استخدام القوة في القانون الدولي

مشروعية استخدام القوة في القانون الدولي

لقد عانى المجتمع الدولي من الويلات التي خلفتها الحروب وعلى رأسها الحربين العالميتين الأولى والثانية، لذلك حرص المجتمع الدولي على أن يكون هناك تنظيماً قانونياً ينظم العلاقات بين الدول ويعمل على إيجاد حلول سلمية للمنازعات التي قد تنشأ بين الدول لمنعها من اللجوء إلى الحروب واستخدام القوة والتي تؤثر على المجتمع الدولي بأثره.

وكان نتاج ذلك أن تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة والتي جاء ميثاقها بمادة تُعد هي الأهم على الإطلاق في إطار العلاقات الدولية وهي (المادة 2/4) والتي نصت على حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، ولكن يُلاحظ أن هذا الحظر ليس بالحظر المطلق حيث أن هناك حالات يجوز فيها للدول استخدام القوة، وهذا ما سنعرض له في مقالنا الحالي وفقاً لما يلي:

أولاً: المنظمات التي سعت إلى القضاء على استخدام القوة:

ثانياً: مفهوم القوة ومراحل استخدامها في القانون الدولي:

ثالثاً: مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية:

رابعاً: الاستثناءات الواردة على مبدأ حظر استخدام القوة في القانون الدولي

خامساً: الطبيعة القانونية لاستخدام القوة في القانون الدولي:

سادساً: الخاتمة:

 

أولاً: المنظمات التي سعت إلى القضاء على استخدام القوة:

1- التأصيل التاريخي لنشأة تلك المنظمات:

يعد من أهم أسباب نشأة الأمم المتحدة وجود صراعات سياسية وحروب بين الكيانات السياسية المختلفة لا سيما تلك التي تقوم على نظرية الدولة، وقد أدت كثرة التنافسات والصراعات والحروب إلى اللجوء لعقد العديد من المؤتمرات والمعاهدات الدولية والتي لعبت بدورها إسهاماً أساسياً في حلول ما يسمى بالسلام العالمي، وفي مقدمة تلك المؤتمرات مؤتمر وستفاليا (Westphalia) عام 1948، وقد أعلن هذا المؤتمر عن ميلاد النظام الدولي القائم على أساس وجود دول ذات السيادة ومتساوية في الحقوق والالتزامات، ومؤتمر فيينا عام 1815.[1]

2- نشأة منظمة عصبة الأمم:

تعد عصبة الأمم خطوة أولى ومهمة وجريئة في مجال القانون الدولي، فهي تعد بمثابة النواة التي بدأ من خلالها المجتمع الدولي معرفة المنظمات الدولية ذات الطابع العالمي، وقد تم عقد مؤتمر فرساي عام 1919[2]وهو المؤتمر الذي تم به إنشاء منظمة عصبة الأمم لوقاية المجتمع الدولي من الآثار المدمرة للحروب.

3- أهم الأهداف التي أتت بها عصبة الأمم:

وتتمثل أهداف منظمة عصبة الأمم التي نص عليها عهدها في الآتي:

  • تشجيع السلام الدولي.
  • محاولة منع الحرب.
  • تعزيز التفاهم بين الدول.
  • تسجيل جميع الاتفاقيات والتي تبرهما الدول الأعضاء وإيداعها المنظمة.

إلا أن منظمة عصبة الأمم لم تقوَ على تنفيذ أهدافها جميعاً، وكانت نشأة هذه المنظمة من أهم وأعظم التجارب في تنظيم المجتمع الدولي، ويعد من أهم أسباب  فشل عصبة الأمم انتشار العديد من العقائد والأفكار المتطرفة والتي تبنت أساليب التعصب الفكري والاجتماعي والقومي منذ عام 1919 وتتمثل تلك العقائد في الشيوعية والنازية والفاشية؛ فقد أدى كل ذلك إلى قرع طبول الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى لفظ عصبة الأمم أنفاسها الأخيرة، وذلك لعدم قدرتها على تحقيق أهدافها.

4- نشأة الأمم المتحدة:

أدى قيام الحرب العالمية الثانية وعدم قدرة عصبة الأمم على النهوض بالمجتمع الدولي – ذلك المجتمع الذي رسمته في أهدافها والقائم على فكرة الأمن الجماعي وأن أمن الكل مرتبط بأمن الجزء – إلى لجوء العديد من دول وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إلى التفكير في إنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل عصبة الأمم.

5- تطور فكرة إنشاء الأمم المتحدة:

دعت الدول إلى عقد العديد من الاجتماعات الداعية إلى إنشاء منظمة دولية تكون قادرة على تطبيق تلك الأفكار وتحل محل عصبة الأمم؛ ومن هذه الاجتماعات إعلان موسكو في 23/10/1943،[3] والذي أوضح التعهد ببذل الجهود بإنشاء منظمة دولية جديدة.

ودخلت هذه الفكرة على جدول أعمال اجتماع طهران عام 1943، وفي عام 1945 عقد مؤتمر سان فرانسيسكو،[4] والذي نوقش فيه مسوده الميثاق، وفي ذلك المؤتمر تم الإعلان عن ميلاد منظمة جديدة، وهي منظمة الأمم المتحدة، والتي وقع على الميثاق الخاص بها 51 دولة.

6- أهداف منظمة الأمم المتحدة:

تتضح أهداف ومقاصد الأمم المتحدة من نصوص المواد الأولى والثانية من الميثاق،‏ وتتمثل أهداف منظمة الأمم المتحدة – كما أوضحت المادة الأولى – في حفظ الأمن والسلم الدوليين والمساواة بين جميع الشعوب وعدم التمييز بين البشر والتعاون وتنمية العلاقات بين الدول، أما المادة الثانية فبينت أنه يجب الالتزام بحسن النية في تنفيذ التزامات الدول الأعضاء وحل المنازعات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها؛ كما أكدت أيضاً على أنه ليس من حق المنظمة التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء والسعي المستمر لحفظ الأمن والسلام الدوليين وعلى الأعضاء تقديم إعانتها في ذلك.[5]

ثانياً: مفهوم القوة ومراحل استخدامها في القانون الدولي:

1- مفهوم القوة في القانون الدولي:

أدى عدم وضع ميثاق الأمم المتحدة تعريفاً محدداً للقوة التي يقصدها إلى تعدد الاتجاهات التي حاولت وضع مفهوماً لها.

فقد ذهب اتجاه إلى أن مفهوم القوة في القانون الدولي هي تلك القوة العسكرية فقط واستندوا إلى ذلك بنص (المادة 2 فقرة 4) من الميثاق والتي تنص على أن: “يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”، واستندوا إلى (المادة 51) من الميثاق.

أما الاتجاه الثاني فيذهب أنصاره إلى أن مفهوم القوة في القانون الدولي يتسع ليشمل القوة العسكرية وغيرها؛ ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى نص المادتين (41، 42) من الميثاق؛ فقد نصت (المادة 41) على وجود تدابير غير عسكرية في حين نصت (المادة 42) على استخدام القوة العسكرية لمواجهة الاعتداء مما يستفاد معه أن مفهوم القوة عند هذا الاتجاه يشمل القوة العسكرية والتدابير غير العسكرية.[6]

إلا أن هذا ليس نهاية الخلاف حول وضع تعريف للقوة بل ذهب جانب من الفقه إلى تعريف القوة بالاستناد إلى آثارها، فإن كانت تمس سلامة الأرض أو الاستقلال السياسي فهنا نكون أمام القوة المقصودة والتي تشكل الجريمة الدولية، أما إن كانت لا تمس سلامة الأرض أو الاستقلال فلا نكون بصدد القوة المقصودة، وفي ضوء تلك الخلافات سعت الأمم المتحدة إلى وضع صور أكثر وضوحاً لمفهوم القوة من خلال القرارات التي تصدرها فأصدرت عدة قرارات نذكر منها:

  • القرار رقم 290 الصادر عن الجمعية العامة عام 1949
  • القرار رقم 2734 الصادر في عام 1970
  • القرار رقم 3314 الصادر عام 1974 بشأن تعريف العدوان.

2- مراحل استخدام القوة في القانون الدولي:

تطورت مراحل استخدام القوة على المستوى الدولي تطوراً كبيراً وذلك من بداية إنشاء الدول وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى: قبل وجود عصبة الأمم حتى الحرب العالمية الأولى:

وهذه المرحلة تبدأ مع بداية وجود الدول إلى الحرب العالمية الأولى وإنشاء منظمة عصبة الأمم. فلم يكن في هذه الفترة أي قيد على استخدام الدول للقوة، فكان استخدام الدول للقوة مباحاً ولا يوجد فيما يحرمه إلا بعض القواعد العرفية والتي لم تكن ملزمة بشكل كافٍ للدول.

المرحلة الثانية: أثناء وجود عصبة الأمم:

تبدأ هذه الفترة من الحرب العالمية الأولى وإنشاء منظمة عصبة الأمم حتى الحرب العالمية الثانية وإنشاء منظمة الأمم المتحدة، وتعد هذه الفترة هي فترة تقنين استخدام القوة في المجتمع الدولي، فكان استخدام القوة هو الأصل وأتى عهد عصبة الأمم فلم يحرمه لكنه وضع شروط للجوء إليها تتمثل في اللجوء إلى الحلول السلمية واللجوء إلى التحكيم الدولي، والانتظار لمده ثلاثة أشهر لحين صدور قرار التحكيم،[7] وأيضاً يحرم ميثاق عصبة الأمم على الدول حرب العدوان.

المرحلة الثالثة: حظر استخدام القوة في القانون الدولي:

وهذه الفترة تبدأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وإنشاء منظمة الأمم المتحدة؛ فقد نص ميثاق الأمم المتحدة صراحة على حظر استخدام القوة أو مجرد التهديد بها، فقد حسمت منظمة الأمم المتحدة وأكملت الخطوة التي بدأت بها سابقتها منظمة عصبة الأمم فحظرت استخدام القوة أو مجرد التهديد باستخدام القوة في نص الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاقها.

إلا أنه وبالنظر إلى الواقع العملي لتطبيق هذا الحظر، فنجد أن بعض الدول لم تحترمه ولم تلقِ له بالاً وقامت بمخالفته واستخدمت القوة دون توافر المسوغ القانوني لذلك؛ فنجد مثلاً غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003 قد خلا من أي استثناء من الاستثناءات الواردة على مبدأ حظر استخدام القوة.[8]

ثالثاً: مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية:

أقر ميثاق الأمم المتحدة هذا المبدأ في نص المادة الثانية بفقرتيها الثالثة والرابعة، إلا أن هذا المبدأ أصابه تطور ملحوظ وذلك منذ إقرار ميثاق بريان كيلوغ عام 1928[9] ثم إبرام ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 والذي نص على حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها بين الدول الأعضاء في تسوية منازعاتها الدولية، مما أضحى معه مبدأ عدم مشروعية استخدام القوة أو التهديد بها من قواعد القانون الدولي العام الثابتة والملزمة.

فقد أحرز ميثاق الأمم المتحدة خطوات جلية وعظيمة نحو منع الحرب وفرض السلم والأمن الدوليين، ومن أهم هذه الخطى تحريم استخدام القوة في حل المنازعات الدولية بين الأعضاء، فقد اعتمدت المنظمة على عاملين وهما حل القضايا سلمياً دون اللجوء للقوة وحظر استخدامها في العلاقات الدولية، هذا كله دون التخلي عن مبدأ مهم وهو المساواة في السيادة بين جميع الدول، وأيضاً مع عدم التدخل في الشئون الداخلية لأي من الدول الأعضاء.

وقد أكد على ما نهجته الأمم المتحدة فيما سبق ذكره في العديد من الإعلانات والمواثيق الدولية، نذكر منها:[10]

  • الفقرة (13) من الفرع الأول من إعلان مانيلا عام 1982.[11]
  • المادة الخامسة من ميثاق جامعة الدول العربية لعام 1945.
  • المادة الثانية من ميثاق بوغوتا Bogota والصادر بتاريخ 30 إبريل لعام 1948.[12]

رابعاً: الاستثناءات الواردة على مبدأ حظر استخدام القوة في القانون الدولي

لا يعد حظر استخدام القوة في القانون الدولي مبدأً مطلقاً؛ إذ إنه توجد بعض الاستثناءات عليه، منها ما نص عليها صراحة في ميثاق الأمم المتحدة، ومنها ما نتج عن الممارسات والعادات الدولية لمجلس الأمن.

 1- حالة الأمن الجماعي:

خول ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن في فصله السابع حقاً شرعياً في استخدام القوة بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين وحماية مصالح المجتمع الدولي.

وانطلاقاً من القاعدة التي تقول بأن أمن الكل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الجزء؛ ولما كان مجلس الأمن هو المخول بموجب الميثاق في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين فلذلك كان على مجلس الأمن أن يتصدى لأي عدوان أو تهديد قد تتعرض له أي دولة من أخرى تطبيقاً للقاعدة السابق ذكرها.

وينبغي على المجلس قبل اتخاذ أي إجراء أن يتحقق من الواقعات التي عرضت عليه إن كانت تمثل خرقاً لما نص عليه الميثاق وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، أو تمثل عملاً من أعمال العدوان، فهنا على المجلس أن يقوم بتطبيق المادة 39 من الميثاق.

وهنا يثور تساؤل مهم، هل لمجلس الأمن السلطة المطلقة في تحديد التدابير التي له أن يتخذها في حالة وجود خرق للأمن والسلم الدولي؟

لم يترك ميثاق الأمم المتحدة السلطة المطلقة لمجلس الأمن في تحديد التدابير التى يمكن له أن يتخذها وهو في طريقه لحفظ الأمن والسلم الدوليين، فنجد أنه نص على تلك التدابير في نصوص المواد (41 و42) من الميثاق ولم يترك أمر تحديدها إلى سلطة وهوى المجلس، فقد نص الميثاق على حق مجلس الأمن في أن يتخذ تدابير عسكرية أو غير عسكرية، فتتمثل التدابير غير العسكرية والتي نص الميثاق عليها في (المادة 41) منه في قطع العلاقات الاقتصادية كلياً أو جزئياً مع العضو المخالف، أو إيقاف جميع وسائل المواصلات التي تربط العضو المخالف بباقي الأعضاء، وقطع وسائل الاتصال سواء السلكي أو اللاسلكي، فإن تطلب الأمر اللجوء إلى قطع العلاقات الدبلوماسية فقد خوله مجلس الأمن هذا الحق.

أما بالنسبة للتدابير العسكرية فيلجأ إليها مجلس الأمن إن رأى أن التدابير غير العسكرية غير مجدية بعد أن قام باستخدامها، حيث يتخذ الطريق العسكري سواء باستخدام القوات البرية أو الجوية أو البحرية، ولقد ألزم ميثاق الأمم المتحدة الدول الأعضاء بأن تضع تحت تصرف المجلس القوات التي يحتاج أن تكون تحت تصرفه، وأيضاً ألزمها بسماحها له بالمرور بقواته من أرضها، وهو ما نص عليه الميثاق في (المادة 42) منه.

إلا أن الحرب الباردة لعبت دوراً رئيسياً وعائقاً أمام تنفيذ واستكمال آليات نظام الأمن الجماعي، وعدم تطبيق نص (المادة 43) من الميثاق، وأيضاً عرقلة عمل لجنة أركان الحرب المنصوص عليها في (المادة 47) من الميثاق.

إلا أننا نجد من الضروري الإشارة إلى الحالة الأولى التي استخدم فيها مجلس الأمن القوة العسكرية وكانت هذه الحالة في الحرب الكورية عام 1950، ولجأ أيضاً المجلس إلى فرض تدابير أثناء حرب الخليج الثانية عام 1990 بموجب القرار رقم 678 الصادر في 29/11/1990.[13]

وكان ذلك القرار هو المسوغ القانوني لقيام دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام القوة العسكرية لتحرير الكويت.[14]

2- حق الدفاع الشرعي:

نص على حق الدفاع الشرعي في المادة الثانية من بروتوكول جينيف عام 1924 والذي نص على أن: ” الدول الموقعة سوف لا تلجأ إلى القوة في حل منازعاتها إلا في حالة مقاومة العدوان[15]، وأكد أيضاً ميثاق بريان كيلوغ لعام 1928 “أن الدفاع الشرعي يعد حقاً للدول”، والحال كذلك بعد إنشاء الأمم المتحدة، فقد أباح ميثاق الأمم المتحدة للدولة حق الدفاع عن نفسها في حالة العدوان أو التعدي عليها، لكن ذلك مشروط بحفنة من القيود والقواعد التي متى توافرت كان للدولة أن تستخدم القوة في الزود والدفاع عن نفسها، وتتمثل تلك الشروط فيما ورد  (بالمادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة وهي:

  • أن الدفاع لا يكون إلا بعد وقوع عدوان.
  • أن يكون الدفاع عن النفس متناسباً مع العدوان ومساوياً له.
  • تبليغ مجلس الأمن بالتدابير المتخذة وذلك باعتباره الجهة المسئولة عن حفظ الأمن والسلم الدوليين.[16]
  • توجد حالة أخرى يكون استخدام القوة فيها مشروعاً ومباحاً، وهي حروب التحرير التي تخوضها الشعوب في إطار الحق في تقرير المصير.[17]

أما حالة الدفاع عن النفس الوقائي أي في حالة وجود خطر وشيك ومحتمل الوقوع وليس محققاً مثل رؤية الدولة أنها مهددة بالعدوان عليها وبالتالي فإن استخدام القوة في هذه الحالة يكون عملاً غير مشروع، وأكد ذلك القرار الصادر من مجلس الأمن رقم 487 بتاريخ 19 يونيه 1981[18] والذي أدان بالإجماع قصف دولة الاحتلال الإسرائيلي للمفاعل النووي العراقي (كجزء من عملية أوبرا) باعتباره انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة.[19]

وأيضاً لا يعد حالة من حالات الدفاع الشرعي عدوان دولة الاحتلال الإسرائيلي على جمهورية مصر العربية عام 1967، عندما منعت مصر الموارد الاستراتيجية عنها بإغلاق مضائق تيران، فلم يمثل ما قامت به مصر اعتداءً عسكرياً يستوجب ما قام به الكيان الإسرائيلي مستنداً إلى حق الدفاع الشرعي.

كان هذا بالنسبة للاستثناءات المنصوص عليها في الميثاق، إلا أن هناك العديد من الاستثناءات الأخرى التي فرضها الواقع العملي، والممارسات الدولية نذكر منها الآتي:

أ- استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن أو استخدام القوة من جانب قوات حفظ السلام:

ذكرنا فيما سبق أن نظام الأمن الجماعي لم يكتب له النجاح بسبب الحرب الباردة وبسبب ذلك نشأ هذا الاستثناء والذي تمثل في تفويض مجلس الأمن للدول استخدام القوة بدلاً منه أو تكوين قوات متعددة الجنسيات هدفها إقامة السلم والأمن الدوليين، والتطبيق الأمثل لهذه القوات قرار مجلس الأمن والذي خول للحكومة الإندونيسية سلطة التدخل العسكري في تيمور الشرقية، إضافة إلى منحها سلطة اتخاذ جميع التدابير الضرورية للقيام بالمهام المنوطة بها[20] وتم تبرير هذا الاستثناء وذلك لمعالجة الفشل الذي أصاب نظام الأمن الجماعي المنصوص عليه في (المادة 43) من الميثاق.

ب- التدخل الدولي الإنساني:

بدأ هذا الاتجاه منذ حرب الخليج الثانية، وقد فرض ذلك بعد أن أصبحت المواضيع المتعلقة بحقوق الإنسان من المواضيع الشاغلة للمجتمع الدولي بأسره، وأيضاً إنشاء الجمعية العامة للأمم المتحدة مفوضيّة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في شهر ديسمبر من عام 1993، بموجب قرارها رقم 48/141[21]، وقد أقر المجتمع الدولي هذه الحالة للحفاظ على حقوق الإنسان والحريات المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وتمثل تدخل مجلس الأمن في هذه الحالة في إصدار قرارات فقط، فقد أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات بسبب وقوع أعمال قمع وعنف ضد العديد من الدول، نذكر منها على سبيل المثال الآتي:

  • قرار مجلس الأمن رقم 688 والصادر بتاريخ 5/4/1991 والذي أدان أعمال القمع التي يتعرض لها الشعب العراقي، خاصة في كردستان العراق.
  • القرار 794 الصادر في 3 ديسمبر/ كانون الأول 1999 والذي أدان بالموقف العدائي في الصومال، ودعا جميع الأطراف المتنازعة وحثهم على التعاون مع الممثل الخاص للأمين العام بطرس بطرس غالي والجيش، والسماح بوصول المساعدات والقوات العسكرية إلى السكان المتضررين، ويعد هذا القرار أول قرار من مجلس الأمن يصرح باستخدام القوة بموجب الفصل السابع لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.

3- استخدام القوة استناداً إلى الحق في تقرير المصير:

أضفى المجتمع الدولي شرعية استخدام القوة استناداً على حق الدول فى تقرير مصيرها، والذي لم ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة كاستثناء على مبدأ حظر استخدام القوة، وذلك نتيجة إلى مقاومة الشعوب في معظم دول العالم للظلم والاحتلال والرغبة في نيل الاستقلال والعدل، وأيضاً إنشاء حركة التحرر الوطنية عقب الحرب العالمية الثانية، وتوالت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في إصدار القرارات والتوصيات بخصوص تلك الحالة نذكر منها (المادة 4) من اتفاقيات جنيف الثالثة المتعلقة بأسرى الحرب لعام 1949والتي نصت على معاملة أسرى الحرب من أفراد المقاومة معاملة الأسرى من الجيوش النظامية متى توافرت فيها الشروط الخاصة بها، فقد اعترفت بوجود قوات مقاومة شعبية واشترطت هذه المادة أن تكون لهذه القوات شارة معينة وأن يكون لهم قائد وأن تكون أعمالها طبقاً لقوانين الحرب وأعرافها.

وهنا يثور تساءل مهم وهو مدى جواز ترخيص مجلس الأمن للدول استخدام القوة وما هي القيود التي ترد على ذلك؟

لا يوجد أي نص صريح في ميثاق الأمم المتحدة يعطي الحق لمجلس الأمن في تفويض غيره في استخدام سلطاته، خاصة تلك المتعلقة بالتدابير العسكرية والمنصوص عليها في (المادة 42) من الميثاق.

إلا أننا نجد أن المجلس قد اعتاد على تفويض الدول الأعضاء تنفيذ التدابير العسكرية المنصوص عليها في (المادة 42) من الميثاق، وذلك مثل ما حدث مع العراق إبان غزوها للكويت.

ولقد قيد الميثاق مجلس الأمن عند استخدامه رخصة تفويض غيره استخدام التدابير العسكرية المنصوص عليها في (المادة 42) من الميثاق، فقد نص الميثاق في (المادة 54) على وجوب توافر عدة قيود تتمثل في:

  • وجوب الإشراف والرقابة من قبل مجلس الأمن على التدابير المتخذة جانب الدول المفوضة من المجلس للقيام ببعض أعماله العسكرية.
  • تقديم التقارير الدورية إلى المجلس.[22]
  • يجب علم المجلس بما يجري من أعمال لحفظ الأمن والسلم الدوليين.

وهنا نجد أنفسنا أيضاً مرة أخرى أمام سؤال مهم هو هل توجد دول قد اخترقت هذا النظام أو بمعنى أكثر وضوحاً هل هناك حالات استخدمت فيها الدول القوة العسكرية دون تفويض من مجلس الأمن؟

للإجابة عن هذا التساؤل يجب الإشارة لبعض الحالات التي استخدمت فيها الدول التدابير العسكرية ضد غيرها ونجد في مقدمة تلك الحالات الكيان الصهيوني حين قام تحت مبرر الدفاع الشرعي بالعدوان على غزة بتاريخ 27 ديسمبر 2008 متذرع بأن هذا العدوان يعد رداً على الهجمات التي قامت بارتكابها حركة حماس، كما شنت إسرائيل أيضاً هجوماً عسكرياً على لبنان بتاريخ 13 أغسطس/ 2006، حيث أدى هذا العدوان الذي استمر حوالي 34 يوماً إلى مقتل حوالي 2000 مدني من بينهم 40 في المائة من الأطفال، وتسبب في تهجير ما يقارب المليون لبناني، وقد ادعت إسرائيل أن ذلك الهجوم يعد دفاعاً شرعياً عن النفس.[23]

“وقد بررت الدول الأعضاء في حلف الناتو تدخلها العسكري في ليبيا في مارس 2011 ، على أنه تدخل يستند إلى الترخيص الضمني الممنوح لها من طرف مجلس الأمن بموجب القرار رقم 1973 لعام 2011 بالرغم من أن هذا القرار لم يتضمن أي إشارة صريحة ترخص لحلف الناتو التدخل العسكري في ليبيا، إلا أن الدول الأعضاء في الحلف عملت على إسقاط نظام العقيد معمر القذافي من خلال تنفيذ الحظر الجوي على ليبيا بهدف حماية المدنيين”.[24]

بالنظر إلى الحالات التي ذكرناها والواقع العملي، نجد أن المجلس تخلى عن دوره في الإشراف والرقابة وأن نصوص الميثاق لا تمثل سوى الجانب النظري البحت فقط، أما الجانب العملي فهو على العكس من ذلك تماماً كما بينا؛ فالمجلس لا يراقب تلك القوات التي تعمل على تنفيذ القرارات، وخاصة تلك القرارات التي توجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو تكون طرفاً فيها وهو ما أدى إلى تنفيذ القوات التابعة للولايات المتحدة أهدافاً غير تلك المرجوة من قرارات مجلس الأمن في العديد من المناسبات.

وخير دليل على ذلك تخطي قوات دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية حدود تحرير الكويت وقاموا بالقصف والاستهداف العنيف للعراق وتحطيم جميع القرارات العسكرية والاقتصادية.

خامساً: الطبيعة القانونية لاستخدام القوة في القانون الدولي:

حظر ميثاق الأمم المتحدة في نصوصه استخدام الدول للقوة أو مجرد التهديد باستخدامها، وقد يتبادر إلى أذهاننا جميعاً السؤال عن مدى إلزامية تلك النصوص ومن بينها مبدأ حظر استخدام القوة، وهل من الممكن مخالفتها أم أن تلك النصوص هي نصوص ملزمة للدول.

ونجيب عن هذا التساؤل بأنه عند قراءة نصوص مواد الميثاق نجد أنها ذات طبيعة آمرة، فلا يجوز للدول مخالفة تلك النصوص أو الاتفاق على مخالفتها؛ وهذه هي الغاية من إنشاء منظمة الأمم المتحدة، فلو كانت تلك النصوص يجوز للدول مخالفتها لفقد الميثاق أهميته ولفشلت منظمة الأمم المتحدة في تحقيق أهدافها وعجزت عن فرض الأمن والسلم الدوليين.

وما يؤكد ذلك ما ذهبت إليه المحكمة في حكمها الخاص بقضية نيكاراغوا والصادر في يونيو 1986وتأكيد المحكمة على أن المبدأ يشكل قاعدة عرفية تفرض نفسها في استقلال تام عن الأمم المتحدة بالإضافة إلى القاعدة الاتفاقية التي يشكلها المبدأ.

سادساً: الخاتمة:

من جماع ما تقدم نخلص إلى أن الاستخدام المفرط للقوة قد أدى إلى معاناة الدول من نتائج الحروب والصراعات تم عقد العديد من المؤتمرات والمعاهدات الدولية مثل مؤتمر فرساي في 28 يونيو 1919 في نهاية الحرب العالمية الأولى والذي تمخض عن إنشاء منظمة عصبة الأمم التي كان من أهم أهدافها حفظ الأمن والسلم الدوليين.

إلا أن آمال تلك المنظمة وبسبب الحروب قد باءت جميعها بالفشل واتجهت الدول مرة أخرى إلى الرغبة في وجود منظمة دولية تحل محل عصبة الأمم فتوالى عقد العديد من المؤتمرات والتي كان آخرها مؤتمر سان فرانسيسكو في عام 1945 والذي أعلن عن ميلاد منظمة الأمم المتحدة والتي جاء نص في ميثاقها على تحريم استخدام القوة، فنص في المادة الثانية على حظر استخدام القوة بل وحظر أيضاً مجرد التهديد بها، وقد نص الميثاق على الحالات الاستثنائية التي يمكن للدول استخدام القوة فيها، مثل حالة الدفاع الشرعي وحالة الأمن الجماعي مع وجود بعض الحالات الأخرى التي لم ينص عليها؛ إلا أن ميثاق الأمم المتحدة تمت مخالفته في العديد من الحالات، مما جعل نصوصه تمثل الجانب النظري فقط والواقع العملي قد يكون عكس تلك النصوص؛ فقد تم استخدام القوة بالمخالفة لنصوص الميثاق في العديد من المحافل، إلا أننا نجد موقفه من تلك المخالفات التي تشكل خروجاً صارخاً على مبدأ حظر استخدام القوة بالمخالفة لنصوص الميثاق قد وقف عند حد إصدار القرارات فقط كما قدمنا من قبل.

بقلم المحامي/ محمود شعبان محمود الأسود.

مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.

 

[1] مؤتمر فيينا هو مؤتمر لسفراء الدول الأوروبية ترأسه رجل الدولة النمساوي كليمنس فون مترنيش، عقد المؤتمر في فيينا في الفترة من سبتمبر 1814 إلى يونيو 1815.

[2] معاهدةُ فرساي أو “صلح فرساي” أو “معاهدةُ السلامِ بينَ الحلفاءِ والقوى المرتبطة وبينَ ألمانيا” بحسبِ الاسمِ الرسمي-، هي المعاهدةُ التي أسدلتِ الستارَ من جانب القانونِ الدوليِّ على أحداثِ الحرب العالمية الأولى.

[3] كانت إعلانات موسكو عبارة عن أربعة إعلانات موقعة خلال مؤتمر موسكو في 30 أكتوبر 1943.

[4] مؤتمر الأمم المتحدة للمنظمة الدولية (United Nations Conference on International Organization) اختصارا (UNCIO)، المعروف باسم مؤتمر سان فرانسيسكو (San Francisco Conference).

[5] دراسة أعدها السفير الدكتور عبد الرحمن محمد الجديع القنصل العام لخادم الحرمين في نيويورك.

[6] راجع في هذا المعني البحث المقدم من الكعبي، لطيفه منادي، جامعة قطر، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ص5.

[7] أنظر نص المادة 12 من ميثاق عصبة الأمم.

[8] راجع في هذا المعنى مشروعية استعمال القوة في العلاقات الدولية: دراسة مقارنة بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية بحث مقدم من الكعبي، لطيفه منادي، جامعة قطر، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ص 13.

[9] ميثاق كيلوغ – برييان هو ميثاق وقع عليه من قبل 15 دولة في باريس في 1928 ودخل حيز التطبيق في 1929.

[10] انظر استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن في إطار الأمن الجماعي، خالد أبو سجود حساني، كلية الحقوق، جامعة عبد الرحمان ميرة بجاية، سطيف، الجزائر  مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية المجلد 12 العدد 1 يونيو 2015م ص 328.

[11] الفقرة (13) من إعلان مانيلا لعام 1982 والذي اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 37/10.

[12] ميثاق بوغوتا والذي أبرم في بوجوتا في 30 أبريل 1948 وبدأ العمل به في 13 ديسمبر 1951.

[13] “انظر معلومات عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 678 على موقع undocs.org، un.org/Arabic”.

[14] محمد خليل الموسى، استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر )الأردن: دار وائل للنشر والتوزيع (، 2004 ص190.

[15]  تم التوقيع عليه في جينيف في 17 يونيو 1925 ودخل حيز التنفيذ في 8 فبراير 1928. تم تسجيله في سلسلة معاهدات عصبة الأمم في 7 سبتمبر 1929.

[16] استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن في إطار الأمن الجماعي، خالد أبو سجود حساني، كلية الحقوق، جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية، سطيف، الجزائر، ص 11.

[17] انظر: عامر الزمالي، مدخل إلى القانون الدولي الإنساني، تونس: منشورات المعهد العربية لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، 1997، ص: 13 (مشار إليه في استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن في إطار الأمن الجماعي، خالد أبو سجود حساني، كلية الحقوق، جامعة عبد الرحمن ميرة بجاية، سطيف، الجزائر هامش ص 11).

[18] القرار رقم 487 لسنة 1981 “الذي اعتمد بالإجماع في 19 يونيو 1981، وبعد أن أحاط المجلس علمًا البيانات المقدمة من العراق والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أدان الهجوم الذي شنته إسرائيل على موقع نووي وافقت عليه الوكالة في العراق”.

[19] United Nations Security Council   ـــــ    (1981) S/RES/486 (1981) page 2

[20] انظر استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن في إطار الأمن الجماعي، خالد أبو سجود حساني، كلية الحقوق، جامعة عبد الرحمن ميرة بجايةـ سطيف، الجزائر، ص 13.

[21] قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر 1993 بتبني القرار رقم (48/141) بإنشاء “المفوضية العليا للتنسيق بين نشاطات حقوق الإنسان”.

[22]خالد أبو سجود حساني،  مرجع سابق، ص 17.

[23] انظر استخدام القوة بترخيص من مجلس الأمن في إطار الأمن الجماعي، خالد أبو سجود حساني، كلية الحقوق – جامعة عبد الرحمن ميرة، بجاية، سطيف، الجزائر صفحة 21 وما بعدها.

[24] المرجع السابق، ص21.

Scroll to Top