الشهادة السماعية في الدعوى الجزائية
إن الشهادة أو شهادة الشهود هي طريق من طرق الإثبات العادية في الدعوى الجزائية، بينما الكتابة هي طريق إثبات عادي في الدعوى المدنية، ويعود ذلك لطبيعة الجريمة المرتكبة، فالجرائم الجزائية تعتمد على الإثبات بشهادة الشهود وغيرها من طرق الإثبات كالخبرة نظراً لأن طبيعتها تتطلب ذلك ولهذا للشهادة أهمية بالغه في الدعوى الجزائية، بينما في الدعاوى المدنية يكون للأدلة الكتابية أهمية بالغة نظراً لأن الدعاوى المدنية أغلبها قائمة على مواضيع مالية مثبته بالأدلة الكتابية إضافة إلى الشهود ، فالشهادة في الدعوى المدنية ذات أهمية إلا أن القانون نظمها في أحكام قانونية معينه في إطار الدعوى المدنية، وقد سبق وأن تحدثنا عن الشهادة في الدعوى المدنية في العديد من المقالات، كما تحدثنا عن الشهادة وإجراءات سماع الشاهد أمام المدعي العام في الدعوى الجزائية وسنخصص هذا المقال للحديث عن الشهاد السماعية في الدعوى الجزائية، سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته .
جدول المحتويات
قوة الشهادة السماعية في الإثبات
سبب عدم الأخذ بالشهادة السماعية لوحدها كدليل إثبات
موقف المشرع الأردني من الشهادة السماعية كدليل إثبات
موقف الشريعة الإسلامية من الشهادة السماعية
الشهادة السماعية
إن كنت تعتقد أن الشهادة الجائزة والمقبولة في القانون هي تلك الشهادة القائمة على ما شاهده الشاهد بعينيه أو سمعه فقط ودون ذلك غير مقبول فإن هذا الاعتقاد خاطي، فالشهادة في الدعوى الجزائية قائمة على نوعين الشهادة المباشرة والشهادة غير المباشرة ، والشهادة المباشرة يقصد بها اتصال حواس الشاهد أو إحداها مباشرة بالواقعة الجرمية، ويقصد بالشهادة غير المباشرة هي الشهادة السماعية، وإن كانت الشهادة المباشرة هي الأصل إلا أن القانون أجاز قبول الشهادة السماعية ولكن ضمن شروط وأحكام تفترن بها .
المقصود بالشهادة السماعية
إن الشهادة السماعية هي شهادة متناقلة أو تسمى شهادة النقل، حيث إن الشاهد ينقل للمدعي العام أو لهيئة المحكمة ما سمعه من الغير فيما يخص الواقعة الجرمية، فهي الشهادة التي ينقل فيها الشاهد الواقعة بالتواتر عما سمعه من غيره[1].
قوة الشهادة السماعية في الإثبات
الشهادة السماعية لا تصلح وحدها كدليل إثبات، ولكن يمكن للمحكمة أن تعتمد عليها لتعزيز أدلة أخرى، أي لكي تكون الشهادة السماعية دليل إثبات لا بد أن تؤيد بأدلة أخرى، فوجود الشهادة السماعية لوحدها دون وجود أدلة أخرى لا تعتبر دليل يمكن أن تستند إليه المحكمة عند صدارها للحكم وذلك على عكس الشهادة المباشرة والتي تصلح لأن تكون وحدها كدليل إثبات.
سبب عدم الأخذ بالشهادة السماعية لوحدها كدليل إثبات
لأن الشهادة بطبيعتها لا تكون موضع ثقة القضاء إلا إذا كانت ناتجة عن معلومات أدركها الشاهد بحواسه، وما عدا ذلك من معلومات تناهت إلى سمع الشاهد نقلاً عن الغير، فإنها تكون معرضة للتحريف فيشوبها الشك، ولا تحظى بثقة القاضي، فهي تفترض رواية الشاهد عن غيره، فالشاهد لا ينقل واقعة أدركها هو بنفسه وإنما سمع عنها من الغير[2].
قيمة الشهادة السماعية
الشهادة السماعية هي شهادة غير مباشرة وبتالي هي أقل قيمة من الشهادة المباشرة في الإثبات، فهي مجرد استدلال لا يرقى إلى مرتبة الدليل.
موقف المشرع الأردني من الشهادة السماعية كدليل إثبات
أخذ المشرع الأردني بالشهادة السماعية وأجاز قبولها وذلك في أحوال استثنائية وبشروط معينة، وقد نص عليها في المواد 156و257 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
حالات قبول الشهادة السماعية
نص المشرع الأردني على حالات قبول الشهادة السماعية في كل من نص المادة 156 و157 فقد تضمن كل نص حالة من حالات قبول الشهادة السماعية، وشروط كل حالة.
الحالة الأولى: الشهادة السماعية المرتبطة بالواقعة الجرمية من حيث الزمن والوقائع والأشخاص.
وهذه الحالة منصوص عليها في المادة 156 وتشترط عدة شروط وهي:
1_ أن تكون الشهادة السماعية منقولة عن شخص هو نفسه شاهد في القضية.
2_ أن تكون الشهادة السماعية تتعلق بواقعة أو وقائع لها مساس بالقضية.
3_ أن تكون الشهادة السماعية قيلت عن قول قيل في وقت الذي يزعم فيه بوقوع الجرم أو بعد وقوعه أو قبل وقوعه بفترة وجيزة.
نص المادة 156: تقبل الشهادة على السماع عن قول قيل في الوقت الذي يزعم بوقوع الجرم فيه أو قبل وقوعه أو بعده ببرهة وجيزة إذا كان يتعلق مباشرة بواقعة أو وقائع لها مساس بالقضية على ان تكون هذه الشهادة قد نقلت عن شخص هو نفسه شاهد أيضا.
الحالة الثانية: الشهادة السماعية المتعلقة بشخص المجني عليه وبظروف الواقعة الجرمية وزمن وقوعها.
وهذه الحالة منصوص عليها في المادة 157 وتشترط عدة شروط وهي:
1_ أن تكون الأقوال التي تضمنتها الشهادة السماعية صادرة من شخص يدعي أنه المجني عليه.
2_ أن تتصل شهادته بفعل تعدي عليه أو الظروف التي رافقته.
3_ أن يكون المجني عليه قد قال القول المنقول عنه حين وقوع فعل التعدي عليه أو بعد ذلك بفترة وجيزة أو حالما اتيحت له الفرصة لرفع شكوى بذلك.
4 _ أن ترتبط بالفعل الجرمي بحيث تكون جزء من الظروف المتعلقة بارتكاب الجريمة.
5_أو إذا كان المجني عليه قد أدى القول حينما كان فراش الموت.
6_ أو يعتقد أنه في دور النزع كنتيجة مباشرة لفعل التعدي عليه.
هل يشترط حضور من نقلت عنه الشهادة كشاهد في القضية؟
لا فقد يتعذر حضوره لدى المحاكمة لوفاته، أو عجزه، أو مرضه، أو تغيبه عن المملكة الأردنية الهاشمية.
نص المادة 157: يجوز قبول الشهادة عن قول قاله شخص يدعي بوقوع فعل تعد عليه ويتعلق بذلك الفعل أو بالظروف التي اكتنفته اذا قاله حين وقوع الفعل أو بعد ذلك ببرهة وجيزة أو حالما سنحت له الفرصة لرفع شكوى بذلك أو اذا كان القول مرتبطا بالفعل ارتباطا يجعله قسما من سياق الظروف المتعلقة مباشرة بارتكاب الجرم أو اذا أدى ذلك القول من قبل المعتدى عليه حينما كان على فراش الموت أو كان يعتقد بانه في دور النزع كنتيجة مباشرة للتعدي وان كان الشخص الذي أدى ذلك القول لم يحضر كشاهد أو تعذر حضوره لدى المحاكمة لوفاته أو عجزه أو مرضه أو تغيبه عن المملكة الأردنية الهاشمية.
موقف الشريعة الإسلامية من الشهادة السماعية
إن هذا النوع من الشهادة غير مقبول في الشريعة الإسلامية، عملاً بالحديث الشريف (إذا علمت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع)، فهذا يدل على خطورة الشهادة السماعية فهي معرضة للتشويه والتحريف مما يشوبه الشك، فالشهادة في حد ذاتها لا تكون موضع ثقة إلا إذا كانت نتيجة معلومات أدركها الشاهد وعليه إذا اعتمدت المحكمة على الشهادة السماعية وحدها كان حكمها مشوبا في الاستدلال.
من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بالشهادة السماعية
الحكم رقم 2473 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
وأن المحكمة وبعد التدقيق في البينات تجد أنها أثبتت تعرض المجني عليه لاعتداء جنسي من قبل المتهم مرتين وحيث أثبتت البينات ذلك شهادة المجني عليه التي تأيدت وتعززت بشهادة والد المجني عليه الشاهد مجدي حسن كامل عبد الله وهي شهادة منقولة عن المجني عليه مباشرة بعد الاعتداء عليه وتتعلق بالاعتداء ذاته ومنقولة عن المجني عليه نفسه وبالتالي تتوافر فيها شروط الشهادة السماعية الواردة في المادتين (156و157) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، المجلد الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1981، ص 370.
[2] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021، ص 248.

