سقوط الدعوى الجزائية بالتنازل والصلح وصفح الفريق المتضرر

سقوط الدعوى الجزائية بالتنازل والصلح وصفح الفريق المتضرر

إن المسار الطبيعي لإنهاء أي دعوى جزائية هو صدور حكم بات تنقضي به الدعوى، وقد يحاول الجاني أو ذويه خلال فترة نظر الدعوى من القضاء العمل على إنهاء أو إسقاط الدعوى الجزائية بالصلح مع المجني عليه أو ذويه لكي يصفحوا عن الجاني والحصول على تنازل من قبلهم عن حقهم الشخصي في الدعوى لتسقط الدعوى الجزائية به، إلا أن الصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل تنظمه نصوص قانونية ليكون سبباً لإسقاط الدعوى الجزائية، وقد نص عليها المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة1961 وتعديلاته ، وقانون العقوبات الأردني لسنة 1960، وسنتناول في هذا المقال الحديث عن الأحكام القانونية التي تنظم كل من الصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل كأسباب لسقوط الدعوى الجزائية.

جدول المحتويات

المقصود بالصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل

السند القانوني لسقوط الدعوى الجزائية بالصلح 

أسباب سقوط الدعوى الجزائية

سقوط الدعوى الجزائية بالتنازل

سقوط الدعوى الجزائية بالصلح

سقوط الدعوى الجزائية بصفح الفريق المتضرر

المقصود بالصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل

يقصد بالصلح هو الإتفاق الذي يتم بين المجني عليه أو ذويه والمتهم لإنهاء الخصومة القائمة بينهما أمام القضاء، وذلك في جرائم محددة قانوناً، ويقصد بالصلح أيضاً المصالحة، وهو الإتفاق بين الفريقين المتنازعين عن طريق الإيجاب والقبول مما يؤدي إلى إنهاء الخصومة وحل النزاع القائم بينهما[1].

ويقصد بصفح الفريق المتضرر كما عرفته محكمة التمييز الأردنية هو تنازل المتضرر من الجريمة عن حقه الشخصي في الجرائم التي تتطلب لتحريكها تقديم إدعاء بالحق الشخصي[2].

ويقصد بالتنازل هو حق شخصي وهو تصرف قانوني يعبر به المجني عليه عن إرادته صراحةً أو ضمناً في وقف الأثر القانوني للشكوى، وذلك بإسقاط دعوى الحق العام، وذلك بالنسبة لبعض الجرائم التي حددها القانون.

السند القانوني لسقوط الدعوى الجزائية بالصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل

1_ قانون العقوبات الأردني :

المادة 47  والتي جاء فيها : الاسباب التي تسقط الاحكام الجزائية او تمنع تنفيذها او تؤجل صدورها هي:  4/ صفح الفريق المتضرر.

المادة 52 صفح الفريق المتضرر، المادة 53 شروط صفح الفريق المتضرر.

2_ قانون أصول المحاكمات الجزائية:

المادة 335/2 وتسقط تبعاً لسقوط الحق الشخصي في الاحوال المنصوص عليها في القانون .

أسباب سقوط الدعوى الجزائية

تنقسم أسباب إنقضاء الدعوى الجزائية إلى قسمين وهما: أسباب إنقضاء عامة وأسباب إنقضاء خاصة، فالأسباب العامة هي الحكم البات ووفاة المشتكى عليه والتقادم والعفو العام، أما الأسباب الخاصة فمنها التنازل عن الشكوى وإسقاط الحق الشخصي، والصلح وصفح الفريق المتضرر.

وعليه فإن الصلح وصفح الفريق المتضرر والتنازل من الأسباب الخاصة لسقوط الدعوى الجزائية.

أسباب سقوط الدعوى الجزائية تتعلق بالنظام العام

إن أسباب إنقضاء الدعوى الجزائية تتعلق بالنظام العام، لأن الدعوى الجزائية هي ذاتها تتصل بالنظام العام، ولا شك أن تحريكها وكذلك أسباب إنقضائها تتصل كلها بالنظام العام، ويترتب على ذلك عدم جواز الإتفاق على التنازل عنها أو التنازل عن الإحتجاج بها، ويجوز إثارتها امام المحكمة في أي مرحلة من مراحل الدعوى، وللمحكمة سلطة تقريرها من تلقاء نفسها متى تحققت وجودها[3].

سقوط الدعوى الجزائية بالتنازل

إن التنازل المسقط للدعوى الجزائية هو التنازل يتم بصورة محددة في القانون بالنسبة لجرائم معينة، وهذه الجرائم هي الجرائم التي يتوقف تحريك دعوى الحق العام فيها على وجود شكوى من المتضرر، وعليه فإن التنازل الذي يتم في جريمة لا يتوقف تحريك دعوى الحق العام فيها على وجود شكوى ، وهو تنازل لا يسقط الدعوى الجزائية أي دعوى الحق العام وإنما يسقط الحق الشخصي فيها فقط.

من الأمثلة على الجرائم التي يكون فيها التنازل مسقطاً للدعوى الجزائية :

1_ جرائم الإيذاء غير المقصود، المادة 344/4 من قانون العقوبات الأردني والتي جاء فيها:

تسقط دعوى الحق العام والعقوبات المحكوم بها في جنح الإيذاء غير المقصود بتنازل الشاكي عن شكواه حتى لو اكتسب الحكم الدرجة القطعية.

2_ جريمة الإيذاء المقصود الذي لم ينجم عنه سوى مرض أو تعطيل عن العمل مدة لا تزيد على عشرة أيام، المادة 343/ 2 من ذات القانون، والتي جاء فيها :

 اذا لم ينجم عن الافعال المبينة في المادة السابقة مرض او تعطيل عن العمل تزيد مدته على عشرة ايام ، فلا يجوز تعقب الدعوى بدون شكوى المتضرر كتابة او شفهيا وفي هذه الحالة يحق للشاكي ان يتنازل عن شكواه الى ان يكتسب الحكم الدرجة القطعية ، وعندئذ تسقط دعوى الحق العام.

3_ جريمة الزنا، المادة 284/1 من ذات القانون والتي جاء فيها:

لا يجوز ملاحقة الزاني او الزانية الا بشكوى الزوج او الزوجة ما دامت الزوجية قائمة بينهما ، وكذلك بشكوى ولي الزانية ، وفي حال الشكوى ضد احدهما او كليهما يلاحق الاثنان معا بالاضافة الى الشريك والمحرض والمتدخل في فعل الزنا ان وجدوا ، وتسقط الدعوى والعقوبة المحكوم بها باسقاط الشاكي شكواه.

شروط التنازل المسقط للدعوى الجزائية

1_ أن يكون التنازل في دعوى يتوقف تحريك دعوى الحق العام فيها بناءً على وجود شكوى من المتضرر.

2_أن يكون التنازل ممن يملك حق تقديم الشكوى قانوناً أو من ممثله القانوني في حال كان المجني عليه ممن تجوز عليهم الولاية أو الوصاية.

3_ أن يكون التنازل واضحاً وصريحاُ وغير معلق على شرط.

التنازل حق شخصي

إن التنازل من الحقوق الشخصية، والحقوق الشخصية تنتهي بإنتهاء شخصية مالك الحق الشخصي وعليه فإن التنازل لا ينتقل للورثة في حال وفاة صاحب الحق فيه، ففي حال توفي أحد المتقدمين بشكوى في دعوى جزائية فإن الحق في التنازل لا ينتقل للورثة، فلا يستطيعون التنازل عن الشكوى في الدعوى لإنتفاء حقهم في تقديمها.

التنازل في حال تعدد المجني عليهم

إذا تعدد المجني عليهم في الدعوى الجزائية، ورغب أحد المجني عليهم بالتنازل عن حقه الشخصي في الشكوى، فإنه لا يكون لتنازله أثر على إسقاط الدعوى الجزائية ما لم يتم التنازل من قبل جميع المجني عليم، وعدم وجود تنازل من جميع المجني عليهم، يعني الإستمرار في السير في إجراءات الدعوى،فلا أثر للتنازل بالنسبة للبعض منهم دون الآخرين.

وقت التنازل المسقط للدعوى الجزائية

ليس هناك وقت معين للتنازل ليكون مسقطاً للدعوى الجزائية، فيجوز أن يتم في أي مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية طالما لم يصدر حكم مبرم فيها.

لماذا لا يجوز التنازل عن دعوى صدر فيها حكماً مبرماً أي قطعي ؟

لأنه لا يجوز إسقاط ما هو مسقط في القانون، فالحكم البات من أسباب إنقضاء الدعوى الجزائية، فبصدور هذا الحكم تكون الدعوى قد انقضت، ويصبح من المستحيل إسقاط دعوى مقضية[4].

أثر التنازل على الدعوى الجزائية

1_ يعد بمثابة العفو العام عن الجريمة.

2_ تنمحي به الجريمة، وتنقضي به الدعوى الجزائية.

3_ إذا تم التنازل قبل تقديم شكوى فيمتنع على النيابة العامة تحريكها.

4_ إذا قدم التنازل بعد تحريك دعوى الحق العام فعلى المحكمة إسقاطها.

5_ التنازل من النظام العام إن وجد تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها.

هل يجوز أن يتم التنازل عن الدعوى الجزائية أمام محكمة التمييز؟

يجوز التمسك بالتنازل في أي مرحلة من مراحل الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز.

سقوط الدعوى الجزائية بالصلح

يعد الصلح إستثناء على القاعدة العامة التي تفترض أن دعوى الحق العام هي ملك للمجتمع فلا يجوز التنازل عنها ولا التصالح عليها[5]،

من الأمثلة على الصلح في الدعاوى الجزائية :

1_ ما ورد في قانون ضربية الدخل أنه يجوز لمدير ضريبة الدخل أن يجري مصالحة لقاء الغرامة التي يقررها، وذلك قبل صدور حكم قطعي عن اي فعل من بعض الأفعال الجرمية الواردة في هذا القانون، ولمدير الضريبة أن يوقف أية إجراءات متخذة بمقضاها أو أن يجري أية مصالحة بشأنها.

2_ ما ورد في قانون الجمارك الأردني أن لوزير المالية أو من ينيبه عقد تسوية صلحية مع جميع المسؤولين عن التهرب الجمركي أو مع بعضهم عن كامل الجرم على أن لا يقل مبلغ التسوية الصلحية عن مثلي قيمة البضاعة  الممنوعة أو عن مثلي الرسوم المترتبة على البضاعة المسموح بإستيرادها ويترتب على عقد هذه التسوية أن تسقط دعوى الحق العام عند إجراء المصالحة عليها.

سقوط الدعوى الجزائية بصفح الفريق المتضرر

نص قانون العقوبات الأردني في المادة 47 أن من الأسباب التي تسقط الأحكام الجزائية صفح الفريق المتضرر، فصفح المجني عليه أو ذويه يسقط دعوى الحق العام والعقوبات المحكوم بها والتي لم تكتسب الدرجة القطعية .

حالات صفح الفريق المتضرر

1_ إذاكانت إقامة الدعوى تتوقف على إتخاذ صفة الإدعاء الشخصي أو تقديم شكوى.

ففي الجرائم التي يتوقف تحريك دعوى الحق العام فيها على إتخاذ المجني عليه صفة الإدعاء بالحق الشخصي فإن صفح الفريق المتضرر من الجريمة تسقط بموجبه دعوى الحق العام.

2_ إذا كان موضوع الدعوى هو إحدى الجنح المنصوص عليها في المواد التالية وبشرط عدم التكرار:

المادة (221)، جريمة اليمين الكاذبة، المادة (227) الجرائم التي تمس قوة القرارات القضائية، المادة (333) جريمة الإيذاء التي ينتج عنها مرض أو تعطيل مدة تزيد على عشرين يوماً، المادة (349) و(350) جريمة التهديد، المادة (374) التسبب بحريق ملك الغير عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة، المادة (382) تخريب طرق النقل، المادة (408) سرقة الدواب، المادة (409) سرقة الآلات الزراعية،  المادة (410/1) سرقة المحاصيل ، المادة (412/2،1) شراء الأموال المسروقة ، المادة (444) الهدم والتخريب ، المادة ( 446) و(447) و (448)  نزع التخوم واغتصاب العقار ، المادة (449) و(450) و(451) و(452) و(453) التعدي على المزروعات والحيوانات والآلات الزراعية ، المادة (465) دخول الأرض غير المسيجة بدو إذن

شروط الصفح المسقط للدعوى الجزائية

1_ أن لا يكون الجاني مكرراً للجنح سابقة الذكر.

2_ أن لا يكون قد صدر حكم قطعي بالدعوى.

3_ أن تكون الجريمة من الجرائم التي يتوقف تحريك دعوى الحق العام فيها وجود شكوى من المتضرر.

أثر الصفح على الدعوى الجزائية

1_ الصفح لا يمكن  الرجوع عنه، فالصفح لا ينقض.

2_  الصفح لا يعلق على شرط ,

3_ في حال تعدد المشتكون أو المدعون بالحق الشخصي فيجب أن يصدر الصفح عنهم جميعهم.

4_ الصفح عن أحد المجني عليهم يشمل الأخرين.

أثر صفح الفريق المتضرر على الدعوى الجزائية التي لا يتوقف تحريكها على وجود شكوى

إن صفح الفريق المتضرر في دعوى جزائية لا يتوقف نحريك دعوى حق العام فيها على وجود شكوى من المتضرر، لا يسقط الدعوى الجزائية وإنما قد يخفف العقوبة.

من قرارات المحاكم الأردنية فيما يتعلق  بسقوط الدعوى الجزائية بالصلح و صفح الفريق المتضرروالتنازل.

الحكم رقم 3548 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

المبدأ

ما استقر عليه الاجتهاد القضائي وحيث أن المشتكى عليه (المستدعي) وبالسبب الأول من لائحة استئنافه قد تضمن تخطئة محكمة الدرجة الأولى بعدم الأخذ بإسقاط المشتكين لحقهم الشخصي عنه ، وأن محكمة البداية بصفتها الاستئنافية لم تعالج هذا السبب في ضوء المادة (100) من قانون العقوبات فيما إذا كان الإسقاط يصلح سبباً مخففاً تقديرياً بالنسبة للعقوبة المفروضة على المشتكى عليه من عدمه بل عالجته بالرد عليه بأن الجرائم المسندة للمشتكى عليه ليست من قبيل الجرائم التي تتوقف الملاحقة فيها على شكوى المجني عليه ولا من الجرائم المشار إليها في المادة (52) من قانون العقوبات والتي تسقط فيها دعوى الحق العام بصفح المتضرر وقررت رد هذا السبب وبذلك يكون ما توصلت إليه بردها على السبب مخالفاً للقانون.

الحكم رقم 1081 لسنة 2005 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

المبدأ

يستفاد من المادة 53/2 من قانون العقوبات ان الصفح عن احد المحكوم عليهم يشمل الاخرين، يجب ان تفسر في ضوء المادة 52 من القانون نفسه التي اشترطت في الصفح الذي يوقف الدعوى وتنفيذ العقوبة ان تتوقف اقامة الدعوى على اتخاذ المتضرر صفة الادعاء الشخصي. وحيث ان التهم المسندة للمميز لا تتوقف الملاحقة فيها على اتخاذ المشتكي صفة المدعي الشخصي، فإن صفح المشتكي عن المحكوم عليه ضيف الله لا يشمل المميز حكماً.

إعداد المحامية: ثمار إبراهيم

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، الطبعة السادسة، دار القفافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 313.

[2] تمييز جزاء 30/60، مجلة نقابة المحامين، لسنة 1960، ص 190.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، الطبعة السادسة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 280.

[4] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، الطبعة السادسة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 313.

[5] د. محمد سعيد نمور، مرجع سابق، ص 313.

Scroll to Top