حق العمل في القانون الدولي
منذ نشوء الثورة الصناعية بالقرن التاسع عشر والعولمة الاقتصادية وانفتاح الدول وإنعاش حركة التجارة والصناعة بينهم والحركات العمالية بدأت بالعمل والتحرك لحفظ حقوقهم الأساسية فقد تخوفوا على حقوقهم كعمال وحقهم في العمل ذاته من تلك الطفرة في الصناعة بأن يتم جلب عمالة من الخارج أيضاً مما يؤثر علي حقهم وإضعاف شوكتهم وتركهم بلا حماية وعلي غرار ذلك.
في عام 1919 وبعد نضال الحركات العمالية ومنادتهم بحقوقهم تم إنشاء منظمة العمل الدولية عملت على وضع أساس لحقوق العمال من خلال اتقافيات تناولت فيها وضع ساعات محدده للعمل وأوقات راحة وصحة وسلامة العمال بمقر عملهم ثم تطرقت إلى البطالة والحق في العمل وتدريب عملي ومهني مقدم من الدولة لضمان الحصول علي عمل يختاره الفرد ويحقق له معيشة كريمة، وسوف نتطرق من خلال مقالنا إلى التعريف بحق العامل، والمواثيق الدولية التي نصت على حق العمل بإيجاز غير مخل.
ثانياً : المواثيق الدولية في الحق في العمل:
أولاً : مفهوم الحق في العمل:
الحق في العمل هو من الحقوق الأساسية التي تكفل لكل فرد أن يكون له عمل يختاره هو بكامل حريته يكسب منه رزقه ويضمن له حياة اقتصادية واجتماعية تؤهله للعيش بمحيطه بكرامة ويساهم من خلاله برفع اقتصاد بلده وخدمة المجتمع وليس بالضرورة أن يكون بحاجة للعائد المادي من ذلك العمل الذي يختاره ويعمل به ولكن يكفي أن يكون ذلك العمل بإرادته واختياره ويوافق قدرته علي أداءه لذلك عملت المعاهدات الدولية علي حفظ ذاك الحق.
ثانياً : المواثيق الدولية في الحق في العمل:
وقد اهتمت المواثيق الدولية عبر التاريخ بالحق في العمل، وحثت على ضرورة العمل لكل إنسان، ومن ذلك
تقرر في المؤتمر الدولي السنوي الرابع المعقود في عام 1869 ما يلي :
يقتضي توسيع مبدأ التجارة الحرة – الذي يحرض بين الدول منافسة بشأن مصلحة العامل التي من شأنها أن تُفقد للأبد، ويحثها على التضحية بالسباق الدولي العنيف القائم بين الرأسماليين- بتوسع الاتحادات أكثر من ذلك وبأن تُصبح دولية.[1]
ويعد ذلك المرة الأولى التي يتم وضع مصلحة العامل على مائدة المناقشات الدولية و قائمة المؤتمرات ويرجع ذلك لنضال العمال وإضراباتهم المتتالية ضد الرأسماليين لنيل حقوقهم.
وقد حث المؤتمر على أن يضع الرأسماليين وأصحاب الأعمال مصلحة العامل قبل مصلحة السباق الدولي الذي صنعته العولمه بأن فتحت أبواب التجارة على مصراعيها بين الدول وجذبت الرأسماليين لهذا السباق لتوسيع تجارتهم، ولكن تم وضع ذلك بشكل رجاء لهم ليس به أي رقابة أو عقوبة أن لم يأخذوا به ولكن كما يقال بداية الغيث قطره فهذه تعد أول مناقشة حقيقية لحقوق العمال في زمن كان يسيطر فيه الإقطاعيين والرأسماليين لا على المال وحسب بل على السياسة أيضاً فيعد ذلك ثورة ترتبت عليها ما آلت إليه الأمور الآن .
1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
نص في المادة (23) على:
لكل شخص حق العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة.
لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساوٍ على العمل المتساوي.
لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومُرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية .
لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه .
كما نص في المادة (24) على:
لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصًا في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دورية مأجورة.
وتم اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من الجمعية العامة في باريس 10 ديسمبر 1948 بوصفه أنه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم وهو يحدد حقوق الإنسان الأساسية.
وقد ذكر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في العمل لكونه من صميم الحقوق الطبيعية للفرد فقد حث على أن الحق في العمل من الحقوق الأساسية، بل وعلى حرية اختيار الإنسان لعمله ويعتبر ذلك ثورة في المفاهيم حينذاك وخاصة أن العمل ليس فقط مصدر للرزق وسد الجوع عنه وعن عائلته كما الشائع، بل له أن يختار العمل المناسب له والذي يرى فيه راحته الخاصة أياً كان نوع العمل الذي يريده، وأيضاً حث على أن تكون شروط العمل عادلة ومرضية للعامل في ظل زمن الإقطاعيين وقوة ونفوذ أصحاب العمل بل وحماية العامل من البطالة المرجحة، فقد وضح الإعلان العالمي بشكل وافي حقوق العامل وحقه الأساسي في العمل وحمايته من البطالة بل وأعطى له الحق في وجود منصة خاصة له يوضح بها ويعطي حلول لمشاكله الخاصه التي ممكن أن تثار سواء بظروف عمل له غير مناسبة أو عدم إمكانية حصوله على حقه في العمل.
2. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:
فقد نص في المادة (6) منه على:
1.تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق.
2.يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب للتقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية.
كما نص أيضاً في مادته (7) على:
تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بما لكل شخص من حق في التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية تكفل على الخصوص:
(أ) مكافأة توفر لجميع العمال، كحد أدنى:
1) أجر منصفا، ومكافأة متساوية تساوى قيمة العمل دون أي تمييز، على أن يضمن للمرأة خصوصاً تمتعها بشروط عمل لا تكون أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل، وتقاضيها أجراً يساوي أجر الرجل في العمل.
2) عيشاً كريماً لهم ولأسرهم طبقا لأحكام هذا العهد.
ب) ظروف عمل تكفل السلامة والصحة.
ج) تساوي الجميع في فرص الترقية، داخل عملهم، إلى مرتبة أعلى ملائمة، دون إخضاع ذلك إلا لاعتباري الأقدمية والكفاءة.
د) الاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل، والأجازات الدورية المدفوعة الأجر وكذلك المكافأة عن أيام العطل الرسمية.
وقد تم إعتماد العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحده في 16 ديسمبر 1966 وتم التنفيذ في 3 يناير 1976.
وقد أكد العهد الدولي كذلك ما أقره الإعلان العالمي السالف الذكر من حق الفرد في العمل وكونه حق أساسي وبحرية اختيار ذلك العمل أيضاً إلا أنه تمت إضافة أن الدولة (الدول الأطراف) تسهل الحصول على ذلك الحق وليس ذلك فقط، بل ذكرت تلك التسهيلات على سبيل المثال بأن توفر الدولة التدريبات اللازمة والتوجيه المهني بدورات نظرية وعملية في المجال الذي يختاره الفرد بالمجان أو بمبالغ رمزية، وذلك يؤدي إلى النهوض بالدولة اقتصادياً وثقافياً، فقد وضعت على الدولة عبء تعليم وتوجيه الأفراد في المجالات المتاحة وتعريفهم عليها بإيجابياتها وسلبياتها، وللفرد اختيار التعلم في المجال الذي يريده، وذلك يساعد على حرية اختيار العمل ويساعد على إنشاء كوادر مهنية، وقد أكد أيضاً على حقوق العمال من أجور وتحديد ساعات العمل والسلامة للعمال بل وعن حق الترقية فتطرق العهد الدولي للاحتياجات الطبيعية للعامل في عمله بعد اختياره الحر له.
3 ـ اتفاقية منظمة العمل الدولية:
نص في مادتها (2/1) على:
واجب الدول الأطراف على العمل على توفير فرص عمل لجميع المحتاجين للعمل والباحثين عنه .[2]
تطرقت الاتفاقية إلى مشكلة البطالة ووضعت عبء حلها على الدول بأن توفر فرص عمل لكل فرد في مجاله ووضع خطة لذلك ومراقبة ذلك من خلال الإحصائيات العالمية والدورية.
4 ـ الميثاق الاجتماعي الأوروبي:
وقد تم بدأ العمل به في 7 يناير 1999
ونصت في مادته (1) على:
بهدف ضمان الممارسة الفعالة للحق في العمل – تتعهد الأطراف:
أن تقبل – كأحد أهدافها ومسئولياتها الرئيسية – تحقيق والحفاظ على التوظيف الكامل – بمستوى توظيف عال ومستقر بقدر الإمكان.
أن تحمي بشكل فعال حق العامل في كسب عيشه في مهنة يعمل بها بحرية.
أن تنشئ وتحافظ على خدمات توظيف مجانية لكافة العمال.
أن توفر وتشجع التوجيه والتدريب المهني وإعادة التأهيل المناسب.
فقد جاء الميثاق الاجتماعي للتأكيد على الحق في العمل ووضعت بعض الضمانات للحفاظ على ذلك الحق، فبالإضافة إلى التدريب المهني الذي يجب أن توفره الدول للأفراد كما ذكرنا إلا أنها يجب أن تضع خدمة توظيف دون أية رسوم للأفراد يتاح من خلالها الوظائف الشاغرة بالدولة، والفرد له أن يختار الوظيفة المناسبة له، فبذلك يتم القضاء على البطالة، وأيضاً الحفاظ على حرية اختيار الفرد للعمل المناسب له بوظيفة عالية المستوى.
ثالثاً : الحق في حرية العمل:
الحق في العمل هو حق لكل قادر على العمل وطالب له فيحق للفرد أيضاً أن يرفض عملاً، وهذا ما نصت عليه اتفاقية العمل الجبري رقم 29 لسنة 1930، والتي منعت عمل السخرة والعمل الجبري بكل أشكاله والذي كان منتشراً آنذاك في المزارع والحقول لأصحابها الإقطاعيين وعانوا منه الزنوج خاصةً، ولا يمكن أن نقول أنه انتهى كلياً حتى وقتنا هذا، فهناك أعمال يجبر عليها الأفراد سواء في السجون أو في الخدمة العسكرية، وإن قلنا أن هذا من الاستثناءات التي نصت عليها الاتفاقية إلا أن هذا في غير محله فهناك بعض الأفراد في الخدمة العسكرية يقوموا بأعمال ليست عسكرية وأيضاً معظم البلدان تمنع مشاركة العامل في الإضراب عن العمل، ويعد ذلك جريمة رغم أنه من حقوق العامل التي وضعتها المواثيق الدولية وطالبت بها النقابات العمالية مراراً فكيف للعامل أن يطالب بحقه ويُسمع صوته للعالم فهذا حقه المشروع في التعبير عن رأيه.
خاتمة:
الحق في العمل من الحقوق الأساسية للفرد وجزء كبير من حياة الفرد وتفكيره يكن موجه فقط للعمل أو البحث عنه، ومع ذلك نجد المواثيق والمعاهدات الدولية التي تتحدث عن الحق في العمل قليلة جداً.
فمنذ نشوء الخليقة والإنسان يعمل بالصيد ليحصل على الغذاء ثم الثورة الزراعية ومعرفة الإنسان تملك الأراضي وانقسام الأشخاص إلى أصحاب عمل وعمال والاعتماد على الأيدي العاملة ثم الثورة الصناعية التي نشأت على غرارها منظمة العمل الدولية، والتي أقرت الحق في العمل وما بعدها من اتفاقيات ولم تتوقف على الإقرار بالحق في العمل فقط، بل بالحق في اختيار العمل ورفض الإجبار على العمل بكل أشكاله وتكلل ذلك باتفاقية العمل الجبري التي ترفض كل أشكال العبودية والعمل القسري وليس ذلك فقط بل تمنع عمالة الأطفال حتي وإن ارتضوا ذلك واعتبارها شكل من أشكال العنف ضد الطفولة ووضع أساليب لحماية ذلك من مراقبة دولية وعمل اتفاقيات وقوانين لحماية الطفل من ذلك.
كما أن الاتفاقيات الدولية حثت الدول عل إيجاد حلول للبطالة والتي ظهرت مع ازدهار الصناعة والتخلي عن الأيدي العاملة في سبيل الآلة لذلك وضعت بنود للتعليم والتوجيه والتدريب المهني لمواكبة التطور اللاحق والمستمر الذي يحدث للعالم ليستطيعوا الحصول على وظيفة مناسبة وعمل مكاتب توظيف وإحصائيات تنشر عن الوظائف المتاحة والمطلوبة وحصر أعداد طالبين العمل وتقسمهم لمتعلم وغير متعلم والشهادات الحاصلين عليها لتقليص أعداد البطالة قدر الإمكان.
وأيضاً تم وضع بنود للترقي بالوظيفة لضمان حصول كل شخص على حقه في السلم الوظيفي والاجتماعي ولم يتم تركها للقوانين الداخلية للدول.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولي وذهاب الرجال للحرب بأعداد كبيرة لجأت المصانع وأصحاب العمل إلى تشغيل النساء وعلى غرار ذلك جاءت منظمة العمل الدولية للاعتراف بالحق في العمل على مستوي عام وشامل، وأيضاً اعترفت بذات الحق في اتفاقيات عديدة على حق العمل بشكل خاص للنساء وذلك لما كان في تلك الفترة من عدم الاعتراف بذلك الحق للنساء من قبل المجتمع الدولي والرأي الجمعي لذلك جاءت الاتفاقيات اللاحقة لمنظمة العمل الدولية للتأكيد على ذلك.
والدول الأعضاء تقع على عاتقها تحقيق ما أقرت به الاتفاقيات ومنظمة العمل الدولية من بنود تقر الحق في العمل وما يتوجب فعله للحفاظ على ذلك الحق للأفراد، ومع مخالفة ذلك يتم عمل عقوبات اقتصادية على الدول ويتم وضع فريق في كل دولة لمراقبة ذلك بل يوجد نقابات عمالية تعمل كمنصة للحفاظ على حقوق العمال خاصة حقهم في العمل وظروف ذلك العمل.
إعداد/ مروة احمد محمد.
[1] K Marx, Report of the General Council to the Fourth Annual Congress (1869) أنظر
[2] أنظر كتاب الحق في العمل والعمال ص .191، قانون العمل

