مبدأ علانية المحاكمة الجزائية

مبدأ علانية المحاكمة الجزائية

إن المحاكمات الجزائية تحكمها قواعد عامة وهذه القواعد هي : علانية جلسات المحاكمة ، ومباشرة الإجراءات في حضور الأطراف، وشفوية المحاكمات، وتدوين إجراءات المحاكمة، وتقيد المحكمة بحدود الدعوى المرفوعة أمامها، وسنتحدث في هذا المقال عن قاعدة علانية جلسات المحاكمة ، فهذه القاعدة تعد من المبادىء الأساسية في أصول المحاكمات الجزائية، فما هي الأحكام التي تتضمنها هذه القاعدة .

المقصود بمبدأ علانية جلسات المحاكمة

يقصد بمبدأ علانية الجلسات، هو أن تنعقد جلسة المحكمة التي تنظر في الدعوى في مكان يجوز لأي فرد أن يدخل ويشهد المحاكمة بغير قيد إلا ما يقتضيه حفظ النظام[1]،فعلانية الجلسة تعني  تمكين عامة الناس من حضور جلسات المحاكمة والإطلاع على مجريات المحاكمة من حيث الإجراءات والمناقشات التي تتم فيها، والسرية تتعلق بسماع الدعوى أما ما سبق ذلك فلا سرية بشأنه.

الهدف من علانية جلسات المحاكمة

 إن الهدف من ذلك هو تحقيق مصلحة عامة  وهي بث الطمائينة  في النفوس بتحقيق العدالة ، كما أن علانية الجلسات تحمي القاضي من أن تثار الشكوك حول مدى نزاهته وشفافيته في تطبيق القانون ، كما تحمي القاضي من الخضوع لأي مؤثرات خارجية في قضائه، بالإضافة إلى أن مبدأ علانية الجلسات تتحقق معه سياسة الردع العام.

مبدأ علانية جلسات المحاكمة مبدأ عالمي

إن مبدأ علانية جلسات المحاكمة هو مبدأ عالمي نصت عليه كافة التشريعات في مختلف أنحاء العالم، كما ورد هذا المبدأ  في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1948[2]، وقد نص الدستور الأردني على هذا المبدأ فجاء في المادة 101 من الدستور أن جلسات المحاكم علنية إلا إذا رأت المحكمة أن تكون سرية مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب، وقد نصت المادة 171 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على تجري المحاكمة علانية ما لم تقرر المحكمة اجراءها سراً بداعي المحافظة على النظام العام أو الاخلاق ويمكن في جميع الاحوال منع الاحداث أو فئة معينة من الناس من حضور المحاكمة.

مبدأ علانية جلسات المحاكمة هو الأصل والإستثناء هو سرية الجلسات

وعليه بالنظر إلى المواد القانونية الناصة على مبدأ علانية الجلسات نجد أن إجراء المحاكمة بصورة علانية هو الأصل وأن الإستثناء هو إجراءها بصورة سرية، فإذا تمت المحاكمة سراً على هيئة المحكمة أن تبين في قرارها سبب أجراء المحاكمة سراً، وفي حال تبين أن المحكمة خالفت الأصل لسبب لا يعطي المحكمة الحق في إجراء جلسات المحاكمة بشكل سري فإن حكمها معرض للنقض.

بطلان المحاكمة العلانية

لم يورد المشرع الأردني نصاً يوجب بطلان الحكم الذي يجري بصورة علنية في الوقت الذي كان يتعين إجراؤه بصورة سرية، فإن تقرير البطلان مسألة مسلم بها لتعلق الأمر بالنظام العام وبإجراء أمر جوهري فقد قضت محكمة التمييز أن الفقه والقضاء مستقران على أن البطلان لا يترتب على إغفال إجراء نص عليه القانون إلا في حالة نص القانون على البطلان أو أن يرد النص على إجراء بصيغة الوجوب على اعتبار أنه إجراء جوهري [3].

نظام الجلسة ومبدأ علانية الجلسات

قد أعطى نظام الجلسة للقاضي أو للهيئة الحاكمة الحق في إخراج كل من يخل بنظام الجلسة، فضبط الجلسة وإدارتها منوطان برئيسها، فإذا بدر من أحد الحاضرين أثتاء إنعقاد الجلسة أي أمر أو حركة قد تؤدي إلى حدوت ضوضاء أو تخل بنظام الجلسة فلرئيس الجلسة أن يأمر بإخراجه من قاعة المحاكمة، وهذا لا يعتبر إنتقاصاً أو إخلالاً بقاعدة علانية المحاكمة، كما أنه من حق رئيس المحكمة أو القاضي منع وسائل الإعلام  أيضاً من حضور الجلسات في حال رأى القاضي الذي ينظر الدعوى ضرورة ذلك له أن يمنع وضع الأجهزة داخل القاعة ليحقق الهدوء والوفار الذي ينبغي توافره للجلسة، كما لا يجوز إجبار متهم أو أحد أطراف الدعوى على الظهور أمام أجهزة التصوير.

أهمية علانية المحاكمة

إن مبدا علانية المحاكمة مبدأ مهم لكل من المتهم والمجتمع على حدا سواء، فالمتهم في حال حكمت المحكمة ببراءته فعلانية المحاكمة تمكنه من إظهار حكم البراءة للناس، كما أن علانية المحاكمة ضمانة تمكنه من الدفاع عن نفسه، أما بالنسبة لأهمية إعادة المحاكمة للمجتمع فمن خلال علانية المحاكمة يتمكن المجتمع من ممارسة رقابته على ما يدور في جلسات المحاكمة مما يؤدي إلى تكوين الرأي العام وتعزيز ثقته بالقضاء واحكامه، كما أن العلانية تمكن الجمهور من معرفة الأحكام التي تصدر بما يحقق ذلك من معنى الردع العام.

الإستثناءات على مبدأ علانية المحاكمة

1_ محاكمة الأحداث.

2_ تعلق القضية بالنظام العام أو الآداب العامة أو الأخلاق العامة.

محاكمة الأحداث

إن الحدث هو الجاني الذي لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وقد نص المشرع في قانون الأحداث على أن تجري محاكمة الحدث بصورة سرية ولا يسمح لأحد بالدخول إلى المحكمة.

الإستثناء على سرية محاكمة الأحداث

يستثنى من سرية المحاكمة مراقبي السلوك، ووالدي الحدث أو وصيه، أو محاميه أو من كان من الأشخاص الذين لهم علاقة مباشرة بالدعوى.

كما حظرت المادة 12 من ذات القانون على نشر اسم وصورة الحدث الجائح، ونشر وقائع المحاكمة أو مخلصها في أية وسيلة من وسائل النشر، كالكتب والصحف والسينما ، ويعاقب كل من يخالف ذلك بغرامة لا تقل عن خمسة دنانير ولا تتجاوز خمية وعشرين ديناراً، ويمكن نشر الحكم دون الإشارة لاسم الحدث أو لقبه.

الهدف من سرية محاكمة الأحداث

إن الهدف هو رعاية النظام العام والآداب حتى لا يتعرض الصغار إلى الوقوف أمام الجمهور  بمظهر المجرمين والمتهمين مما قد يؤثر على نفوسهم واخلاقهم [4].

الجزاء  المترتب على مخالفة علانية المحاكمة

لم ينص المشرع بشكل صريح على الجزاء المترتب على مخالفة علانية المحاكمة، إلا أن الجزاء هو البطلان لتعلق الأمر بالنظام العام والآداب[5].

هل يبطل حكم المحكمة ؟

لا يبطل الحكم كون المحكمة لم تقرر في الجلسة الأولى إجراء المحاكمة سراً ما دام أنه لم يتخذ في هذه الجلسة أي إجراء .

وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز أن محكمة البداية بصفتها محكمة أحداث وإن كانت في أول جلسة من جلسات المحاكمة لم تقرر إجراء المحاكمة بصورة سرية كما تتطلب المادة العاشرة من قانون الأحداث رقم 24 لسنة 1968 إلا انها عادت في كافة الجلسات اللاحقة وتداركت  هذه المخالفة بالإصلاح بأن أجرت المحاكمة بصورة سرية طبقاً لأحكام القانون، فإن هذه المخالفة لا يترتب عليها بطلان المحاكمة ما دام أن المحكمة في الجلسة الأولى لم تستمع إلى أية بينات ولم تتخذ أي إجراء يمكن اعتباره مساساً بحقوق المتهم [6].

هل تبقى محاكمة الحدث سرية في حال بلوغه سن الرشد؟

لا فلا موجب لإجراء محاكمته بصورة سرية، فقد تخطى سن الحداثة أي أصبح بالغاً وزال السبب في سرية المحاكمة.

تعلق القضية بالنظام العام أو الآداب أو الأخلاق العامة

هناك قضايا معينة يرتبط الجرم فيها بالنظام العام أو الآداب والأخلاق العامة كجريمة الإغتصاب وهتك العرض والزنا، فهذه الجرائم أفعال تعد أفعال فاضحة ومنافية للحياء، فيجوز إجراء جلسات المحاكمة فيها سراً، كما أن هناك جرائم تتعلق بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي ويكون فيه خطورة بالنسبة لبعض الأسرار الأمنية أو العسكرية.

الأفعال التي ترتكب أثناء جلسة المحاكمة ولا تعتبر من قبيل السرية

لا يعتبر من قبيل السرية

1_ إغلاق باب غرفة أو قاعة المحاكمات مع وجود جمهور في القاعة فهذا يكون لمنع الضوضاء من خارج القاعة، كذالك لا يعتبرمن قبيل السرية في حال قامت المحكمة ولغايات تنظيميه بتوزيع بطاقات على جمهور المواطنين لتنظيم الدخول إلى قاعة المحكمة .

2_ الإجراءات التي لا سرية فيها هي إجراءات تحضير المتهم وإثبات هويته وتلاوة قرار الإتهام عليه ولائحة الإتهام وكافة أوراق الدعوى وسؤال المتهم عن التهم المسندة إليه وتحضير النيابة العامة فهذه الإجراءات لا سرية فيها والسرية تبدأ بعد ذلك أي في الإجراءات التالية.

3_ جلسة النطق بالحكم، فصدور الحكم يتعين أن يكون في جلسة علنية حتى ولو كانت المحاكمة جرت بصورة سرية،فأنه لا يوجد ما يدعو إلى الإستمرار في هذه السرية.

من إجتهادات المحاكم الأردنية المتعلقة بمبدأ علانية المحاكمة الجزائية

الحكم رقم 2538 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

وبالنسبة للسببين الثالث والرابع ومفادهما تخطئة محكمة أمن الدولة بإجراء المحاكمة سراً رغم تسريب جميع وثائق القضية قبل إحالة القضية إلى المحكمة وتخطئتها أيضاً عندما قررت عدم نشر جلسات المحاكمة.

ففي ذلك نجد أن المادة (101) من الدستور الأردني قد نصت على أن جلسات المحاكم علنية غير أنها أعطت المحكمة صلاحية أن تكون المحاكمة لديها سرية مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب وبالتالي لا تثريب على محكمة أمن الدولة في قرارها بإجراء جلسات المحاكمة سراً ولا علاقة لها بتسريب وثائق القضية قبل إحالتها عليها خاصة وأنها استندت في قرارها لأحكام المادتين (171 و213/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة (8) من قانون محكمة أمن الدولة وكل ذلك بشكل لا يخل بقواعد وإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة.

كما أنها تملك الصلاحية بمنع نشر أي أخبار أو معلومات بأية وسيلة كانت حول إجراءات المحاكمة استناداً لأحكام المادتين (200 و201) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمواد (11 و12 و13) من قانون انتهاك حرمة المحاكم رقم (9 لسنة 1959) والمادة رقم (39/ب) من قانون المطبوعات والنشر.

ونجد أنه لا علاقة لمحكمة الموضوع بحصول تسريب لوثائق في القضية قبل إحالتها عليها ولا أثر لذلك في قرارها بإجراء المحاكمة سراً وحظر النشر وبالتالي لا يرد السببان مدار البحث على القرار المميز ويتعين ردهما.

إعداد المحامية : ليلى خالد.

تدقيق المحامي : سامي العوض.

[1] د.حسن صادق المرصفاوي، المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف الإسكندرية، 1998،ص 547.

[2] المادة 10 ( لكل إنسان الحق في قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه)، المادة 11 ( لكل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه.

[3] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع،2021، ص374، تمييز جزاء 8/75، مجموعة المبادىء ص 429.

[4] تمييز جزاء 251/77 وتمييز جزاء 39/78 .

[5] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 376.

[6] تمييز جزاء 74/ 81 مجموعة المبادىء ج2 ص 926.

Scroll to Top