النظام الفدرالي
لقد كان لعامل اللغة أو الدين أو الثقافة أو الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو العامل الجغرافي أو الأصول العرقية السبب الذي أدي إلى اتجاه تلك الدول إلى تكوين اتحاد فيما بينها لحل مشكلاتها في سبيل التعايش , ذلك النظام الذي يجمعها ويعكس صوتها أمام غيرها من الدول بل ويكون ممثلا لها أمام دول العالم في سياساتها , على أن يجمعهما دستور واحد ومستقبل واحد ومسؤولية واحدة أمام دول العالم أجمع , ذلك النظام الذي يرتكز على الديمقراطية بين تلك الدول, والدستور الواحد ويعرف هذا النظام بالنظام الفدرالي.
أولا: مفهوم الفدرالية
ثانيا: نشأة وانتهاء الدولة الفدرالية
ثالثا: السمات التي تميز الدولة الفدرالية
رابعا: شروط تكوين الاتحاد الفدرالي
خامسا: ضوابط ممارسة الاختصاص التشريعي
أولا: مفهوم الفدرالية
يمكن تعريف الفدرالية بانها اتفاق مجموعة من الدول على تكوين اتحاد لدولها فيما بينها على أنه ينظم شئونهم دستور اتحادي واحد مع بقاء كيانات تلك الدول مستقلة على المستوى الاقليمي قائما فيما يتعلق من الناحية الادارية والقضائية والدستورية.
أي أن هناك اتحاد يمثله دولة واحدة بها مجموعة دول تحتفظ لنفسها بالاستقلال الذاتي قضائيا واداريا ودستوريا.
ولقد عرف ” مارسيل بريلو ” الدولة الفدرالية بانها ” اتحاد دول يخضع جزئيا لسلطة مركزية واحدة (السلطة الفدرالية) وتحتفظ جزئيا باستقلال ذاتي دستوري واداري وقضائي واسع (سلطة الدول الأعضاء أو المتحدة) فهي دولة الدول ([1]).
والفدرالية هي جماعة عامة منظمة لها شخصية حقوقية وهيئات تتخذ القرارات وليست مجرد علاقة حقوقية ينتج عنها التزامات متبادلة بين المتحدين.
ثانيا: نشأة وانتهاء الدولة الفدرالية
الدولة الفدرالية كما ذكرنا هي عبارة عن مجموعة من الدول، وبالتالي فإنها تنشا بأحد طريقين:
1- باتحاد مجموعة من الدول، وهذه الدول قد تكون دول مستقلة ومتجاورة ومشتركة في ظروف اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو يجمعها الرابط اللغوي أو الفكري أو الديني أو الثقافي وهو الغالب في تكوين هذه الكيانات الاتحادية كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وسويسرا.
2- وقد تنشأ الدولة الفدرالية بتفكك دولة واحدة إلى مجموعة دول أو ولايات كما هو الحال في الاتحاد السوفيتي والهند.
وتنتهي الدولة الفدرالية بإحدى طريقتين:
1- تنتهي إما بتفكك الدولة الاتحادية إلى مجموعة دول تستقل كل منها عن الأخرى لها حكمها الخاص بأجهزتها.
2- أو تتحد مجموعة الدول المكونة لاتحاد وتكون دولة واحدة بسيطة حيث تتحول الدول الأعضاء إلى محافظات او مديريات.
ثالثا: السمات التي تميز الدولة الفدرالية
1- الأساس الذي تقوم عليه الدولة الفدرالية هو الدستور المكتوب
فيجب أن يكون هناك دستور بين الدول الاعضاء المكونة للاتحاد الفدرالي وأن يكون هذا الدستور مكتوبا، ويحدد ذلك الدستور صلاحيات واختصاصات كل من الدولة الفدرالية والدول الأعضاء وهو يساوي بين صلاحيات جميع الدول الاعضاء في الاتحاد، وفي ذات الوقت يجب أن يكون ملزما لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد.
ويمكن تعديل الدستور الفدرالي بموفقة أغلبية الدول الاعضاء في الاتحاد وليس جميع الدول، كما انه لا يعطي غير الموافقين على التعديل الانفصال عن الاتحاد ([2]).
2- الشخصية الدولية للدولة الفدرالية
يعترف القانون الدولي بالشخصية الدولية للدولة الفدرالية باعتبارها دولة لها كيان أما الدول أو الأعضاء داخلها فكيانها داخلي فلا يعترف بها القانون الدولي ككيان دولي وإنما هو كيان اقليمي داخلي.
فالدول داخل الكيان الاتحادي أو الفدرالي ليس لها كيان دولي أو سيادة دولية وإن كانت تبدو دولا حقيقية بسبب ما تمتلكه من سلطة داخلها.
3- المشاركة في اتخاذ القرارات داخل الاتحاد الفدرالي
إن الدستور الفدرالي وضع لمصلحة مجموع الدول المكونة للاتحاد، وتحقيق المصلحة المشتركة للجميع، وما يصدر من قرارات عن الاتحاد الفدرالي يشارك فيها جميع الدول الأعضاء فيه، إذ أن المصلحة واحدة والهدف واحد.
ويتم المشاركة عادة عن طريق غرفة ثانية في البرلمان الفدرالي كمجلس الشيوخ في الولايات المتحدة الامريكية مثلا، وتتكون هذه الغرفة من اعضاء يمثلون المول الاعضاء في الاتحاد بينما يمثل مجلس النواب الفدرالية بأكملها.
4- البرلمان الموحد للدولة الفدرالية
وتتميز الدولة الفدرالية بأن لها برلمان واحد يمثل جميع الدول الأعضاء في الاتحاد يتم انتخاب اعضائه وفقتا للدستور والقانون الانتخابي وممثلا لكل الأقاليم المكونة للاتحاد الفدرالي، ويتكون البرلمان من مجلسين هما مجلس النواب والمجلس الاتحادي، ولكل ولاية أو اقليم داخل الاتحاد برلمانه الخاص به، وللدولة الاتحادي حكومة واحدة هي الحكومة الاتحادية ([3]).
5- يحق للحكومة الاتحادية ابرام العقود الخاصة باستخراج الثروات وتوزيعها واستثمارها ولا يحق لحكومات الأقاليم ابرام تلك العقود.
6- للاتحاد الفدرالي جيش وطني واحد هو الذي يمثله ولا يوجد حيش للدول المكونة للاتحاد بخلاف هذا الجيش.
7- تتخلى الدول الأعضاء في الاتحاد عن كيانها وسيادتها وتندمج حدودها مع بعضها البعض كما تندمج سيادتها بين كلا منهم.
8- تتميز الدولة الفدرالية بالمرونة في مواجهة الأزمات والظروف المتغيرة، فيظل دستورها واقفا امام التغيرات المتباينة.
9- يمنح النظام الفدرالي جنسية واحدة لكل السكان وهي جنسية الاتحاد.
10- استقلال الأقاليم في النظام الفدرالي
فالأقاليم داخل النظام الفدرالي مستقلة جغرافيا ودستوريا ولغويا, فلا يجوز فصل جزء من الاقليم او ضم جزء إليه غلا بموافقة الاقليم ذاته, كما ان لكل اقليم دستوره الخاص به هذا بخلاف الدستور الفدرالي, بشرط الا يكون هناك تعارض بين دستور الاقاليم والدستور الفدرالي, كما ان لكل اقليم سلطات عامه تسير شئونه بخلاف الشئون العامة للاتحاد الفدرالي, وارتباطا فطالما هناك دستور لكل اقليم فهي مستقله عن الاتحاد الفدرالي في التشريع بشرط ألا يكون تشريعات الأقاليم متعارضه مع التشريعات الفدرالية وبالتبعية فهناك استقلال تنفيذي لكل اقليم, وبالتبعية كذلك تستقل الأقاليم قضائيا في حل منازعاتها طالما أن هناك تشريع وسلطة تنفيذية مستقلة.
كما تستقل الأقاليم من الناحية المالية أيضا، إذ ان لكل اقليم موارده الخاصة التي يسير بها شئونه ومصروفاته على مشروعاته، فلكل اقليم موازنه خاصه به وله اعطاء سلطة فرض الضرائب داخل الاقليم هذا بخلاف الضرائب الاتحادية على كل مواطني الاتحاد الفدرالي.
رابعا: شروط تكوين الاتحاد الفدرالي
يشترط لتكوين الاتحاد الفدرالي توافر عدة شروط في الدول التي تكونه وهي:
1- أن تكون هناك قواسم مشتركة بين الدول التي تكون الاتحاد
إذ أن توافر تلك القواسم كالاشتراك في اللغة أو الدين أو الاصل العرقي الواحد أو الناجية الثقافية، او الظروف الاقتصادية الواحدة او الاجتماعية او السياسية، فالاشتراك في تلك القواسم يعمل على زيادة تقبل الناس بعضهم لبعض مما يسهم بشكل كبير في تشكيل نظام حكم فدرالي.
2- أن يكون هناك اختلاف بين الاقاليم المكونة للاتحاد من حيث اللغة أو الأصول أو العرقيات المختلفة التي ينتمون اليها، ذلك انه إذا كانت القواسم المشتركة من لغة او دين او ثقافة او أصل واحد باعثا على الاتحاد فان الاختلاف أيضا فيها بينهم يكون أيضا باعثا على الاتحاد، إذ ان الاختلاف يجعلهم لا يقدرون على التكيف مع بعضهم البعض ولذلك فاتحادهم في اتحاد فدرالي يتولى شئونهم يكون أفضل للكافة.
3- الموقع الجغرافي الواحد
فتواجد دولا في منطقة جغرافية واحدة له دور كبير في تكوين الاتحادات الفدرالية، بعكس الدول المتباعدة، ولو نظرنا لوجدنا كافة الدول المكونة للاتحاد الفدرالي في منطقة جغرافية واحدة كالاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السويسري.
خامسا: ضوابط ممارسة الاختصاص التشريعي
من الثابت قانونا ان الاتحادات الفدرالية لها دستورها الخاص بها بخلاف الدساتير الخاصة بالأقاليم، ذلك الدستور الذي يحدد كيفية ممارسة السلطة التشريعية لمهام وظائفها التشريعية من اصدار القوانين بما يحقق مصالح الاتحاد جميعه، كما ينظم كيفية مشاركة ممثلي الاقاليم في البرلمان الاتحادي وكيفية ممارستهم للعملية التشريعية والمساعدة فيها.
ولقد اتبعت النظم الفدرالية المختلفة عدة طرق لاختيار ممثلي الدول الأقاليم في المجلس الأعلى للسلطة التشريعية الاتحادية وهي تتمثل في ثلاث طرق:
الأولى: التعيين
وتتمثل تلك الطريقة في تعيين ممثلي الأقاليم في المجلس الأعلى للسلطة التشريعية الاتحادية، غلا انه تختلف طريقة التعيين فهناك دساتير تجعل عملية التعيين من خلال اختيار دول الأقاليم وحده أو بترشيح منها دون تدخل من الدولة الاتحادية كما هو الحال في ألمانيا الاتحادية، وهناك دساتير تجعل التعيين من سلطة الدولة الاتحادية دون غيرها أو تشاور من دول الاقليم كما هو الحال في كندا ([4]).
الثانية: الانتخاب
ويكون الاختيار في هذه الحالة بالانتخاب بأحد طريقين هما:
بصورة مباشرة حيث تختار الدول ممثليها بالانتخاب عن طريق المواطنين الساكنين في تلك الأقاليم كما هو الحال في استراليا أو بصورة غير مباشرة عن طريق مجالسها التشريعية كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية.
الثالثة: الطريقة المختلطة
وهذه الطريقة هي مزيج بين الطريقتين السابقتين (التعيين والانتخاب) وتأخذ بهذه الطريقة كلا من ماليزيا وبلجيكا واسبانيا، فمثلا في ماليزيا 38%من مقاعد الشيوخ يتم شغلها عن طريق الانتخاب غير المباشر من المجالس التشريعية فب الولايات، ونسبة 62%المتبقية يتم تعيينهم مركزيا.
أما في بلجيكا بالاختيار 40 بالانتخاب المباشر , 21 بالانتخاب غير المباشر من قبل الجاليات الفلمنكية والفرنسية والألمانية , 10 يتم تعيينهم بواسطة اعضاء مجلس الشيوخ المنتحبين بصورة مباشرة ([5]).
وبعد بيان كيفية اختيار ممثلي الاقاليم في البرلمان الاتحادي الفدرالي، فتأتي مهمة هؤلاء في ممارسة الاختصاص التشريعي، فكيف يتم تحديد اختصاصات السلطة التشريعية الفدرالية والسلطة التشريعية الاقليمية.
فلقد تبنت معظم الدساتير الفيدرالية وسائل لبيان عمل سلطاتها التشريعية، فالبعض منها حدد اختصاصات السلطة التشريعية الاقليمية وما عداها يكون من اختصاص السلطة التشريعية الفدرالية، والبعض الآخر حدد اختصاصات السلطة التشريعية الفدرالية وما عداها يكون من اختصاص السلطة التشريعية الاقليمية، إلا أن ذلك سيؤدي بطبيعة الحال إلى ظهور مشكلة تنازع الاختصاص التشريعي بين السلطتين، ولذلك فلقد حددت الدساتير الاتحادية الجهة التي تنظر هذه النزاعات والتي يجب أن تكون جهة محايده.
ولذلك فقد اتجهت الدساتير الاتحادية لتفادي اشكالية التداخل بين اختصاص السلطتين فقد اكدت على ضرورة وجود رقابة على السلطتين الاقليمية والفدرالية ([6]) وتتمثل في:
أولا: الرقابة السياسية على التشريعات
لقد اتجهت معظم الدساتير الاتحادية الى اسناد مهمة الرقابة على التشريعات إلى هيئة خاصة مستقلة بالبرلمان يتم اختيارها على نحو ما سبق أن بيناه في كيفية اختيار ممثلي الأقاليم في البرلمان سواء بطريقة التعيين أو الانتخاب أو بالطريقة المختلطة ومن الدساتير العربية التي تبنت هذا الوضع هو الدستور اللبناني.
وتكون مهمة تلك الهيئة أو المجلس هي الرقابة على القوانين حتى قبل صدورها لتكون رقابة وقائية بعيدا عن مخالفة الدستور، وتتولى تلك الهيئة الرقابة على دستورية القوانين، وكذلك النظر في صحة انتخابات رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والبت في الطعون.
ثانيا: الرقابة القضائية على دستورية القوانين
ولقد عهدت معظم دساتير الدول في الوقت الحاضر إلى جهات قضائية بعينها لتتولى مهمة الرقابة على دستورية القوانين فمثلا الولايات المتحدة الأمريكية عهدت بها إلى القضاء العادي أما المملكة الأردنية فقد عهدت بها إلى المحكمة الدستورية العليا حديثا في عام 2012.
لقد أصدر المشرع الأردني حديثا قانون انشاء المحكمة الدستورية العليا في عام 2012 لتتولى مهمة الرقابة على دستورية القوانين وذلك بموجب قانون المحكمة الدستورية رقم \15لسنة2012 وذلك في التعديل الدستوري لعام 2011للدستور الحالي.
وجاء في نص المادة \59\1 من الدستور الاردني بعد التعديل على أن” تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ………”, وتنص الفقرة الثانية من ذات المادة على أن” للمحكمة الدستورية حق تفسير نصوص الدستور إذا طلب إليها ذلك بقرار صادر عن مجلس الوزراء أو بقرار يتخذه أحد مجلسي الأمه بالأغلبية ويكون قرارها نافذ المفعول بعد نشره في الجريدة الرسمية”.
الخاتمة:
ومن خلال هذه الدراسة نستطيع أن نقرر أن نظام الحكم الفدرالي رغم أنه يتطلب توافر ظروف وشروط معينة في الدول المتحدة إلا أنه قد اثبت نجاحا كبيرا في الدول التي اتبعته ولو لا حظنا ان معظم الاتحادات الموجودة حاليا تمثلها الدول العظمى أو الدول الصاعدة اقتصاديا في الوقت الراهن، مما يدلل على أنه نظام قد وفر المناخ الملائم للتقدم.
ومن وجهة نظرنا نجد أنه نظام مناسب لمجموعة دول كالدول العربية تتوافر فيها مقومات اللغة والدين والثقافة والعرق والأصل الواحد والمنطقة الجغرافية الواحدة لو أحسن تنظيمه ووضع دستور محايد لكل الاتحاد، إذ أنه يمكن لكل دولة أن تمارس امورها الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والمالية وفي ذات الوقت تضمها دولة اتحادية واحدة قوية في مواجهة دول العالم.
كتابة دكتور \عبد المنعم الشرقاوي
([1]) د. عصام سليمان, الفدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان, دار العلم للملايين, بيروت, ط1, 1991, ص40.
([2])د. عصام سليمان, الفدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان, مرجع سابق, ص40.
([3]) د. نغم محمد صالح, الفدرالية في الدستور العراقي لعام2005, الواقع والطموح, بحث منشور, مجلة دراسات دولية, ع41, ص51.
([4]) علي مدلول محسن, ضوابط ممارية الوظيفة التشريعية في الدساتير الفدرالية” دراسة مقارنة”, رسالة دكتوراه, جامعة بيروت العربية, 2016, ص57
([5])علي مدلول محسن, مرجع سابق, ص58. كذلك انظر مقال محامي أردني قوي.

