الإضرار بالمباشرة
تقوم المسؤولية المدنية على كل من ألحق ضرراً بالغير، وإلحاق الضرر يتخذ إحدى صورتين، إما أن يكون بالمباشرة وإما أن يكون بالتسبب، ويقصد بالمباشرة حدوث فعل من شأنه إتلاف مال الغير دون أن يتخلل بين الفعل والإتلاف حدوث شيء آخر أما التسبب فهو إحداث تلف في شيء آخر فيؤدي إلى إحداث التلف في الشيء، وقد استمد القانون المدني الأردني هذه الأحكام من الفقه الإسلامي وسوف يقتصر حديثنا في هذا المقال عن الإضرار بالمباشرة وذلك من عدة نواحي:
أولا: المقصود بالإضرار بالمباشرة
خامسا: مسؤولية عديم التمييز المباشر في الفقه والقانون
سادسا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بالإضرار بالمباشرة
وتفصيل ذلك ما يلي:
أولا: المقصود بالإضرار بالمباشرة:
عرفت المادة (256) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني الإضرار بقولها:” هو مجاوزة الحد الواجب الوقوف عنده، أو التقصير عن الحد الواجب الوصول إليه في الفعل أو الامتناع مما يترتب عليه الضرر، فهو يتناول الفعل السلبي والفعل الإيجابي، وتنصرف دلالته إلى الفعل العمد وإلى مجرد الإهمال على حد سواء.”
أما المباشرة فقد عرفتها المادة (257) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني بقولها:” يكون الإضرار بالمباشرة إذا انصب فعل الإتلاف على الشيء نفسه ويقال لمن فعله فاعل مباشرة.”
كما عرفت (المادة887) من مجلة الأحكام العدلية مصطلح المباشرة بقولها:” الإتلاف مباشرة هو إتلاف الشيء بالذات ويقال لمن فعله فاعل مباشر.”
وعرف جانب من الفقه المباشرة أيضا بأنها:” المباشرة تعني أنه عندما يكون فعل الفاعل هو السبب الوحيد للضرر دون أن يتدخل فعل آخر بين فعل الفاعل والضرر الذي نجم عنه مباشرة.”[1]
إذا، يتضح من خلال التعريفات السابقة أن الإضرار بالمباشرة هو: إتلاف يحدثه شخص ما بفعله مباشرة دون أن يتخلل هذا الفعل حدوث شيء آخر.
ويمكن القول بأنه: فعل غير مشروع يقوم به شخص ما يترتب عليه حدوث إتلاف بحيث يكون هذا الفعل الغير مشروع هو السبب المباشر الذي أحدث التلف ومن ثم يلتزم فاعله بضمان التلف.
يثور التساؤل حول ما إذا كان الإضرار بالمباشرة الذي هو إتيان الفعل الضار بواسطة الفاعل مباشرة عبر الفعل الإيجابي فقط؟، أم أنه يشمل الفعل السلبي أيضا؟
للإجابة عن هذا التساؤل هناك اتجاهان في هذا الأمر: [2]
الاتجاه الأول: يرى أن الإضرار بالمباشرة الموجب للضمان يقتصر فقط على الفعل الإيجابي دون السلبي.
وعلة ذلك أن الضمان لا يجب إلا إذا حدث إتلاف للشيء والإتلاف يحدث بفعل إيجابي ولا يحدث من خلال الامتناع عن فعل الشيء.
وهذا هو رأي جمهور الفقهاء عدا الحنابلة حيث “اعتبروا المباشرة علة للتلف تدور معها وجوداً وعدماً وتتصل بها اتصالاً وثيقاً بحيث إذا تخلف هذا الترابط يكون المسؤول عن الضرر متسبباً به لا مباشراً له.”[3]
كما أن مجلة الأحكام العدلية في (المادة 887) بينت المقصود بالإضرار بالمباشرة بقولها: “الإتلاف مباشرة هو إتلاف الشيء بالذات” ويفهم من ذلك أن الإتلاف يكون بفعل إيجابي صادر عن المتلف يكون سبباً مباشراً في إحداث التلف ومن ثم لا يتحقق الإتلاف عن طريق الامتناع عن فعل الشيء.
وبناءً عليه “فإذا رأى إنسان مالاً لآخر معرضاً للتلف بنار مثلا وكان في قدرته إنقاذه ولم يفعل فلا ضمان عليه لعدم المباشرة وذلك لأن المباشرة تتحقق إذا كان هناك اتصال بين الفعل ومحل الضرر كما في اتصال آلة الإتلاف بالمال المتلف وذلك إنما يتصور في الفعل الحسي.”[4]
الاتجاه الثاني: يرى أن الإضرار بالمباشرة الموجب للضمان يتحقق في الفعل الإيجابي والفعل السلبي على حد سواء، وهو قول الحنابلة.
وعلة ذلك أنه يشترط لتحقق الإضرار بالمباشرة أن يكون الفعل الصادر من المتلف هو السبب المباشر في إحداث الضرر، والفعل إما أن يكون إيجابياً متمثلاً في الإقدام على فعل أمر ما وإما أن يكون سلبياً متمثلاً في الامتناع عن فعل أمر ما، لذلك يتصور حدوث الإضرار بالمباشرة بالفعل السلبي كما يحدث بالفعل الإيجابي طالما أن كلاهما يترتب عليه وقوع الضرر.
وأرى أن الاتجاه الأول هو الأقرب للصواب حيث إن المباشرة تتحقق بقيام الشخص بفعل مادي ملموس وهو يكون بالفعل الإيجابي دون السلبي فمن أشعل النار في مال غيره دون وجه حق يلتزم بالتعويض فهذا فعل إيجابي صادر من المتلف كان سببا مباشرا في إحداث الضرر، كما أن لفظ المباشرة في اللغة تعني “فعله من غير وساطة”[5] وهذا يكون في الفعل الإيجابي.
أما الفعل السلبي الذي يترتب عليه إحداث ضرر في مال الغير فيكون فاعله حينئذ متسبباً في إحداث هذا الضرر وليس مباشراً له.
نصت (المادة2/257) من القانون المدني الأردني على أن:” فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضياً إلى الضرر”.
إذاً يتضح من ظاهر نص المادة سالفة الذكر أن الإضرار بالمباشرة الملزم للضمان لا يشترط فيه أي شرط سواء أكان شرط التعدي من الفاعل أو شرط التعمد وهذا بخلاف الإضرار بالتسبب. وسوف نبين مدى صحة هذا الأمر من خلال الحديث عن شرطي التعمد والتعدي في السطور التالية:
1. التعمد:
يقصد بالتعمد تعمد الفعل وإحداث الضرر، وقد أجمع فقهاء الشريعة الإسلامية على أن الإضرار بالمباشرة يوجب الضمان ولا يشترط فيه التعمد من قبل المباشر، فمن كان فعله سبباً مباشراً في إحداث ضرر في مال الغير سواء أكان متعمداً حدوث ذلك أو حدث على سبيل الخطأ فإنه يلتزم بضمان الضرر الذي نتج عن فعله.
وقد أكدت على ذلك (المادة92) من مجلة الأحكام العدلية بقولها:” المباشر ضامن وإن لم يتعمد” وكذلك (المادة 912) منها بقولها:” إذا أتلف أحد مال غيره الذي في يده أو في يد أمينه قصداً أو من غير قصد يضمن”، وكذلك (المادة913) منها بقولها:” إذا زلق أحد وسقط على مال آخر وأتلفه يضمن”. فجميع النصوص سالفة الذكر تؤكد على أن الضرر الذي يقع في مال الغير بفعل شخص آخر مباشرة يستلزم ضمانه حتى وإن لم يقصد إحداث هذا الضرر في مال غيره.
والعلة في عدم اشتراط التعمد في فعل المباشر لضمان الضرر هي القاعدة الشرعية التي تقضي بأن ” العمد والخطأ في الأموال سواء”، والضمان شرع لجبر الضرر الذي لحق الغير في ماله فمن أضر بمال غيره بفعله مباشرة لزمه تعويضه لجبر ما لحقه من ضرر.
كما أكدت محكمة التمييز الأردنية على ذلك بقولها: ” يستفاد من المادة٢٥٦من القانون المدني والمادة ٢٥٨مدني، أن الضمان يستلزم فعل أو امتناع عنه ينجم عنه ضرر وعلاقة سببية بينهما دون شروط إذا كان الضرر بالمباشرة -ولا بد من توفر عنصر المتعمد والتعدي إذا كان الضرر بالتسبب- وللحكم بالضمان والمسؤولية عن الضرر لا بد من توافر عناصر المسؤولية التقصيرية وهي الفعل والضرر وعلاقة سببية بينهما وفي حال انتفاء أي عنصر منها فلا مسؤولية ولا ضمان.
فإذا كان المجني عليه يقوم بإشعال الحرائق خارج المنزل وشبت النيران في وجهه…وأن البينة دلت أن المجني عليه هو من قام بإشعال النار ولم يرد من خلال تلك البينة ما يثبت وجود مواد قابلة للاشتعال في الخزان العائد للمميز ضدهما وأثبتت البينة أن المضخات في الخزان تشغل بواسطة الكهرباء ولا يستعمل الوقود من أجل تشغيلها فإن ما لحق بالمجني عليه من ضرر لا علاقة للمميز ضدهما به ولا يوجد أي خطأ من جانبهما يوجب الضمان.”[6]
2. التعدي:
بينت (المادة 257) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني المقصود بالتعدي بقولها:” ألا يكون للفاعل حق في إجراء الفعل الذي حصل منه الضرر.”
موقف الفقه والقانون من التعدي:
ذكرنا فيما سبق أن ظاهر نص (المادة2/257) من القانون المدني الأردني لم تشترط أي شروط لمسؤولية المباشر عن الضرر الذي يلحقه في مال غيره سواء شرط التعمد أو شرط التعدي وذلك بخلاف المتسبب في إلحاق الضرر بمال غيره فيشترط لمسؤوليته أن يكون متعمداً أو متعديا وقد أوضحت المذكرة الإيضاحية للمادة 257 من القانون المدني علة التفرقة بين الإضرار بالمباشرة والإضرار بالتسبب فيما يتعلق بشروط المسؤولية في كل منهما بقولها:
“ومرجع التفرقة في الحكم بين المباشرة والتسبب أن المباشرة علة مستقلة وسبب للإضرار بذاته فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد أو عدم التعدي، أما التسبب فليس بالعلة المستقلة فلزم أن يقترن العمل فيه بصفة التعمد أو التعدي ليكون موجباً للضمان.”
وقد أوردت مجلة الأحكام العدلية عدة أمثلة توضح مسؤولية المباشر المتعدي على مال غيره وإن لم تنص صراحة على اشتراط كون المباشر متعدياً لقيام مسؤوليته واكتفت بذكر القاعدة الفقهية المتعلقة بعدم اشتراط التعمد بقولها في (المادة92) منها:” أن المباشر ضامن وإن لم يتعمد.”
ومن الأمثلة التي ذكرتها مجلة الأحكام العدلية ما جاء في (المادة 918) منها بقولها:” إذا هدم أحد عقار غيره كالحانوت والدار بغير حق فصاحبه بالخيار إن شاء ترك أنقاضه للهادم وضمنه قيمته مبنياً وإن شاء حط من قيمة الأنقاض وضمنه القيمة الباقية وأخذ هو الأنقاض….”، وكذلك (المادة 919) منها بقولها:” لو هدم أحد داراً بلا إذن صاحبها بسبب وقوع حريق في الحي وانقطع هناك الحريق فإن كان قد هدمها بأمر ولي الأمر لا يلزم الضمان وإن كان قد هدمها بنفسه يلزم الضمان.”
وأيضا (المادة920) منها بقولها:” لو قطع أحد الأشجار التي في روضة غيره بغير حق فصاحبها مخير إن شاء أخذ قيمة الأشجار قائمة وترك الأشجار المقطوعة للقاطع وإن شاء حط من قيمتها قائمة قيمتها مقطوعة وأخذ المبلغ الباقي والأشجار المقطوعة.”
1.أن (المادة 286) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني نصت على أن: “ويغني لفظ (الإضرار) في هذا المقام عن سائر النعوت والكنى التي تخطر للبعض في معرض التعبير كاصطلاح (العمل غير المشروع أو العمل المخالف للقانون أو الفعل الذي يحرمه القانون…والمقصود بالإضرار هنا مجاوزة الحد الواجب الوقوف عنده أو التقصير عن الحد الواجب الوصول إليه في الفعل أو الامتناع مما يترتب عليه الضرر.” ويتضح من خلال هذا النص أن الإضرار يتحقق فيه الاعتداء فلا يجوز القول بعد ذلك بعدم اشتراط التعدي في فعل المباشر لقيام مسؤوليته، ويجب حمل المقصود بعدم اشتراط التعدي على عدم اشتراط القصد في التعدي وليس ذات التعدي.
والقول بعدم اشتراط التعدي لقيام مسؤولية المباشر مخالف للقاعدة الشرعية المنصوص عليها في (المادة 61) من القانون المدني الأردني القائلة بأن” الجواز الشرعي ينافي الضمان” فكيف يضمن المباشر الغير متعد بفعله.
ويثور تساؤل في هذا الشأن وهو هل يشترط علم المباشر بأن ما يتلفه من مال هو مملوك للغير أم لا يشترط علمه بذلك؟
يرى الفقهاء أنه لا يشترط علم المباشر بكون المال الذي يقوم بإتلافه مملوك لغيره والعلة في ذلك “أن الضمان من خطاب الوضع فيستوي فيه العالم والجاهل بعصمة أموال الناس فلو أتلف إنسان مالاً ظاناً أنه ماله ثم تبين له بعد الإتلاف أنه مال غيره ضمن.”[7]
وقد أكدت على ذلك (المادة 914) من مجلة الأحكام العدلية بقولها: “لو أتلف أحد مال غيره ظاناً أنه ماله يضمن.” والعلة في ذلك “أن الجهل وإن أعفاه من الإثم لا يعفيه من الضمان لأنه حق العبد فلا يتوقف على علمه وقصده.”[8]
بعد أن علمنا أنه يشترط لقيام مسؤولية المباشر أن يكون متعدياً بفعله على ملك غيره سواء أكان عالماً بأن ما يقوم بإتلافه مملوكاً لهذا الغير أم ظن أنها ملكه هو يتعين علينا معرفة من الذي يقع عليه عبء إثبات وقوع الضرر فهل يقع عبء الإثبات على المضرور أم أن التعدي مفترض في فعل المباشر ويتعين عليه إثبات أنه لم يتعد بفعله؟
لم يتطرق الفقهاء لمسألة من الذي يقع عليه عبء إثبات الضرر، ولكن يفهم من أقوالهم إن عبء الإثبات يقع على المضرور فيتعين عليه إثبات التعدي الواقع على ماله و الذي لحقه بسبب فعل المباشر.
لكن وقوع عبء إثبات التعدي على المضرور فيه إجحاف لحقه وإرهاق له فقد يتعذر عليه الإثبات فيضيع بذلك حقه لذلك يجب اعتبار التعدي مفترضاً من قبل المباشر وعلى المباشر عبء إثبات عدم تعديه لكيلا يلتزم بالتعويض عن الضرر الذي لحق الغير بسبب فعله.
وبذلك يحصل التوفيق بين نصوص القانون المدني التي لا تشترط أي شرط لقيام مسؤولية المباشر باعتبار أن التعدي مفترض في فعله.
وقد طبق القانون المدني الأردني هذا الفرض في (المادة 291) منه بقوله: “كل من كان تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية للوقاية من ضررها أو آلات ميكانيكية يكون ضامناً لما تحدثه هذه الأشياء من ضرر إلا ما لا يمكن التحرز منه هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة.” فقد اعتبرت صاحب الآلة مباشر والتعدي مفترض لذلك لزمه التعويض عن الضرر الذي تسبب فيه الآلة التي تحت تصرفه كما أنها بينت أن المباشر يمكنه دفع المسؤولية عن نفسه بإثبات أنه لم يقم بالتعدي.
ولما كان على المباشر عبء إثبات عدم تعديه لنفي المسؤولية عنه فإنه يستطيع إثبات ذلك من خلال ما يلي:
1. استعمال الحق:
إذا أثبت المباشر أن الفعل الذي قام به هو استعمال لحق مشروع له فحينئذ تنتفي مسؤوليته حتى وإن ترتب على هذا الفعل حدوث ضرر للغير ويشترط في ذلك عدم تعسف المباشر في استعمال حقه.
والدليل على ذلك القاعدة الفقهية المنصوص عليها في (المادة61) من القانون المدني الأردني القائلة بأن” الجواز الشرعي ينافي الضمان” فطالما أن الفعل الذي قام به المباشر مشروع فإنه لا يلتزم بتعويض الضرر الذي نتج عن فعله ما لم يتعسف في استعمال هذا الحق.
وقد بينت (المادة66) من القانون المدني الأردني الحالات التي يكون فيها استعمال الحق غير مشروع وأوجبت على فاعله الضمان، ويكون استعمال الحق غير مشروع إذا توافر قصد التعدي، أو إذا كانت المصلحة المرجوة من الفعل غير مشروعة، أو إذا كانت المنفعة منه لا تتناسب مع ما يصيب الغير من الضرر، أو إذا تجاوز ما جرى عليه العرف والعادة.
وأكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بقولها: “أن للمالك أن يتصرف في ملكه كيفما يشاء مالم يكن تصرفه مضرا بالغير.”[9]
٢. الدفاع الشرعي:
نصت (المادة262) من القانون المدني الأردني على عدم مسؤولية محدث الضرر في حالة الدفاع الشرعي بقولها: “من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله كان غير مسؤول على ألا يجاوز قدر الضرورة وإلا أصبح ملزماً بالضمان بقدر ما جاوزه.”
ويتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أنه إذا كان المباشر في حالة دفاع شرعي وترتب على فعله إحداث ضرر للغير فإنه لا يلتزم بالضمان شريطة أنه لم يتجاوز بفعله ما يلزم لدفع الضرر عن نفسه أو عن غيره فإذا جاوز بفعله القدر اللازم لدفع الضرر عنه فإنه يكون حينئذ ملتزما بالتعويض بقدر الزيادة في مجاوزة الحد اللازم للدفاع الشرعي.
3. أداء الواجب:
نصت (المادة2/263) من القانون المدني الأردني على أن: ” ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسؤولاً عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيسه متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر.”
ويتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أنه إذا كان فعل المباشر أداء لواجب مكلف به من قبل رئيسه فإنه لا يلتزم بضمان الضرر الذي يلحق الغير من فعله هذا شريطة مراعاة الشروط التي نص عليها القانون.
وبعد أن تحدثنا عن الحالات الثلاث التي تنتفي فيها مسؤولية المباشر عن الضرر الذي لحق الغير بفعله فإنه يثور تساؤل حول ما إذا كانت حالة الضرورة تنتفي معها مسؤولية المباشر أيضا كالحالات السالف ذكرها؟
يقصد بالضرورة: الحالة التي يكون فيها الشخص غير قادر على مقاومة الخطر المحدق الذي لحقه بالطرق الاعتيادية وتدفعه إلى ارتكاب الجريمة.
ومن المعروف أن الضرورات تبيح المحظورات وأن حالة الضرورة من أسباب الإباحة وانتفاء المسؤولية الجنائية كشرب الخمر، ولكن حالة الضرورة لا تستقيم مع حق الغير من الناحية المدنية “فمن اضطر بسبب الجوع إلى تناول طعام الغير فعليه ضمانه ومن اضطر إلى كسر نافذة جاره ليطفئ النار في بيته يضمن قيمة ما أتلفه للغير.”[10]
وقد أكدت على ذلك (المادة63) من القانون المدني الأردني بقولها: “الاضطرار لا يبطل حق الغير” فالقانون المدني لم يعتد بحالة الضرورة لانتفاء المسؤولية المدنية عن الضرر الذي أصاب الغير، وإن كانت حالة الضرورة تنتفي معها المسؤولية الجنائية.
خامسا: مسؤولية المباشر الذي لم يصل حد التمييز او فاقد الاهلية في الفقه والقانون:
انتهينا فيما سبق إلى أنه يشترط لقيام مسؤولية المباشر أن يكون متعدياً في فعله وإن لم يتوفر لديه قصد التعدي وإن لم يكن عالماً بأن ما يقوم بإتلافه هو مملوك لغيره فإذا كان الأمر كذلك فهل يكون عديم التمييز المتعدي بفعله على ملك غيره ضامناً بحيث لا يشترط في المباشر الإدراك والتمييز أم أنه يشترط فيه ذلك؟ وهذا ما سوف نوضحه في النقاط التالية:
1. موقف الفقه:[11]
ذهب الرأي الراجح لجمهور الفقهاء إلى القول بقيام مسؤولية عديم التمييز المباشر مطلقاً سواء كان في جناية ارتكبها على النفس أو المال واستدلوا على ذلك بما يلي:
أ- الضمان من خطاب الوضع المتعلق بفعل المكلف لذلك لزم الضمان على من ألحق الضرر بمال غيره ولو كان عديم التمييز والإدراك.
ب- أن الضمان شرع لجبر الضرر الذي لحق المضرور ومن ثم لا يشترط فيمن ألحق الضرر بغيره أن يكون مدركاً أو مميزاً.
ج- عديم التمييز تتوافر لديه أهلية الوجوب دون الأداء وأهلية الوجوب تعني صلاحية الإنسان للتمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات لذلك يكون ملزماً بضمان ما أتلفه في مال غيره.
د- قيام مسؤولية عديم التمييز المباشر فيه مراعاة لحقوق المضرور وتعويض ما لحقه من ضرر والقول بخلاف ذلك سيضيع على المضرور حقه في رد ذمته المالية إلى الحالة التي كانت عليها قبل وقوع الضرر.
وقد أكدت على قيام مسؤولية عديم التمييز المباشر (المادة916) من مجلة الأحكام العدلية بقولها: “إذا أتلف صبي مال غيره يلزم الضمان من ماله وإن لم يكن له مال ينتظر إلى حال يسر ولا يضمن وليه.”
2. موقف القانون المدني الأردني:
نصت (المادة256) من القانون المدني الأردني على أن: “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.” ويتضح من خلال هذا النص أن القانون المدني الأردني جاء موافقاً لمذهب الجمهور أقام المسؤولية المدنية على عديم التمييز الذي أحدث ضررًا في مال غيره، ومثالاً على ذلك إذا انقلب النائم على مال غيره فأتلفه فإنه يكون ملتزماً بضمان ما أتلفه رغم أن فعله صدر عنه وهو في حالة عدم إدراك بسبب النوم.
سادسا: أحكام محكمة التمييز الأردنية المتعلقة بالإضرار بالمباشرة:
قضت محكمة التمييز الأردنية في الحكم رقم 1954 لسنة 2021 الصادر بتاريخ 6/7/2021بقولها:
“وحيث أن المقرر قانونا في (المادة291) مدني أنه كل من كان تحت تصرفه أشياء تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها أو آلات ميكانيكية يكون ضامناً لما تحدثه هذه الأشياء من ضرر إلا مالاً يمكن التحرز منه هذا مع عدم الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة.
وحيث أن المميز ضدها سلطة وادي الأردن لم تقم بإنشاء الحفرة التي غرق فيها ابن المميزين/ المدعيين ولا سلطة إشرافية لها عليها وليست تحت تصرفها وليست مسؤولة عن حراستها في ضوء الوقائع الثابتة أعلاه مما يجعلها غير مسؤولة عن ضمان الضرر اللاحق بالمدعين جراء وفاة ابنهما.”
إعداد: أبرار سيد.
[1] علي الخفيف، الضمان في الفقه الإسلامي، القسم الأول، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة 1971, ص74.
[2] انظر: مها يوسف، فعل المباشرة والتسبب في الإضرار غير المشروع في القانون المدني الأردني دراسة مقارنة، دار المنظومة، ص١٢-١٤.
[3] الكاساني، بدائع الصنائع، ج7, ص165.
[4] علي الخفيف، الضمان في الفقه الإسلامي، المرجع السابق، ص40-41.
[5]) المعجم الوسيط، المجلد1, دار الفكر، بيروت, 1990,ص58.
[6] قرار محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم٣٢٠١/٢٠٠٤) هيئة خماسية) تاريخ ٨/٢/٢٠٠٥
[7] الكاساني، المرجع السابق، ص167.
[8] سليم رستم باز، شرح المجلة، ط2, دار إحياء التراث العربي، بيروت1305ه، ص509نقلا عن مجمع الأنهر.
([9] تمييز حقوق 315/85 مجلة النقابة لسنة 1986, ص121.
([10] وهبة الزحيلي, نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القانون الوضعي, ط4, دار الفكر, دمشق1997, ص244.
[11] انظر: مها يوسف، فعل المباشرة والتسبب في الإضرار غير المشروع في القانون المدني الأردني دراسة مقارنة، دار المنظومة، ص٥٠.

