النظام الكونفدرالي
يمثل الاتحاد الكونفدرالي إحدى تقسيمات نظام الحكم في الدولة المركبة، حيث تنقسم الدولة المركبة من حيث نظام حكمها إلى الاتحاد الشخصي والاتحاد الفعلي والاتحاد الفيدرالي والاتحاد الكونفدرالي الذي نحن بصدده.
تتجه مجموعات من الدول المستقلة إلى تكوين اتحادات فيما بينها يكون هدفها الأول هو التعاون فيما بينها من الناحية الاقتصادية ووضع حلولا سياسية للعديد من المشكلات الدولية التي تنشأ بين الدول الأعضاء في ظل معاهدة تضمهم جميعا، وان كان صنع القرار في تلك الاتحادات لا يكون بالأغلبية وإنما بالإجماع مما يجعل هناك العديد من العراقيل أمام تحقيق أهدافها بل وفشلها في العديد من الأحوال وتحولها إلى نظام فدرالي أو دول مستقلة مما يعني الفشل في تحقيق أهدافها.
أولا: مفهوم النظام الكونفدرالي
ثانيا: المبادئ الاساسية التي يقوم عليها الاتحاد الكونفدرالي
ثالثا: مميزات وعيوب النظام الكونفدرالي
رابعا: الفارق بين النظام الكونفدرالي والأنظمة المشتبهة به.
أولا: مفهوم النظام الكونفدرالي
يمكن تعريف النظام الكونفدرالي بانه ذلك النظام الذي يتم بين دولتين أو أكثر من الدول المستقلة في ظل معاهدة تضمهم وذلك بهدف التعاون في المجالات الاقتصادية او السياسية او الاجتماعية، في الوقت الذي تحتفظ به كل دولة من هذا الاتحاد بسيادتها تجاه غيرها من الدول الأعضاء أو باقي دول العالم.
ولقد عرفه البعض بأنه” هو اتفاق يتكون نتيجة لاتفاق دولتين أو أكثر في معاهدة دولية على تكوين هذا الاتحاد أو الانضمام إليه مع احتفاظ كل دولة باستقلالها الخارجي وبقاء نظمها الداخلية من دون تغيير”([1]).
وعرفه البعض الآخر بأنه” بالاتحاد الاستقلالي الذي يحدث بين دولتين أو أكثر داخلتين في الاتحاد ومحتفظة كل منهما باستقلالها من الناحية الداخلية ومن الناحية الخارجية، فضلاً عن افتراق عرشيهما واختصاص كل منهما بشخصيتها وسيادتها في الداخل والخارج، وبذلك يصح ان تدخل كل منهما في علاقات دولية مع الأخرى ومع غيرها من الدول مباشرة، وتتبادل معها الممثلين السياسيين، ولكن مع مراعاة قيود خاصة ينص عليها ينص عليها صك الاتحاد أي العهد السياسي الحاصل بين الدولتين”([2]).
ويهدف هذا الاتحاد إلى تحقيق مصالح أو أغراض مشتركة وحيوية للدول الأعضاء فيه تبينها المعاهدة التي ينشئ على أساسها الاتحاد كضمان استقلال كل دولة والدفاع عن امنها الخارجي والعمل على تحقيق المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الدول الأعضاء ([3]).
ومن أمثلة الاتحاد الكونفدرالي في الوقت الحاضر الاتحاد الأوربي، إذ أن كل دولة فيه تتمتع بكامل سيادتها على أراضيها وفي تعاملاتها بالخارج وإنما هو اتحاد له أهداف اقتصادية وسياسية وله عمله موحدة.
ثانيا: المبادئ الاساسية التي يقوم عليها الاتحاد الكونفدرالي
إن الاتحاد الكونفدرالي ليس كغيره من أنظمة الحكم الأخرى كالنظام الفدرالي الأكثر شبها به، فهو لا يقوم على ذات الأسس التي يقوم عليها النظام الفدرالي إذ أنه يعتمد على الدستور الذي ينظم الحكم بين الدول الاعضاء في الاتحاد، وإنما هو يقوم على مجموعة أسس وهي:
1- إن هذا الاتحاد يقوم على المعاهدة التي يتفق على انشائها جميع الدول الأعضاء فيه، ويكون هدفهم هو التعاون في المجال الاقتصادي أو السياسي.
2- احترام النظام الكونفدرالي لسيادة جميع الدول الأعضاء فيه.
3- الدول الأعضاء في الاتحاد جميعها دول مستقلة ذات سيادة أمام جميع دول العالم.
4- توفير الدعم الكامل لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد.
5- التعاون بين دول الاتحادية في القضايا الحساسة ذات الاهتمام الكبير من دول الاتحاد كالدفاع المشترك والعملة الواحدة أو المشتركة.
ثالثا: مميزات وعيوب النظام الكونفدرالي
أ- مزايا النظام الكونفدرالي:
يختلف النظام الكونفدرالي عن النظام الفدرالي في تكوينه وما يهدف إلى تحقيقه من أهداف لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد، إذ أنه هذا النظام يتسم بمزايا وهي:
1- خلو الاتحاد الكونفدرالي من أية سلطة تشريعية، أو تنفيذية، أو قضائية.
فالاتحاد الكونفدرالي ليس به سلطة تشريعية ممثلة في برلمان أو مجلس نواب يشرع قوانين تنظم العمل داخله، وإنما يتم تناول ذلك من خلال الدول الأعضاء في الاتحاد، فلا يستطيع الاتحاد تنظيم أي نشاط تجاري بين الدول الأعضاء أو حتى فرض قرار على دولة من دول الاتحاد بفرض ضرائب عليها.
2- احتفاظ الدول الأعضاء بسيادتها
حيث ان الدول التي تنضم للاتحاد بموجب الاتفاقية تنضم كعضو مع احتفاظها بكامل سيادتها على أراضيها، لها حق السيادة والتصرف وفقا لمصلحتها دون وصاية من النظام الكونفدرالي، فالاتحاد ليس كيان ذو سيادة منفردة وإنما هو جامع لتلك الدول بكامل سيادتها.
3- احتفاظ الدول الاعضاء بجنسية دولتهم
فلا يمثل الاتحاد الكونفدرالي الدولة ذات الكيان الواحد الذي يضم دولا أو دويلات تابعه وإنما هو كيان اتحادي ليس له جنسية مستقلة، فيظل جميع السكان داخل الاتحاد محتفظين بجنسية دولتهم.
4- انعدام الايرادات داخل الاتحاد
فلا يوجد أية ايرادات للاتحاد من ضرائب أو رسوم على أداء خدمة او غيره وإنما ايراداته يوفرها التبرعات المقدمة من الدول الأعضاء أو رسوم اشتراك العضوية.
5- يتميز هذا النظام بأنه يقوم على معاهدة بين الدول الأعضاء وليس دستورا مكتوبا أو غير مكتوب، وتبين هذه المعاهدة شروط تكوينه وأهدافه.
ب- عيوب النظام الكونفدرالي:
1- ضعف الحكومة الممثلة للنظام
فنظرا لأنه لا يقوم على دستور وإنما على معاهدة بين الأعضاء فيه فانه يعد اتحادا ضعيفا، فالحكومة التي تمثلها حكومة ضعيفة، إذ انها لا تملك اصدار القوانين أو تنفيذها.
2- ضعف الاتحاد اقتصاديا
إذ أن الاتحاد الكونفدرالي لا يتمتع بأية موارد يعتمد عليها في تنفيذ سياساته وإنما موارده من خلال تبرعات الدول الاعضاء أو رسوم اشتراك العضوية، فلا يملك الاتحاد سلطة اصدار تشريع بجباية ضرائب كنوع من الموارد مما يترتب عليه ضعف أداءه اقتصاديا فيما بين الدول الأعضاء.
3- احتمالية الاستمرارية ضعيفة
فنظرا لأنه ليس لديه موارد ثابتة وبالتالي فشله في تحقيق طموحات وآمال الجول الأعضاء وعدم وجود دستور ينظم شؤونه وعدم وجود دستور، فيترتب على ذلك أنه مهدد بعدم الاستمرارية وكثيرا ما حدث ذلك كما كان الحال في الاتحاد الكونفدرالي بين مصر وسوريا عام 1958,أو انه يفقد قسمته كاتحاد كونه لا يستطيع ان يكون مؤثرا كما كان منتظرا منه وبالتالي يكون لا قيمة له فعليه.
رابعا: الفارق بين النظام الكونفدرالي والأنظمة المشتبهة به
يختلف النظام الكونفدرالي عن النظام الفدرالي اختلافا جذريا من حيث التكوين والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وذلك على النحو التالي:
1- النظام الكونفدرالي هو نظام يتم بين مجموعة دول مستقلة تتمتع بالسيادة على أراضيها وتتجمع بموجب معاهدة فيما بينها كما كان الحال في الاتحاد الكونفدرالي الألماني في الفترة ما بين 1815حتى 1866, حلف الناتو، صربيا والجبل الأسود، أما النظام الفيدرالي فيتم بين أقاليم او شعوب داخل الدولة الواحدة، فهو اتحاد يضم عددا من الولايات أو الأقاليم التي يحتمل أن تتمتع بالحكم الذاتي والتي توحدها حكومة مركزية ([4]).
2- النظام الكونفدرالي تستطيع الدول المكونة له الانسحاب من الاتحاد كما هو الحال في حالة مصر وسوريا 1958,وكما حدث مؤخرا وانسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وكذلك في حالة انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، فهو حق لها أن تستخدمه في أي وقت من الأوقات إذ ما رأت ذلك، أما النظام الفيدرالي فلا يستطيع الأعضاء فيه الانسحاب منه.
3- تحتفظ الدول في الاتحاد الكونفدرالي بجيشها وقواتها العسكرية أما في الاتحاد الفيدرالي فيكون هناك جيش واحد للاتحاد كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية.
4- ينشأ الاتحاد الكونفدرالي لغرض معين قد يكون هو الدفاع المشترك عن دول النظام أو غيره أما في الاتحاد الفيدرالي فهدفه هو خلق دولة قوية يكون هدفها هو بناء دوله قوية على الصعيد الدولي قادرة على المواجهة.
5- دول النظام الكونفدرالي تتمتع بكامل سيادتها على أراضيها، أما النظام الفيدرالي فجميع أعضائها أقاليم داخل الدولة وليس لها سيادة خارج الدولة الأم.
6- النظام الكونفدرالي يحتفظ أعضائه بالعملة الخاصة به ومن الممكن أن يكون له عمله موحده، أما النظام الفيدرالي فله عملة واحده تمثله وليس لأعضائه عمله تتعامل بها كما هو الحال في النظام الكونفدرالي.
7- يتم تشكيل النظام الكونفدرالي لتحقيق هدف معين وهو تحقيق مصالح أو أغراض مشتركة وحيوية للدول الأعضاء فيه وتبين ذلك المعاهدة التي اتفق عليه الأطراف، أما النظام الفيدرالي يتشكل لتحقيق الوحدة الفعلية والتي تعلي من شأن الدولة الفيدرالية، فالغرض الأساس منه هو من أجل التعايش الاستراتيجي الموحد.
8- يقوم النظام الفيدرالي على الدستور وهو الدستور الفيدرالي إلى جانب دساتير محلية خاصة بالأقاليم، أما النظام الكونفدرالي فينشأ بناء على المعاهدة التي أنشأت بين جميع الأطراف في النظام، ولا يحكمه دستور واحد وجميع أعضائه له دستور خاص بها، ويترتب على ذلك أن يشترط لتعديل مضمون الاتحاد الكونفدرالي موافقة كافة الأطراف الموقعة على المعاهدة المنشئة له بينما لا يشترط لتعديل الدستور الاتحادي هذا الاجماع من الولايات إذ يكفي توافر الأغلبية ([5]).
9- يحتفظ رعايا الدول في النظام الكونفدرالي بجنسيتهم التي يتمتعون بها، أما رعايا الدولة الفيدرالية فيكتسبون جنسية الدولة الفيدرالية، وهو ما يعني فناء الشخصية القانونية الدولية للولايات أو الأعضاء المكونة للاتحاد الفيدرالي، فتظهر الدولة الفيدرالية في نطاق القانون الدولي العام بطابع الوحدة والمركزية ([6]).
10- الاتحاد الفيدرالي هو دولة واحدة ترفع العلم الاتحادي، فهو دولة واحدة لها جيشها ولها حق اعلان الحرب، والحروب التي تحدث بين أعضائه تعتبر جروب اقليمية، أما الاتحاد الكونفدرالي هو مجموعة دول لكل منها علمها الخاص بها والتي يملك كل منها جيش خاص بها، والحروب بين اعضائه حروب دولية ([7]).
11- وجود صراعات بين دول الاتحاد الكونفدرالي حيث أن كل دولة لها سيادتها وجيشها الخاص بها وتعمل لمصلحتها حتى لو على حساب غيرها من الأعضاء، أما في الاتحاد الفيدرالي فجميع الأعضاء يمثلون الاتحاد وتعتبر دولة واحدة لها جيش واحد ومصلحة واحدة لذلك فيق فيها الصراع.
12- في الاتحاد الكونفدرالي يتعدد الرؤساء وليس رئيس واحد وذلك بتعدد الدول المكونة لهذا النظام أما في الاتحاد الفيدرالي فله رئيس واحد هو رئيس الاتحاد الفيدرالي.
13- سلطة الاشراف من الهيئة السياسية المشرفة على الاتحاد الكونفدرالي معدومة على رعايا الدول الأعضاء وإنما الاشراف عن طريق الدول ذاتها، بينما الدستور الاتحادي الفدرالي يخول دولة الاتحاد الحق في مباشرة السيادة على رعايا الولايات الأعضاء فيه.
14- يترتب على أن النظام الكونفدرالي لا يتضمن على سلطات تشريعية واحدة ألا يوجد محكمة عليا للفصل في المنازعات التي تحصل بين الدول، على عكس النظام الفدرالي فيشمل محكمة فدرالية عليا أو دستورية عليا لفصل بين الخلافات التي تحصل بين حكومة الاتحاد وحكومات الدول الأعضاء.
15- سلطة الاشراف في الاتحاد الكونفدرالي مخولة إلى جمعية عامة تتكون من ممثلين عن الدول الأعضاء وقراراتها ليست ملزمة للدول الأعضاء وإنما تتوقف على موافقة هذه الدول عليها، بينما تشرف على الاتحاد الفدرالي حكومة مركزية لها سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة وقراراتها ملزمة لجميع وحدات الاتحاد إلا إذ خالفت نصوص الدستور.
الخاتمة:
إن النظام الكونفدرالي هو إحدى تقسيمات أنظمة الحكم في الدولة المركبة والذي يقوم على اتحاد دولتين او أكثر بشرط أن تكون كلتيهما مستقلتين وتتمتع بكامل سيادتها على أراضيها حتى يكون الاتحاد صحيحا من الناحية القانونية, ويستطيع الأعضاء به ان يتفقوا على معاهدة تنظم شؤونهم او مصالحهم التي يتفقون عليها بالمعاهدة أو التي ينشئ الاتحاد من اجل تحقيقها, ورغم ذلك تتمتع تلك الدول بحقها في علاقاتها ببقية دول العامل على نحو ما تراه محققا لمصالحها رغم ارتباطها مع اعضاء الاتحاد, إلا ان هذا التحاد سرعان ما ينفصل عنه بعض الأعضاء او يفشل ويتفكك ويرجع ذلك إلى من وجهة نظرنا إلى تضارب المصالح فيما بين الدول الأعضاء أو الاتفاقات والترتيبات السياسية لتلك الدول, وإن كنت أرى أنه لو تم التوافق بين جميع أعضائه لكان افضل وأقوى من الاتحاد الفدرالي وإن كان هذا امرا صعبا للغاية في ظل لعبة المصالح التي تقوم عليها السياسة الدولية.
كتابة دكتور \ عبد المنعم الشرقاوي
([1]) د. رياض حمدوش, مفهوم التكامل واهدافه, موقع الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية 25 فبراير 2017, اشار إليه, وليد كاصد الزيدي, الفيدرالية دراسة في المصطلح والمفهوم والنظرية, ص69.
([2]) د. عثمان خليل عثمان, الوحدة والاتحاد, بحث منشور في مجلة المحاماة, س39, ع9, مايو 1959, ص10
([3]) د. عبدالغني بسيوني, النظم السياسية والقانون الدستوري, الاسكندرية , منشاة المعارف, 1997, ص104, أشار إليه وليد كاصد الزيدي, الفيدرالية دراسة في المصطلح والمفهوم والنظرية, ص69.
([4]) د. وليد كاصد الزيدي, الفيدرالية, دراسة في المصطلح والمفهوم والنظرية, كذلك انظر مقال محامي أردني قوي. مرجع سابق, ص66.
([5]) د. زهدي يكن, القانون الدستوري والنظم السياسية, بيروت, دار يكن للنشر, 1982, ص128, أشار اليه وليد كاصد الزيدي, الفيدرالية, مرجع سابق, ص71.
([6])وليد كاصد الزيدي, الفيدرالية, دراسة في المصطلح والمفهوم والنظرية, مرجع سابق, ص67

