المسؤولية الجنائية عن التجارب الطبية
تعتبر التجارب الطبية من الأمور التي لا غنى عنها على الرغم من خطورتها، حيث تعمل على إيجاد علاج لبعض الأمراض التي يكون من شأنها أن تفتك بالعديد من البشر إذا تعذر إيجاد علاج لها، ولكن لا يمكن أن يترك أمر مباشرة التجارب الطبية دون وضع قيود وضوابط له حتى لا يُساء استعماله ويكون وسيلة للفتك بالأشخاص الذين يتم استغلالهم ويخضعون لتلك التجارب.
وفي مقالنا الحالي سنبين ماهية التجارب الطبية وأنواعها سواء المشروعة أو غير المشروعة والمسئولية الجنائية المترتبة على ممارسة التجارب غير المشروعة وذلك من خلال ما يلي:
أولا: تعريف التجارب الطبية على الأنسان وأنواعها:
ثانيا: ضوابط وأخلاقيات إجراء التجارب الطبية على جسم الأنسان:
ثالثاً: العناصر المنشئة للمسؤولية الجنائية عن الأعمال الطبية (النانوية):
رابعاً: حالات الإعفاء من المسؤولية الجنائية عن نتيجة العمل الطبي:
خامساً: إثبات المسؤولية الجنائية الطبية ومدى الحاجة إلى قضاء متخصص:
أولا: تعريف التجارب الطبية على الأنسان وأنواعها:
1- تعريف التجارب الطبية الواردة على جسم الأنسان:
تعرف التجارب الطبية من الناحية الاصطلاحية أنها تلك الأعمال الفنية أو العلمية والتي يقوم بإجرائها الطبيب الباحث على المريض أو الشخص المتطوع وذلك بهدف تجريب أثر دواء معين أو عملية جراحية معينة لم تعرف نتائجها بعد للحصول على معلومات جديدة.
وعليه فالتجربة الطبية هي جمع معطيات علمية، للكشف عن فرض من الفروض لأغراض علمية، أو للتحقق من صحتها، وهي جزء من منهج البحث التجريبي على الإنسان، وهي تختلف بحسب الغرض أو القصد العام من إجرائها علاجية أو غير علاجية (أي علمية محضة)، أو عمليات جراحية تجريبية غير مسبوقة مغايرة للعرف الطبي. ([1])
وبناء على ما تقدم يمكن أن نعرف التجارب الطبية على الأنسان بأنها انحراف عن الأصول الطبية لغرض اكتساب معارف جديدة، وباختصار يمكن تعريفها بأنها تلك التجارب التي يكون محلها البشر.
2- أنواع التجارب الطبية الواردة على جسم الأنسان:
تختلف التجارب الطبية على الأنسان باختلاف الغرض من إجرائها، فإذا كان الغرض من هذه التجارب هو التخفيف من آلام المريض وعلاجه فنكون أمام التجربة العلاجية، أما إذا كان الغرض من هذه التجارب هو اكتساب معارف جديدة والحصول على مكاسب دون أن تكون هناك فائدة شخصية لمن تجرى عليه هذه التجربة فهذا النوع من التجارب تكون غير علاجية أي علمية.
ومن هنا نجد أننا أمام نوعين من التجارب الطبية الواردة على جسم الأنسان، وهما:
أ- التجارب الطبية العلاجية:
وهي التجارب التي تهدف إلى محاولة إيجاد علاج للمريض وذلك من خلال تجربة طرق جديدة للتشخيص والعلاج، كالأدوية الجديدة والأشعة وغيرها من الوسائل الطبية الحديثة.
ويفهم مما سبق أنه من المنطق والأخلاق والقانون ألا يلجأ الطبيب إلى مثل هذه التجارب العلاجية الجديدة التي يمكن أن تؤذى المريض إذا كان من الممكن علاج المريض بالوسائل الطبية العادية.
وجدير بالذكر أن هذا النوع من التجارب لا يخلو من المخاطر، حيث إنه يحتوي على نسبة معينة من الفشل في تحقيق النتيجة المرجوة والذي سببه المتغيرات الفيزيولوجية الخاصة بالأفراد، ولهذا اشترط بعض الفقه لكي تكون التجربة شرعية ألا تسبب هذه التجربة بضرر على الخاضع لها.
ب- التجارب غير العلاجية أو العلمية:
يعرف هذا النوع من التجارب بأنها أعمال فنية أو علمية يمارسها أو يباشرها الطبيب على جسم المريض بهدف اكتساب معارف جديدة بغرض العلاج أو المعالجة الوقائية.
ومن خلال هذا التعريف يتضح لنا أن هذا النوع من التجارب الطبية لا يهدف إلى تحقيق مصلحة علاجية شخصية للمريض الذي يخض إلى التجربة، ولكن يهدف إلى تعميم الفائدة إلى غيره من المرضي الذين يشتكون نفس المرض، فضلا عن ذلك تهدف هذه التجارب إلى تحقيق المعرفة العلمية أو الفنية بخصوص التشخيص أو العلاج.
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن اهم ما يميز هذين النوعين هو الهدف المرجو تحقيقه من ورائهما، فالتجربة العلاجية الهدف من ورائها إيجاد أفضل طرق العلاج لصالح المريض وتعميم هذه الفائدة إلى غيره من المرضي، أما بخصوص النوع الثاني فنجد أن الهدف من التجارب غير العلاجية هو كسب معارف بخصوص العلاج أو التشخيص كأن يقوم الطبيب بتجريب طرق علاجية لم يسبق تجريبها من قبل.
وبالطبع تجري هذه التجارب على متطوعين سواء كانوا أصحاء أو مرضي، ولكن دون أن تكون لهم مصلحة شخصية في إجراء التجربة عليهم.
ثانيا: ضوابط وأخلاقيات إجراء التجارب الطبية على جسم الأنسان:
هناك مجموعة من الضوابط الموضوعية والأخلاقية ينبغي توافرها في ممارسة التجربة قد أوجبتها كل من القوانين الدولية التشريعات المقارنة هذه الضوابط تعمل على تفادي المخاطر التي تنتج عن هذه التجارب والوقاية منها، فضلا عن الموافقة المستنيرة والحرة والتي تعد الضابط الأساسي لإضفاء المشروعية على التجارب الطبية على جسم الأنسان.
ومن هنا تتمثل هذه الضوابط في الآتي:
1- الالتزام بالمبادئ الأخلاقية عند القيام بالتجربة:
وهي الأخلاقيات الطبية التي أشارت لها لائحة (نورمبرغ) وفى بعض بنودها:
- احترام آدمية الشخص المتطوع وحقوقه الإنسانية.
- يجب موافقة المتطوع بإرادته الصريحة على إجراء التجربة الطبية كتابة.
- تغليب مصلحة المتطوع الشخصية على مصلحة العلم والمجتمع، وذلك من خلال الحرص على حياته وصحته الجسدية والنفسية.
- حقه في الحصول على كافة المعلومات المتعلقة بالأبحاث العلمية والتجربة الطبية التي سيشترك فيها.
- سرية المعلومات المتعلقة بالشخص المتطوع لإجراء التجربة عليه.
- لا تجرى التجربة إلا بعد أخذ موافقة لجنة طبية محايدة لا تربطها بالمشاركين فيها أي علاقة.
- يحق للشخص الخاضع للتجربة الرجوع أو الانسحاب من التجربة متى أراد ذلك، دون أن يؤثر ذلك في العلاقة بينه وبين الطبيب المعالج. المادة (16) من اتفاقية حقوق الأنسان والطب البيولوجي المنعقدة في 1997.
2- احترام كرامة الأنسان والمحافظة على سلامته:
يجب التأكيد على الأطباء والباحثين وتذكيرهم بطبيعة الجسم الإنساني فضلا عن الحماية القانونية والشرعية الواجبة له وذلك عند مباشرة أي من التجارب الطبية على كيانه الجسدي، فإذا كانت التجربة الطبية خالية من أي هدف علاجي للشخص أو تمت دون رضاء المتطوع للتجربة فإن ذلك يشكل مخالفة لاستقلالية الشخص وحقه في الرفض فضلا عن مخالفة للحق في احترام السلامة البدنية.
وجدير بالذكر ألا يكون لرضا الشخص الخاضع للتجربة العلمية غير العلاجية أي تأثير على قيام الجرائم التي تشكل اعتداء على الحق في الحياة والحق في سلامة الجسد وغيرها، وهذا يعنى أن ارتكاب الفعل بهدف آخر غير العلاج كخدمة الطب أو مجرد إشباع للفضول العلمي ينفى عن الفعل صفة المشروعية ويدخل في نطاق التجريم، وتعتبر الجريمة في هذه الحالة جريمة عمدية ولا يبرر التجربة قبول الخاضع للتجربة.
3- الحدود الشرعية والأخلاقية عند القيام بالتجريب:
هناك مجموعة من الأحكام والقواعد والأعراف وأخلاقيات البحث العلمي المتعارف عليها ينبغي على الباحث أو الطبيب الامتثال لها في أبحاثه وتجاربه، وهذا كله في إطار مبدأ حرمة جسم الجسم الآدمي وحماية الأنسان في حياته وجسده وجثته.
فبعد رضا الشخص الخاضع للتجربة العلاجية فإن التجارب الطبية سواء العلاجية أو العلمية لا تكون مشروعة إلا إذا كنت المزايا الناتجة منها تفوق مخاطرها، وذلك وفقا لمبادئ الأخلاق والعلم المتعارف عليها.
فضلا عما سبق من الشروط الواجب توافرها في إجراء التجارب أن يقوم بها طبيب مختص ذو خبرة وكفاءة عالية بمساعدة فريق طبي متدرب جيدا، ويجب أن تكون المستشفى التي أجريت فيها التجربة مؤهلة وبها كافة المستلزمات التقنية والفنية اللازمة لإجراء هذه التجارب، فضلا عن خضوع هذه التجارب إلى رقابة مستمرة من الجهات الطبية المختصة.
ولا يجوز للطبيب أو الباحث التعدي على السلامة الجسدية أو الذهنية للشخص الخاضع للتجربة، ولا يجوز له المتاجرة أو التلاعب بالأعضاء والأنسجة، أو إفشاء أي معلومات طبية.
ثالثاً: العناصر المنشئة للمسؤولية الجنائية عن الأعمال الطبية (النانوية):
حصرت الاتجاهات التشريعية الحديثة العناصر المنشئة للمسؤولية الجنائية عن الأعمال الطبية في ثلاث عناصر كالتالي:
1- الخطأ الطبي:
أ- تعريف الخطأ الطبي:
الخطأ الطبي كما يعرفه البعض من الفقه أنه كل خروج أو مخالفة من الطبيب في سلوكه عن الأصول الطبية المتعارف عليها والتي يقضي بها العلم وقت تنفيذه للعمل الطبي، أو إخلاله بواجبات الحيطة والحذر التي فرضها عليه القانون، وترتب على هذا الإخلال أضرار جسيمة، في حين كان في مقدرته أن يتخذ في تصرفه الحيطة والتبصر حتى لا يتسبب للمريض بأي ضرر.
ب- صور الخطأ الطبي:
إن التشريعات المعاصرة لم تحدد كافة صور الخطأ الطبي بشكل دقيق، إنما اتجهت إلى النص على بعض من صور الأخطاء الطبي والمتمثلة في الآتي:
- إذا كان الخطأ نتيجة إهمال الطبيب وعدم إلمامه بأمور فنية من المفترض أن كل طبيب على علم بها سواء من حيث التشخيص أو من حيث وصف العلاج المناسب.
- إذا كان سبب الضرر هو الإهمال أو التقصير أو عدم بذل العناية اللازمة.
- إذا كان سبب الضرر إجراء الطبيب على المريض تجارب غير معتمدة فنية.
- إذا أجريت العمليات الجراحية التجريبية على المريض بالمخالفة للقواعد المنظمة.
- إذا قام الطبيب بإجراء نوع من العلاج في عيادته الخاصة أو أجرى عمليات محظور إجرائها خارج المستشفيات.
- إذا كان سبب الضرر إعطاء المريض دواء على سبيل الاختبار.
- إذا كان سبب الضرر استعمال آلات أو أجهزة طبية دون اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث ضرر جراء هذا الاستعمال.
- استعمال الطبيب وسائل علمية مهجورة طبية مما تسبب بالضرر.
- عدم استعمال الطبيب وسائل علمية حديثة.
ج- المعيار المعول عليه كمقياس للخطأ الطبي:
انتهينا سابقا إلى أن مفهوم الخطأ الطبي الذي يقرر المسؤولية هو الخطأ الذي يرجع إلى الجهل بأمور فنية يفترض بالطبيب أن يكون ملما بها أو كان الخطأ راجعا إلى الإهمال أو عدم بذل العناية اللازمة، وتعرضنا بعد ذلك صور الخطأ الطبي كأساس للمسؤولية الطبية، ولكن تظهر المشكلة في ضرورة البحث عن معيار يقاس عليه الخطأ الطبي ونجد في هذا الصدد معيارين على النحو التالي:
– معيار الخطأ العادي:
نجد أن معيار الخطأ العادي هو ارتكاب الطبيب لمخالفة تدخل ضمن العناصر المعروفة للخطأ من إهمال وعدم احتياط، ومثال هذه الأخطاء إغفال الطبيب تعقيم الأدوات المستخدمة في عملية جراحية، أو إجرائه للعملية وهو في حالة سكر، أو أن ينسى الطبيب أي جسم غريب كقطعة قماش أو أداه من الأدوات المستخدمة للراحة داخل جسم المريض، فضلا عن إهماله في تخدير المريض قبل خضوعه للعملية الجراحية، وغير ذلك من الأخطاء التي قد يرتكبها الطبيب عند مزاولته للمهنة دون أن يكون لهذا الخطأ علاقة بالأصول الفنية لمهنة الطب.
– معيار الخطأ المهني:
يرتبط هذا المعيار بالقواعد العلمية والأصول الفنية المتعرف عليها لمهنة الطب، فخروج الطبيب عن هذه الأصول يمثل خطأ سواء كان لجهل الطبيب بتلك القواعد أو لعدم أخذه الحذر والحيطة، حيث كان يجب عليه مراعاة الأصول المتعارف عليها.
2- النتيجة الضارة أو الخطرة:
أ- المسؤولية الجنائية على أساس فكرة الضرر الطبي:
هناك عدة شروط يتعين توافرها في الضرر الناشئ عن الخطأ الطبي كأساس للمسؤولية الجنائية لممارسة هذا العمل، ومن ضمن هذه الشروط:
- يجب أن يكون الضرر الناشئ عن خطأ الطبيب نتيجة طبيعية للخطأ فلا تتداخل معه عوامل أخرى، وعلى سبيل المثال وفاة المريض نتيجة خطأ الطبيب الذي لم يعطيه الدواء المطلوب.
- أن يكون الضرر قد وقع بالفعل أي محققا، ومع ذلك نجد أن هناك حالات تنعقد فيها المسؤولية الجنائية على أساس فكرة المخاطر.
- حتى تكتمل عناصر المسؤولية الجنائية نجد أن من أهم الشروط التي يجب توافرها في الضرر الطبي هو أن يمس هذا الضرر مصلحة مشروعة، وتعتبر حياة الأنسان وسلامته الجسدية من اهم المصالح التي تحظى بالحماية الجنائية وذلك بموجب كلا من النصوص التشريعية والمواثيق الدولية.
ب- صور الضرر أساس المسؤولية:
– الضرر المادي:
يتفرع عن الضرر المادي كل من الضرر الجسدي والضرر المالي، ومن المتفق عليه هو إباحة الأعمال الطبية والجراحية التي تتطلب المساس بسلامة جسم الأنسان حيث إنها في النهاية تهدف إلى سلامة جسم الأنسان.
ونجد أن الضرر الجسدي – وهذا هو محط اهتمامنا – يتحقق هنا في حالة الاعتداء على الجسم إذا ما نشأ عنه تشويه أو عجز.
– الضرر المعنوي:
هو الضرر الذي يصيب المعتدى عليه في عاطفته وشعوره، حيث يمثل هذا النوع من الضرر مساسا بمصلحة حق غير مالي، فقد يصيب الشرف والعرض وقد يصيب الاعتبار والعاطفة والشعور.
ويتحقق الضرر المعنوي للخاضع للتجربة الطبية إذا أصابه تشوه في جسده وأصبح ملازم له مما يؤثر على شعوره ويصيبه بالحزن والألم جراء ما تعرض له من تشوه.
ج- حدود المسؤولية الجنائية عن الأعمال الطبية على أساس فكرة المخاطر:
القاعدة تقتضي أن الضرر المحتمل لا يكون محلا للمسؤولية، ولكن يعتد بذلك الضرر بشروط وضوابط دقيقة، وفى الحالات التي يكون احتمال وقوع الضرر بدرجة كبيرة لا مجرد خطر مفترض.
ومن أمثلة احتمال حدوث الضرر بدرجة كبيرة أي وقوع الخطر الفعلي الواقعي الذي يوجب المسؤولية أحيانا، أن يرتكب الطبيب خطأ يترتب عليه مضاعفات تنذر بوجود ضرر قادم محقق الوقوع، فالضرر هنا يحتمل الوقوع بدرجة كبيرة.
ومن هنا نجد احتمال حدوث الضرر الطبي أو درجات الخطر تتفاوت وتتدرج كأساس للمسؤولية الجنائية وفقا للتقسيم الآتي:
- الاحتمال الضعيف للضرر: يمثل هذا الاحتمال أدني درجات الخطر، فلا يكون للخطر أي خشية لحدوثه ومن ثم لا مجال للمسؤولية.
- الاحتمال المتوسط للضرر: يبدأ الخطر في هذه المرحلة في التصاعد على سلم الخطر، فتتساوى عوامل تيسير الخطر مع عوامل الحيلولة دون حدوثه.
- الاحتمال القوى للضرر: وفى هذه المرحلة تكون نسبة العوامل التي تيسر الخطر تفوق العوامل المانعة للخطر.
- الاحتمال الأكيد للضرر: تصل درجة الضرر هنا للدرجة القصوى وهي اليقين، ويكون الإنذار فيها محققا أكيدا ومحققا، وتكون كل العوامل ميسرة للضرر دون أي حائل يمنعه، ومن ثم يصح أن يكون أساسا للمسؤولية، ولكن وفق الضوابط التي ذكرناها آنفا.
3- علاقة السببية بين الخطأ الطبي والنتيجة الناشئة عنه:
بالإضافة إلى عنصري الخطأ والضرر يلزم كذلك توافر علاقة سببية تربط بينهما وذلك لقيام المسؤولية الجنائية نتيجة الأعمال الطبية.
ونظرا لما يتميز به جسم الإنسان فسيولوجيا بسمات خاصة نجد أن علاقة السببية في نطاق الأعمال الطبية تتميز بصعوبة بالغة في إثباتها ووجودها، وذلك من حيث تعدد أسباب حدوث الضرر والذي قد يكون مصدرها عوامل أخرى تدخلت في إحداث الضرر.
ومن ناحية أخرى نجد أن على قاضي الموضوع التثبت من وجود عناصر أو توافر علاقة السببية وذلك كعنصر هام في المسؤولية على أساس الضرر المحتمل، ويرتكز هذا الإثبات على افتراضات منطقية، ولكنها في نفس الوقت غير مؤكدة، مؤداها أن السلوك الذي ارتكب سواء كان سلبي أو إيجابي من شأنه تعريض المصلحة والتي تعد محل الحماية الجنائية وقائيا لخطر الأضرار بها.
رابعاً: حالات الإعفاء من المسؤولية الجنائية عن نتيجة العمل الطبي:
تبدأ جهود الطبيب بتشخيص المرض تمهيدا لإعطاء العلاج المناسب ودرء الخطر عنه، وتتسم هذه المرحلة بالدقة، ورغم ذلك فإن فرص الخطأ غير مستبعدة في هذا العمل الدقيق ولهذا قد بدأت الاتجاهات التشريعية في النص الصريح على بعض حالات لإعفاء من المسؤولية الطبية، فهناك بعض الحالات الخاصة التي يكون فيها الطبيب غير مسؤول، وتتمثل هذه الحالات في الآتي:
1- إذا كان الضرر قد وقع بسبب المريض:
الأصل أن المسؤولية عن الجريمة شخصية، فالشخص لا يكون مسئولا عن الجريمة ولا توقع عليه عقوبتها إلا إذا كان فاعلا أو شريكا فيها، ويتطلب هذا الأصل إسناد الخطأ إلى الفاعل سواء كان ذلك عن طريق القيام بالفعل أو الامتناع الذي يجرمه القانون على أساس حرية الاختيار.
ومن ثم فإذا تعمد المريض تضليل الطبيب مما أدى إلى الخطأ في تشخيص حالته مما ترتب عليه إصابته بضرر، فإن ذلك من شأنه أن يعفي الطبيب من المسئولية في هذه الحالة نظراً لأن الخطأ هنا يُنسب إلى المريض وليس الطبيب.
2- إتباع الطبيب أسلوب طبي مغاير، ولكن متفق مع الأصول الطبية:
من الضروري لتتطور علم الطب أن يكون هناك مرونة في العمل الطبي من شأنها أن تسمح للطبيب المعالج أن يوازن ويختار بين فرص العلاج الملائمة للمريض، ومن هنا قد اعتبر القضاء الفرنسي أنه لا يعتبر خطأ طبيا يستوجب المسؤولية إذا، رجح الطبيب رأي علمي على رأي آخر طالما كان المرض المراد تشخيصه لا يزال طور البحث. ([2])
ومع ذلك نجد أن عدم استشارة الطبيب لزملائه الأكثر تخصصا في المسائل الأولية وكذلك إذا أصر على رأيه رغم تنبيه بخطئه في التشخيص من قبل زملائه من الحالات التي يسأل فيها الطبيب عن الخطأ في التشخيص.
3- إذا حدثت آثار ومضاعفات غير ناجمة عن الأخطاء الطبية المتعارف عليها:
القاعدة أنه يجب على الطبيب أن يبذل ما في وسعه في فحص المريض وأن يأخذ بكافة الطرق العلمية للفحص كإجراء التحاليل والأشعة وذلك كي تمكن من إبداء رأيه وتشخيصه للمرض، فضلا عن استعانة الطبيب المعالج بآراء الأخصائيين في كل حالة يصعب فيها التشخيص.
ومن هنا يسأل الطبيب عن كل خطأ يرتكبه تدل على جهل واضح بالمبادئ الأولية للطب.
خامساً: إثبات المسؤولية الجنائية الطبية ومدى الحاجة إلى قضاء متخصص:
إن الإثبات الجنائي هو إقامة الدليل اليقيني على صحة حدوث الوقائع الجنائية ونسبتها إلى المتهم بارتكابها، وتظهر أهمية الإثبات الجنائي في مجال المسؤولية الجنائية عن الأعمال الطبية، وهذا كان سببا رئيسيا في ظهور بعض التشريعات التي ركزت على توفير الضمانات اللازمة في أهل الخبرة كي يستعان بهم في إثبات الأخطاء الطبية، فضلا بعض الاتجاهات الأكاديمية تنادى بإنشاء قضاء طبي متخصص، وهذا ما سنبينه كالتالي:
1- الاستعانة بأهل الخبرة في مجال المسؤولية عن طب النانو، فتعتبر جميع الأعمال والنشطة المتعلقة بتكنولوجيا ومواد النانو الطبية من الأنشطة المهمة والمعقدة لذلك لا بد من الاستعانة بأهل الخبرة، ومثال لذلك قامت شركة (كورفس) بصناعة روبرت صغير يستطيع أن يتجول داخل الأوعية الدموية، فضلا عن استخدامه كمساعد طبيب في العمليات الجراحية الخطيرة، كما وجدت لها تطبيقا في مجال جراحة وطب الأسنان.
2- الاتجاهات التشريعية بشأن التخصص القضائي إيمانا منها بأن إصلاح العدالة الحقيقي يكون عن طريق قطاع قضائي فعال فلا يقتصر فقط على وضع ترسانة قانونية وآليات لمكافحة كافة الانحرافات، وإنما يضع نظام قضائي متخصص لنوع معين من أنواع الجرائم، فأغلب الاتجاهات التشريعية قد بات معلوما لديها أن القضاء المتخصص هو نقطة العبور للإقامة العدالة والإصلاح.
وعلى سبيل المثال نجد أن مصر من الدول التي انتبه فيها المشرع لمبدأ التخصص القضائي فأنشأ المشرع المصري بموجب القانون رقم 120 لسنة 2008 المحاكم الاقتصادية، لتختص هذه المحاكم بنظر منازعات معينة دون غيرها.
إعداد/ بسمة باسم.
[1] الخطأ الطبي في مجال التجارب الطبية الواردة على جسم الأنسان، مسعودي قاسي، 2014/2015، ص 18.
[2] المسؤولية الجنائية عن التجارب الطبية، محمد، محمد نصر، لعام 2018، ص 236.

