المحاكم الدينية في الدستور الأردني
جاءت الشرائع السماوية المختلفة لتنظم حياة البشر وتضع لهم القواعد التي تضبط علاقاتهم وتعاملاتهم في كافة مناحي حياتهم، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها من أوجه الحياة الأخرى، ولا يوجد أي اختلاف بين الشرائع السماوية في الأساسيات ولكن الاختلاف كان في الجزئيات والتفصيلات، فالزواج مثلاً هو الرابط الشرعي بين الرجل والمرأة في كافة الشرائع السماوية، ولكن تفصيلاته من تعدد الزوجات والطلاق وغيرها هي التي تختلف من شريعة إلى أخرى، وهو ذاته بشأن الميراث وغيرها من المسائل الأخرى التي تتسم بالسمة الدينية.
وباعتبار أن الدستور هو القانون الأعلى في الدولة، لذلك فقد سعت الدساتير المختلفة إلى إقرار قاعدة إنشاء المحاكم الدينية، أي إنشاء محاكم مستقلة لأصحاب كل شريعة بحيث تحكمهم شريعتهم وما تتضمنه من مبادئ وقواعد مختلفة عن نظيرتها في الشرائع السماوية الأخرى، وباتت تلك القاعدة مترسخة في كافة الدساتير، فما هو موقف الدستور الأردني من قاعدة إنشاء المحاكم الدينية؟
أولاً: ما هو المقصود بالمحاكم الدينية
ثانياً: أنواع المحاكم الدينية واختصاصاتها
ثالثاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
رابعاً: الخاتمة
أولاً: ما هو المقصود بالمحاكم الدينية
1- المقصود بالمحاكم بوجه عام
تعتبر المحاكم في نظر الفقه الإسلامي بمثابة مجلس القضاء[1]، حيث أن فقهاء الإسلام الأوائل قد تناولوا مصطلح مجلس القضاء في كثير من كتاباتهم ومؤلفاتهم باعتباره المحكمة، إلا أنه ومع التطور والتوسع في دائرة اختصاصات المحاكم وتنوعها واختلاف درجاتها في عصرنا الحديث جعل المسمى المتداول لها هو المحاكم وليس مجالس القضاء، فأصبح لفظ المحكمة هو المستخدم على أرض الواقع العملي.
ولذلك فقد اتجه الفقه المعاصر إلى وضع تعريف للمحكمة، ونتج عن ذلك الاتفاق على مضمون التعريف والاختلاف حول ظاهره، وسيتبين ذلك في إطار أهم تعريفات الفقه للمحكمة والتي نوردها على النحو التالي:
– عرف جانب من الفقه المحكمة على أنها المكان الذي يباشر فيه القاضي مهام عمله، ويعقد فيه جلساته، ويطرح عليه فيه المنازعات بين الخصوم، ويستمع فيه إلى شهودهم، ويتناقش معهم في تفصيلات منازعاتهم، ويصدر حكمه الفاصل فيها[2].
– وعرفها جانب ثان بأنها مكان يتخذه القضاة لتداول المنازعات والخلافات والدعاوى التي تعرض عليهم، ويصدروا فيها أحكامهم الفاصلة فيها، والمحكمة هي المفرد وجمعها محاكم.
– وعرفت من وجهة نظر جانب آخر من الفقه أنها المكان الذي يجلس به القاضي لنظر المنازعات والخلافات التي تنشأ بين الناس[3].
مما يمكننا معه تعريف المحكمة بأنها المكان المحدد ليكون مقراً للقضاة، والذي يلجأ إليه الأفراد ذوي الخصومة للمثول أمامه للفصل في خصومتهم.
2- المقصود بالمحاكم الدينية
يعتبر مصطلح المحاكم الدينية مصطلحاً حديث النشأة والظهور، حيث أن المحاكم في الماضي تخضع بوجه عام لحكم الشرع، إلا أنه وبعد الاتجاه إلى فصل الدولة عن الدين فقد أصبح لزاماً أن تظهر لكل ديانة المحاكم الخاصة بها، والتي تطبق الشريعة الخاصة بكل مجموعة من أفراد المجتمع على نزاعاتهم، ولكن ليس نزاعاتهم بوجه عام ولكن النزاعات التي تتعلق بأمور تتسم بالصبغة الدينية، والتي تخضع إلى أحكام تختلف من شريعة سماوية إلى أخرى.
لذلك فإن المحاكم الدينية وإن كانت تعد من قبيل جهات التقاضي التي تعتمدها الدولة، إلا أنها في حقيقتها جهات تطبيق للشرائع السماوية الخاصة بكل ديانة على معتنقي هذه الديانة، بحيث تكون أحكام الشريعة الإسلامية مطبقة على المسلمين في أمور دينهم، والحال كذلك بالنسبة للمسيحيين بطوائفهم المختلفة واليهود أيضاً، وذلك ليس تطبيق مطلق ولكن فقط فيما يتعلق بأمور دينهم والتي تعرف قانوناً بالأحوال الشخصية، والتي يصدر بتطبيقها قانون يحدد اختصاص كل محكمة دينية يتم إنشائها خلافاً للمحاكم الشرعية للمسلمين والتي تطبق الشريعة الإسلامية.
وتتمثل الأمور التي تختص بها المحاكم الدينية في كافة المسائل الدينية التي تدخل في إطار مسائل الأحوال الشخصية، والتي سنوضحها تفصيلاً عندما نتعرض لأنواع المحاكم الدينية واختصاصاتها المختلفة التي أقرها لها الدستور والقانون.
ثانياً: أنواع المحاكم الدينية واختصاصاتها
نص الدستور الأردني في (المادة 104) منه على أنواع المحاكم الدينية التي يقر إنشائها في المملكة، حيث نصت في مادته المذكورة على أن (تنقسم المحاكم الدينية إلى: 1- المحاكم الشرعية. 2- مجالس الطوائف الدينية الأخرى).
وهو ما يتبين معه أن المحاكم الدينية في الأردن إما محاكم شرعية أو مجالس الطوائف الدينية الأخرى.
1- المحاكم الشرعية
يتمثل النوع الأول من المحاكم الدينية في المحاكم الشرعية، ويقصد بالمحاكم الشرعية المحاكم التي تطبق أحكام الشريعة الإسلامية مقترنة بأحكام قانون أصول المحاكمات الشرعية وقانون الأحوال الشخصية، ويكون التقاضي أمام هذه المحاكم على درجة أولى (ابتدائية)، واستئناف، وأمام المحكمة العليا الشرعية[4]، كما صدر النظام رقم 17 لسنة 2013 والمعنون باسم نظام مكاتب الإصلاح والتوفيق الأسري لسنة 2013، والذي بموجبه تم إنشاء ما يعرف بمكاتب الإصلاح والتوفيق الأسري، والتي تختص بمحاولة ودية نهائية للإصلاح بين المتخاصمين، وذلك لحماية الأسرة من التفكك وكفالة الاستقرار لها.
أ- المحكمة الابتدائية الشرعية
ويطلق عليها مسمى المحكمة الشرعية وهي محكمة الدرجة الأولى التي تختص بنظر المنازعات الخاصة بالأحوال الشخصية للمسلمين، والدعاوى الخاصة بالأوقاف الإسلامية، وقضايا الدية التي يكون الطرفين فيها مسلمين أو يكون أحدهما مسلم والآخر غير مسلم ويتفقا على خضوع قضيتهم للمحكمة الشرعية.
وتتكون هذه المحكمة من قاض مفرد، ولا يمنع ذلك من أن يكون هناك أكثر من قاض بالمحكمة ذاتها مع انفراد كل منهم بالفصل في الدعاوى المنوطة به بشكل مستقل عن الآخرين وفقاً لما نصت عليه (المادة 21/أ/2) من القانون رقم 19 لسنة 1972 بشأن تشكيل المحاكم الشرعية.
ب- المحكمة الاستئنافية الشرعية
وهذه المحكمة هي محكمة الدرجة الثانية والتي تتولى نظر الطعون على الأحكام التي تصدر من المحكمة الابتدائية الشرعية، وتكون هيئة هذه المحكمة مشكلة من رئيس وعضوين[5]، ولا يمنع ذلك من أن يكون هناك أكثر من دائرة يتم تشكيلها بالمحكمة ذاتها، مع انفراد كل دائرة بالفصل في الدعاوى المنوطة بها بشكل مستقل عن باقي الدوائر الأخرى وفقاً لما نصت عليه (المادة 21/ب/2) من القانون رقم 19 لسنة 1972 بشأن تشكيل المحاكم الشرعية.
ج- المحكمة العليا الشرعية
تعد هذه المحكمة بمثابة محكمة التمييز فيما يخص المحاكم النظامية، حيث أنها محكمة قانون تكون مهمتها رقابة الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف الشرعية من حيث تدقيقها على الوجه القانوني، وذلك باعتبارها المرجع الأعلى في هيكل التدرج القضائي للمحاكم الشرعية.
وقد تم بيان تشكيل المحكمة العليا الشرعية في قانون تشكيل المحاكم الشرعية، حيث نص على أن هذه المحكمة تتكون هيئتها العادية عند الانعقاد من عدد (5) قضاة يتولى رئاستهم من قبل الأقدم فيهم، بينما تتكون هيئتها العامة عند الانعقاد من عدد (6) قضاة أعضاء وقاض رئيس للدائرة، وتكون الهيئة العامة منعقدة في إحدى الحالات التالية:
– إذا أصرت محكمة الاستئناف على حكم لها سبق وأن تم نقضه.
– أن تكون الدعوى المطروحة تتمحور حول مسألة قانونية مستحدثة أو معقدة بصورة كبيرة أو تتمتع بأهمية عامة.
– إذا كان الحكم فيها يعد رجوعهاً عن حكم سبق وأن أصدرته المحكمة العليا الشرعية فيها[6].
2- مجالس الطوائف الدينية
يطلق عليها أيضاً مسمى المحاكم الكنسية، وهي تكافئ المحاكم الشرعية للمسلمين، وهذا النوع من المحاكم لا يخضع بعلاقة تبعية للقضاء النظامي في الدولة.
وهذا النوع من المحاكم يخضع لاختصاصه القضايا ذات الصبغة الدينية ومنازعات الأحوال الشخصية الخاصة بالطائفة التي تخضع لها وفي ظل أحكام الديانة والملة الخاصة بكل منها، بحيث يكون لكل طائفة مجلس مستقل ينظر المنازعات الخاصة بها.
وفي المملكة الأردنية نجد مجموعة من المجالس الطائفية أو المحاكم الكنسية التي نوجزها في:
– المجلس الطائفي الخاص بطائفة الروم الأرثوذكس.
– المجلس الطائفي الخاص بطائفة الروم الكاثوليك.
– المجلس الطائفي الخاص بطائفة اللاتين.
– المجلس الطائفي الخاص بطائفة الأرمن.
– المجلس الطائفي الخاص بالطائفة الإنجيلية الأسقفية العربية.
وفي حالة عدم مجلس خاص لطائفة ما ليست مسلمة ليتولى الفصل في المنازعات الدينية وقضايا الأحوال الشخصية الخاصة بها، فإن الاختصاص هنا ينعقد للمحاكم النظامية في الدولة وفقاً لنص (المادة 9) من مشروع قانون مجالس الطوائف الدينية، ولا يكون ذلك في ظل أحكام الشريعة الإسلامية ولكن في ظل الاسترشاد بمبادئ العدالة والإنصاف وقواعدها، بجانب الاعتماد على ما تعتنقه تلك الطائفة من مبادئ وقواعد ومعتقدات.
وفي حالة عدم ثبوت أي مبادئ أو قواعد مكتوبة تخص تلك الطائفة، أو كان الأمر يشوبه الغموض بشأن تحديد المبادئ والقواعد التي يتم إنزالها على النزاع، فيتم اللجوء إلى إنزال القواعد والمبادئ الخاصة بأقرب الطوائف للطائفة التي ينتمي إليها هؤلاء الخصوم، بحيث تكون تلك المبادئ والقواعد هي الأكثر توافقاً معهم والأكثر مناسبة في التطبيق عليهم.
ثالثاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
– حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية 3458 لسنة 2015 تمييز حقوق والصادر بجلسة 16/3/2016 والمتضمن أن (وحيث أن التصرفات التي تطالب المدعية إبطالها صدرت بالاستناد إلى حجة حصر إرث وحجة تخارج صادرة عن المحكمة الكنسية للطائفة الإنجيلية الأسقفية العربية (المدعى عليها الأولى) المختصة، فتكون المحاكم النظامية غير مختصة ببحث مدى صحة القرارات الصادرة عن المحكمة المذكورة بدعوى إبطال حجة تخارج).
– حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية 1819 لسنة 2021 تمييز حقوق والصادر بجلسة 30/5/2021 والمتضمن أن (في ضوء ما تقدم وبالنظر لاختلاف الطائفة فيما بين المستدعية والمستدعى ضدها الأمر الذي يعني انتماء أطراف النزاع لأكثر من طائفة، وحيث نصت المادة8 من قانون مجالس الطوائف المسيحية رقم 28 لسنة 2014 على أنه: ……………..، وحيث أناطت المادة 9 من قانون مجالس الطوائف المسيحية بالمحاكم النظامية صلاحية النظر في النزاع الذي ينشأ بين أطراف مسيحيين ينتمون لأكثر من طائفة مسيحية وكان موضوعه زواج أو ناشئ عنه، وحيث إن طلب حصر الإرث للمتوفى هايل انشيوات ناتج عن علاقة زواجه بالمستدعية والمستدعى ضدها ومن ثم واقعة طلاقه من المستدعى ضدها على النحو الذي ورد بأوراق الطلب، لهذا نقرر اعتبار محكمة بداية عمان هي المختصة بنظر دعوى إبطال حجة حصر الإرث الصادرة عن المحكمة الكنائسية للروم الكاثوليك وترتيب الأثر القانوني وتبليغ الجهة المستدعية بذلك).
رابعاً: الخاتمة
لم يخرج المشرع الأردني عن السياق الذي اعتمده المشرعين العرب في شأن ما قرره من استقلال جهات التقاضي الخاصة بمسائل الأحوال الشخصية لكل طائفة دينية عن جهات التقاضي الخاصة بغيرها من طوائف دينية أخرى، واستقلال المحاكم الشرعية بأمور الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين، حيث أن هذا الأمر له أكثر من دلالة، فهو بداية يعد احتراماً لكافة التعاليم التي جاءت في الشرائع السماوية المختلفة، بجانب أن الأمور التي تتسم بصبغة دينية، وتتعلق بها أحكام دينية تختلف من شريعة إلى أخرى، يكون من الأكثر مناسبة أن تترك لتعاليم تلك الشريعة لتطبق عليها.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمد بن أحمد بن السرخسي – المبسوط – دار المعرفة – لبنان – بدون عام نشر – الجزء السابع – ص 55.
[2] – ناصر الغامدي – الاختصاص القضائي في الفقه الإسلامي – مكتبة الراشد – المملكة العربية السعودية – 1420 هـ – ص329.
[3] – محمد مصطفى الزحيلي – التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي – ط2 – دار الفكر – دمشق – 2002 – ص123، كذلك انظر محامي في الأردن.
[4] – عبد الناصر أبو البصل – شرح قانون أصول المحاكمات الشرعية ونظام القضاء الشرعي – ط1 – دار الثقافة – الأردن – 2005 – ص21.
[5] – فاروق الكيلاني – أصول المحاكمات الجزائية: دراسة مقارنة – الطبعة الأولى – الجزء الثاني – دار المروج – لبنان – 1985 – ص485.
[6] – محمود أبو رمان – الوجيز في شرح قانون أصول المحاكمات الشرعية – الطبعة الأولى – مطبعة الزهراء – الأردن – 2007 – ص140.

