شهادة الاستدلال في الدعوى الجزائية
تعد شهادة الشهود من وسائل الإثبات في الدعاوى المدنية والجزائية، وتبرز أهمية الشهادة في الدعاوى الجزائية بشكل واضح حيث تعد الشهادة أولى وسائل الإثبات في القضايا الجزائية، وقد وضع المشرع الأردني العديد من الشروط التي تعد متطلبات أساسية في الشهادة والشهود لكي تكون الشهادة مقبولة من الناحية القانونية، فإذا انتفت هذه الشروط أو إحداها أصبحت الشهادة المؤداة أمام المحكمة شهادة استدلال لا شهادة إثبات، فما هو المقصود بشهادة الاستدلال؟، وما هو موقف المحكمة من شهادة الاستدلال ؟، فسنتعرف على كل ما يتعلق بشهادة الاستدلال من خلال هذا المقال وذلك بالاستناد لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.
جدول المحتويات
السند القانوني لشهادة الاستدلال
حالات التي تكون فيها شهادة الشهود شهادة استدلال
إستخدام التقنية الحديثة في التحقيق والمحاكمة
المقصود بالشهادة
هي دليل من أدلة الإثبات يقوم من خلال شخص يسمى الشاهد وهو غير أطراف الخصومة بالإخبار في مجلس القضاء بعد حلف اليمين بما يعرفه شخصياً حول وقائع معينة تصلح محلاً للإثبات، والشهادة نوعين: شهادة مباشرة وهي الأصل في الإثبات حيث تكفي وحدها كدليل للإثبات، والنوع الثاني هو الشهادة غير مباشرة وهي الشهادة السماعية وهي لا تصلح لوحدها كدليل للإثبات وإنما للاستدلال.
المقصود بشهادة الاستدلال
يقصد بالاستدلال هو الدليل لإثبات المدلول، أي هو عملية استخراج جواب أو نتيجة بناء على معلومات معروفة مسبقا وقد تكون صحيحة أو خاطئة، والاستدلال لا يصل إلى مرتبة الدليل، وشهادة الاستدلال هي الشهادة غير المباشرة كالشهادة السماعية، وهي الشهادة التي تصدر عن شاهد لا تتوافر فيه شروط الشهادة أو إحداها ، كالتمييز، فهذه الشهادة لا يصح الاستناد البها وحدها في الحكم، فليس للمحكمة أن تصدر حُكمها في الدعوى الجزائية بناءاً على شهادة شاهد صبي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، أو تستند في حُكمها على شهادة نقل أو شهادة سماعية، وإنما قد تساعد شهادة الاستدلال على تكوين قناعة القاضي الوجدانية .
السند القانوني لشهادة الاستدلال
المادة 158 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي نصت على شهادة الاستدلال ومتى يتم الأخذ بها، ونص المادة 74والذي نص على شهادة من لا يدركون كنه اليمين، المادة 219 والتي تنص على أداء الشهادة ومن إجراءاتها حلف اليمين.
حالات التي تكون فيها شهادة الشهود شهادة استدلال
الشهادة غير المباشرة
يقصد بها الشهادة السماعية وهي تلك التي ينقل فيها الشاهد الواقعة بالتواتر عما سمعه من غيره [1]، وهذه الشهادة لا تصلح لوحدها كدليل إثبات وذلك لأن الأدلة بشكل عام في الدعوى الجزائية تعود لقناعة القاضي الوجدانية، وتخضع لتقدير القاضي ولا يصح مناقشة القاضي في قناعته الوجدانية حول أخذه بشهادة أو طرحها أو اعتماده على شهادة دون أخرى، والشهادة غير المباشرة بذلك هي مجرد استدلال لا يرقى إلى مرتبة الدليل.
حلف اليمين
أوجب المشرع على الشاهد أداء حلف اليمين بقول الحق دون زيادة أو نقصان، وإلا لا يجوز للمحكمة الاستناد إلى شهادة الشاهد في حكمها، وتكون شهادته على سبيل الاستئناس والاستدلال فقط، ولا ترقى إلى مرتبة الدليل، لأن حلف اليمين من الشروط القانونية للشهادة وبحلفه تكون الشهادة دليلاً في الإثبات.
فقد نص المشرع في المادة 219 /3 على أنه لا يجوز للمحكمة ان تأخذ بشهادة الشاهد الذي لم يحلف اليمين أو يرفض حلفها إلا على سبيل الاستدلال.
شهادة الصبي الذي لا يدرك كنه اليمين
نصت المادة 74 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على شهادة الصبي الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره في مرحلة التحقيق الابتدائي ، فإذا رأى المدعي العام أنه لا يفهم معنى اليمين أن يستمع لشهادته على سبيل المعلومات والاستدلال ودون حلف اليمين القانونية فقد جاء بنص المادة تسمع على سبيل الاستدلال إفادة الأشخاص الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة من عمرهم بدون أن يحلفوا اليمين المنصوص عليها في المادة 71 إذا رأى المدعي العام انهم لا يدركون كنه اليمين، وعليه يفهم من هذا النص أنه إذا رأى المدعي العام أن الصبي الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره يفهم معنى اليمين له أن يحلفه اليمين القانونية وبذلك تكون شهادته دليل كامل في الأثبات للمحكمة حرية تقدير قيمتها الثبوتية .
إلا أن بعض الفقهاء يرون أن أقوال القاصرين أمام المحاكم وحتى وأن كانوا يدركون كنه اليمين وعلى الرغم من براءتها الطاهرة، يجب أن تقابل بكثير من الشكوك.
شهادة الصبي الذي لا يدرك كنه اليمين وبدون حلف اليمين
نصت المادة 158 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على الشهادة التي تسمع على سبيل الاستدلال، والتي تقضي بأنه يجوز سماع الشهود الذين لم يبلغوا خمس عشرة سنة بدون حلف اليمين وعلى سبيل الاستدلال إذا تبين أنهم لا يدركون كنه اليمين، على أن المشرع قد أضاف لهذه المادة فقرة تقضي بأن الشهادة التي تؤخذ على سبيل الاستدلال لا تكفي وحدها للإدانة ما لم تكن مؤيدة ببينة أخرى،
الملاحظات القانونية حول نص المادة 74 والمادة 158
وجود تعارض بين النصين فيما يتعلق بأهلية الشاهد
بالاطلاع على النصين القانونين نجد أن هناك تعارض فيما يتعلق بأهلية الشاهد من حيث العمر فالشاهد يعد أهلا للشهادة في مرحلة التحقيق الابتدائي، ويجوز تحليفه اليمين إن كان يدرك معنى اليمين، إذا كان قد بلغ الرابعة عشرة من عمره، بينما لا يعد كذلك في مرحلة المحاكمة إلا إذا بلغ الخامسة عشرة من عمره، مع أنه لا يوجد ما يبرر هذا الاختلاف في عمر الشاهد في مرحلتي التحقيق والمحاكمة [2].
عدم توجيه اليمين القانونية إلى الشاهد الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره
إن عدم توجيه اليمين للشاهد الذي لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره مرهون بعدم إدراكه لمعنى اليمين، فإذا قدر المدعي العام أو قدرت المحكمة أن هذا الشاهد يعي كنه اليمين، قام بتوجيه اليمين القانونية إليه، وتعد الشهادة عندئذ دليلاً بكل معنى الكلمة إلا أنه ينبغي التنويه أن شهادة مثل هؤلاء القاصرين المأخوذة تحت القسم القانوني، يجب أن ينظر إليها من جانب المحكمة بكل يقظة وحذر [3].
استخدام التقنية الحديثة في التحقيق والمحاكمة
نص المشرع في المادة 158 على استخدام وسائل التقنية الحديثة في التحقيق والمحاكمة في حالة وجود شهود لم يكملوا الثامنة عشرة من عمرهم ، وذلك حمايةً لهم عند الإدلاء بشهادتهم، وهذه الوسائل كالمحاكمة عن بعد والأشرطة والأقراص المدمجة تخضع للحماية والخصوصية ،و تتيح هذه الوسائل لأي خصم مناقشة الشاهد أثناء المحاكمة، وتعد هذه الشهادة بينة مقبولة في القضية ، ويكون استخدام وسائل التقنية الحديثة وجوبياً في حالة سماع أقوال المجني عليه في جرائم الاعتداء على العرض إلا اذا تعذر ذلك وجوازي في جميع الحالات الأخرى.
من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بشهادة الاستدلال
الحكم رقم 1254 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
عن أسباب الطعن التمييزي ومفادها تخطئة محكمة الجنايات الكبرى بإعلان براءة المتهم (المميزة ضده) من الجرم المسند إليه وعدم وزنها لبينة النيابة وزناً سليماً.
وبالرد عليها: –
نجد وبالرجوع إلى أحكام المادة (158/1/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية أنها قد نصت على (يجوز سماع الشهود الذين لم يبلغوا خمس عشرة سنة من دون حلف اليمين على سبيل الاستدلال إذا تبين أنهم لا يدركون كنه اليمين.
ب- إن الشهادة التي تؤخذ على سبيل الاستدلال لا تكفي وحدها للإدانة ما لم تكن مؤيدة ببينة أخرى.
وحيث إن محكمة الجنايات الكبرى بقرارها المطعون فيه قضت بإعلان براءة المتهم (المميز ضده حمزة) بعد أن وجدت أن شهادة المجني عليها البالغة من العمر أربع سنوات المأخوذة على سبيل الاستدلال لم تؤيد بأية بينة أخرى بعد امتناع والدتها الشاهدة عن الإدلاء بالشهادة ضد المتهم.
فيكون قرارها واقعاً في محله ومتفقاً وأحكام القانون مما يتعين معه رد هذه الأسباب لعدم ورودها على القرار المطعون فيه.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988، ص 248.
[2] د. محمد سعيد نمور، أصول المحاكمات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 253..
[3] د. حسن جوخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى، 1993، ص 253.

