أحكام إيجار الأرض الزراعية
يسري على إيجار الأراضي الزراعية في الأصل الأحكام العامة المنصوص عليها في عقد الإيجار، إلا أن المشرع الأردني في المواد من 714 : 722 من القانون المدني قد خص إيجار الأرض الزراعية ببعض الأحكام التي تتلاءم مع طبيعتها نظرا لأهمية الزراعة وانفرادها ببعض الخصائص التي تميزها عن غيرها، حيث تعتبر الأراضي الزراعية أداه من أدوات الإنتاج التي يقوم عليها اقتصاد الدول، فبخلاف قيامها بإنتاج المحاصيل المختلفة التي يعتمد عليها الأفراد في غذائهم، وكونها مرعى للثروة الحيوانية، حيث يرتبط وجود الأخيرة بوجود الأراضي الزراعية التي ترعى فيها المواشي والأبقار، فإنها أيضا تعتبر من مصادر الدخل القومي التي تعتمد عليه الدولة في بناء اقتصادها، وسوف نتناول في بحثنا بداية تعريف المقصود بالإيجار الزراعي ونطاقه، ثم أحكام عقد الإيجار الزراعي وأثاره ، وذلك من خلال تناولنا للنقاط الآتية:
ثانيا: نطاق تطبيق أحكام الإيجار الزراعي:
ثالثا: أحكام عقد الإيجار الزراعي:
رابعاً: انقضاء عقد إيجار الأرض الزراعية:
خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن أحكام إيجار الأرض الزراعية:
أولا: تعريف الإيجار الزراعي:
هو العقد الذي بمقتضاه يقوم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالأرض وملحقاتها كي يقوم المستأجر خلال فترة معينة باستغلالها استغلالا زراعيا لحسابه، مقابل قيام المستأجر بسداد القيمة الإيجارية نقدا للمؤجر.[1]
ثانيا: نطاق تطبيق أحكام الإيجار الزراعي:
إن مناط تطبيق قواعد إيجار الأراضي الزراعية هو أن يكون الغرض من إيجار الأرض هو استغلالها استغلالا زراعيا، والاستغلال حتى يكون زراعيا لابد وأن ينطوي على نشاط زراعي من جانب المستأجر، فدور المستأجر يجب أن يكون إيجابا بعكس مستأجر المساكن فدوره سلبي حيث لا يقوم بأكثر من السكن في المكان الذي يستأجره.
والمؤجر في الأرض الزراعة لا يستهدف من التأجير مجرد الحصول على الإيجار مثلما يحدث في إيجار المساكن، وإنما ينتظر من المستأجر أن يقوم بالعناية بالأرض واستغلالها.[2]
ومن ثم يعتبر من قبيل إيجار الأرض الزراعية استئجار حديقة يوجد بها منزل إذا كان القصد من الإيجار أساسا هو استغلال الحديقة، أما إذا كان القصد من الإيجار هو سكنى المنزل والحديقة ملحقة بالمنزل ولا يستهدف العقد استغلالها فالإيجار إيجارا للسكن.
ويعتبر الإيجار زراعيا إذا كان واردا على ارض بور بقصد استغلالها استغلالا زراعيا،[3] ويعتبر أيضاً من قبيل الاستغلال الزراعي استئجار الأرض وزرعها بالبرسيم لتربية الماشية للحصول على ألبانها أو لحومها حيث تدخل الثروة الحيوانية في عموم الزراعة.[4]
ولا يمثل فارقا في الإيجار أن يلتزم المستأجر بزراعة نوع معين من المحاصيل في الأرض الزراعية، فيجوز أن يلزمه المؤجر بزراعة نوع معين، ويجوز أن يترك الخيار للمستأجر ليزرع فيها ما يشاء.
ثالثا: أحكام عقد الإيجار الزراعي:
1 – شروط الإيجار الزراعي:
أ- أن يكون الإيجار بغرض الاستغلال الزراعي: وقد أوضحنا سالفا المقصود بالاستغلال الزراعي ونطاق تطبيقه.
ب- أن تكون القيمة الإيجارية محددة بالنقد: وبذلك يختلف عن الإيجار بالمزارعة التي تكون فيه القيمة الإيجارية عبارة عن حصة شائعة في المحصول الذي قام المستأجر بزراعته.
جـ – ألا تكون الأرض مشغولة بزرع لأخر: فلا يجوز تأجير الأرض إذا كانت مزروعة بزرع شخص أخر خلاف المستأجر ولم يدرك الزرع وكان مزروعا بحق، إلا إذا كان المستأجر هو صاحب الزرع المشغولة به الأرض المؤجرة.
أما إذا كان الزرع قد أدرك عند الإيجار، أو كانت الأرض مزروعة بغير حق، فيصح الإيجار ويكلف صاحب الزرع بقلعه وتسليم الأرض للمستأجر.
على أنه تجوز إجارة الأرض المشغولة بالزرع إجارة مضافة إلى وقت تكون الأرض فيه خالية.
د- أن يتم تسجيل عقد الإيجار: فيجب تسجيل عقد إيجار الأرض الزراعية – متى وقع على أرض تم التسوية عليها – في مديرية تسجيل الأراضي المختصة بموجب عقد ينظم من ثلاث نسخ يعطى لكل من المتعاقدين نسخة منه وتحفظ الثالثة في دائرة تسجيل الأراضي، وكل عقد يحرر بين أطرافه دون إتباع إجراءات تسجيله سالفة البيان فلا تسمع الدعوى به في المحاكم.[5]
2 – أثار عقد الإيجار الزراعي:
أ – التزامات المؤجر:
• الالتزام بالتسليم:
يلتزم المؤجر بتسليم المستأجر الأرض الزراعية وملحقاتها المتصلة بها اتصال قرار، ولا يشمل التسليم المواشي والأدوات والآلات الزراعية إلا إذا شملها عقد الإيجار، وكان لزما على المستأجر في تلك الحالة أن يستخدمها فيما أعدت له فقط وان يتعدها بالعناية والصيانة.
• الالتزام بالإصلاحات غير التأجيرية:
يُلزم المؤجر بإجراء الإصلاحات التي يتوقف عليها استيفاء المنفعة المنشودة من إيجار الأرض الزراعية، مثال الإصلاحات الكبرى للمباني القائمة، وكذلك الإصلاحات الخاصة بمصارف المياه والآبار والخزانات.
ب – التزامات المستأجر:
• الالتزام باستغلال الأرض فيما أعدت له:
فيلتزم المستأجر باستغلال الأرض وفقا لم تم الاتفاق عليه مع المؤجر، أو بحسب طبيعتها وفقا للمألوف، ومن ثم يحظر على المستأجر أن يترك الأرض بدون زراعتها مما قد يضر بها، كما يحظر عليه زراعتها بنفس المحصول لدورات متتالية إذا كان ذلك يضر بخصوبتها، ويجب عليه تسميدها وتنقيتها من الحشرات والحشائش، وغير ذلك من الأعمال التي تبقي الأرض صالحة للزراعة،[6] ولا يعتبر استغلالا سيئا للأرض قيام المستأجر بزراعتها في السنة الواحدة مرتين صيفا وشتاء.
• الالتزام بعدم تغيير طريقة الانتفاع بالأرض:
فيلتزم المستأجر بعدم تغيير طريقة الانتفاع بالأرض، كأن يحول الأرض وهي تستغل لزراعة الفواكه والخضروات إلى زراعة محاصيل أخرى، على أنه يجوز للمستأجر أن يدخل تغيير جوهري أو غير جوهري في زراعة الأرض متى كان تأثيره ينتهي بانتهاء عقد الإيجار ولا يمتد إلى ما بعد انقضاءه، وذلك ما لم يأذن له المؤجر بإجراء هذا التغيير.[7]
• الالتزام بالإصلاحات المعتادة:
فيلتزم المستأجر بالقيام بالإصلاحات التأجيرية المعتادة التي يتطلبها الانتفاع العادي بالأرض، وعلى وجه الخصوص صيانة السواقي والمصارف والآبار وتطهيرها، وكذا صيانة الطرق والقناطر، هذا ما لم ينص الاتفاق أو يجر العرف على غير ذلك.
• الالتزام بسداد الأجرة:
فيلتزم المستأجر بسداد الأجرة نقدا للمؤجر في المواعيد المتفق عليها، إلا أنه قد تطرأ بعض الظرف التي تؤدي إلى إنقاص الأجرة أو إسقاطها بالكامل عن عاتق المستأجر وفقا لما يلي:
– إسقاط الأجرة بالكامل:
الحالة الأولى: تعذر زراعة الأرض المؤجرة لغرقها بالماء، أو لانقطاع الماء عنها مما يستحيل معه ريها، أو كان القيام بريها مكلفا بدرجة كبيرة.
الحالة الثانية: وجود قوة قاهرة حالت بين المستأجر وبين زراعة الأرض المؤجرة، مثل حدوث فيضان، أو حريق، أو حدوث ثورة، أو حالة حرب، ويجب أن تكون القوة القاهرة مستمرة لفترة من شأنها أن تمنع من الزراعة لموسم زراعي كامل.[8]
ففي تلك الحالات يكون للمستأجر أن يطلب فسخ العقد، وتسقط عنه الأجرة كلها، فلا يدفعها إذا لم يكن دفعها، ويستردها إذا كان دفعها.[9]
– إنقاص الأجرة:
الحالة الأولى: إذا هلك الزرع قبل حصاده بسبب أجنبي لا يد للمستأجر فيه، ولم يكن في استطاعته زراعة مثله، فيكون للمستأجر في تلك الحالة أن يؤدي للمؤجر جزء من الأجرة بقدر ما مضي من المدة قبل هلاك الزرع، ويسقط عنه باقي الأجرة المتفق عليها.
الحالة الثانية: إذا هلك الزرع قبل حصاده بسبب أجنبي لا يد للمستأجر فيه، وكان في استطاعة المستأجر أن يزرع مثله، فيكون للمستأجر في تلك الحالة أن يؤدي جزء من الأجرة بقدر ما بقي من مدة الإيجار.
– حالات عدم جواز طلب إنقاص الأجرة أو إسقاطها:
- إذا كانت الأرض مهيأة للزراعة والبذر، ولكن المستأجر هو من أهمل أو قصر في زراعتها، فيتحمل المستأجر وحده في تلك الحالة تبعة التقصير ويستحق المؤجر الأجرة كاملة.[10]
- إذا تم زرع المحصول وقام المستأجر بحصده ثم هلك بعد ذلك لأي سبب، حيث تكون الأرض قد أعطت منفعتها ومن ثم يقع الهلاك على عاتق المستأجر لأن المحصول هلك على ملكه بعد أن استوفى منفعة الأرض.[11]
- إذا كان هلاك المحصول قبل حصاده بسبب خطأ المستأجر أو إهماله.
- إذا كان المستأجر قد نال ضمانا من أيه جهة عما أصابه من ضرر، كأن يكون قد قام بالتأمين على المحصول، أو كانت الحكومة قد عوضته عن الخسائر التي لحقت به متى كانت بسبب حادث عام، أو كان تحصل على تعويض من المسئول عن الضرر.
رابعاً: انقضاء عقد إيجار الأرض الزراعية:
1- انتهاء مدة العقد:
ينتهي عقد إيجار الأرض الزراعية بانتهاء المدة المتفق عليها، على أنه إذا انتهت مدة الإيجار قبل أن يدرك الزرع بسبب خارج عن إرادة المستأجر، تترك الأرض للمستأجر حتى يتم إدراك الزرع وحصاده، على أن يؤدي للمؤجر عن تلك المدة أجرة المثل التي تؤجر بها الأرض في ذلك التوقيت، وليست أجرة المثل التي كان يسددها هو للمؤجر عن مدة إيجاره السابقة.
2- فسخ العقد:
وقد يتم الفسخ من جانب المؤجر: بسبب عدم وفاء المستأجر بالأجرة، أو قيامه بعدم الالتزام بالمحافظة على الأرض المؤجرة، كما قد يتم الفسخ من جانب المستأجر حال عدم قيام المؤجر بتسليمه الأرض صالحة للزراعة، أو وقوع قوة قاهرة تحول بينه وبين زراعتها، كحدوث فيضان أغرق الأرض، أو عاصفة شديدة أدت إلى بوار الأرض وعدم صلاحيتها للزراعة.
خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن أحكام إيجار الأرض الزراعية:
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1800 لسنة 2004:
يستفاد من (المادة 16/ 4) من قانون تسوية الأراضي والمياه رقم 40 لسنة 1952 بأنها تتعلق بعقود المغارسة والأعمال الزراعية والاستغلال الزراعي وبالتالي فإن كل ما يخرج عن هذه العقود تطبق بشأنه أحكام قانون المالكين والمستأجرين وقد ذهب اجتهاد محكمة التمييز أن ما يخرج عن أحكام قانون المالكين والمستأجرين هو أن يكون تأجير الأراضي لغايات الاستغلال الزراعي أما إذا كان التأجير لغايات التجارة فإنه يكون خارج مفهوم المادة 16/ 4 من قانون تسوية الأراضي والمياه ويكون مشمولاً بأحكام قانون المالكين والمستأجرين ( انظر لطفاً قرار تمييز حقوق رقم 3331/ 99 والقرارات المشار إليها به وبذات المعنى قرار 1958/ 99 و54/90)، وإذا كانت العقود التي يستند إليها المميزون ليست عقود استغلال زراعي وإنما الغاية منها تجارية أو صناعية فإن استناد القرار المميز للمادة 16/ 4 من قانون تسوية الأراضي والمياه للقول بعدم جواز الاحتجاج بهذه العقود أمام المحاكم وقد جاء مخالفة للقانون واجتهاد محكمة التمييز وفي غير محله.
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 3331 لسنة 1999:
إن المشرع عرف العقار المقصود في قانون المالكين والمستأجرين في المادة الثانية من هذا القانون بقوله ( المال غير المنقول المؤجر لغير أغراض الاستغلال الزراعي ) ، وعليه وفي ضوء تفسير المادتين الثانية والثالثة فقرة (أ) من قانون المالكين والمستأجرين والمادة 16/ 4 من قانون تسوية الأراضي والمياه رقم 40 لسنة 1952 فان ما يخرج عن أحكام قانون المالكين والمستأجرين هو أن يكون تأجير الأراضي لغايات الاستغلال الزراعي والاستغلال الزراعي يعني زراعة المحاصيل من الحبوب أو الأشجار المثمرة بهدف الإنتاج الزراعي ويدخل ضمن مفهومها تربية الحيوان لذات الغاية ، أما إذا كان التأجير لغايات التجارة أو السكن فانه يكون خارج مفهوم المادة 16/ 4 من قانون تسوية الأراضي والمياه ويكون مشمولا بأحكام قانون المالكين والمستأجرين – راجع القرارات التمييزية 97/ 76 تاريخ 9/ 5/ 1979 و22/ 80 تاريخ 25/ 2/ 1980 وحيث أن الثابت من عقد الإيجار أن الأرض قد تم تأجيرها لاستخدامها معرضا زراعيا تابعا لمشاتل ( نزال ) الزراعية، وحيث أن الخبير المهندس محمد عواد غنيمات الذي أجرى الكشف بمعرفة محكمة الدرجة الأولى وتحت إشرافها قد ذكر في تقرير الكشف انه يوجد على قطعة الأرض مشتل وبيوت بلاستيكية عدد اثنين مستغلة لإنتاج الأشتال من قبل المستأجر ويوجد عليها اشتال من أصناف مختلفة ، وحيث أن محكمة الاستئناف وفي قرارها المميز لم تناقش هذه البينات للتوصل فيما إذا كان التأجير لغايات الاستغلال الزراعي أم لغايات التجارة ، وإنما قفزت إلى النتائج مباشرة دون الارتكاز إلى البينة . وعليه تكون هذه الأسباب واردة على القرار المميز وتستوجب نقضه).
ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 590 لسنة 1996:
يختلف عقد استئجار ارض زراعية وفقا لحكم المادة (711) من القانون المدني عن عقد المزارعة المنصوص عليه في المادة (723) من ذات القانون، ففي عقد إيجار الأرض الزراعية تكون الأجرة معلومة ومحددة بين الطرفين، بينما في عقد المزارعة فان صاحب الأرض يستحق حصة معلومة من المحصول وهي قد تتغير مع كل موسم خلافا لما توصلت إليه محكمة الاستئناف ومع ذلك فإن التقادم الذي ينطبق على هذا الحق في مثل هذه الحالة هو التقادم الجاري على الحقوق الدورية المتجددة المنصوص عليه في المادة (450) من القانون المدني، وعليه فإن تمسك المدعى عليه بالتقادم المتعلق بالفعل الضار المنصوص عليه في المادة (272) من ذات القانون وهو تمسك بتقادم خاطئ لا يغني عن التمسك بالتقادم الصحيح ويكون كأنه لم يبد دفعا بالتقادم.
إعداد/ المحامي أكرم محمد محمود
[1] د. حسام الدين الاهواني، أصول القانون الزراعي، ط 2000، ص 234.
[2] د. حسام الدين الاهواني، أصول القانون الزراعي، ط 2000، ص 218.
[3] د. محمد لبيب شنب، الوجيز في شرح عقد الإيجار، ط 1967، رقم 4 ص7.
[4] د. حسام الدين الاهواني، أصول القانون الزراعي، ط 2000، ص 221.
[5] المادة (16/ 4) من قانون تسوية الأراضي والمياه.
[6] د. سمير السيد تناغو، عقد الإيجار، ط 2008، ص 516.
[7] د. محمود جمال زكي، القانون الزراعي، ط 1973، ص 138 – مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري ج4 ص 609.
[8] د. نعمان جمعة، دروس في القانون الزراعي، ط 1972، ص 220.
[9] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ج6، فقرة 750 ص 1322.
[10] د. حسام الدين الاهواني، أصول القانون الزراعي، ط 2000، ص 239.
[11] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ج6، ص 1327 رقم 751.

