إلزام الخصم بتقديم دليل ضد نفسه

جواز إلزام تقديم الشخص دليل ضد نفسه

تزخر القوانين الوضعية بالعديد من القواعد، والتي تم إرساؤها استناداً لمبادئ العدالة والمنطق والمصلحة العامة، إلا أن إجبار الشخص على تقديم دليل ضد مصلحته قاعدة يصعب تقبلها منطقياً لأول وهلة، مع أنها قاعدة مستقرة في معظم التشريعات المدنية التي نعرفها أو كلها، ويرجع ذلك لصعوبة استيعاب أن يقدم الشخص دليل ضد نفسه مسيراً لا مخيراً.

وسوف نتناول بحث تلك القاعدة وأحكامها وذلك على النحو التالي:

أولاً: مصدر قاعدة جواز إلزام تقديم الشخص دليل ضد نفسه:

ثانياً : المقصود بالمستند أو المحرر:

ثالثاً : حالات تقديم الشخص دليل ضد نفسه :

رابعاً : طلب الخصم إلزام خصمه بتقديم مستند تحت يده:

خامساً: الجدل حول وجود المحرر:

سادساً: إلزام الخلف خصم سلفه بتقديم مستند تحت يده:

سابعاً: آثار امتناع من بيده المحرر عن تقديمه:

ثامناً: تطبيقات أخرى لهذه القاعدة:

تاسعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن تقديم الشخص دليل ضد نفسه:

أولاً: مصدر قاعدة جواز إلزام تقديم الشخص دليل ضد نفسه:

قبل البحث في شروط وأحكام إعمال هذه القاعدة في قانون البينات الأردني رقم 30 لسنة 1952، يتوجب علينا أولاً تأصيلها  والإشارة إلى مصدرها بإيجاز، نظراً لما تتمتع به من أهمية كبيرة في قانون البينات ودورها في الإثبات بصفة عامة، ويمكننا القول أن مصدر هذه القاعدة يتقاسمه مصدران، أولهما القانون الطبيعي ومقصدنا هنا ضيق يقتصر على ما يجب أن يسود المعاملات من صدق وشرف وأمانة وقصد إظهار الحقيقة، وثانيهما نصوص القانون الوضعي التي بلورت غاية القانون الطبيعي ووضعتها في نصوص قانونية مكتوبة يصعب الالتفاف عليها بعكس قواعد القانون الطبيعي لكونها نسبية وقد يختلف إعمالها باختلاف الظروف المحيطة أو الأشخاص، وقد وجدت هذه القاعدة مصدرها في القوانين الوضعية بداية من القانون الروماني ثم الفرنسي ثم تناقلتها التشريعات العربية .

لذا يمكن القول إن مبدأ إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه يتفرع عن الالتزام بالصدق وإظهار الحقيقة[1]، وتجد تلك القاعدة تنظيمها وضوابط تطبيقها في قانون البينات الأردني وغايتها الوصول لوجه الحق، ويدور قانون البينات حول عدة قواعد تتمثل في ضمان حياد القاضي وعبء الإثبات ومحله وطرق الإثبات، والإثبات بوجه عام هو إقامة الدليل أو الحجة على صحة ادعاء معين بالطرق التي حددها القانون وصولاً للنتيجة المرجوة من إثبات وجود هذا الحق.

ثانياً: المقصود بالمستند أو المحرر:

ينصرف لفظ المحرر أو المستند الذي يلتزم الخصم بتقديمه، إلى كل ما ينطوي على دليل كتابي لصالح الطالب، فقد يكون عقداً أو ورقة تضمنت إقرارا أو قراراً إداريا لم ينشر بالجريدة الرسمية لأنه لو نشر أمكن تقديم الجريدة التي نشر به، أو ملف أو دفتر.[2]

ثالثاً: حالات تقديم الشخص دليل ضد نفسه:

من المستقر عليه أنه لا يجوز للشخص أن يصطنع دليل لنفسه، كما أنه لا يجوز إجبار الشخص على تقديم دليل ضد نفسه، فقد جعلت المادة (77) من القانون الأردني عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي فنصت على أنه ” البينة على من ادعي واليمين على من أنكر” إلا أنه ولاعتبارات معينة ترجع إلى وجوب إظهار الحقيقة أورد المشرع بعض الاستثناءات التي مثلت خروج على تلك القاعدة وذلك على الوجه التالي:

1- إذا كان القانون يجيز مطالبة الخصم أو الغير بتقديم المستند أو تسليمه:

في هذه الحالة يلتزم الخصم أو الغير بتقديم ما تحت يده من مستندات سواء كان الأمر بذلك من تلقاء المحكمة أو بناء على طلب الخصم الآخر استناداً لنص في القانون ومن هذه الحالات:

أ- نص المادة (20) من قانون التجارة الأردني رقم 12 لسنة 1966 والتي نصت على أنه ” تسلم الدفاتر بكاملها أو نسخ عنها إلى القضاء في أحوال الإرث وقسمة الأموال المشتركة والشركة والصلح الواقي والإفلاس وفي الأحوال المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الحقوقية).

ويتم تسليم تلك المستندات لقلم كتاب المحكمة أو للقاضي مباشرة أثناء سير الدعوى، حتى يتمكن الخصم من الاطلاع على تلك الدفاتر وتجهيز دفاعه بشأنها، والمعمول به في الوقت الحالي هو أن المستندات يتم تسليمها إلى قلم كتاب المحكمة ثم تعرض على القاضي، وترفق بملف الدعوى ليتمكن الخصم من الاطلاع عليها، وهو ما يُعرف بالاطلاع الكلي، والواقع أن إلزام التاجر بتقديم الدفاتر التي تحت يده يجب أن يقتصر على الجزء المثار بشأنه النزاع في الدعوى وتتحقق بها المصلحة من وراء تقديمها، وذلك حفاظاً على سرية وخصوصية أعمال التاجر وعدم تحقق منفعة من وراء الاطلاع على دفاتر غير منتجة في الدعوى.

ويكون الاطلاع على دفاتر التاجر في الحالات الواردة في المادة (20) من قانون التجارة وهي الإرث، قسمة المال الشائع، الشركة، الصلح الواقي، الإفلاس.

ب- الإرث:

بمجرد وفاة المورث ينشأ حق الورثة في التركة، ولكل وارث ورد اسمه في حجة حصر الإرث، أو الموصي له بعين أو حصة في التركة أن يطلب الاطلاع على دفاتر المورث لمعرفة مقدار نصيبه من التركة.

ج- قسمة المال الشائع:

يلتزم المتقاسمين بتقديم أوراق ومستندات المال الشائع أو عقد القسمة للشركاء الآخرين أو الخلف الخاص لأي منهم، وذلك استناداً إلى أن الشريك على الشيوع هو مالك حقيقي ومن ثم يحق له الاطلاع على المستندات المتعلقة بملكه.

د- الشركة:

ويقصد بذلك قسمة أموال الشركة عند حلها وتصفيتها وجرد ما تبقى منها، فيحق لكل شريك طلب الاطلاع دفاتر الشركة لمعرفة حصته.

2- تقديم المستند تنفيذاً لأمر المحكمة:

للمحكمة إلزام الخصم أو الغير بتقديم ما تحت يده من مستندات من تلقاء نفسها أو بناء على طلب من الخصم وتراءى للمحكمة جدية الطلب وتوافرت الشروط المتطلبة بشأن تحديد وبيان فحوى ومضمون المستند، وذلك بخلاف قانون الإثبات المصري الذي منح المحكمة الحق في طلب إلزام الخصم فقط في بعض الحالات بتقديم ما تحت يده من مسندات ولا يشمل ذلك الغير، كما أن حق الخصم في طلب إلزام خصمه بتقديم ما تحت يده من مستندات مشروط بأن يكون المستند مشتركاً بينهم وفقاً لقانون الإثبات المصري.

وبالرجوع للقانون الأردني نجد أن المادة (25) من قانون البينات الأردني قد نصت على أنه:

  • يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى أن تدعو الغير لإلزامه بتقديم ورقة أو سند تحت يده وذلك في الأحوال والأوضاع المنصوص عليها في المواد السابقة مع مراعاة أحكامها.
  • يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تقرر جلب إسناد وأوراق من الدوائر الرسمية إذا تعذر ذلك على الخصوم.
  • يجوز لمن يخشى الاحتجاج عليه بورقة مزورة أن يختصم، بدعوى أصلية، من بيده هذه الورقة أو من يستفيد منها لاستصدار حكم بتزويرها “.

يبين من هذا النص أنه لمحكمة الموضوع الحق في طلب إلزام الغير وينطبق ذات الأمر على الخصم بالطبع بتقديم ما تحت يده من مستندات، ترى المحكمة أنها ذات دلالة مؤثرة في الدعوى، وقد يكون ذلك من تلقاء المحكمة أو بناء على طلب من أحد الخصوم ويشترط لقبول طلب الخصم أن يشتمل على بيان أوصاف المحرر وفحواه والمثبت فيه وتأثيره في الدعوى وما يرتكن إليه من دلائل وظروف تثبت انه بحوزة الخصم الآخر.

كما أنه يجوز لأي شخص إقامة دعوى مبتدأه بطلب إلزام خصمه بتقديم ورقة تحت يده، يعتقد الطالب بأنها مزورة ويخشى الاحتجاج عليه مستقبلاً بها، فيقيم دعوى أصلية بمعنى أن تكون طلباته فيه إلزام الخصم بتقديم تلك الورقة المظنون تزويرها للطعن عليها بالتزوير واستصدار حكم قضائي بتزويرها، وذلك حتى يتفادى الاحتجاج عليه بها مستقبلاً، وتعرف تلك الدعوي في الواقع العملي بدعوى التزوير الأصلية، وتقام بطلب رد وبطلان المستند المدعى تزويره.

كما نصت أيضاً المادة (100) من قانون أصول المحكمات المدنية الأردني على أنه ” يحق للمحكمة أن تامر أي فريق أن يبرز ما في حوزته أو تحت تصرفه من مستندات ترى أنها ضرورية للفصل في الدعوى”.

هذا فضلا عما تضمنته المادة (185) من ذات القانون بشأن أنه لا يحق لفرقاء الاستئناف أن يقدموا بينات إضافية كان في إمكانهم إبرازها في المحكمة المستأنف حكمها، ولكن إذا كانت المحكمة المستأنف حكمها قد رفضت قبول بينة كان من الواجب قبولها أو رأت المحكمة المستأنف إليها أن من اللازم إبراز مستند أو إحضار شاهد لسماع شهادته لتتمكن من الفصل في الدعوى أو لأي داع جوهري آخر، فيجوز لها أن تسمح بإبراز مثل هذا المستند لتدقيقه أو إحضار ذلك الشاهد لسماع شهادته.

وقد يتطرق إلى ذهن البعض أن في ذلك مخالفة لمبدأ حياد القاضي، ولكن بإمعان النظر يتضح أن ذلك لا ينطوي على ثمة مخالفة لذاك المبدأ، حيث أن القاضي لا يحق له إلزام الخصم بتقديم ما تحت يده من محررات جزافاً، وإنما يلزم أن يكون قد تمت الإشارة إلى تلك المستندات صراحة، أو تم التمسك بما حوته، أو وجب التعرض لها لإمكانية الفصل في موضوع الدعوى، وقد أشارت لذلك (المادة 185\ج) من قانون الأصول المحاكمات المدنية أنه في جميع الحالات التي تسمح فيها المحكمة المستأنف إليها بتقديم بينات إضافية يجب أن تسجل في الضبط السبب الذي دعاها لذلك، وهو ما لا يتنافى أو يتعارض ومبدأ حياد القاضي، وإنما يعد ذلك من مقتضيات الوصول للحقيقة وتحقيق العدالة.

3- إذا استند الخصم للمحرر في أياً من مراحل الدعوى:

وصورة هذه الحالة أن يُقدم الخصم مستند في الدعوى المطروحة أمام محكمة أول درجة ثم يقوم بسحبه سواء أكان ذلك أمام ذات المحكمة أو أمام محكمة الاستئناف، فيحق للخصم الآخر في هذه الحالة أن يطلب من المحكمة طلب إلزامه بتقديم المستند الذي كان مقدماً في الدعوى وقام بسحبه، وينطبق ذات الأمر إذا ما كان  قد تم تقديم المستند في دعوي ولم يتم الفصل فيها بحكم موضوعي بل انتهت بغير الحكم في موضوعها كعدم قبولها شكلاً أو لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون ولم تكن متعلقة بمواعيد محددة أو لا زال الميعاد مفتوحاً لرفعها مرة أخرى وتم سحب المستند ممن قدمه، ثم قام الخصم الآخر بإقامة الدعوى من جديد بعد استيفاء شرائط قبولها فله الحق في طلب إلزام الخصم الآخر بتقديم المستند الذي سبق أن قام بسحبه، وإذا رأت المحكمة أن الطلب جدي ومؤثر في الدعوى أجابت الخصم لذلك والزمت الخصم الذي بحوزته المستند بتقديمه.

أما إذا كانت الدعوى الجديدة التي قام الخصم برفعها عقب رفض الأولى مغايرة للأخيرة في الخصوم أو السبب أو الموضوع فلا يكون له الحق في طلب إلزام الخصم بتقديم المستند استناداً لهذا البند وإنما يجوز له ذلك استنادا لسبب آخر كطلب إلزام الغير بتقديم ذلك المستند متى كان متعلقاً بموضوع الدعوى ومؤثراً في نتيجتها وقبلت المحكمة ذلك أو استناداً إلى أن المحرر مشترك بينهما وللمحكمة في كل الأحوال السلطة التقديرية لرفض الطلب أو إجابته طالما كان لذلك من الأسباب ما يسيغه.

رابعاً: طلب الخصم إلزام خصمه بتقديم مستند تحت يده:

تنص المادة (21) من قانون البينات الأردني على أنه ” للخصم أن يطلب ضمن قائمة بيناته إلزام خصمه بتقديم أسناد أو أوراق منتجة في الدعوى تكون تحت يده على أن يبين في القائمة ما يلي:

  • أوصاف السند أو الورقة.
  • فحوى السند أو الورقة بقدر ما يمكن من التفصيل.
  • الواقعة التي يستشهد بالورقة أو السند عليها.
  • الدلائل أو الظروف التي تؤيد أن الورقة أو السند تحت يد الخصم “.

وخلاصة ذلك أنه يشترط لكي تقبل المحكمة طلب الخصم إلزام خصمه بتقديم مستند تحت يده  فإنه يتوجب عليه بداية إبداء طلبه ذلك بصورة واضحة قاطعة جازمة تقرع سمع المحكمة فلا تكفي مجرد الإشارة العابرة لذاك المستند، لاسيما وأن المحكمة غير ملزمة بتوجيه الخصوم أو لفت نظرهم لأوجه دفاعهم وتقديم المستندات الدالة عليها إعمالا لمبدا حياد القاضي، ثم يردف الخصم طلبه ببيان كل أوصاف وبيانات وجوهر وفحوى المحرر، والواقعة التي يكون المستند مؤثراً في ثبوتها أو نفيها، وما يستند إليه كذلك من أدلة تفيد بأن المستند تحت يد خصمه، وللمحكمة الحرية في تقدير مدى جدية ذلك الطلب وإجابته لطلبه أو رفضه.

ويلاحظ أن القانون المصري قد أعطى الخصم بموجب نص المادة (20) من قانون الإثبات الحق في أن يطلب من المحكمة الزام خصمه بتقديم مستند مشترك بينه وبين خصمه و يكون المستند أو المحرر مشتركاً بين الطرفين متى كان متعلقاً بتحقيق مصلحة للطرفين، أو مُثٌبت فيه التزامات متبادلة بين الطرفين، أو كان صادر لمصلحتهما، وقد يكون المستند المشترك محرر من نسخة واحدة بيد أحدهما فيطلب الخصم من المحكمة إلزام الخصم الآخر الذي بحوزته المستند المشترك بتقديمه، وقد يكون محرر من نسختين وفقد أحد الخصوم نسخته كفقد عقد البيع أو الإيجار مثلا أو غير ذلك فيطلب من المحكمة إلزام الخصم الآخر بتقديم المستند المشترك الذي تحت يده.

خامساً: الجدل حول وجود المحرر:

إذا ما أثبت الطالب طلبه بإلزام الخصم بتقديم مستند تحت يده مردفاً ذلك ببيان كافي للمستند وفق نص المادة (21) من قانون البينات الآنف ذكره، وقبلت المحكمة طلبه فإن الأمر لا يخرج عن احدى هذه الحالات الثلاث:

الحالة الأولى: إقرار الخصم بأن السند أو الورقة في حوزته:

 فيلتزم بتقديمها في الأجل الذي تضربه له المحكمة، وفي حالة تقاعسه عن ذلك، للمحكمة الأخذ بما ادعى الخصم أن الورقة قد حوته متى اطمأنت لقوله، وإن كان هناك صورة للورقة مقدمة بالدعوى فللمحكمة اعتبارها مطابقة للأصل والاتكاء عليها في قضائها، مع ملاحظة أنه يجوز للمحكمة طرح هذه الورقة وعدم التعويل عليها إعمالا لسلطتها التقديرية في الاطمئنان للدليل طالما لم يكن في ذلك مخالفة لنص قانوني أو قاعدة آمرة.

 الحالة الثانية: سكوت الخصم الذي ينسب إليه أن المستند تحت يده عن الرد:

 ففي هذه الحالة يفترض أن الورقة أو المستند بحوزته، ويلتزم بتقديمه في الميعاد الذي تحدده له المحكمة، وإن نكل عن ذلك كان فللمحكمة القضاء وفق ما تم إيراده بشأن ما تحويه هذه الورقة أو ذاك المستند، ويعد ذلك تطبيقاً لنص المادة (95\1) من القانون المدني الأردني والتي أوردت أنه لا ينسب إلى ساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ويعتبر قبولا.

الحالة الثالثة: إنكار الخصم حيازته لهذا المستند ولم يقدم الطالب إثباتا كافياً لصحة الطلب:

ففي هذه الحالة يجب أن يحلف المنكر يميناً بأن الورقة أو السند لا وجود له وأنه لا يعلم وجوده ولا مكانه وأنه لم يخفه أو لم يهمل البحث عنه ليحرم خصمه من الاستشهاد به حتى يتحلل من الالتزام بتقديم ذلك المستند، فإذا حلف اليمين قامت قرينة قاطعة على ما تضمنه الحلف ووجب على المحكمة رفض الطلب، أما إذا نكل عن الحلف قامت قرينة قاطعة على أن المستند تحت يده ويمتنع عليه بعد ذلك إنكار وجود المستند لديه، وتترتب في حقه كافة الآثار المقررة لرفض تقديم المحرر ([3]).

سادساً: إلزام الخلف خصم سلفه بتقديم مستند تحت يده:

متى كان من حق الخصم أن يطلب إلزام خصمه بتقديم ما بحوزته من مستندات، وتوافرت الشروط المستلزمة لذلك، انتقل هذا الحق إلى خلف الخصم سواء أكان هذا الخلف عاماً أو خاصاً، وذلك استناداً إلى أن الخلف العام امتداداً للسلف فيخلفه في كل شيء، أما الخلف الخاص فيعتبر امتداداً لسلفه بالنسبة للحق الذي خلفه فيه.

وخلاصة ذلك أنه من حق الخلف عام أو خاص أن يطالب خصم سلفه بتقديم المستندات التي تحت يده.

سابعاً: آثار امتناع من بيده المحرر عن تقديمه:

أوضحت المادة (23) من قانون البينات الأردني ما يترتب على امتناع الخصم الذي تحت يده المستند عن تقديمه بنصها على أنه ” إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة أو السند في الموعد الذي حددته المحكمة أو امتنع عن حلف اليمين المذكورة اعتبرت الصورة التي قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها فإن لم يكن خصمه قد قدم صورة عن الورقة أو السند جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكله أو بموضوعه “.

ولا يجوز للخصم الممتنع عن تقديم المستند إعادة المناضلة بشأن وجوده من عدمه في الدعوى المطروحة أمام المحكمة، أو أي دعوى لاحقة لقيام قرينة قانونية قاطعة بأن الورقة في حيازته، ما لم يثبت أن الورقة كانت في حيازته، ولكن يختلف مضمونها وما تحويه عما يدعيه الخصم، وأنها قد فقدت منه لأسباب خارجة عن إرادته كالقوة القاهرة أو حادث فجائي كحدوث فيضان أو حريق أو حدوث زلزال تهدم على أثره المنزل الذي كان يحتفظ بالمستند فيه، ويخضع ذلك كله لتقدير واقتناع المحكمة.

ثامناً: تطبيقات أخرى لهذه القاعدة:[4]

ما ورد بنص المادة (35\أ) من قانون الأحوال المدنية رقم 9 لسنة 2000 بشأن حق القاضي في طلب تقديم أي بينة أو سماع شاهد إثبات واقعة الميلاد أو الوفاة.

نص المادة (125) من قانون العمل الذي منح المحكمة العمالية ومجلس التوفيق تكليف أي من طرفي النزاع بتقديم المستندات التي يرونها لأزمة للفصل في النزاع.

المادة (72) من قانون البنوك رقم 28 لسنة 2000 بشأن جواز تقديم المستندات المتعلقة ببيانات حسابات وودائع العملاء لدى البنوك بناء على قرار من المحكمة بذلك وهو استثناء من الأصل المتمثل في الحفاظ على سرية العملاء لدى البنوك.

تاسعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن تقديم الشخص دليل ضد نفسه:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2983 لسنة 2021 ما يلي:

المادة (76/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على: للمحكمة أثناء المحاكمة حق استجواب الخصوم حول المسائل التي تراها ضرورية.

والمادة (100) نصت على أن: (يحق للمحكمة أن تأمر أي فريق أن يبرز ما في حوزته أو تحت تصرفه من مستندات ترى أنها ضرورية للفصل في الدعوى) وعليه فإن القانون في هاتين المادتين أعطى سلطة تقديرية / جوازيه للمحكمة سواء في استجواب الخصوم أو تكليفهم بتقديم ما بحوزتهم من مستندات إذا وجدت ضرورة لذلك في الحالتين للفصل في الدعوى والأمر يعود لتقديرات المحكمة ولا تثريب عليها إن هي لم تستعمل هذه الصلاحية لعدم وجود ما يستدعي ذلك مما يجعل هذين السببين لا يردان على القرار المميز فنقرر ردهما.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2002 لسنة 2020 ما يلي:

وبرجوعنا لنص المادة (23) من قانون البينات الأردني نجدها تنص على ما يلي: “إذا لم يقم الخصم بتقديم الورقة أو السند في الموعد الذي حددته المحكمة أو امتنع عن حلف اليمين المذكورة اعتبرت الصورة التي قدمها خصمه صحيحة مطابقة لأصلها فإن لم يكن خصمه قد قدم صورة عن الورقة أو السند جاز الأخذ بقوله فيما يتعلق بشكله أو بموضوعه”.

إن المستفاد من هذا النص ووفق ما هو ثابت في أوراق الطلب أن الجهة المحتكمة كانت قد تقدمت بنسخة عن الاتفاقية المبرمة بين الطرفين لكنها لا تحمل توقيع المحتكم ضدها مما حدا بها إلى إثارة الدفع المتعلق بعدم وجود اتفاق تحكيم وقد أمهلت هيئة التحكيم الجهة المستدعى ضدها – المحتكم ضدها – لإحضار النسخة الأصلية الموقعة من الطرفين أكثر من مرة ولما عجز عن تقديمها وجهت إلى ممثلها اليمين على مقتضى المادة (22) من قانون البينات الأردني وحيث إن المستدعى ضدها لم تقدم الاتفاقية وامتنع ممثلها عن حلف اليمين فإن ما ينبني على ذلك ووفق صراحة النص اعتبار النسخة التي قدمت من المحتكمة صحيحة ومطابقة لأصلها وهذا ما ينطبق على حالتنا المعروضة.

 إعداد المحامي/ رفعت حمدي عبد الغني.

[1] راجع د/ سمير عبد السيد تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، مكتبة الوفاء القانونية، الإسكندرية، الطبعة الأولى 2009، ص 24.

[2] راجع المستشار/ أنور طلبة، الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الجزء الأول، طبعة نادي القضاة المصري 2011، ص 144.

[3] راجع المستشار/ أنور طلبه، المرجع السابق، ص 137.

[4] راجع في ذلك/ جابر عودة عبد الله الشديفات، إلزام الخصم أو الغير بتقديم مستند تحت يده وفق أحكام القانون الأردني والمقارن، رسالة ماجستير، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، أيلول 2010.

Scroll to Top