تسبيب الأحكام المدنية
بما أن العدل أساس الحكم, والعدالة هي الغاية العظمى التي يسعى القضاء إلى تطبيقها وأمل الخصوم في نيلها حينما يلجؤون إلى القضاء للفصل في نزاعاتهم, فكان لابد من ضمانة لحسن تطبيق العدالة .
وهذه الضمانة تتمثل في أن يصدر القاضي حكماَ مسبباَ مبيناَ فيه الأسباب التي أصدر حكمه بناءَ عليها, فيجب أن تكون الأحكام المدنية مسببة بأسباب كافية ومنطقية مستمدة من موضوع الدعوى حتى يكون أطراف النزاع على علم بها ليتمكنوا من الطعن عليها أمام المحاكم العليا, وحتى تتمكن هذه المحاكم العليا من بسط رقابتها على الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى منها. وسوف نتناول في هذا المقال بيان المقصود بتسبيب الحكم المدني وأهميته وشروطه والالتزام القانوني بالتسبيب ونطاق التسبيب على النحو التالي:
أولاَ : المقصود بتسبيب الأحكام المدنية:
ثانياَ: أهمية تسبيب الأحكام المدنية
ثالثاً: شروط صحة تسبيب الأحكام المدنية والجزاء المترتب على تخلفها:
خامسا: نطاق الالتزام بتسبيب الأحكام المدنية:
وتفصيل ذلك ما يلي:
أولاَ : المقصود بتسبيب الأحكام المدنية:
يقصد بالتسبيب: “إيراد الحجج والأسانيد الواقعية و القانونية التي تستند عليها المحكمة في حكمها لتصل إلى ما انتهت إليه في منطوقها”[1] .
فالتسبيب هو بيان الأسباب التي دعت المحكمة إلى إنزال حكم نص قانوني معين على الوقائع التي استخلصتها.
والتسبيب هو الذي يدل على أن القاضي قد قام بدراسة الواقعة دراسة دقيقة مستخلصا الوقائع المؤثرة وأنه لم يغفل أي دفاع جوهري مقدم من قبل الخصوم وأنه قام بتكييف الواقعة تكييفا سليما .
وهناك فرق بين الأسانيد القانونية والأسانيد الواقعية:
فالمقصود بالأسانيد الواقعية:” بيان الوقائع والأدلة التي يستند إليها الحكم في تقرير وجود أو عدم وجود الواقعة الأساسية,”[2] فهي الوقائع التي يستخلصها القاضي من أوراق الدعوى, ويشترط أن تكون كافية لحمل منطوق الحكم وإلا كان الحكم معيبا بعيب القصور في التسبيب مستوجبا نقضه, وهي التي تتمكن المحكمة الأعلى درجة من خلالها من التحقق من أن القانون طبق تطبيقا صحيحا.
أما الأسباب القانونية : ما استند إليه القاضي من نصوص قانونية قام بتطبيقها على الوقائع المستخلصة من الدعوى الماثلة أمامه, ويشترط فيها أن تكون منطقية بحيث تكون النتيجة التي يتوصل إليها القاضي متفقة مع حكم القانون, وفي حالة القصور أو الخطأ في إيراد الأسباب القانونية كان الحكم مشوبا بعيب الخطأ في القانون.
ثانياَ: أهمية تسبيب الأحكام المدنية:
و تتمثل أهمية تسبيب الأحكام المدنية من عدة جوانب على النحو التالي:
أ ) أهمية التسبيب بالنسبة للقضاة:
تتمثل وظيفة القاضي في الفصل في النزاعات المعروضة عليه بكل حيدة واستقلال تحقيقاَ لمبدأ العدالة, ولذلك كان تسبيب الأحكام القضائية دليلاَ على قيام القاضي بالوظيفة المخول بها على
أكمل وجه؛ حيث أن تسبيب الأحكام يتأتى عن طريق قيام القاضي بدراسة موضوع الدعوى بشكل دقيق مستخلصاَ الوقائع والأسانيد كما يقوم بفحص طلبات الخصوم ودفاعهم والرد عليها وتكييف الواقعة القانونية وبيان النصوص القانونية التي تحكم النزاع.
وبذلك يكون حكمه مبنياَ على أسبابٍ واضحة دالة على بذله المجهود الكافي لتحقيق العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه, وأنه لم يصدر حكمه بناءً على هوى أو ميل أو تعسف, فإذا علم الأفراد أن القضاة سيبذلون الجهد الكافي لتحقيق العدالة فإنهم سيقررون اللجوء إليهم في منازعاتهم بدل أن يستوفوا حقوقهم بأنفسهم وبذلك ينتشر العدل في المجتمع بدل الفوضى والهمجية, وكذلك القضاة حينما يعلمون أن حكمهم عرضة للطعن من قبل المحاكم الأعلى درجة فإنهم سيبذلون ما بوسعهم لدراسة الدعوى دراسة دقيقة حتى يتمكنوا من إنزال الحكم الصحيح عليها ولا يتعرض حكمهم للإلغاء.
ب) أهمية التسبيب بالنسبة للمتقاضين:
يعتبر التسبيب ضمانة كفلها المشرع للخصوم حيث من خلاله يتمكنون من الطعن على حكم القاضي إن استند في حكمه على أسباب غير كافية أو حكم بناء على هوى منه أو تعسف, ومن خلال التسبيب أيضاً يطمئن الخصوم لحكم القاضي حين يقتنعون بالأسباب التي بنى حكمه عليها. وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية هذه الأهمية حين قضت بأنه: ” أوجبت المادة 129من قانون أصول المحاكمات الحقوقية أن تعلل محكمة الاستئناف حكمها بكل وضوح وتفصيل فيكون فرقاء النزاع على علم بموجبات القرار وأسبابه.”[3]
ج) التسبيب وسيلة للرقابة على الأحكام من قبل المحاكم العليا:
وذلك من عدة نواحي:
1.من خلال التسبيب تتمكن المحاكم العليا من رقابة الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى منها عند الطعن عليها من قبل أطراف النزاع فتقوم بفحص الحكم والاطلاع على الأسباب الواردة حكماً صحيحاً إن علم أن حكمه مراقب من قبل المحاكم الأعلى منه.
2.التسبيب يعكس مدى فهم القاضي للنزاع ومن ثم إنزال الحكم القانوني الذي يحكم الواقعة وإذا كانت محكمة التمييز تراقب الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى منها أي أنها تراقب مدى فهم القاضي لنصوص القانون وهذا سيساهم في توحيد تطبيق القواعد القانونية فإذا ما ثار نزاع مشابه للنزاع الذي حكمت فيه محكمة معينة أمام محكمة أخرى فإن القاضي سيستعين بما قضت به مكمة التمييز بشأن النزاع الصادر من هذه المحكمة.
3.إذا كان الحكم صادرا من محكمة الصلح فيتم طعنه أمامه أمام المحاكم الأعلى منه درجة وهي محكمة البداية بصفتها الاستثنائية أو محكمة الاستئناف وينظران الطعن باعتبارهما محكمة موضوع فيحكمان في النزاع كأول مرة في حدود ما تم الطعن عليه فيتم مراقبة الأسباب الواقعية والقانونية للحكم المطعون عليه وتدار النقص الذي شاب الحكم ومن ثم تؤيد هذا الحكم الصادر من محكمة أول درجة إن كان صحيحا أو تعدله أو تلغيه.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز بقولها:” إذا ظهر لمحكمة الاستئناف أن في الإجراءات التي قامت بها محكمة البداية بعض النواقص في الشكل أو في الموضوع أو أن في القرار مخالفة للأصول والقانون لها أن تتدارك ما ذكر بالإصلاح.”[4]
أما الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف فيتم الطعن عليها أمام محكمة التمييز التي تنظر الطعن باعتبارها محكمة قانون وليس محكمة موضوع وحالات الطعن أمام محكمة التمييز محددة على سبيل الحصر في ( المادة198) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني, وتختص محكمة التمييز في رقابة ما أثير أمامها من طعون من حيث مخالفتها للقانون من عدمه وهي إما أن تؤيد الحكم المطعون عليه إن كان صحيحا أو أن تبطل الحكم المطعون عليه إن كان مخالفا للقانون, ولا يثار أمام محكمة التمييز مسألة تتعلق بالوقائع لأول مرة إلا إذا كانت متعلقة بالنظام العام ولم يتمسك بها أطراف النزاع أمام محكمة الموضوع.
وقد أكدت محكمة التمييز في الكثير من أحكامها على رقابتها للأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف باعتبارها محكمة قانون عن طريق رقابتها لمدى مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون من عدمه بقولها:” لا يرد القول أن القرار المميز غير معلل وغير مسبب إذا اشتمل على عرض مجمل لوقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعه وأسبابه ومنطوقة فهو معلل تعليلا وافيا ومستوفا للشروط القانونية المنصوص عليها في (المادة160) من قانون أصول المحاكمات المدنية.”
وكذلك في قولها:” إذا أجملت محكمة الاستئناف الرد على أسباب الاستئناف مع أنها غير متماثلة أو متشابهة فيكون حكمها مشوبا بقصور بالتسبيب والتعليل ويخالف أحكام (المادتين160و188\4)من قانون أصول المحاكمات المدنية.”[5]
د) التسبيب يخدم المصلحة العامة:
وذلك من عدة نواحي:
1.حينما يقوم القاضي ببيان الأسباب التي استند إليها في حكمه فهو بذلك يقنع الرأي العام بعدالة القضاء واستقلاله, ويبين مدى كفاءة القاضي ونزاهته وقدرته على فهم النصوص القانونية وتطبيقها بشكل سليم, وبذلك يطمئن الأفراد في اللجوء إلى القضاء لنيل حقوقهم بدل أن يأخذوها بأنفسهم وينتشر الفوضى والفساد. ومن ثم ينعكس ذلك إيجاباً على سمعة الدولة.
2.والتسبيب يخدم المصلحة العامة أيضا عن طريق المساهمة في سرعة التقاضي فحينما يصدر القاضي حكمه بناء على أسباب سائغة بعد دراسة دقيقة لموضوع الدعوى مما يترتب عليه صدور أحكام عادلة فإن ذلك سيؤدي إلى إنهاء الخصومة بشكل سريع لأن المتقاضين سيطمئنون لحكم القاضي فلا يقومون بالطعن على الحكم وثقل كاهل المحاكم العليا بالكثير من الطعون التي لا حصر لها.
- وأيضا سيعود ذلك بالنفع على المتقاضين لأنه سيساهم في تقليل نفقات التقاضي.
ثالثاً: شروط صحة تسبيب الأحكام المدنية والجزاء المترتب على تخلفها:
لا يعني قيام القاضي بتسبيب حكمه ليكون دالاٌ على عدل حكمه أن يذكر أي سبب وحسب وإنما يجب توافر شروط معينة في الأسباب التي بنى عليها حكمه لكي يحقق تسبيب الحكم غايته التي قصدها المشرع وإلا كان عرضة للنقض من المحاكم الأعلى درجة, وهذه الشروط منها ما يتعلق بوجود السبب الذي استند إليه القاضي في حكمه, ومنها ما يتعلق بصياغة تلك الأسباب وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أ ) الشروط المتعلقة بالوجود المادي للأسباب:
وهي تنقسم إلى ثلاثة شروط:
1 ) وجود الأسباب :
يجب أن تكون الأسباب التي يستند إليها القاضي موجودة فعلا يتم استخلاصها من أوراق الدعوى المعروضة أمام القاضي دون أن يصدر حكمه بناء على علمه الشخصي. وتسبيب الحكم كالتعبير عن الإرادة فتسبيب الحكم يعني ذكر الأسباب التي بنى عليها القاضي حكمه والتي تشكلت قناعته من خلالها وذكر الأسباب قد يكون بشكل صريح وواضح وقد يكون بشكل ضمني .
التسبيب الصريح: أي أن يذكر القاضي الوقائع الأساسية المؤثرة في الدعوى والأسانيد القانونية التي استند إليها في حكمه صراحة, والرد على طلبات ودفوع الخصوم بالقبول أو الرفض بشكل صريح وواضح ومكتوب.
وقد يذكر القاضي أسبابه كلها في حيثيات الحكم أو بالإحالة إلى الأسباب التي استند إليها حكم أول درجة أو إلى تقرير خبير في الدعوى بشرط أن يكون هذا الحكم أو التقرير مرفق في ملف الدعوى وتكون الوثيقة المحال إليها من ضمن الحكم.
وقد أكدت محكمة التمييز على ذلك بقولها:” لا يقبل من محكمة الاستئناف الاكتفاء بالقول (أنه من الثابت ببيانات المدعي عليها أو من شهود المدعي) دون أن تورد أسماء الشهود وبعضا من فقرات شهاداتهم التي وجدت فيها ما تقيم قضاءها عليها لأن ذلك يعجز محكمة التمييز في بسط رقابتها على النتيجة التي خلصت إليها بوجود بينة في الدعوى تؤدي إليها, مما يشوب حكمها القصور بالتسبيب وعدم التعليل مخالفا بذلك ما تتطلبه (المادة 188) من قانون أصول المحاكمات المدنية من شروط يجب توفرها في الأحكام.”[6]
التسبيب الضمني: هو ما تستنتجه المحكمة من مجمل ما ورد في الحكم ككل حينما يوجد ترابط بين وقائع الدعوى وطلباتها فيكون ردها على أحد الطلبات يغني عن الرد على باقي الطلبات, ويكون ما ردت عليه المحكمة تسبيبا صريحا وما لم ترد عليه تسبيا ضمنيا طالما أنها جميعا مرتبطة ببعضها, فمثلا حينما يقرر القاضي رفض سداد الدين فإنه يكون ضمنيا قد قرر رفض سداد فوائده.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية هذا المفهوم بقولها :” لمحكمة الموضوع أن تبين الحقيقة التي اقتنعت بها وأن تقيم قضاءها عليها ولا موجب عليها أن تتبع كل حجة للخصوم للرد عليها, إذ إنه في إيرادها للحقيقة التي اقتنعت بها وأوردت دليلها عليها الرد الضمني المسقط لكل حجة تخالفها.”[7]
الجزاء المترتب على تخلف شرط وجود التسبيب:
في حالة إذا لم يقم القاضي بتسبيب حكمه سواء أكان ذلك سهوا منه, أو لاعتقاده أنه غير ملزم بتسبيب هذا الحكم, أو أن يذكر أسباب غير متعلقة بالدعوى أو مفترضة, أو أن يذكر أسبابا متعارضة مع بعضها البعض مما يترتب عليه سقوطها أو أن تكون متعارضة مع منطوق حكمه مما يترتب عليه فقدانها لحجيتها, فإن حكمه يكون مشوبا بعيب القصور في التسبيب الذي يكون عرضة لفسخ الحكم من قبل المحاكم الأعلى درجة.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” إذا كان من الثابت أن المميز ضده الذي تقرر إعلان براءته من تهمة الاختلاس لم يكن موظفا في البنك, فقد كان على محكمة الاستئناف معالجة سبب صرف المبلغ المدعى به كرواتب ومكافآت مستحقة مما يشوب الحكم بالتناقض والغموض.”[8]
2) كفاية الأسباب:
يجب على القاضي ذكر جميع أسباب الحكم بصورة واضحة بعيدا عن الغموض, ويجب عليه دراسة أوراق الدعوى دراسة دقيقة متأنية مستخلصا الوقائع الجوهرية المؤثرة, ويقوم بالرد على طلبات الخصوم ودفوعهم الجوهرية, وتكييف الواقعة القانونية تكييفا صحيحا, والقاضي يملك سلطة تقديرية في الاقتناع وبناء عقيدته ولا رقابة عليه في ذلك طالما أن استنتاجه كان سليما ومتفقا مع حكم المنطق والقانون.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية على ذلك بقولها:” إذا تقدم المدعى عليه بتقرير طبي يبرر غيابه عن جلسة محكمة الصلح فقام المدعي بتقديم بينة تفيد عدم صحة المعذرة المشروعة التي قدمها المدعى عليه فإن إغفال محكمة الاستئناف النظر لهذه البينة وعدم التطرق إليها في مدى تأثيرها على صحة المعذرة المشروعة أو عدمها يجعل قراراها قاصرا في التعليل والتسبيب ومستوجب النقض لهذه العلة.”[9]
الجزاء المترتب على تخلف شرط كفاية الأسباب:
في حالة إذا لم يذكر القاضي في حكمه أسبابا كافية للإقناع بمنطوق هذا الحكم, أو لم تكن الأسباب دالة على تكييف الواقعة تكييفا سليما أو لم يحترم حق الدفاع عند عدم رده على الدفوع الجوهرية التي يثيرونها فإن هذا الحكم يكون مشوبا بعيب عدم كفاية الأدلة أي قصور التسبيب مما يستوجب نقضه.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” إن قانون أصول المحاكمات الحقوقية يوجب على المحكمة أن تسبب أحكامها وأن تبين فيها الحجج القانونية والأدلة الواقعية التي بنيت عليها حكمها, ويجب عليها تقدير المستندات التي تبرز إليها في الدعوى وفي حالة عدم مراعاة ذلك فإن حكمها يكون قاصرا في التسبيب.”[10]
3)منطقية الأسباب:
منطقية الأسباب دليل على سلامة فكر القاضي وفهمه موضوع النزاع فهما صحيحا, ومنطقية الأسباب تتأتى حينما يقوم القاضي بتقديم أدلة مستساغة عقلا دالة على أنها أدت إلى النتيجة التي توصل إليها في منطوق حكمه بحيث يقرر كل من يطلع على الحكم أن هذه الأسباب ستؤدي حتما إلى هذه النتيجة, ويجب كذلك أن تكون الأدلة التي يستند إليها القاضي غير متناقضة.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية على ذلك بقولها:” أن المشرع أورد في (المادة 27) من قانون العمل قيدا على صاحب العمل مؤداه أنه حتى لو توافرت الأسباب المشروعة لفصل العامل, فلا يجوز لصاحب العمل إنهاء خدمة العامل في حالات منها حالة أن يكون العامل أثناء أجازة مرضية عند صدور قرار فصله خلافا للواقع الثابت من خلال وقائع البطاقة الصحية للمدعي والتي أبرزتها الشركة بناء على طلب محكمة الصلح, فيكون تقريرها هذا غير سائغ والبينة المقدمة تؤدي إلى خلاف ما توصلت إليه محكمة الاستئناف, وإزاء ذلك فقد كان يتعين عليها أن تخضع هذا الدليل لتقديرها إذ من شأن ثبوت أن الفصل تم في أثناء الأجازة المرضية أن يوصفه بالتعسف لوقوعه في وقت غير مناسب وخلافا لموجبات المادة27من قانون العمل, وحيث أن محكمة الاستئناف لم تراع ذلك قبل إصدار قرارها فإنها تكون قد خالفت القانون وأخطأت في تطبيقه فيما انتهت إليه في هذا الخصوص وشاب قرارها فساد الاستدلال والقصور في التعليل والتسبيب مما يتعين نقضه.”[11]
الجزاء المترتب على تخلف شرط منطقية الأسباب:
إذا كانت النتيجة التي توصل إليها القاضي في حكمه غير متفقة مع المنطق والعقل السليم فيكون دليلا على عدم فهمه للواقعة القانونية على نحو سليم وعدم تفسيرها تفسيرا منطقيا ومن ثم يكون حكمه مشوبا بعيب الخطأ في الاستدلال مما يستوجب نقضه. وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” من صلاحيتها أن تراقب النتائج التي توصلت إليها محكمة الموضوع لبيان ما إذا كانت البيانات التي اعتمدت عليها تؤدي إلى هذه النتائج أم لا.”[12]
ب) الشروط المتعلقة بذاتية الأسباب:
وهذه الشروط تتعلق بصياغة وكتابة الأسباب التي استند إليها القاضي في حكمه فيشترط فيها ما يلي:
1)استعمال لغة رصينة وسليمة:
يجب أن يكتب القاضي حكمه بلغة عربية سليمة من الأخطاء النحوية, وأن تكون الجمل القانونية بعيدة عن أسلوب الإنشاء و يجب أن تكون جامعة مانعة وافية بالغرض لاهي بالإيجاز المخل بالمقصود أو الإطناب الذي لا داعي له, وأن يستخدم المصطلحات القانونية المتعارف عليها, وأن تكون معبرة عن قناعته.
2 ) الكتابة بخط واضح ومقروء:
يجب كتابة الأسباب بخط واضح يستطيع كل من يطلع عليه قراءته خالية من الأخطاء اللغوية أو النحوية التي قد تؤدي إلى تغيير المعنى الذي قصده القاضي.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” يجب أن يكون قرار الحكم واضح الدلالة لا جهالة فيه كامل في منطوقه لا يعوز ذا الشأن التروي في فهمه.”[13]
3) عدم استعمال عبارات عامة أو مبهمة :
فيجب تجنب العبارات الغامضة وكتابة عبارات واضحة يستطيع ذوي الشأن فهمها حين يطلعون على الحكم.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” يجب على محكمة الاستئناف أن تعلل حكمها بكل وضوح وتفصيل فيكون طرفا النزاع على علم بموجبات القرار و أسبابه.”[14]
رابعاً: إلزامية التسبيب:
يتعين على القاضي تسبيب أحكامه وهو إلزام يقع على عاتقه وهو ما أكدت عليه المادة 160من قانون أصول المحاكمات الأردني: “..يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري وأسباب الحكم ومنطوقه”
وفي حالة ما لم يلتزم القاضي بهذا الأمر فإنه يكون قد خالف الأمر القانوني الوارد و يكون حكمه مشوبا بعيب القصور في التسبيب ويستوجب نقضه من قبل المحاكم الأعلى درجة.
وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها:” يكون الدفع بأن محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة البداية قد أخطأت بعدم تسبيب وتعليل القرار المميز هو دفع مستوجب الرد مادام أن الحكم المميز جاء معللا تعليلا وافيا ومشتملا على عرض مجمل وقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم وفقا للمادتين(160و190)من قانون أصول المحاكمات المدنية.”[15]
خامسا: نطاق الالتزام بتسبيب الأحكام المدنية:
نصت (المادة 160)من قانون أصول المحاكمات الأردني: “..يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري وأسباب الحكم ومنطوقه,” ولفظ الحكم الوارد في نص المادة سالفة الذكر عام أي يشمل جميع الأحكام, وهذه الأحكام التي استلزم القانون تسبيبها تكون أحكاما نهائية تفصل في النزاع ولها حجيتها, ولكن هل يلتزم القاضي أيضا بتسبيب القرارات التي تصدر أثناء نظر موضوع الدعوى ولكنها لا تفصل في النزاع كالأحكام المستعجلة و الأوامر على العرائض ومسائل الإثبات؟ هذا ما سوف وضحه في النقاط التالية:
1.قواعد تسبيب الأحكام المستعجلة:
يقصد بالأحكام المستعجلة: الأحكام التي يصدرها القاضي بصورة مستعجلة في مسائل يخشى فيها من ضياع الحق بفوات الوقت فيصدر فيها القاضي حكمه بصفة مؤقتة مع عدم المساس بأصل الحق لحين الفصل في موضوع النزاع الأصلي, ويفصل فيها إما قاضي الأمور المستعجلة أو قاضي الموضوع, وهذه المسائل منصوص عليها في (المادة 32)من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني.
وقد نصت (المادة33/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أن:” تنظر المحكمة أو قاضي الأمور المستعجلة في المسائل المستعجلة تدقيقا دون حاجة لدعوة الخصوم إلا إذا رأت المحكمة أو القاضي خلاف ذلك.”
كما ذهبت محكمة التمييز الأردنية إلى القول بأن:” أوجب القانون أن يكون قرار قاضي الأمور المستعجلة قرارا معللا ومسببا ومذكورا فيه مدى توافر ركن الاستعجال من عدمه بناء على قناعته المتأنية من استعراض الظاهر للأوراق والمستندات, فإذا اكتفت محكمة الاستئناف برد الاستئناف بداعي أن ظاهر البينة لا يبرر إجابة طلب المستدعي دون تعليل أو تسبيب أو بيان مدى توافر ركن الاستعجال في الطلب والشروط فإنه وفقا لمتطلبات أحكام المادتين 188/4و160من قانون أصول المحاكمات المدنية فيكون قرارها واقعا في غير محله وحريا بالنقض.”[16]
إذا يتضح من خلال ذلك أن القانون الأردني استلزم تسبيب الأحكام المستعجلة فهي أحكام بالمعنى الفني الدقيق ولها حجيتها المطلقة بين أطراف النزاع حتى وإن كانت هذه الأحكام تصدر بصورة مؤقتة لحين الفصل في موضوع النزاع الأصلي.
2.قواعد تسبيب المشروحات على الاستدعاءات (الأوامر على العرائض):
وهي قرارات يصدرها القاضي المختص على الاستدعاءات التي يقدمها أحد طرفي النزاع بصورة وقتية دون حاجة لإبلاغ الخصم الآخر فهي تحوي عنصر المفاجأة حيث أن الخصم الآخر سيفاجئ بالأمر لأنه لا يتم إعلانه به كاستصدار أمر حجز تحفظي على أموال المدين.
وهي من قبيل القضاء المستعجل لذلك “جرى القضاء الأردني على تسبيبها رغم أنها تخضع للأعمال التقديرية للقاضي.”[17]أما قانون المرافعات المصري فجعل القاعدة العامة هي عدم تسبيب الأوامر على العرائض لأن فيها إجحاف لحق الخصم الآخر فهو يفاجئ بالحجز التحفظي على أمواله ولا يكون التسبيب على أوامر العرائض إلا على سبيل الاستثناء من القاعدة العامة في حالة ما إذا أصدر القاضي أمرا مخالفا لأمر سابق أصدره.
3.قواعد تسبيب الأحكام الصادرة في مسائل الاثبات:
والاثبات يعني الأدلة الدالة على ثبوت الحق فيتعين على من يدعي وجود حق له وكان هذا الحق متنازع عليه من قبل طرف آخر أن يثبت وجوده بطرق الاثبات التي نص عليها القانون.
وقد نصت (المادة4/2)من قانون البينات الأردني رقم 16لسنة2005 على أن:” على المحكمة تسبيب أي قرار تصدره يتعلق بإجراءات الاثبات”, كما نصت (المادة83/1)من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني على أن:” للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من قبل خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه. فإذا اتفق الفرقاء على انتخاب الخبير أو الخبراء وافقت المحكمة على تعيينهم وإلا تولت انتخابهم بنفسها ويتوجب عليها أن تبين في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك مع تحديد مهمة الخبير وتأمر بإيداع النفقات وتعين الجهة المكلفة بها.”
إذا يتضح من خلال هذه النصوص وجوب تسبيب القرارات المتعلقة بقبول أو رفض أدلة الاثبات التي يستند إليها أطراف النزاع.
وقد قضت محكمة التمييز الأردنية في حكم لها بقولها:” لمحكمة الموضوع بمقتضى المادة الرابعة من قانون البينات التحقق مما إذا كانت البينة المطلوبة منتجة في الدعوى, وتكون محكمة الدرجة الأولى قد خالفت أحكام القانون عندما رفضت سماع البينة الشخصية, وهي بينة مقبولة لإثبات وقائع الدعوى مع عدم وجود اعتراض عليها, وأن محكمة الاستئناف هي الأخرى قد خالفت أحكام القانون بما توصلت إليه في ردها على السبب الأول من أنه لا إنتاجية لإبراز صور المستندات المقدمة في الدعوى بواسطة منظميها وذلك أن تلك المستندات ليست سندات رسمية بالمعنى المقصود في المادتين 6و7من قانون البينات, وإنما تشكل شهادة بالشهرة العامة دون وقائعها عدة أشخاص في وثيقة خطية فهي ليست من قبيل الأدلة الخطية المقصودة بالمادتين المشار إليها وكان يتعين على محكمة الموضوع سماع تلك البينة ليتسنى لها الفصل في الدعوى فيغدو الفرار المميز سابقا لأوانه وحريا بالنقض.”[18]
إعداد: أبرار سيد
[1] انظر: أحمد السيد حاوي, الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية, ط2,دار النهضة العربية, القاهرة 2004,ص718
[2]) انظر: وجدي راغب فهمي, النظرية العامة للعمل القضائي في قانون المرافعات, منشأة المعارف بالإسكندرية ,1974,ص515
[3]) تمييز حقوق رقم 343/1984 الصادر بتاريخ 1/1/1985,منشور في مجلة نقابة المحامين الأردنيين, ع6,ص1280,سنة 1987.
[4]) تمييز حقوق رقم 463\85, منشور في مجموعة المحامي محمد خلاد, ص392.
[5])تمييز حقوق رقم2780/1999,تاريخ15/5/2000,مجلة نقابة المحامين الأردنيين لسنة2002,ع11,ص2807.
[6])قرار محكمة التمييز في الدعوى رقم 55/1989,تاريخ 31/1/1989,من منشورات مركز العدالة.
[7])تمييز حقوق رقم 1320/1996, مجموعة المحامي محمد خلاد, ج4,ص306.
[8])قرار محكمة التمييز في الدعوى رقم1006/1997,المنشور ص3716,من عدد مجلة نقابة المحاميين الأردنيين رقم9,سنة1997.
[9]) قرار محكمة التمييز الأردنية في الدعوى رقم 618/1998,تاريخ 1/4/1998,من منشورات مركز عدالة.
[10]) قرار محكمة التمييز في الدعوى رقم 1996/1997, المجلة القضائية, عدد6, مجلد1,الصادر سنة 1997.ص16.
[11])قرار محكمة التمييز في الدعوى رقم 1491/2001,تاريخ13/8/2001, من منشورات مركز عدالة.
[12]) تمييز حقوق رقم 135/76,مشار إليه في مؤلف د. عوض الزعبي ,أصول المحاكمات المدنية, الصادر سنة 2003,ص770.
[13]) قرار محكمة التمييز في الدعوى الجزائية رقم٦٦/٩٤منشور في مجلة نقابة المحامين الأردني، ع٩و١٠،الصادر سنة١٩٩٥ ،ص٢٧
[14]) قرار محكمة التمييز في الدعوى رقم ٣٤٣/١٩٨٥،من منشورات مجموعة المحامي محمد الخلاد،ج١،ص٣٤٢
[15]) تمييز حقوق رقم 1070/96,منشور ص1967من العدد الصادر سنة1997, من مجلة نقابة المحامين الأردنيين.
[16])قرار محكمة التمييز الأردنية في الدعوى رقم 2125/2005من منشورات مركز عدالة.
([17]انظر: د. يوسف المصاروه, تسبيب الأحكام, ص137.
[18])قرار محكمة التمييز رقم 119/2005,منشور في مجلة نقابة المحامين, عدد5, الصادر سنة2006,ص650.

