أنظمة الإثبات الجنائي
لا شك أن نظام الإثبات هو المحرك الأساسي للدعوى الجنائية، وهو المحور الذي يقوم عليه قواعد الإجراءات الجزائية، منذ لحظة وقوع الجريمة، إلى لحظة صدور الحكم النهائي بواسطة السلطات القضائية، وهذا الحكم لا يمكن صدوره إلا بناء على أدلة صحيحة طرحت للمناقشة أمام قضاء المحكمة.
وتقوم النظرية العامة للإثبات على مبدأ هام ألا وهو حرية إثبات المسائل الجزائية بجميع طرق الإثبات، على عكس ما هو عليه الحال في إثبات المسائل المدنية.
ومن خلال هذا المقال سنحاول أن نلقى الضوء على أنظمة الإثبات الجنائي كما أوردها الفقه ثم نبين موقف المشرع الأردني من هذه الأنظمة وكذلك موقف محكمة التمييز الأردنية وذلك من خلال العناصر الآتية:
أولاً: ماهية البحث الجنائي وأهميته:
ثانياً: النظام الاتهامي (نظام الأدلة الاقناعية):
ثالثاً: النظام التنقيبى ( نظام الأدلة القانونية ):
سادساً: موقف المشرع الأردني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية:
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الإثبات الجنائي:
أولاً: ماهية البحث الجنائي وأهميته:
بادئ ذي بدء لابد أن نبين وبإيجاز مفهوم الإثبات، فنتناول معناه القانوني: وهو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتب آثارها، أما الإثبات الجنائي فيعنى إقامة الدليل على وقع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم.
ومن هذا المنطلق يتضح لنا مدى أهمية الإثبات في المواد الجنائية، حيث إنه يلعب دور حاسم في مصير الدعوى الجنائية، فإذا كان الغرض النهائي لكل دعوى جنائية، هو الوصول إلى الحقيقة الواقعية، فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن تظهر إلا بعد جهد قضائي بالبحث عنها، وثبوتها بالأدلة، وهو وحده الذي يقود القاضي إلى إصدار حكمه بالإدانة أو البراءة.
وغنى عن البيان أنه لا يمكن مطلقاً إدانة شخص دون أن تثبت مساهمته في الجريمة، سواء كفاعل مادياً أو معنوياً لها، أو شريكاً في ارتكابها، وإثبات توافر كل أركان وعناصر وشروط الجريمة المسندة إليه.
فلا مناص من القول بأهمية الإثبات الجنائي وقواعده ليس فقط لمقتضيات المصلحة العامة، بل أيضاً لتحقيق مصلحة الفرد، وهي لا تقل بأي حال من الأحوال في الأهمية عن مصلحة المجتمع، وتتمثل مصلحة الفرد في عدم إدانة برئ، وتجنب مخاطر الاتهام بارتكاب جريمة.
ولا شك أن الإثبات يجب فهمه بمعناه الواسع، الذي يجمع فيه كل الأفكار العامة والقواعد التي تتعلق بالبحث عن الأدلة، وإقامتها أمام القضاء وتقديرها، وتحديد ما هو لازم منها وما هو جائز وما هو محظور، فالدعوى الجنائية من المستحيل أن تحقق أغراضها إلا بفضل قواعد الإثبات التي تسمح للقاضي الجنائي بأن يؤسس اقتناعه على أدلة الإثبات ويصدر حكمه.
ومن المسلم به أن غرض الدعوى الجنائية هو الحقيقة الواقعية، وكشفها للوصول في النهاية إلى الحل القانوني لموضوع الدعوى الجنائية، لذا فإن تحديد الجريمة التي وقعت والمتهم الذي ارتكابها هو وحده الذي يسمح بتوقيع العقوبة المستحقة، ولا يخفى عن الفطنة أن تلك الحقيقة الواقعية لا تظهر من تلقاء نفسها، بل هي دائماً ثمرة بحث شاق ومجهود كبير ومشقة.
وغنى عن البيان أن البحث عن تلك الحقيقة لا يتصور أن يتم بأية طريقة أو كيفية، بل لابد من استخدام وسائل محددة، حيث إنه بصدور الحكم الجنائي النهائي بما يتضمنه من حقيقة واقعية، تحل قرينة الحقيقة محل قرينة البراءة، لذلك ونتيجة للدور الهام الذي تلعبه الحقيقة الواقعية، فإن الأمر يستلزم القيام بتنظيم كافة إجراءات الدعوى الجنائية، وقواعد الإثبات على وجه الخصوص لكي يتم التوفيق بين قرينة البراءة وقرينة الحقيقة.
فالأثبات على هذا النحو هو العصب الرئيسي للحكم الجنائي، ونظرية الإثبات تحظى في نطاق القانون الجنائي بأهمية قصوى، عن غيره من القواعد، فالإجراءات المدنية يحكمها مبدأ أساسي وهو حياد القاضي فدوره غالبا سلبي، بعكس دور القاضي في الدعوى الجنائية التي ينشط فيها القاضي ويقوم بدور إيجابي في كشف الحقيقة باعتبار الدعوى الجنائية نزاعاً عاماً.
فإذا كان القاضي المدني ممنوع من البحث بنفسه عما يعتقد أنه مفيد في كشف الحقيقة، فعلى العكس من ذلك يكون دور القاضي الجنائي، الذي هو مكلف بالبحث والتنقيب عن كل ما يفيد الحقيقة الواقعية، ولذلك فإن عبء الإثبات الجنائي في الدعوى الجنائية لا يقع على عاتق أطرافها فقط، بل يقع أيضاً على عاتق القاضي الجنائي.
ولا يفوتنا أن ننوه على أن المدعى في الدعوى الجنائية يتمثل في المجتمع ويمثله فيها النيابة العامة، التي تلعب دوراً هاماً للبحث عن الأدلة التي تفيد في كشف الحقيقة، وإثبات التهمة إلى المتهم أو عدم نسبتها إليه، كل ذلك يجعل لقواعد الإثبات في المواد الجنائية ذاتية خاصة وأهمية كبيرة لا يمكن لأحد إنكارها.
ثانياً: النظام الاتهامي (نظام الأدلة الإقناعية):
مما لا شك فيه أن النظام الاتهامي يعد من أقدم الأنظمة الإجرائية على الإطلاق، حيث نشأ هذا النظام في عهد العصر الإقطاعي في روما وفرنسا، وكان ذلك قبل تنظيم السلطة القضائية في هذه المجتمعات بشكل متكامل ونهائي، فقد كانت الجريمة إبان هذه الفترة توصف بأنها جريمة خاصة تصيب أذاها المجني عليه وحده ولا تنعكس آثارها على المجتمع.[1]
وترتيباً على ذلك اختلطت الدعوى الجنائية في النظام الاتهامي وتشابهت مع سمات وخصائص الدعوى المدنية، فأصبح لا يمكن أن تحرك تلك الدعوى إلا من قبل المجني عليه فقط، وظل المتهم حراً طليقاً، بيد أنه أصبح لزاماً عليه أن يقدم بنفسه الأدلة والأسانيد للقاضي، ويفند ما يحوم حوله من شبهات لكي يستطيع أن يثبت براءته.
وتفسيراً لذلك كانت الدعوى الجنائية في النظام الاتهامي لا تتحرك إلا من قبل المجني عليه وحده، بناء على الأدلة التي يسوقها ضد المتهم والتي تساند بعضها البعض.
وفى المقابل أيضاً نجد أن المتهم في هذا النظام يبحث بنفسه وبشتى الطرق عن أدلة النفي، لأن عبء إثبات براءته أمام القاضي واقعاً عليه، ومن كل ذلك تظهر أهم ميزة يتمتع بها النظام الاتهامي، ألا وهي ميزة المساواة التامة بين أطراف الدعوى الجنائية، فالإثبات في ذلك النظام يقع على عاتق أطراف الدعوى الجنائية وحدهم، دون تفضيل لأحدهما على الآخر.
ولكن هناك تساؤلاً هاماً يفرض نفسه في هذا الشأن وهو: هل للقاضي الجنائي دور ملحوظ في مجال البحث عن الحقيقة في النظام الاتهامي؟
بادئ ذي بدء لزاماً علينا أن نوضح أن القاضي في مثل هذا النظام هو مجرد فرد عادى مقبول لدى أطراف الدعوى الجنائية، ولذلك يجوز لأي طرف من أطراف الدعوى أن يرد القاضي ويرفضه، ولعله من المفيد أن نؤكد على أن القاضي في النظام الاتهامي يباشر إجراءات نظر الدعوى في صورة علانية، كما أن هذه الإجراءات تتم شفاهية وفى حضور الخصوم.
وبالنسبة لدور القاضي في الإثبات في هذا النظام، فإنه يحكم في الدعوى حسب اقتناعه الشخصي، وما ترسخ في عقيدته، وما وصل إليه من رأى ذاتي، فهو يستعرض الأدلة المعروضة عليه في الدعوى، ويزن قوتها وقيمتها في الإثبات، حسبما يملى عليه ضميره وما يصل إليه عقله.
فهذا النظام يقوم أساساً على مبدأ حرية القاضي في الإقناع، حيث لا يتقيد القاضي في الإثبات بأدلة محددة، كشهادة أو اعتراف أو رأى خبير أو قرينة قانونية، بل أنه قد يأخذ بشهادة البعض ويطرح شهادة البعض الآخر، وقد يقنع باعتراف المتهم وقد يهمله، فهو في النهاية يبنى حكمه على اقتناعه بأي دليل أو وسيلة يراها من وجهة نظره الشخصية والمحضة أنها ستصل به إلى الحقيقة.
وهكذا يبدوا لنا أن سلطة القاضي في النظام الاتهامي وصلاحيته تنحصر في تقييم الأدلة التي يقدمها أطراف الدعوى، ومن ثم يحكم لأقواهما حجة، وهو في ذلك يتمتع في مجال تقدير الأدلة بمبدأ الاقتناع الشخصي، لتصبح الحقيقة في هذا النظام هي الحقيقة الشكلية التي استطاع أحد أطراف الدعوى إثباتها للقاضي، وليست بالتأكيد الحقيقة الواقعية التي يبتغيها المجتمع من الدعوى الجنائية، والمأمول تحقيقها، وذلك لأن الأدلة هي فقط أدلة إقناعيه محضة، وليست قانونية.
ثالثاً: النظام التنقيبي (نظام الأدلة القانونية):
من المسلم به أن النظام التنقيبي لم ير النور إلا مع بداية نشأة الدولة كسلطة، وذلك عندما تغيرت نظرة الفقه القانوني للجريمة، باعتبارها لم تعد عدواناً فحسب على حق المجني عليه وحده، بل أصبحت عدواناً على أمن المجتمع واستقراره، مما أدى إلى زيادة أهمية تنظيم السلطة القضائية حتى وصلت إلى شكلها النهائي.
وترتيباً على ذلك أصبحت الدعوى الجنائية نزاعاً عاماً وليس خاصاً، فظهرت النيابة العامة كوكيل عن المجتمع في المطالبة بتوقيع الجزاء على مرتكب الجريمة كسلطة اتهام، كما أصبح موكل إليها أيضاً رفع الدعوى الجنائية على المتهم، بل وأيضا مباشرتها، فصارت النيابة العامة تملك عدة سلطات تستطيع أن تمارسها على المتهم بغية الوصول للحقيقة، كالقبض عليه وتفتيشه، وحبسه احتياطياً، كما ظهرت في نفس الصدد مرحلة التحقيق الابتدائي، والذي اتسمت إجراءاته بالسرية، وبالتدوين، وأصبحت تتم دون حضور الخصم.
لكن ما هو دور القاضي في مجال الإثبات الجنائي في النظام التنقيبي؟
في الحقيقة إن القاضي وفقاً لهذا النظام صار موظفاً عاماً مؤهلاً ومفروضاً على أطراف الدعوى، فالمشرع هو الذي يحدد مقدماً الأدلة التي يستند إليها القاضي في حكمه بالإدانة، وقد يشترط دليلاً معيناً، أو يضيف شروطاً للدليل الذي يحكم بناء عليه بعقوبة معينة، ولا عبرة في هذا النظام بقناعة القاضي الشخصية[2].
فالنظام التنقيبي اعتمد أولاً وقبل كل شيء على نظام الأدلة القانونية، ولم يعد في إمكان القاضي أن يحكم في الدعوى حسب اقتناعه الشخصي، بل أصبح مقيداُ بأدلة محددة يحدد القانون قيمتها في الإثبات، أما دور القاضي فيقتصر على تطبيق القانون بالبحث في مدى توافر الدليل أو شروطه من عدمه، ليحكم بالإدانة تارة إذا توافرت تلك الأدلة، أي بالعقوبة المحددة في القانون، وبالبراءة تارة أخرى إذا لم تتوافر الأدلة أو شروطها، بصرف النظر عن اعتقاده الشخصي، ولو اقتنع يقيناً بأن المتهم مدان في الجريمة المسندة إليه.
رابعاً: النظام المختلط:
تجدر الإشارة بداية إلى أن النظام المختلط ليس له خصائص خاصة به يتميز بها، بل هو نظام يقوم في الأساس على الجمع بين خصائص النظامين السابقين، فهو يجمع بين الإثبات بالأدلة القانونية، والأدلة الإقناعية، ويبدو ذلك في محاولة النظام المختلط التوفيق بين قناعة القانون وقناعة القاضي، ليقرر أنه إذا لم يقتنع القاضي بالأدلة القانونية كان لزاماً عليه أن يحكم بالبراءة.
ويطبق النظام المختلط شفهية المرافعات، وعلنية الإجراءات، ومباشرتها في مرحلة المحاكمة، كما أنه يأخذ بسرية الإجراءات في مرحلة التحقيق، ودور النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها، دون أن يلغى تماماً دور الأطراف الأخرى، كما أخذ عنه فكرة القاضي المؤهل المفروض على الخصوم.
ومعظم التشريعات المعاصرة تطبق المزج بين النظامين لتجمع بين مزاياهما، وتتجنب عيوبهما فتطبيق مبدأ حرية الدليل السائد في النظام الاتهامي على مسألة قبول الدليل أمام القضاء، ومبدأ الدور الإيجابي للقاضي الجنائي – سواء كان قاضى حكم أو قاضى تحقيق – السائد في النظام التنقيبي، ليحكم مسألة البحث عن الدليل، ومبدأ حرية القاضي الجنائي في الإقناع عن النظام الاتهامي ليحكم مسألة تقدير الدليل.
خامساً: النظام الإسلامي:
لا يخفى عن الفطنة أن الجرائم في النظام الإسلامي تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
- نوع فيه حد، وهي جرائم الحدود، الزنا، السرقة، والسكر، والمحاربة والبغي، والردة، ولكل فعل من هذه الأفعال عقوبة قدرها المشرع وحددها.
- نوع فيه قصاص، وذلك في جنايات النفس، أو ما دونها من جرح، أو قطع عضو.
- نوع أخير لا حد فيه ولا قصاص ولا كفارة، وهي الجنايات التي لم يحدد المشرع الحكيم لها عقوبة، أو حدد عقوبة لكن لم تتوافر شروط تطبيقها، مثل القذف بغير الزنا، وفى هذا النوع يترك تقدير العقوبة المناسبة للحاكم، وتسمى بجرائم التعزير.
وتفسيراً لذلك، فإن عقوبات التعزير هي الأحكام الجنائية التي لم ينص عليها المشرع الإسلامي، وترك أمر تحديدها إلى الحاكم الإسلامي، وهي تشمل منطقة واسعة من التشريع الجنائي الإسلامي، ويتولى إقامة الحدود الشرعية الحاكم الإسلامي أو نائبه، لأن إقامة الحدود تستهدف تحقيق المصلحة العامة، ودفع للفساد والفجور، ويلاحظ أنه يقيم حقوق الله دون طلب من أحد، أما حقوق العباد فتتوقف إقامتها على طلب ممن ثبت له دون غيره، وأما إقامة القصاص والديات، فتحتاج إلى طلب من ولى الدم أو المجني عليه.
ولعله من المفيد أن نؤكد أن نظام الإثبات في الإسلام يقوم على أنه لا تثبت دعوى إلا بدليل يستظهر به الحقيقة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو يعطى الناس بدعواهم لأدعي ناس دماء رجالهم وأموالهم )، لذا لزاماً على المدعى أن يقيم الدليل على صدق دعواه، فالأصل في المدعى عليه، براءة ذمته، وعلى المدعى إثبات العكس، عملاً بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم 🙁 البينة على المدعى واليمين على من أنكر )، ويجب أن يكون الدليل الذى يقدمه المدعى، قطعياً وليس ظنياً، فالأحكام في الشريعة الإسلامية الغراء تقوم على الجزم واليقين، وليس الشك والتخمين، ( وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ).[3]
وفى هذا الإطار فإن الشبهة القوية في النظام الإسلامي تحول دون توقيع القاضي للعقوبة، سواء كانت الشبهة في ركن الجريمة، أو في تطبيق النص على الفعل الذي ارتكب، أو الشبهة على الدليل، لقوله صلى الله عليه وسلم (أدرأوا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة).
واستخلاصاً مما سبق، فلا تثبت الجريمة بالشهادة إلا إذا كانت الشهادة قاطعة، لم يعدل عنها الشاهد، ولا توجد شهادة أخرى تتعارض معها، ويجب أن تكون عبارات الشاهد صريحة تدل على الجريمة بشكل قطعي لا شبهة فيه، وأن يظل الشاهد مصراً على أقواله وشهادته حتى يصدر القاضي حكمه ويتم تنفيذ الحكم، أما إذا عدل الشاهد عن شهادته ولو بعد الحكم فيسقط الحد، وذلك لأن الشبهة قد تحققت في هذه الشهادة.
ويلاحظ أيضاً على الإقرار كدليل إثبات في النظام الإسلامي، أنه يجب أن يكون نصاً على ارتكاب الجريمة، وأن يصر عليه المقر، وألا يوجد دليل يتعارض معه، ونستشهد في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز، أنه لما أقر عنده بالزنا، (قال له أنكحتها؟ فقال نعم) بيد أنه إذا عدل المقر عن إقراره قبل التنفيذ ولو بعد الحكم، فإن الإقرار في هذه الحالة لا يصلح كدليل لإقامة الحد، وإن كان يمكن للقاضي إذا اقتنع بصحة الإقرار رغم العدول عنه أن يوقع عقوبة تعزيرية، على خلاف الشهادة فالعدول عنها يبرئ الشخص كلية.
وهكذا فإن طرق إثبات الدعوى الجنائية المتعلقة بجرائم الحدود والقصاص والتعزير، أربع طرق هي: الإقرار، والشهادة، والقرائن القاطعة، واليمين.
أما عن سلطة القاضي الإسلامي في الإثبات فتختلف: فهو في دعاوى الحدود والقصاص تضيق، لأنه يخضع فيها لنظام الإثبات المقيد، فهي لا تثبت شرعا إلا بشهادة شاهدين، فيما عدا الزنا يحتاج لإثباته شهادة أربعة، كما أن جرائم الحدود والقصاص تثبت بالإقرار، وقد اشترط الفقهاء في الإقرار توافر أربعة عناصر: الأول: الاختيار، والثاني: الحق، بأن يكون الإقرار متعلقاً بحق سواء مادي أو معنوي، مالي أو غير مالي والثالث: أن يقر بالحق على نفع الغير، ولا يقبل الإقرار المنفى، والرابع: ضرر المقر.
أما بالنسبة لدعاوى التعزير، فوفقاً للراجح في الفقه الإسلامي، أنها تخضع لمبدأ حرية الإثبات، ومبدأ اقتناع القاضي، فإثباتها يخلو من الشكلية، ولا يتقيد بأي قيد، ومن ثم يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات.
سادساً: موقف المشرع الأردني واجتهادات محكمة التمييز الأردنية:
لا يفوتنا في ختام هذا المقال أن ننوه لموقف المشرع الأردني في شأن الإثبات الجنائي، حيث اتجه إلى نظام الأدلة الإقناعية والإثبات الحر، ويستفاد ذلك من قراءة نص (المادة 147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والتي تنص على ما يلى: ( المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قطعي، وتقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات، ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، وإذا نص القانون على طريقة معينة للإثبات وجب التقيد بهذه الطريقة، وإذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم أو الظنيين أو المشتكى عليه من الجريمة المسندة إليه).
ومن استقراء هذا النص وغيره من نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية، يتضح لنا أنه يجب أن يكون الإثبات على أن المشتكى عليه قد ارتكب الجريمة إثبات قاطع، وإلا يتم تبرئته مما أسند إليه، فالأحكام الجزائية دوماً تبنى على الجزم واليقين وليس الشك والتخمين، ورغم أن القانون الأردني منح القاضي سلطات واسعة في تقدير قيمة الدليل في المواد الجزائية، لكنه قيده بقواعد محددة تبين له كيفية حصوله على الدليل، وشروط الدليل الذي يقبله، وإلا يتم إهدار ذلك الدليل.
وحري بنا بعد معرفة اتجاه المشرع الأردني في الإثبات الجنائي، أن نتعرف على بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية بشأن هذا الموضوع ومنها ما يلي:
سابعاً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الإثبات الجنائي:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 560 لسنة 2021 ما يلي:
إلى جانب مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، هناك مبدأ آخر وهو مبدأ الأصل في الإنسان البراءة، الذى يقتضى أن براءة الشخص مفترضة وأصل ثابت فيه، ذلك أن الأصل في المتهم أنه برئ حتى يقوم الدليل القانوني على إدانته، أي أن هذا المبدأ هو الحصن الذى يحتمى به الشخص، وهو الحجر الأساس في بناء نظرية الإثبات في المواد الجنائية، بما له من أهمية تحديد من يكلف بتحمل عبء الإثبات، أي أن مسألة عبء الإثبات هي إعفاء المتهم من تحمل عبئ إثبات براءته، فهذا أصل ثابت فيه، بل يقع على سلطة الاتهام ( النيابة العامة ) إثبات عكسها.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 2261 لسنة 2020 ما يلي:
إثبات التزوير وتقدير الأدلة، يكون خاضعاً لكافة القواعد التي تحكم نظرية الإثبات الجنائي، إذ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يحدد طرق إثبات معينة في دعاوى التزوير، ومن ثم يكون تكوين العقيدة بمثل هذا النوع من القضايا لا يتقيد بدليل معين، وبالتالي فإن المحكمة تجد أنه على النيابة العامة تقديم الدليل على إثبات التهمة للمتهم، أو اشتراكه بالأفعال المادية المكونة للركن المادي لجريمة التزوير، وعلى توافر القصد الجنائي لدى المتهم.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3185 لسنة 2020 ما يلي:
وفى ظل الأنظمة الجنائية الحديثة، فقد اعتبر الاعتراف من الأدلة الإقناعية التي تخضع إلى سلطات المحكمة لتقديرها وتمحيصها، وتقدير مدى حجتها في الإثبات، وفقاً لمبدأ حرية الاقتناع التي تأخذ به التشريعات الحديثة، والذي يخول للمحكمة سلطة واسعة في وزن الأدلة، والاقتناع بها، وما تطمئن إليه، وطرح ما لم ترتاح وتطمئن إليه.
نافلة القول إذاً ومن خلال قراءة النصوص القانونية، وعرض بعض من أحكام محكمة التمييز الأردنية، يتبين لنا وبحق أن المشرع والقضاء الأردني يميل في الإثبات الجنائي إلى الأخذ بالأدلة الإقناعية، نظام الإثبات الحر.
إعداد/ جمال مرعي.
[1] انظر الأستاذ الدكتور/ محمد زكي أبو عامر، الإثبات في المواد الجنائية، ص٨١.
[2] أنظر في هذا المعنى هاشم رضائي، دور القرائن في الإثبات الجنائي: دراسة مقارنة بالفقه القانوني، 2013، مجلة دراسات الكوفة، ص143.
[3] الأستاذ الدكتور/ محمد زكي أبو عامر، مرجع سابق، ص ٨٦.

