذلك الحق،[1] أو هو تقديم الدليل أمام القاضي – بالطرق الجائزة – على وجود واقعة قانونية متنازع فيها بين الخصوم في الدعوى القضائية.[2]
والإثبات ركن أساسي في الخصومة القضائية حيث لا تخلو أي خصومة من ضرورة ركون الخصوم فيها إلى الإثبات، فيلجأ المدعي إلى الإثبات لتأييد دعواه بما يتاح له من أدلة ، ويلجأ المدعى عليه إلى تفنيد تلك الأدلة بما يتاح له أيضا من أدلة أخرى، وهذا الإثبات يتم قصدا إلى تحقيق غاية عملية وهي الفصل في المنازعات وحماية الحقوق لأصحابها وصيانتها من التعدي عليها.
ثانيا: قواعد الإثبات ذات الطبيعية الموضوعية:
وهي القواعد التي تحدد محل الإثبات وتنظم تحمل عبئه بين الخصوم في الدعوى، كما تبين وسائلة وأحوال استخدام كل وسيلة من تلك الوسائل، وقوة كلا منها في الإثبات، وسوف نتناول تلك القواعد وفقا للتقسيم الآتي.
1 – القواعد المتعلقة بالواقعة محل الإثبات:
إن محل الإثبات ليس هو الحق المدعى به شخصياً سواء أكان هذا الحق حقا شخصيا أو عينياً، بل هو المصدر أو الواقعة التي تنشئ هذا الحق، والمصادر التي تنشئ هذه الحقوق أيا كانت إما أن تكون تصرفاً قانونياً أو واقعة مادية ذات أثر قانوني، وسوف نتناول القواعد أو المبادئ التي تحكم الواقعة محل الإثبات من خلال النقاط الآتية:
القاعدة الأولى: أن تكون الواقعة محل الإثبات متنازع عليها:
وهذا شرط بديهي حيث أنه إذا كانت الواقعة المدعى بها أمام القضاء مسلم بها وليست محلا للنزاع بين الخصوم، فلا حاجة إلى اللجوء لإثباتها.
القاعدة الثانية: أن تكون الواقعة محل الإثبات متعلقة بالدعوى موضوع النزاع ومنتجة فيها:
حيث أنه إذا كانت الواقعة المراد إثباتها غير متعلقة أو منتجة في الدعوى ولا يساعد إثباتها على الفصل في النزاع فلا محل لتحقيقها وإلا كان ذلك مضيعه لوقت المحكمة وعبئا على الخصوم بلا طائل يرجى من وراءه.
مثال للواقعة الغير متعلقة بالنزاع: كأن يطلب المدين إثبات أن دائنة مدين لآخرين أو أن الدين الذي يداين به دائنة شخص أخر قد تم عن طريق غير مشروع، فلا يقبل منه في تلك الحالات إثبات ذلك الأمر لعدم تعلقه بالنزاع القائم بينهما.
مثال للواقعة الغير منتجة في النزاع: كأن يطلب شخص إثبات ملكيته لقطعة أرض بوضع يده عليها أربعة عشر عاما، فلا يقبل منه ذلك لأنه وعلى فرض ثبوت صحة ما يدعيه فان ذلك لن يكسبه ملكية الأرض المتنازع عليها، وبالتالي لن يكون منتجا بشأن الفصل في النزاع.
وقد تبنت (المادة 4/1) من قانون البينات هذا الشرط حيث نصت على أنه: (يجب أن تكون الوقائع التي يراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة في الإثبات وجائزاً قبوله)، وتقدير ما إذا كانت الواقعة محل الإثبات متعلقة بالدعوى موضوع النزاع من عدمه متروك لتقدير القاضي، مع ملاحظة أنه ليس من اللازم لاعتبار الواقعة منتجة في الإثبات أن تكون حاسمة للنزاع، بأن تؤدي وحدها إلى ثبوت الحق المتنازع فيه، وإنما يكفي أن تكون حلقة في سلسلة وقائع تؤدي إلى ثبوت ذلك الحق.[3]
القاعدة الثالثة: أن يتم إثبات الواقعة بالدليل الذي أباحه القانون:
لقد حدد قانون البينات الأردني وسائل الإثبات المختلفة التي يمكن من خلالها إثبات الحقوق المتنازع عليها، ويتقيد القاضي بتلك الوسائل التي حددها المشرع القانوني، فلا يجوز له أن يحكم في الواقعة المتنازع عليها، إلا بمقتضى الدليل الذي أباحه القانون وبعد استيفاء الإجراءات المحددة قانونا، فإذا استلزم المشرع لإثبات واقعة أو تصرف ما أن يكون مكتوبا فليس للقاضي أن يسمح بإثباته بشهادة الشهود إلا في حالات مستثناه لا يجوز له مجاوزتها.
القاعدة الرابعة: أن تكون الواقعة محل الإثبات جائزة القبول:
أي أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير مستحيلة الإثبات، فالوقائع المستحيلة الإثبات لا معنى لقبول إثباتها، كمن يريد إثبات أن شهر فبراير 31 يوما، وكذا الوقائع المحرمة قانونا أو المخالفة للنظام العام لا يصح قبول إثباتها، كإثبات دين القمار، وكذا الوقائع التي سبق الفصل فيها بحكم بات أمام القضاء لا يجوز إثبات ما يخالفها.
2 – القواعد المتعلقة بعبء الإثبات:
يقصد بعبء الإثبات إلزام المشرع أحد الخصوم بإقامة الحجة على ما يدعيه وإلا حكم لخصمه، ودور الخصوم يكون تقديم الأدلة وفقا للقواعد التي تنظم تلك المسألة، ثم يأتي دور القاضي بأن يزن ما يُقدم إليه من أدلة الخصوم في حدود ما يجعل له القانون من سلطة، ويقوم دور القاضي على الحياد التام بين المتنازعين، وسوف نتناول ذلك من خلال المبادئ التي تحكم دور القاضي في الإثبات ، وتلك التي تنظم دور الخصوم في الإثبات:
أ – القواعد التي تحكم دور القاضي في الإثبات:
– مبدأ حياد القاضي:
لا يُقصد بمبدأ حياد القاضي ألا يكون متحيزا لطرف من أطراف الخصوم على حساب الطرف الأخر، لأن ذلك أمرا مفترض في القاضي بحكم القواعد التي تحكم وظيفته، ولكن المقصود بحياد القاضي في الإثبات هو أن يقتصر القاضي في تكوين عقيدته على ما يقدمه إليه الخصوم من أدلة لإثبات الوقائع المتنازع عليها، وألا يكون له دور إيجابي في توجيه الخصوم في الدعوى لاستكمال عناصر اقتناعه.[4]
ولا يجوز للقاضي أن يؤسس حكمه على معلومات وأدلة تحصل عليها بصفة شخصية، ذلك لان قضاء القاضي بعلمه الشخصي يعني أنه هو من يقوم بتقديم الدليل، مما يضع القاضي موضع المناقشة من جانب الخصوم، وهو الأمر الذي لا يتفق مع الاحترام الواجب للقضاء،[5] وقد نصت المادة (3) من قانون البينات على أنه: (ليس لقاض أن يحكم بعلمه الشخصي)، ولكن لا يمتد ذلك المنع إلى علم القاضي بوقائع عامة يفترض علم الكافة بها، مثل علمه بارتفاع أسعار الذهب مثلا، أو علمه بوجود أزمة اقتصادية في البلاد.
ويجب على القاضي أن يبين الأسباب التي بني عليها حكمه، بأن يبين في هذا الحكم الوقائع التي استند إليها في قضاءه، وذلك الأمر يعد من الضمانات الهامة التي تكفل الرقابة على القاضي بشأن تطبيقه للقانون والتزامه بمبدأ الحياد بين الخصوم.
– الدور الإيجابي للقاضي في الإثبات:
يقابل الدور السلبي للقاضي بشأن الإثبات دور إيجابي أباحه له المشرع حتى لا يترك للخصوم وحدهم بصفة مطلقة تسيير الخصومة وفقا لهواهم الشخصي، ويتجلى ذلك من خلال النقاط الآتية:
- أحقية القاضي أن يأمر بإحالة الدعوى للتحقيق في أي مرحلة من مراحل الدعوى.
- أحقية القاضي أن يفهم الخصم أن من حقه توجيه اليمين الحاسمة في حال عجز احد طرفي الدعوى عن إثبات دعواه أو دفعه (م. 53 بينات ).
- أحقية القاضي أن يأمر بتحليف اليمين الحاسمة في الحالات المقررة قانونا (م. 54 بينات).
- أحقية القاضي أن يأمر بتوجيه اليمين المتممة لأحد الخصوم في الدعوى لاستكمال الدليل المقدم أمامه. (م. 70 بينات).
- أحقية القاضي أن يأمر بندب خبير فني لتحقيق بعض المسائل الفنية.
- أحقية القاضي أن يلزم الغير بتقديم ورقة أو سند تحت يده وذلك في الأحوال المقررة قانونا والمنصوص عليها بالمادة 25 من قانون البينات.
- أحقية القاضي أن يقرر جلب إسناد وأوراق من الدوائر الرسمية إذا تعذر فعل ذلك على الخصوم في الدعوى ( م. 25 بينات ).
ب- القواعد التي تحكم دور الخصوم في الإثبات:
إن الإثبات في الأصل هو حق الخصوم في الدعوى، حيث أن العرف القانوني يسوده مبدأ أساسي وهو أن الدعوى ملك للخصوم، ومن ثم يلعب الخصوم الدور الأكبر والأكثر إيجابية في الإثبات، وسوف نتناول أهم القواعد أو المبادئ القانونية التي تحكم وتنظم دور الخصوم في الإثبات والتي تتمثل في الاتي:
القاعدة الأولى: على المدعي عبء الإثبات وعلى المدعي عليه نفيه:
فالمدعى هو المكلف قانونا بإثبات دعواه، ولا يقصد بالمدعي رافع الدعوى، ولكن يقصد به من يدعي خلاف الوضع الثابت أصلا أو عرضا أو ظاهرا، أو خلاف قرينة قانونية غير قاطعة،[6] وحق الخصم في الإثبات يجابهه حق الخصم الأخر في إثبات عكس ما جاء بهذا الادعاء، كأن يكون دليل الإثبات المقدم من احد الخصوم ورقة مكتوبة، فيحق هنا للخصم الأخر أن ينكر الإمضاء الموقع على الورقة أو يطعن عليها بالتزوير حسب ظروف كل دعوى، وهكذا يتنقل عبء الإثبات بين الخصوم إلى أن يعجز أحدهما عن رده على الأخر فيحكم لخصمه.
القاعدة الثانية: عدم جواز أن يصطنع الخصم دليلا لنفسه:
والمقصود من هذا أنه لا يحق للخصم أن يقدم في الدعوى دليلا من صنعه لإثبات ما يدعيه على خصمه الأخر، أي لا يجوز له أن يستند في إثباته إلى مجرد أقواله الخاصة أو مستندات أعدها بنفسه لتأكيد صحة ادعائه، كأن ينشر شخص إعلان في الصحف بفقده لختمه الخاص، فلا ينهض هذا الإعلان كدليل على صحة هذه الواقعة، ولا يعتبر حجه على المتمسك بورقة مختومة بهذا الختم،[7] ولكن قد يخرج عن هذا المبدأ بعض الاستثناءات مثال:
– ما نصت عليه المادة (16) من قانون البينات من أن: دفاتر التجار الإجبارية:
- تكون حجة على صاحبها سواء أكانت منظمة تنظيماً قانونياً آم لم تكن ولكن لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلاً لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه.
- تصلح لان تكون حجة لصاحبها في المعاملات المختصة بتجارته إذا كانت منظمة وكان الخلاف بينه وبين تاجر.
– ما نصت عليه المادة (19) من قانون البينات من أنه:
لا تكون الدفاتر والأوراق الخاصة حجة لمن صدرت عنه إلا إذا:
- إذا ذكر فيها صراحة انه استوفى ديناً.
- إذا ذكر فيها صراحة انه قصد بما دونه في هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته.
القاعدة الثالثة: عدم جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه إلا في حالات معينة:
إذا كان الأصل كما سبق وأن أوضحنا انه لا يجوز للخصم أن يصطنع دليلا لنفسه، فإن تلك القاعدة تقابلها قاعدة أنه لا يجبر الخصم على تقديم دليل ضد نفسه، حيث يحق لكل خصم أن يحتفظ بأوراقه الخاصة به، وليس لخصمه أن يلزمه بتقديم مستند يملكه ولا يريد أن يقدمه، والحقيقة أن هذه القاعدة وإن كانت تستند إلى مبدأ حرية الإنسان الشخصية، فإنها تصطدم بالالتزام الأخلاقي الذي يقع على عاتق كل خصم، والذي يوجب عليه تحري الصدق والأمانة في أقواله وتصرفاته لإثبات الحقيقة أمام القضاء[8]، ولذلك فقد أباح المشرع الأردني في بعض الحالات استثناء من هذا الأصل العام إلزام الخصوم بتقديم ما تحت يدهم من مستندات، ومثال ذلك:
- ما نصت عليه المادة (21) من قانون البينات من أنه للخصم أن يطلب ضمن قائمة بيناته إلزام خصمه بتقديم أسناد أو أوراق منتجة في الدعوى تكون تحت يده على أن يبين في القائمة ما يلي:
- أوصاف السند أو الورقة.
- فحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل.
- الواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها.
- الدلائل أو الظروف التي تؤيد أن الورقة أو السند تحت يد الخصم.
- ما نصت عليه المادة (25) من قانون البينات من أنه:
- يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى أن تدعو الغير لإلزامه بتقديم ورقة أو سند تحت يده وذلك في الأحوال والأوضاع المنصوص عليها في المواد السابقة مع مراعاة أحكامها.
- يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تقرر جلب إسناد وأوراق من الدوائر الرسمية إذا تعذر ذلك على الخصوم.
- يجوز لمن يخشى الاحتجاج عليه بورقة مزورة أن يختصم، بدعوى أصلية، من بيده هذه الورقة أو من يستفيد منها لاستصدار حكم بتزويرها.
فكل تلك الاستثناءات وضعها المشرع ليستقيم ميزان الإثبات فلا تطغى حرية الخصوم الشخصية بصفة مطلقة على الالتزام الأصلي بضرورة الوصول إلى حقيقة النزاع ولو مس ذلك تلك الحرية.
القاعدة الرابعة: المجابهة بالدليل:
ويقصد به حق كل خصم في مواجهته بأدلة الخصم الأخر، لكي يتمكن من تفنيدها والرد عليها، وبدون ذلك الحق فلا وجود لمبدأ التكافؤ بين الخصوم، ولا محل للوصول إلى حقيقة النزاع، حيث أن القول بخلاف ذلك يتيح الفرصة للخصم بتقديم دليل غير صحيح ليؤيد به ادعاءاته، فيحكم القاضي استنادا إليه، وذلك في غفلة من الخصم الأخر الذي لم يتاح له فرصة الاطلاع على هذا الدليل ومناقشته.
3 – القواعد المتعلقة بوسائل الإثبات:
يقصد بوسائل الإثبات المدنية هي الطرق التي وضعها المشرع للخصوم لإثبات الوقائع المتنازع عليها بينهم، وقد حدد المشرع الأردني في المادة الثانية من قانون البينات الوسائل المقبولة في الإثبات وهي:
أ- الأدلة الكتابية: وقد قسمها المشرع إلى ثلاث أنواع:
السندات الرسمية: وهي التي يحررها الموظفون وفقا للقواعد التي يرسمها القانون، أو السندات التي يحررها أصحابها ويصدق عليها الموظفون المختصون بذلك قانونا.
السندات العادية: وهي التي تشتمل على توقيع من صدرت عنه أو على خاتمه أو بصمة إصبعه وليست له صفة السند الرسمي.
الأوراق غير الموقعة: مثال الرسائل، ودفاتر التجار، والأوراق والدفاتر الخاصة.
ب- الشهادة:
ويقصد بها إخبار الإنسان بمجلس القضاء بحق على غيره لغيره، أو أنها إخبار الشاهد في مجلس القضاء بواقعة تمت تحت سمعه أو بصره أو إحدى حواسه، ومن شأنها أن ترتب لشخص حقا قبل شخص أخر.[9]
ج- القرائن:
وقد قسمها المشرع إلى نوعين:
قرائن قانونية: وهي القرينة التي ينص عليها القانون بحيث تغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات.
قرائن قضائية: وهي القرائن التي لم ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من ظروف الدعوى ويقتنع بان لها دلالة معينة.
د- الإقرار:
وقسمه المشرع إلى نوعين:
إقرار قضائي: وهو اعتراف الخصم أو من ينوب عنه إذا كان مأذونا له بالإقرار بواقعة ادعى بها عليه وذلك أمام القضاء أثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة.
إقرار غير قضائي: هو الذي يقع في غير مجلس الحكم أو يقع في مجلس الحكم في غير الدعوى التي أقيمت بالواقعة المقر بها.
هـ – اليمين:
وقد قسمها المشرع إلى:
يمين حاسمة: وهي اليمين التي يوجهها أحد المتداعين لخصمه ليحسم بها النزاع.
يمين متممة: وهي اليمين التي يوجهها القاضي من تلقاء نفسه إلى أي من الخصمين ليكمل بها قناعته، عندما يقدر عدم كفاية الأدلة التي يقدمها الخصم.
و- المعاينة والخبرة:
المعاينة: ويقصد بها انتقال المحكمة لتعاين بنفسها محل النزاع أيا كانت طبيعته، لتتبين الصدق فيما يدعيه كل من الخصوم في شأنه.
الخبرة: يقصد بها استعانة القاضي بأهل الخبرة المختصين علميا وفنيا، في حالة كون الفصل في النزاع المطروح أمامه يتضمن مسألة فنية لا يستطيع الفصل فيها دون الالتجاء إليهم، ويكون الاستعانة بأهل الخبرة مقصورا على المسائل الفنية والعلمية فقط دون المسائل القانونية التي يكون الفصل فيها من اختصاص القاضي نفسه.
ثالثاً: بعض التطبيقات الخاصة بالأحكام الموضوعية لكيفية الإثبات:
وسوف نتناول من خلاله أمثلة لبعض القواعد العامة التي أوردها المشرع بشأن وسائل الإثبات والاستثناءات التي وردت على تلك القواعد:
القاعدة الأولى: عدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة:
وتلك هي القاعدة العامة في الإثبات حيث لا يجوز نقض الدليل الكتابي إلا بدليل كتابي أخر مماثل له وذلك أيا كانت القيمة التي يشملها هذا الدليل حتى ولو كانت أقل من النصاب الخاص بالإثبات بالكتابة، وهذا ما نصت عليه المادة (29/1) من قانون البينات بقولها: “لا يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب لا تزيد قيمته على مائة دينار: فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي”.
وهذه القاعدة القانونية مثلها مثل كل القواعد القانونية تحوى على استثناءات مراعاة لحالات خاصة قدرها المشرع مثال ذلك ما نصت عليه المادة (30) من قانون البينات بقولها: يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مائة دينار:
- إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة: ومبدأ الثبوت بالكتابة هو كل كتابة تصدر عن الخصم ويكون من شانها أن تجعل وجود المدعى به قريب الاحتمال.
- إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي أو إذا كان العرف والعادة لا يقضيان بربطها بسند:
ويعتبر مانعاً مادياً أن لا يوجد من يستطيع كتابة السند أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد، ويعتبر مانعاً أدبيا القرابة بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشي إلى الدرجة الثالثة أو ما بين احد الزوجين وأبوي الزوج الآخر.
- إذا فقد الدائن سنده المكتوب لسبب لا يد له فيه، كان يكون سرق منه، أو احترق اثر حريق شب في منزله.
- إذا طعن في العقد بأنه ممنوع بالقانون أو مخالف للنظام العام أو الآداب، كأن يكون العقد خاص بدين قمار أو اتفاق على تيسير الدعارة.
- في حالة وجود أي ظروف أخرى أحاطت بتنظيم السند على أن يقوم المدعي ذلك بتحديدها.
- لتحديد العلاقة بين السند موضوع الدعوى وسند أخر.
- في حال الادعاء بان السند اخذ عن طريق الغش أو الاحتيال أو الإكراه على أن يتم تحديد أي من هذه الوقائع بصورة واضحة.
القاعدة الثانية: الإجازة لأحد الخصوم بإثبات واقعة بشهادة الشهود تقتضي دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق:
وهذه القاعدة تقتضيها المساواة بين الخصوم في الإثبات، بحيث أنه إذا أجازت المحكمة لأحد الخصوم إثبات واقعة ما أو تصرفا قانونيا بشهادة الشهود، فيكون للخصم الأخر درء ذلك الدليل بذات الطريقة التي استعملها خصمه، كأن تجيز المحكمة لأحد الخصوم إثبات دين تتجاوز قيمته المائة دينار لاعتبارات مادية أو أدبية ارتأتها، فلا يجوز منع الخصم الأخر من دفع ذلك عن طريق شهادة الشهود بالقول أن المانع كان يخص الخصم الأول فقط، بل يجب أن يسمح له بدرء ذلك الدليل المستمد من شهادة الشهود بذات الطريقة.
القاعدة الثالثة: القرينة التي ينص عليها القانون تغني من تقررت لمصلحته عن أية طريقة أخرى من طرق الإثبات:
وذلك يعني أنه إذا وضع المشرع نص قانوني استنبط أو افترض من خلاله ثبوت واقعة ما من ثبوت واقعة أخرى، فإنه عندئذ يؤخذ بهذا الافتراض بصرف النظر عن الظروف الخاصة بكل حالة، ولا يحتاج من تقررت هذه القرينة لمصلحته أم يُثبت ما افترضته المشرع بمقتضى القانون، وإن كان للخصم الأخر أن يقوم بإثبات ما يخالف تلك القرينة، مثال ذلك: ما نصت عليه المادة (1229) من القانون المدني الأردني من أنه: ” إذا تصرف شخص لأحد ورثته واحتفظ بحيازة العين التي تصرف فيها وبحقه في الانتفاع بها مدى حياته اعتبر التصرف مضافا إلى ما بعد الموت وتسري عليه أحكام الوصية ما لم يقم دليل يخالف ذلك”.
ولكن نقض تلك القرينة مقيد بعدم وجود نص في القانون يقضي بغير ذلك، مثال ذلك: ما افترضه المشرع للأحكام القطعية من حجية بشأن ما فصلت فيه من حقوق، وعدم قبول أي دليل ينقض تلك القرينة ( مادة 41 من قانون البينات).
القاعدة الرابعة: عدم تعلق قواعد الإثبات بالنظام العام:
فمن القواعد المستقر عليها أن قواعد الإثبات ومنها تحديد الخصم الذي يقع عليه عبء الإثبات ليست متعلقة بالنظام العام فيجوز للخصم أن يتطوع لإثبات واقعة مكلف خصمه بإثباتها، فإذا أجابته المحكمة لطلبه امتنع عليه بعد ذلك أن يحتج بأنه لم يكن مكلفا قانونا بالإثبات،[10] كما أن له أن يتفق مع خصمه على الإثبات بشهادة الشهود في الحالات التي يجب فيها الإثبات عن طريق الكتابة.
مثال ذلك: ما نصت عليه المادة (28) من قانون البينات بقولها: ” إذا كان الالتزام التعاقدي في غير المواد التجارية تزيد قيمته على مائة دينار أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز الشهادة في إثبات وجود الالتزام أو البراءة منه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك”.
كما يرى البعض أنه يشترط لمنع الخصم من الإثبات بشهادة الشهود في الحالات التي يستلزم فيها الإثبات بالكتابة، أن يتمسك الخصم الأخر بذلك، بحيث إذا لم يتمسك به سقط حقه فيه.
مثال ذلك: طلب الخصم إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ما يخالف دليل كتابي مقدم في الدعوى، وسكوت الخصم الأخر عن الدفع بعدم قبول ذلك الإجراء مع قدرته على إبداءه، يعد تنازلا ضمنيا منه عن التمسك ببطلان هذا الإجراء فما بعد[11].
كما يجيز القانون أيضا لبعض الأشخاص لاعتبارات معينة قدرها المشرع الالتجاء إلى وسائل إثبات أخرى غير تلك الواردة بقانون.
مثال ذلك: ما نصت عليه المادة (72) من قانون البينات من أنه: ” يجوز للتجار الاتفاق على وسائل أخرى للإثبات بشأن المعاملات التجارية فيما بينهم”.
رابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القواعد الموضوعية في الإثبات:
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2675 لسنة 2021 ما يلي:
المستفاد من المادة (31) من قانون البينات أن الإجازة لأحد الخصوم بإثبات واقعة شهادة الشهود تقضي دائماً بأن يكون للخصم الآخر الحق في دفعها بهذا الطريق، وأن مجال تطبيق هذه المادة يكون في حال أن تكون الواقعة المراد دفعها هي الواقعة التي أجازت المحكمة لأحد الخصوم بالاستشهاد عليها ، أما إذا كانت الواقعة التي سمحت للخصم بالاستشهاد عليها مغايرة لواقعة الخصم الآخر فليس بالضرورة السماح للخصم الآخر بتقديم البينة الشخصية ، وعليه ولما كانت الواقعة التي سمحت للمدعية (المطعون ضدها) بالاستشهاد عليها هي لإبراز مستندات خطية بواسطتهم والشهادة على ما ورد وجاء فيها وهي جائزة قانوناً ، وبخلاف الواقعة التي طلبت المدعى عليها (الطاعنة) بالاستشهاد عليها وعلى الظروف المحيطة بقيام المدعى عليها الأولى في الدعوى (سها محمد محمود أسعد) وبكفالة المدعى عليها (الطاعنة) بتسديد الرصيد في حساباتها لدى المدعية فإن هذه الواقعة التي تطلب المدعى عليها (الطاعنة) بالاستشهاد عليها مخالفة للواقعة التي طلبت المدعية الاستشهاد عليها ، ومن ثم فإن إثبات الوفاء يجب أن يكون ومن جانب الطاعنة بالبينة الخطية ولا يصلح لإثباتها بالاستشهاد عليها مما يتعين معه رد هذا السبب.
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2065 لسنة 2019 ما يلي:
وحيث أن المادة 30/5 من قانون البينات تجيز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على مئة دينار لبيان الظروف التي أحاطت بتنظيم السند على أن يتم تحديدها وحيث أن المدعى عليه قد طلب السماح له بتقديم البينة الشخصية لإثبات الظروف التي أحاطت بتنظيم السند على أن يتم تحديدها وحيث أن المدعى عليه قد طلب السماح له بتقديم البينة الشخصية لإثبات الظروف التي أحاطت بتنظيم الكمبيالات محل المطالبة موضوع الدعوى وحدد هذه الظروف وهي أن الكمبيالات وضعت كتأمين لدى المدعي لضمان تسديد المدعى عليه حصته في رأسمال الشركة القائمة بينه وبين المدعي، وحيث إن هذه الواقعة يجوز إثباتها بالبينة الشخصية وأن تقديم السجلات المحاسبية الخاصة بتلك الشركة وكما جاء في الطلب رقم 619/2012 شأنه شأن البينة الشخصية بينة منتجة في الدعوى لإثبات تسديد حصته من رأس المال إلا أن محكمة الاستئناف سايرت محكمة أول درجة بشأن هذين الطلبين خلافاً لأحكام القانون حيث لجأ المدعى عليه لطلب توجيه اليمين الحاسمة لإثبات هذا الدفاع متنازلاً عما عداه من بينات وهو دفاع جوهري من شأنه أن يغير وجه الرأي في الدعوى إلا أن محكمة الاستئناف لم تحقق هذا الدفاع بمقولة إنها غير منتجة خلافاً لأحكام القانون .
وعليه فقد كان على محكمة الاستئناف إجازة توجيه اليمين الحاسمة التي طلبها المدعى عليه للمدعي وبما يتناسب مع وقائع الدعوى ودفاع المدعى عليه وحيث إنها لم تلتزم هذا النظر فإن قرارها يكون في غير محله وأسباب الطعن محل البحث واردة عليه فيتعين نقضه.
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 323 لسنة 2017 ما يلي:
وحيث أن من المبادئ الذي انعقد عليه إجماع الفقه والقضاء أن قاضي الموضوع حر في تقدير الدليل المقدم له يأخذه إذا اقتنع به ويطرحه إذا تطرق فيه الشك إلى وجدانه وانه ليس للمحكمة التمييز أن تستأنف النظر بالموازنة والترجيح فيما يكون قد قدمه الخصوم للمحكمة من الدلائل والبينات إثباتا لوقائع الدعوى أو نفيها إلا أنه من المتفق عليه أيضا انه يستثنى من هذا المبدأ أن يكون ما توصلت إليه محكمة الموضوع من نتيجة ليس لها ما يؤديها من بينات الدعوى أو أن تكون محكمة الموضوع قد استندت إلى أدلة وهمية لا وجود لها في أوراق الدعوى.
إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.
[1] د. أحمد نشأت، رسالة الإثبات، ط 1955، ص15.
[2] د. محمود جمال الدين زكي، الوجيز في النظرية العامة للالتزامات، ط 3، ص1019.
[3] د. جميل الشرقاوي، الإثبات في المواد المدنية، ط الثانية، ص 19.
[4] د. سمير تناغو – النظرية العامة في الإثبات ط 1997 بند8 ص19.
[5] د. عبد الباسط الجميعي، النظرية العامة في الإثبات، فقرة 73 وفقرة 90.
[6] م. مصطفى مجدي هرجه، قانون الإثبات في المواد المدنية، ط2، 1991، ص26.
[7] نقض مدني مصري – طعن رقم 89 جلسة 19/1/1950 – مجموعة القواعد التي قررتها محكمة النقض في خمسين عاما 1985 المجلد الأول ج1 رقم 2.
[8] د. سمير تناغو، النظرية العامة في الإثبات، ط 1997، بند 11، ص3.
[9] د لبيض ليلى، محاضرات في طرق الإثبات، ط 2019، ص31.
[10] م. عز الدين الديناصوريي، أ/ حامد عكاز، التعليق على قانون الإثبات، ط 2015، ج1، ص59.
[11] نقض مصري، طعن رقم 229 لسنة 64ق، جلسة 25/5/1998.

