القانون الواجب التطبيق على العقود الإلكترونية
لقد نتج عن الثورة التكنولوجية في الوقت الراهن العديد من التغييرات في الأصول المتعارف عليها في الأمور القانونية المتعلقة بإبرام العقود القانونية وخاصة العقود الدولية منها, المتعلقة بالتجارة الدولية بين الدول, إذ أنه نتج عنها ما يسمى بالعالم الافتراضي المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة بكونها أصبحت وسائل متعارف عليها بين الأفراد والدول على النطاق الرسمي في الاتصال والتعاقد, إذ أصبح للأفراد ان يعقدوا العقود المختلفة بينهم رغم عدم تواجدهم في مكان واحد, وهو ما أدى إلى ظهور ما يسمى بالعقود الإلكترونية.
أولا.: مفهوم العقد الالكتروني
ثانيا: أركان العقد الالكتروني
ثالثا: إثبات العقد الالكتروني
رابعا: قانون الإرادة وانعقاد العقد الالكتروني
خامسا: خصائص العقد الالكتروني
سادسا: الاختصاص القضائي في العقد الإلكتروني
أولا.: مفهوم العقد الالكتروني
يعد العقد الالكتروني هو عقد حديث ظهر بظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وفيه تتلاقى إرادة الأطراف المتعاقدة عبر الإنترنت بغرض إبرامه من أجل ترتيب أثره القانوني وحصول التعاقد على المحل.
فهو عقد له ذاتيه خاصه تميزه عن غيره من العقود التي تتم بالحضور المادي لأطراف العقد، ولذلك فيمكن تعريفه بأنه ذلك العقد الذي تتلاقى فيه إرادتين لأطراف من دول مختلفة على عروض معينه عبر الإنترنت وذلك باستخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة بين الناس وذلك بهدف إبرام العقد بينهما وترتيب آثاره.
ولقد عرفه المشرع الأردني بأنه” الاتفاق الذي يتم انعقاده بوسائل الكترونية كليا أو جزئيا”([1]).
وعرفه المشرع المصري بأنه” هو كل معاملة تجارية تتم عن بعد باستخدام وسيلة الكترونية”([2]).
وعرفه البعض بأنه” ذلك الذي يتم إبرامه عبر شبكة الإنترنت فهو عقد عادي إلا أنه يكتسب الطابع الالكتروني من الطريقة التي ينعقد بها أو الوسيلة التي يتم إبرامه من خلالها حيث ينشأ العقد من نلاقي القبول بالإيجاب بفضل التواصل بين الأطراف بوسيلة مسموعة مرئية عبر شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد”([3]).
ثانيا: أركان العقد الالكتروني
العقد الالكتروني كغيره من العقود يلزم لانعقاده شروط لابد من توافرها لكي ينعقد صحيحا وهي لا تختلف عن شروط انعقاد العقد العادي والتي تتمثل في الرضا والمحل والسبب.
1- شرط الرضا
فيجب أن ينعقد العقد الالكتروني برضاء الطرفين أي بصدور الإيجاب من أحد الطرفين ويقابله قبول من الطرف الآخر وذلك على وجه جازم يعبر عن إرادته الواضحة في قبول هذا العقد، إذ أن الإيجاب – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض- هو العرض الذي يعبر به الشخص على وجه جازم عن إرادته في إبرام عقد معين بحيث إذا ما اقترن به قبول مطابق له انعقد العقد ولا يجوز بعد ذلك لأي من الطرفين بإرادته المنفردة التنصل منه أو التحلل من آثاره ([4]), قضت في ذات الحكم بأن” انعقاد العقد بتلاقي الإيجاب والقبول. إمكانية استخلاص تحققهما من المكاتبات المتبادلة. عدم لزوم إثباتهما في محرر واحد”.
والتراضي هو تلاقي إرادتين على انعقاد العقد والإرادة هنا هي التي تتجه الى إحداث أثر قانوني معين بإنشاء الالتزام أو تعديله، فالعقد ينعقد بتراضي الطرفين حيث يتم هذا بتطابق القبول مع الإيجاب سواء كان هذا صراحة أو ضمنا من قبل الموجب أو القابل ([5]).
ويعد التراضي هو الركن الأول لانعقاد العقد الالكتروني لذلك فيجب أن تكون الإرادة خالية من أي عيب كعيب الغلط، أو الإكراه، أو التدليس، أو الاستغلال وإلا كان العقد قابلا للإبطال وتنص المادة \90 من القانون المدني الأردني على أنه” ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينه لانعقاد العقد”.
والإيجاب في العقد الالكتروني يختلف عن الإيجاب الصادر من أحد طرفي العقد في العقود العادية إذ أن الإيجاب في هذا العقد يكون من خلال وسيلة التواصل الاجتماعي المتفق عليها من الطرفين ولا يكون بمجلس العقد، ويجب ان يكون معبرا عن إرادته في هذا التعاقد وواضحا وليس مضللا، وجازما دالا على التعاقد بشكل جازم.
ولقد عرفه البعض بأنه” كل اتصال عن بعد يتضمن كافة العناصر اللازمة لتمكين المرسل اليه الإيجاب من ان يقبل التعاقد مباشرة ويستبعد من هذا النطاق مجرد الإعلان”([6]).
وعموما فان الإيجاب في العقد الالكتروني لا يختلف عن الإيجاب في العقد العادي سوى في طريقة عرضه على الموقع الالكتروني على الجمهور فقط عبر شبكة الإنترنت، كما أنه يختلف في انه يتم عن بعد وليس في مجلس العقد كما هو في العقد العادي، أي أنه إيجابا دوليا يتم عبر دول معينه عبر شبكة الإنترنت.
ولقد نصت المادة \ 13 من قانون المعاملات الالكترونية الأردني رقم\85لسنة2001 على أنه” تعتبر رسالة المعلومات وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة المقبولة قانونا لإبداء الإيجاب أو القبول بقصد انشاء التزام تعاقدي”
أما القبول عموما فهو رد فعل الطرف الآخر في العقد بالموافقة على التعاقد بشكل مطابق للإيجاب، ولكن ليس في كل شيء أو بشكل كامل، بل المقصود المسائل الجوهرية في العقد.
وفي العقد الالكتروني فهو لا يختلف عن القبول في العقد العادي سوى أنه يكون من خلال وسيله من وسائل التواصل الاجتماعي المتفق عليها من طرفي العقد، ويجب أن يكون القبول مطابقا لعناصر الإيجاب كلها وليس جزء منها، كما يشترط أن يصدر القبول في الوقت الذي يكون فيه الإيجاب قائما.
ويعرف القبول بأنه” تعبير عن إرادة الطرف الآخر الذي تلقى الإيجاب يطلقه نحو الموجب ليعلمه بموافقته على الإيجاب”([7]).
ويتم التعبير عن القبول الالكتروني عن طريق شبكة الإنترنت بالبريد الالكتروني أو باللفظ عن طريق غرف المحادثة أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.
ولا يعد السكوت قبولا فلابد ان يتم القبول صراحة وليس ضمنا فهو يتم عن طريق أجهزة الكترونية لا تستطيع أن تستنبط القبول الضمني، إلا إذا كان متعلقا بتعامل سابق بين المتعاقدين.
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” المقرر وفقا لنص المادة 98\2 من القانون المدني أن مجرد السكوت عن الرد لا يصلح بذاته تعبيرا عن الإرادة ولا يعتبر قبولا إلا إذا كان متعلقا بتعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل بأن كان مكملا أو معدلا أو ناسخا له”([8]), وهو ما نص عليه المشرع الأردني في القانون المدني بالمادة \95\2 على أنه” 2- ويعتبر السكوت قبولا بوجه خاص إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه اليه”.
ولقد نصت المادة \16 \أمن القانون سالف الذكر على أنه” أ- إذا طلب المنشئ من المرسل إليه بموجب رسالة المعلومات أعلامه بتسلم تلك الرسالة أو كان متفقا معه على ذلك فان قيام المرسل اليه بإعلام المنشئ بالوسائل الإلكترونية، أو بأي وسيلة أخرى، أو قيامه بأي تصرف، أو إجراء يشير إلى انه قد استلم الرسالة يعتبر استجابة لذلك الطلب أو الاتفاق”.
2- المحل والسبب
ولا يختلف شرط المحل والسبب في العقد العادي عنه في العقد الالكتروني إذ أنه يجب أن يكون محل العقد هو الشيء المتفق عليه من قبل الطرفين وأن يكون المجل المتفق عليه مشروعا فلا يجوز أن يتم التعاقد على سلعه أو شيء محرم دوليا، هذا بالإضافة إلى يشترط ان يكون المحل ممكننا وموجودا ومعينا أو قابلا للتعيين وقابل للتعامل فيه.
وكذلك السبب الدافع لانعقاد العقد يجب أن يكون مشروعا، أي لا يخالف النظام العام والآداب العامة وأن يكون صحيحا وليس صوريا.
هذا ولا يختلف المحل والسبب في العقد التقليدي عن العقد الالكتروني إلا أن الاختلاف بينهما كما أوضحنا هو الإيجاب والقبول.
ثالثا: إثبات العقد الالكتروني
بطبيعة الحال فان إثبات العقود يأتي بشكل أولي بالكتابة إذ أنها تأتي السبيل الأول الذي يلجأ اليه أطراف التعاقد وذلك بمجلس العقد وفي حضور طرفاه، إلا أنه مع التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت فأصبح هناك وسائل حديثة لإثبات التعاقد، إذ أصبح مجرد النقر بالفارة على الحاسب لهو تعبير عن إرادة المتعاقدين على انعقاد العقد، وإرسال المعلومات إلى الطرف الآخر عبر الإنترنت لهو إثبات على انعقاد العقد.
ومن الوسائل التي يتم الأخذ بها في إثبات العقد الالكتروني هي:
1- الكتابة الإلكترونية
ولقد تناولها المشرع المصري فنص عليها في قانون التوقيع الالكتروني رقم \15لسنة2004 بالمادة \1\أ على انه” يقصد بالكتابة الإلكترونية كل حروف، أو أرقام، أو رموز، أو أي علامات أخرى تثبت على دعامة الكترونية، أو رقمية، أو ضوئية، أو أية وسيلة أخرى مشابهة وتعطي دلالة قابلة للإدراك”.
وتنص المادة \15 من ذات القانون على أنه” للكتابة الالكترونية وللمحررات الكترونية في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية في أحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية متى استوفت الشروط المنصوص عليها في هذا القانون ووفقا للضوابط الفنية والتقنية التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون”.
وتكون الكتابة الالكترونية عن طريق الكتابة وحفظها على C. D.
ولقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم لها باعتماد الرسائل الالكترونية وعدم جحدها بل يطلب أصلها للطعن عليها واعتبارها وسيلة لإثبات العقد الالكتروني بأن” ولئن كانت الكتابة على الورق هي الأصل الغالب إلا أن المحرر لم يكن في أي وقت مقصورا على ما هو مكتوب على ورق وحده وكل ما يتطلبه المشرع للإثبات هو ثبوت نسبة المحرر إلى صاحبه فلا ارتباط قانونا بين فكرة الكتابة والورق ولذلك لا يشترط أن تكون الكتابة على ورق بالمفهوم التقليدي ومذيلة بتوقيع بخط اليد وهو ما يوجب قبول كل الدعامات الأخرى – ورقية كانت أو الكترونية أو أيا كانت مادة صنعها – في الإثبات…. “([9]).
أما المشرع الأردني فقد نص في المادة \2 من قانون المعاملات الالكترونية رقم\ 85لسنة2001على أنه يقصد برسالة المعلومات ” ………. المعلومات التي يتم أنشاؤها أو إرسالها أو تسلمها أو تخزينها بوسائل الكترونية أو بوسائل مشابهة بما في ذلك تبادل البيانات الإلكترونية، أو البريد الإلكتروني، أو البرق، أو التلكس، أو النسخ البرقي”.
ونصت المادة \13 من ذات القانون على أنه” تعتبر رسالة المعلومات وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة المقبولة قانونا لإبداء الإيجاب أو القبول بقصد انشاء التزام تعاقدي”.
وبذلك فان المشرعان المصري والأردني قد اتفقا على اعتبار الكتابة وسيلة من وسائل إثبات العقد الالكتروني.
2- التوقيع الالكتروني.
ولقد عرفة المشرع المصري في قانون التوقيع الالكتروني سالف الذكر في المادة \ 1\ج على أنه” ما يوضع على محرر الكتروني ويتخذ شكل رموز، أو حروف، أو إشارات، أو غيرها ويكون له طابع منفرد يسمح بتحديد شكل الموقع ويميزه عن غيره”
وقد عرفه المشرع الأردني في المادة \2 من قانون المعاملات الكترونية رقم\85لسنة2001 على أنه” البيانات التي تتخذ هيئة حروف، أو أرقام، أو رموز، أو إشارات، أو غيرها وتكون مدرجة بشكل الكتروني، أو رقمي، أو ضوئي، أو أي وسيلة أخرى مماثلة في رسالة معلومات أو مضافة عليها أو مرتبطة بها ولها طابع يسمح بتحديد هوية الشخص الذي وقعها ويميزه عن غيره من اجل توقيعه وبغرض الموافقة على مضمونة”.
ويختلف التوقيع الالكتروني عن التوقيع العادي في أنه يتم عبر وسائل التواصل الالكتروني وليس الشكل المادي المعروف في العقود كما في العقود العادية المكتوبة على ورق.
وبذلك لقد اتخذ المشرعان المصري والأردني التوقيع الإلكتروني كوسيلة إثبات للعقد الإلكتروني، إذ أنه أفضل الوسائل لإثباته فهو يحدد شخصية الموقع ويميزه عن غيره ويسمح بالتعاقد عن بعد وهو الطريق الأكثر أمنا وثقه، كما انه زادت أهميته في الفترة الأخيرة في ظل أزمة كورونا وما حتمته من اتخاذ التدابير الاحترازية والحاجة إليه منعا لانتشار الفيروس القاتل.
رابعا: قانون الإرادة وانعقاد العقد الالكتروني
من المستقر عليه أن مبدأ سلطان الإرادة وما ينطوي عليه من الإرادة المشتركة للمتعاقدين يعد مصدرا للحقوق والالتزامات، ولقد ترتب على ذلك واجب احترام إرادة ط في العقد في اختيار بنوده وشروطه وكيفية تنفيذه، فإرادة طرفي العقد هي صاحبه الدور الرئيسي في تكوين العقد، ولقد ترتب على هذا المبدأ في مجال العلاقات الدولية حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق على العقد المبرم بينهم.
ويقصد بقانون الإرادة هو حق الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق على العقد المبرم بينهم، ولقد أصبح هذا القانون مبدأ مسلم به في العديد من الاتفاقات الدولية وتشريعات العديد من الدول العربية والأجنبية.
ففي الدول العربية لقد نصت معظم تشريعاتها على هذا القانون واعتبره هو الأساس الذي يختار عليه المتعاقدين القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي ومن تلك الدول يأتي المشرع المصري في القانون المدني الحالي فينص في المادة \19 منه على أنه” 1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا فان اختلفا موطنا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا ما لم يتفق المتعاقدان أو يتبين من الظروف أن قانون آخر هو الذي يراد تطبيقه”.
أما موقف المشرع الأردني في هذا الشأن فانه يأتي على نفس الموقف الذي اتبعه المشرع المصري إذ نص في المادة \20\فقرة أولى على أنه” 1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين ان اتحدا موطنا فان اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك ……. “, وهو ما أيدته محكمة التمييز الأردنية في حكم لها بأن” لا يجوز لأطراف العقد الاتفاق على أحكام قانون معين لحكم العقد إلا إذا اختلفا في الموطن”([10]).
وتنص المادة \21من ذات القانون على أنه” تخضع العقود ما بين الأحياء في شكلها لقانون البلد الذي تمت فيه ويجوز أيضا أن تخضع للقانون الذي يسري على أحكامها الموضوعية كما يجوز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونها الوطني المشترك”.
وبذلك فان المشرع الأردني قد جعل من إرادة طرفي العقد الدولي العامل الأساسي في اختيار القانون الواجب التطبيق على العقد المبرم بينهما إذ أنه جعل اتفاقهما أولا على القانون الواجب التطبيق هو الأساس، فاذا لم يتم فانه يطبق قانون الموطن المشترك لمتعاقدين في حالة اتحاد الموطن فإذا لم يتفقا يطبق قانون الدولة التي تم فيها العقد.
أي أن هناك اختيارين لطرفي العقد في حالة عدم الاتفاق بينهما على قانون معين يتم تطبيقه على العقد الدولي وهما:
1- قانون الموطن المشترك
ففي حالة غياب القانون الواجب التطبيق على العقد الدولي فانه يطبق أولا قانون الموطن المشترك للمتعاقدين، وذلك في حالة اتحادهما في الموطن.
2- قانون دولة العقد
أي الدولة التي تم فيها العقد بين المتعاقدين، فإذا تم العقد في دولة أحد الطرفين ولم يتفق الطرفين على قانون معين يطبق على العقد فإنه يكون قانون الدولة التي انعقد فيها العقد هو الواجب التطبيق.
خامسا: خصائص العقد الالكتروني
ويتسم العقد الالكتروني كونه عقدا يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين طرفين من دول مختلفة بالسمات الآتية:
1- دولية العقد الالكتروني
العقد الالكتروني كونه يتم بين طرفين من دول مختلفة فانه يتسم بالدولية، إذ يكون أحد طرفاه في دولة والآخر في دولة أخرى، فهذا العقد يدور في عالم افتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذا بخلاف العقد العادي الذي يتم في مجلس العقد بين طرفين من دولة واحده، وهذا ما يميزه عن العقد العادي، كما وأن شبكة الإنترنت هي دولية بطبيعتها ويستمد منها الصفة الدولية، وبالتالي فهي تضفي عليه صفة الدولية.
فالعقد الالكتروني يشترك فيه ـكثر من شخص من دول مختلفة فأحدهما مستخدم الشبكة من دولة ما والثاني والمزود بالخدمة من دولة أخرى والثالث هو الشركة التي تعالج البيانات وإدخالها وتحميلها، بالتالي فيكتسب الصفة الدولية بطبيعته.
2- العقد الالكتروني عقد تفاعلي غير مادي
ينعقد العقد الالكتروني بدون حضور أو تمثيل أطرافه حضور فعلي أو مادي وإنما الحضور افتراضي عبر الإنترنت فمجلس العقد غير موجود فعليا وإنما هو فرضي على الإنترنت.
فالعلاقة بين أطراف العقد الالكتروني غير مباشرة بحكم التباعد المكاني بينهم، “فالتعاقد الإلكتروني عبر الإنترنت يعد تعاقد بين حاضرين حكما حيث إن هناك تباعد مكاني بين البائع أو المنتج وبين المستهلك، ولكن هناك في الغالب اتحاد زمني بين الطرفين، فالطرفين لا يجمعهما مجلس عقد واحد”([11]).
3- سرعة التعاقد وإنجاز الأعمال
تمتاز الشبكة العنكبوتية بسرعة الأداء سواء في انعقاد العقود أو تنفيذها أو إنجاز الأعمال المرتبطة بها إذ مجرد الضغط على الفاره يعد بمثابة موافقة على التعاقد، أو قبول عرض بضائع، أو شرائها، أو بيعها، بعكس العقود العادية التي يستلزم ان ينعقد المجلس أو يكون الأطراف متواجدين في ذات الوقت لكي يتم التفاوض على بيع أو شراء أو اتفاق على شيء بخصوص الالتزام.
4- طريقة الدفع
يتميز العقد الالكتروني عن العقد العادي في طريقة دفع النقود، فلم تعد تلك الطريقة القديمة بالنقود وإنما أصبحت طريقة الدفع الالكتروني لسداد المدفوعات وحلت محل النقود، كاستخدام فيزا الدفع المقدمة أو التحويل عبر الفيزا كارد أو المحفظة الالكترونية وغيرها.
5- حق العدول عن قبول التعاقد
رغم أنه وفقا للقوة الملزمة للعقد أنه لا يجوز لأحد الطرفين الرجوع في العقد بعد ان صدر الإيجاب ولاقى قبولا من الطرف الآخر إلا أنه في العقد الالكتروني حيث يتم التعاقد عبر الشبكة العنكبوتية وتتم معاينة محل العقد سواء كان بضاعة أو غيرها عبر الإنترنت فلذلك يجوز العدول عن التعاقد أو العدول عن القبول لاستحالة المعاينة النافية للجهالة, ولقد أقر القانون الأمريكي والقانون الإنجليزي أحقية المستهلك في العدول عن العقود الالكترونية خلال فترة السماح وتختلف هذه المدة من قانون لآخر وذلك على أساس أن المتعاقد أو المستهلك لا يرى المنتج أو السلعة, ولقد تقرر هذا الحق أيضا في قانون الاستهلاك الفرنسي بنص المادة 121\26على أنه” يحق للمشتري في كل عملية بيع عن بعد إعادة المنتج خلال سبعة أيام كاملة تبدأ من تاريخ تسلمه سواء لاستبداله أو لاسترداد ثمنه دون مسئولية أو نفقات فيما عدا تكاليف الرد”([12]).
سادسا: الاختصاص القضائي في العقد الالكتروني
لقد استقر الوضع في معظم التشريعات على إمكانية اتفاق أطراف العقد الإلكتروني على تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع الناتج عن العقد الالكتروني طالما أن الطرفان قد تراضا على ذلك وذلك بشروط وهي:
1- ألا يكون هناك مصلحة من انعقاد محكمة معينة لأحد الطرفين بنظر النزاع.
2- ألا يكون الاتفاق منطويا على غش.
ولقد اتجه المشرع المصري إلى إمكانية اتفاق الأطراف في العقد الالكتروني على تحديد المحكمة المختصة وهو ما نص عليه في المادة \32من قانون المرافعات على أنه” تختص محاكم الجمهورية بالفصل في الدعوى ولو لم تكن داخله اختصاصها طبقا للمواد السابقة إذا قبل الخصم ولايتها صراحة أو ضمنا”.
وهو ذات ما نص عليه المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات المدنية وتعديلاته رقم\24لسنة1988 بالمادة \27 على أنه” …. 2- تختص المحاكم الأردنية بالفصل في الدعوى ولو لم تكن داخله في اختصاصها إذا قبل الخصم ولايتها صراحة أو ضمنا”.
وبذلك اتفق المشرعان المصري والأردني على جواز اتفاق طرفي العقد الالكتروني على تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع المترتب على العقد الالكتروني طالما أن ذلك تم بإرادة الطرفان واتفاقها على ذلك صراحة أو ضمنا وخلا الاتفاق من أي غش أو مصلحة لأي منهما في ذلك التحديد.
الخاتمة:
لقد عنى المشرع الأردني بأحكام العقد وخصّه بأحكام تفصيلية تنظم انعقاده على نحو ما ذكرنا وجدير بالذكر أن القانون الأردني قد تناول تنظيم العقد الالكتروني في نصوص مواده بشكل ضمني, إذ نص على إمكانية انعقاد العقد رغم عدم تواجد طرفيه في مكان واحد وحتى لو كانوا غائبين فنص في المادة \ 101من القانون المدني على أنه” إذا كان المتعاقدين غائبين لا يضمهما حين العقد مجلس واحد يعتبر التعاقد قد تم في المكان وفي الزمان اللذين صدر فيهما القبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك”, كما نص على إمكانية التعاقد بالهاتف أو بأية طريقة مماثله بالنسبة للمكان فنص في المادة \102على أنه” يعتبر التعاقد بالهاتف أو بأية طريقة مماثلة بالنسبة للمكان كأنه تم بين متعاقدين لا يضمهما مجلس واحد حين العقد وأما فيما يتعلق بالزمان فيعتبر كأنه تم بين حاضرين في المجلس”.
كتابة دكتور \عبد المنعم الشرقاوي
([1]) قانون المعاملات الإلكترونية الأردني رقم \85لسنة2001.
([2]) المادة الأولى من مشروع قانون التجارة الالكترونية المصري.
([3]) د. محمد أمين الرومي, التعاقد الإلكتروني عبر الإنترنت, الإسكندرية, دار المطبوعات الجامعية, 2004, ص48, أشار اليه, د. ماجد محمد سليمان أبا الخيل, العقد الالكتروني, ط1, السعودية, مكتبة الرشد, 2009, ص16
([4]) حكم نقض مصري, طعن رقم \2557لسنة66ق, جلسة18\4\1998.
([5]) د. عبدالرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج1, المجلد الأول, العقد, 1981, ص261وما بعدها.
([6]) أشار اليه, د. ماجد محمد سليمان أبا الخيل, العقد الالكتروني, ط1, السعودية, مكتبة الرشد, 2009, ص40.
([7]) د. أنور سلطان, الموجز في مصادر الالتزام, الإسكندرية, منشأة المعارف, 1995, ص72وما بعدها.
([8]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 1649لسنة51ق, جلسة 26\11\1984, مجموعو مكتب فني, س35, ع3, ص1920, ق 366.
([9]) حكم نقض مصري, طعن رقم \17689 لسنة 89ق, جلسة 10\3\2020, الدوائر التجارية, مجموعة أحكام النقض المصرية.
([10]) حكم تمييز أردني, لسنة1988, مجلة نقابة المحامين الأردنية لسنة 1990, ع6, ص1080.
([11]) د. محمد أمين الرومي, التعاقد الالكتروني عبر الإنترنت, الإسكندرية, مرجع سابق, ص59.
([12])د. ماجد محمد سليمان أبا الخيل, العقد الالكتروني, ط1, السعودية, مكتبة الرشد, 2009, ص53.

