المسؤولية القانونية في نقل الأعضاء البشرية
لما كانت عمليات نقل الأعضاء من العمليات الخطيرة والدقيقة جدا والتي قد ينتج عن القيام بها دون التزام بما تقضيه الأصول العلمية وما اشترطه القانون من شروط، إلى حدوث أضرار خطيرة لأطراف هذه العملية مما قد يرتب مسائلة مدنية وجنائية على المخطئ، كما قد يختلف الباعث من القيام بها فرغم أن الأصل القيام بهذه النوع من العمليات بغرض التخفيف من آلام بعض المرضى إلا أنه وفي بعض الحالات يقوم بعض أصحاب النفوس المريضة باستغلال حاجة بعض الأفراد للمال في الإتجار بأعضائهم البشرية، مما يرتب على فعلهم مسائلتهم الجنائية فسوف نتطرق في هذا المقال إلى المسئولية القانونية في نقل الأعضاء البشرية على النحو الاتي:
ثانيا: ماهية عملية نقل الأعضاء البشرية
ثالثا: ما يشترط في المستشفيات والأطباء القائمين بعملية نقل الأعضاء:
رابعا: الشروط الفنية لنقل الأعضاء:
خامساً: المسئولية الجنائية في عمليات نقل الأعضاء البشرية:
سادساً: المسئولية المدنية في نقل الأعضاء البشرية:
أولا: تعريف العضو البشري:
العضو من الناحية الطبية: هو جماع أنسجة الجسم التي تتعامل مع بعضها لتأدية وظيفة معينة داخل الجسم مثل القلب والكبد والكلى والعين.[1]
وعرف الفقه الإسلامي العضو بعدة تعريفات منها: (العضو هو ما إذا تم نزعه من جسد الإنسان أو الحيوان لا ينبت ولا يتجدد مرة أخرى). [2]
وعرفه بعض الفقه أيضا بأنه: ( أي جزء من جسد الإنسان سواء كان يمكن إنباته مرة أخرى كالشعر والأظافر، أو لا يمكن إنباته كاليد والعين وسواء كان عضوا مستقلا بذاته مثل الكلية والقلب، أو تابع لعضو كالأنسجة والقرنية وسواء كان جامدا أو سائلا كالدم واللبن ).[3]
كما عرفه مجمع الفقه الإسلامي بأنه: (كل جزء من جسد الإنسان سواء كان أنسجة أو دماء أو خلايا أو كالقرنية سواء كان متصلا به أو منفصل عنه).[4]
ثانيا: ماهية عملية نقل الأعضاء البشرية
تعرف عملية نقل العضو وزرعه بأنها: ( القيام بنقل عضو ذو حالة جيدة أو نقل مجموعة من الأنسجة من شخص متبرع إلى شخص مستقبل حتى يقوم العضو المنقول بمهام العضو التالف في جسم المستقبل).[5]
وعملية نقل الأعضاء وزرعها تمر بعدة مراحل طبية مثل الوقوف أولا على تلف العضو في جسد المريض، واحتياج المريض اليقيني إلى نقل عضو من شخص متبرع إليه ليقوم بأداء دور العضو التالف ثم البحث عن المتبرع وإجراء التحاليل الطبية اللازمة للتأكد من التوافق الجسدي بين المتبرع والمستقبل والتأكد من الحالة الصحية للمتبرع وعدم حدوث أي مضاعفات، أو أضرار تنتج عن عملية النقل، ثم ما يترتب على ذلك من تنفيذ لعملية نقل العضو من المتبرع في مستشفى مجهزة بالوسائل والأجهزة اللازمة لمثل هذا النوع من العمليات الدقيقة، وما يستتبع ذلك من لزوم متابعة حالة المتبرع والمستقبل بعد إجراء العملية للتأكد من استقرار حالتهما الصحية وعدم تعرضهما لأي آثار جانبية، أو أضرار صحية نتيجة هذه العملية.
وقد أدى التطور العلمي إلى القيام بهذا النوع من العمليات بشكل ناجح وبنسب عالية جدا من النجاح، وذلك في الحالات التي التزم فيها الأطباء بالإجراءات والإرشادات والأصول العلمية المتفق على اتباعها في هذا النوع من العمليات.
ثالثا: ما يشترط في المستشفيات والأطباء القائمين بعملية نقل الأعضاء:
نص قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان الأردني على الشروط التي يجب توافرها في عمليات نقل وزراعة الأعضاء حيث نصت (المادة 3) منه على أن: (أ- يشترط في إجراء عمليات نقل الأعضاء وزراعتها ما يلي:
- الالتزام بالفتاوى الصادرة عن مجلس الإفتاء الأردني بهذا الشأن وبخاصة ما يتعلق منها بالموت الدماغي.
- أن يتم النقل في مستشفى تتوافر فيه الشروط والمتطلبات الفنية اللازمة لنقل الأعضاء وزراعتها من قبل فريق من الأطباء والفنيين المختصين.
- إجراء جميع الفحوصات والتحاليل المخبرية اللازمة لهذه العمليات لمعرفة الحالة الصحية لكل من المتبرع والمريض الذي سينقل له العضو، للتأكد من أن حالة المتبرع تسمح بذلك كما أن حالة المريض تستدعي ذلك.
ب- يصدر مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير التعليمات المتعلقة بالأمور التالية ويتم نشرها في الجريدة الرسمية:
- الشروط والمتطلبات الفنية اللازم توافرها في المستشفى الذي تجري فيه عملية نقل الأعضاء وزراعتها.
- مستوى الخبرة الواجب توافرها في أعضاء الفريق من أطباء وفنيين الذين يقومون بإجراء عملية نقل الأعضاء وزراعتها والإشراف عليها.
- الفحوصات والتحاليل المخبرية اللازمة.
- المواصفات الفنية الواجب توافرها في الأماكن المخصصة لحفظ الأعضاء وتنظيم الإفادة منها).
حيث ألزمت (المادة 3) الفقرة (أ) حتى يمكن إجراء عمليات النقل الأعضاء وزراعتها الرجوع والالتزام بما جاء من فتاوي تخص هذا الموضوع والصادرة من مجلس الإفتاء الأردني والذي خوله القانون سلطة إصدار الفتاوى الشرعية فيما أستجد من مواضيع تحتاج إلى توضيح رأي الشرعي فيها، وقد خصص نص الفقرة (أ) من القرار بالذكر مسألة الموت الدماغي أو الموت الإكلينيكي بحيث يلتزم الأطباء للإقرار بوفاة الشخص دماغيا بالشروط التي وضعها مجلس الإفتاء لذلك.
وقد أصدر مجلس الإفتاء الأردني فتاوى تتعلق بمسألة نقل الأعضاء خاصة فيما يتعلق بنقل قرنية العين من الموتى إلى الأحياء الذي يعانون من تلف في قرنية العين واشترط المجلس لهذه العملية عدة شروط مثل الوقوف يقينا على وفاة المتبرع لنقل قرنيته، وأن تكون التحاليل والآراء الطبية تشير إلى نجاح هذه العملية بشكل كبير كما اشترط المجمع أن يكون المتوفى قد قرر بموافقته على ذلك قبل وفاته أو أجازه وليه الشرعي بعد وفاته.
كما اشترط المشرع ووفقا (للمادة 3) السابق ذكرها أن تتم هذه العملية في مستشفى يتوافر بها جميع الوسائل والأجهزة والخبرة والكفاءة الفنية اللازمة للقيام بهذا النوع من العمليات، واشترط أيضا القيام بالتحليلات والفحوصات اللازمة للوقوف على الحالة الصحية للطرفين سواء المتبرع، أو المستقبل ومدى قابلية جسم المستقبل للعضو الذي سوف ينقل إليه ومدى احتمالية نجاح العملية والتأكيد على عدم حدوث ضررا للمتبرع، وأن حالة المستقبل تحتاج يقينا إلى زرع العضو المنقول من المتبرع.
كما لم يترك المشرع مسألة الوقوف على مدى جاهزية المستشفى من عدمه لاستقبال مثل هذه الحالات وإجراء العمليات لها بداخلها لتقدير المستشفى نفسها، بل قرر المشرع أن يتم تحديد الشروط التي يجب توافرها في المستشفى من الناحية الفنية والأجهزة الطبية وكذلك ما يتعلق بالأطباء الذين يقومون بهذا النوع من العمليات ومستوى خبرتهم، وكذلك مساعديهم وتحديد أنواع التحاليل والفحوصات الطبية اللازمة قبل إجراء العملية، وكذلك الشروط والمواصفات الفنية اللازمة للأماكن والأجهزة المخصصة لحفظ العضو المنقول حتى تمام العملية، ويصدر قرار من مجلس الوزراء بعد تسبيب وزير الصحة بهذه الشروط التي يجب توافرها بحيث اذا انتفت تلك الشروط عن المستشفى، أو الطبيب أو غيرهم ممن لهم دور في إجراء عمليات نقل الأعضاء فلا يجوز لهم القيام بهذه العملية وفي حالة قيامهم بهذه العملية يترتب على ذلك مسائلتهم جنائيا عن مخالفتهم لأحكام القانون وقد تمتد المسائلة إلى مسائلتهم مدنيا إذا ترتب على فعلهم ضررا لحق بالمريض أو بالمتبرع أو بالعضو المتبرع به .
رابعا: الشروط الفنية لنقل الأعضاء:
حددت (المادة 4) من قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان الشروط الفنية التي يجب توافرها قبل نقل العضو، من حيث وجوب أن يكون نقل العضو لا يترتب عليه الإضرار بحياة المتبرع فإذا كانت التحاليل الطبيبة أو الفحوصات أو طبيعة العضو ذاته تشير إلى أنه في حالة نزع العضو ونقله من المتبرع إلى المستقبل، سوف ينتج عنه وفاة المتبرع ففي هذه الحالة لا يجوز إتمام عملية النقل أو النزع ولا يمكن التذرع بإجازة النقل في هذه الحالة برضا المتبرع بذلك مع علمه بالنتيجة التي سوف يترتب عليها نقل العضوي وهي وفاته إعمالا للقاعدة الفقهية ( الضرر لايزال بضرر ) كما لا يجوز نقل العضو من المتبرع إذا ثبت أن في نقله ونزعه من المتبرع ما يشكل خطرا على حياته.
كما اشترط المشرع أن تصدر من المتبرع موافقة كتابية تفيد موافقته ورضاه بنقل أحد أعضائه التي لا يترتب على نقلها وفاته أو تعرضه لخطر شديد، ورغم أن تعبير الشخص عن إرادته ورضاه قد يأخذ أشكال متعددة، فقد يكون شفهيا أو بالإشارة أو كتابيا إلا أن المشرع اشترط في حالات نزع ونقل الأعضاء أن يعبر المتبرع عن إرادته بطريق الكتابة، ولا تجزئ عنها أي طريقة أخرى من طرق التعبير عن الإرادة في المنصوص عليها في القواعد العامة في القانون المدني، كما يجب أن تصدر هذه الموافقة من المتبرع قبل إتمام العملية أو البدء في إجراءاتها.
وغني عن البيان أنه يجب أن تتوفر في ذلك التعبير بالرضا أن يكو صادرا من متبرع كامل الأهلية، بأن يكون بالغا لسن الرشد عاقلا ودون أن يكون قد لحق بكمال أهليته أي عارض من عوارض الأهلية، كالجنون أو العته أو السفه أو أن يكون المتبرع قاصرا لم يبلغ السن اللازمة لتمتعه بأهلية الأداء وأهلية الوجوب، كما يجب أن يكون رضاه غير مشوب بعيب من عيوب الرضا كالإكراه أو التغرير أو الغبن أو الغلط.
كما اشترط المشرع أن يكون التبرع دون مقابل مادي يدفع إلى المتبرع إذ أن في ذلك إتجارا بالأعضاء البشرية والذي حرمته الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بما فيهم القانون الأردني، والغاية من هذا الاشتراط أن لا يتحول موضوع نقل الأعضاء البشرية من ضرورة ملحة يفرضها الواقع واستنشاء من الأصل الذي يقضي بحرمة الاعتداء على جسم الإنسان بأي صورة من صور التعدي إلى مصدر للربح والإتجار، سواء من المتبرع نفسه أو من الأطباء والمستشفيات، خاصة أن تحول الأمر إلى طريق للربح سوف يجعل من أطراف هذه العملية يتخلون عن الواجبات والأصول والشروط المقررة طبيا وقانونيا في مقابل تحصيل الأموال الناتجة عن عملية التبرع، وتحول الأطباء والمستشفيات بدلا من تقديم خدمات علاج الأفراد وتخفيف آلامهم إلى سماسرة وتجار أعضاء بشرية .
كما قرر المشرع أنه في حالة أن قرر الطبيب الشرعي تشريح جثة المتوفي لأغراض قانونية كالوقوف على سبب الوفاة، فيجوز وبعد إذن أهل المتوفي نزع ونقل القرنية للاستفادة منها في علاج أحد المرضى المصابين بتلف القرنية ويجب أن تكون موافقة ولي أمر المتوفي في هذه الحالة أيضا موافقة خطية ولا يعتد بالموافقة الشفهية.
وقد جاء نص (المادة 4) من قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان على: (أ- للأطباء الاختصاصيين في المستشفيات المعتمدة من الوزير نقل العضو من إنسان حي إلى آخر بحاجة إليه وفقاً للشروط التالية:
- أن لا يقع النقل على عضو أساسي للحياة إذا كان هذا النقل قد يؤدي لوفاة المتبرع ولو كان ذلك بموافقته.
- أن تقوم لجنة مؤلفة من ثلاثة أطباء اختصاصيين بفحص المتبرع للتأكد من أن نقل العضو من جسمه لا يشكل خطراً على حياته، وتقديم تقرير بذلك.
- أن يوافق المتبرع خطياً وهو بكامل إرادته وأهليته على نقل العضو من جسمه وذلك قبل إجراء عملية النقل.
ب- إذا قرر الطبيب الشرعي تشريح جثة المتوفى لأغراض قانونية لمعرفة سبب الوفاة أو لاكتشاف جريمة فانه يسمح له بنزع القرنية منها وذلك وفقاً للشروط التالية:
- أن لا يؤثر نزعها على معرفة سبب الوفاة ولو بعد حين.
- أن تؤخذ موافقة ولي امر المتوفى خطياً ودون إكراه.
ج- لا يجوز أن يتم التبرع بالعضو مقابل بدل مادي أو بقصد الربح).
خامساً: المسئولية الجنائية في عمليات نقل الأعضاء البشرية:
وتظهر المسئولية الجنائية في عمليات نقل الأعضاء في عدة صور نذكرها على التفصيل الآتي:
الصورة الأولى: مخالفة الشرائط القانونية المنصوص عليها في قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان:
كما سبق الذكر فقد نص قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان على عدة شرائط قانونية وفنية سواء فيما يتعلق بالشروط الواجب توافرها في المستشفيات التي تقوم بهذا النوع من العمليات، أو في حدود الخبرة اللازمة في الأطباء الذين يقومون بها وكذلك في مساعديهم، إلا أن القانون لم يتوقف عند مجرد تحديد الشرائط القانونية اللازمة والإجراءات اللازم إتباعها بل امتد دوره إلى تقرير الجزاء العقابي الناتج عن مخالفة الشروط والإجراءات اللازمة حيث نصت (المادة 10) من ذات القانون على أن: (دون الإخلال بأي عقوبة ورد النص عليها في أي تشريع آخر يعاقب كل من ارتكب مخالفة لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين ).
ويظهر من النص العقابي السابق أن المشرع قد قرر جزاء عقابيا لمخالفة أحكام هذا القانون، ولم يجعل من هذا النص العقابي مانعا من مسائلة الجاني بمقتضى النصوص العقابية الواردة في أحكام قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960، ويظهر من ذلك اتجاه إرادة المشرع إلى التشديد في العقاب في المسائلة الجنائية للمخالفين لأحكام هذا القانون وتوفير الحماية القصوى لجسم الإنسان وما يرد عليه من اعتداء.
الصورة الثانية: المسئولية الجنائية في نقل الأعضاء البشرية بقصد الإتجار:
قد يكون الغرض من نقل الأعضاء البشرية من الشخص متمثل في حصوله على مقابل مادي وذلك باستغلاله وإغرائه من قبل الآخرين بالمال، وسواء كان هذا الغير المريض نفسه بأن يقوم بعرض مبلغ مالي على الشخص في مقابل الحصول على موافقته لنقل أحد أعضائه إليه، أو كان عن طريق الطبيب أو المستشفى، ففي جميع الحالات التي يكون فيها النقل بطريق غير الطريق الذي رسمه القانون وبقصد التربح تقوم جريمة الإتجار بالبشر.
كذلك لو تم نقل العضو من الشخص بدون علمه سواء عن طريق تخديره عنوه أو عن طريق إيهامه بعلاجه من مرض معين وتخديره وسرقة أحد أعضائه التي لا تتحقق وفاته بسرقتها، وقد تصل الجريمة إلى جريمة مركبة إذا تم نزع عضو من الضحية دون رغبته أو بإيهامه بمقابل مادي أو بإيهامه بعلاجه من مرض آخر وترتب على هذه العملية موت الضحية، ففي هذه الحالة نكون أمام جريمة قتل عمد معاقب عليها بأحكام ونصوص قانون العقوبات إلى جانب جريمة إتجار بالأعضاء البشرية المنصوص عليها في قانون منع الإتجار بالبشر، حيث نصت (المادة 3) من قانون منع الإتجار بالبشر على أن: (أ . لمقاصد هذا القانون تعني عبارة (جرائم الإتجار بالبشر):
1- استقطاب أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بغرض استغلالهم عن طريق التهديد بالقوة، أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على هؤلاء الأشخاص.
2- استقطاب أو نقل أو إيواء أو استقبال من هم دون الثامنة عشرة متى كان ذلك بغرض استغلالهم ولو لم يقترن هذا الاستغلال بالتهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من الطرق الواردة في البند (1) من هذه الفقرة.
ب. لغايات الفقرة (أ) من هذه المادة ، تعني كلمة ( الاستغلال ) استغلال الأشخاص في العمل بالسخرة أو العمل قسرا أو الاسترقاق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء أو في الدعارة أو التسول المنظم أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي ).
حيث اعتبرت (المادة 3) أن احد طرق الإتجار بالبشر واستغلالهم هو نزع ونقل الأعضاء منهم كما قررت (المادة 8) من ذات القانون العقوبات التي يجب توقيعها على كل من يثبت قيامه بجريمة الإتجار بالأعضاء البشرية واستغلال البشر بقصد نزع ونقل أعضائهم حيث جاء نص (المادة 8) من ذات القانون على: ( يعاقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار كل من:
- باع شخصا أو عرضه للبيع أو اشتراه أو وعد بذلك.
- ارتكب إحدى جرائم الإتجار بالبشر المنصوص عليها في البند (1) من الفقرة (أ) من المادة (3) من هذا القانون).
والى جانب ما ورد في قانون منع الإتجار بالبشر وأيضا قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان من عقوبات، فقد قرر المشرع الأردني في قانون العقوبات الحماية اللازمة لجسم الإنسان وذلك وفقا لما ورد في المواد من 333 إلى 335 من قانون العقوبات الأردني والتي جرمت الاعتداء على جسم الإنسان وقررت معاقبة الفاعل بالأشغال الشاقة المؤقتة التي لا تزيد عن عشر سنوات إذا نتج عن الفعل قطع أو بتر أحد الأطراف أو تعطيل أحد الحواس عن أداء وظيفتها أو أدى الفعل إلى حدوث عاهة مستديمة.
وكما ذكرنا سابقا فإن قانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان حين قرر نصا عقابيا للمخالف لأحكامه نص صراحة في (المادة 10) منه على أن: (دون الإخلال بأي عقوبة ورد النص عليها في أي تشريع أخر)، وبالتالي فإن قيام الطبيب بعملية نقل عضو من أحد الأشخاص دون الالتزام بالمعايير والشروط التي أوجبها القانون يعرض نفسه للمسائلة الجنائية وفقا لقانون الانتفاع بأعضاء جسم الإنسان إلا انه اذا كان الفعل يشكل جرما وفقا لقانون العقوبات فيجوز تطبيق النص العقابي لقانون العقوبات متى كان أكثر تشديدا على المتهم.
وقد قضت محكمة استئناف عمان في الحكم رقم 11388 لسنة 2020 بأن: (وبالرد على سببي الاستئناف والذين يخطئ فيهما المستأنف محكمة الدرجة الأولى بالنتيجة التي توصلت إليهما وأن بينات النيابة جاءت متسانده وأن القرار غير معلل. فنجد وبردنا على هذه الأسباب وبالرجوع لأحكام المادة الثالثة من قانون منع الإتجار بالبشر بفقراته (أ، ب، ج) والمادة التاسعة من ذات القانون بكافة فقراتها نجد بأن جريمة الإتجار تتكون من مجموعه من الأعمال الجرمية عن طريق استغلال الأشخاص من أجل المتاجرة بأعضائهم البشرية وأن العنصر الأهم لهذا الجرم هو عنصر الاستغلال وبانتفائه لا تتحقق جريمة الإتجار بالبشر حيث ورد في النصوص باستغلال الأشخاص بالعمل قسراً أو نزع الأعضاء كما أنه يلزم لقيام هذه الجريمة توافر القصد الخاص بالإضافة للقصد العام. وقد ورد في المادة التاسعة من ذات القانون فقرة ب/1 إذا كان مرتكب الجريمة قد أنشا أو تظلم أو أدار جماعه إجراميه منظمه للإتجار بالبشر أو انضم إليها أو شارك فيها بهدف ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال الجرمية.
ونجد ومن خلال ما ورد في أوراق الدعوى بأن اعتراف المستأنف ضده …….. قد انصب على قيامه ببيع الكلية مقابل مبلغ وأن اعتراف الظنين …… انصب على أن المستأنف ضدهما قد اتصلا معه لأقناعه لبيع كليته بسبب الأحوال المادية السيئة وبذلك تكون هذه الأقوال هي إفادات متهم ضد متهم ولا بد من قرينه تؤيدها ولم نجد في الدعوى هذه القرينة كما أن النيابة العامة لم تقدم من البينات ما يفيد ارتكاب المستأنف ضدهما لجناية الإتجار بالبشر ولم ترد أية بينة تربطهما بهذا الجرم مما يستتبع إعلان براءتهما عن هذا الجرم.
وبالنسبة لجنحة الانتفاع بالأعضاء البشرية مقابل ربح مادي فقد نصت المادة (4/ج) من قانون الانتفاع بالأعضاء البشرية على “” لا يجوز أن يتم التبرع بالعضو مقابل بدل مادي أو بقصد الربح…” ورد في المادة (10) من ذات القانون: بانه يعاقب من ارتكب مخالفه لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنه أو بغرامه لا تقل عن عشرة آلاف أو بكلتا هاتين العقوبتين وقد ثبت من خلال البينات المقدمة والتقارير الطبية والإفادات الشرطية قيام المستأنف ضدهما بالاشتراك مع الظنين …… باستئصال الكلية وبيعها مقابل مبلغ مالي مما يستتبع إدانتهم بهذه الجنحة).
الصورة الثالثة: جريمة نقل أعضاء الميت دون إذن وبقصد الإتجار:
وهذه الجريمة لا تعد من جرائم الإتجار بالبشر باعتبار أن جرائم الإتجار بالبشر المقصود منها استغلاله عليهم في حال حياتهم ونزع أعضائهم وهم أحياء لكن قد يقوم الطبيب بنزع أحد أعضاء المتوفي ونقله دون أن يكون لذلك مبرر قانوني، كإجازة الميت ذلك قبل موت، أو إجازة وليه الشرعي في هذه الحالة يقع الطبيب تحت المسئولية الجنائية لارتكابه جريمة الاعتداء على حرمة الأموات والتي نصت عليها المادة 277 الفقرة (1) من قانون العقوبات الأردني.
سادساً: المسئولية المدنية في نقل الأعضاء البشرية:
تتحقق المسئولية المدنية إذا نتج عن عملية نقل الأعضاء خطأ أدى إلى إضرار أحد أطراف العملية وأساس هذه المسئولية يختلف باختلاف طبيعة العلاقة بين أطراف العملية والطبيب الذي يقوم بأجرائها وكذلك العلاقة بين المستشفى التي يتم إجراء عملية نقل الأعضاء بداخلها على التفصيل الآتي:
1- مسئولية الطبيب مسئولية تقصيرية:
وتقوم مسئولية الطبيب التقصيرية كلما افتقدت العلاقة بين الطبيب والمريض لوجود عقد يحكمها وفي هذه الحالة لا يمكن مسائلة الطبيب إلا عن تقصيره في تحقيق التزامه العام وهو عدم الإضرار بالغير[6] حيث أن التزام الطبيب في هذه الحالة هو التزام ببذل العناية والجهد في سبيل تحقق النتيجة المرجوة وهي نقل العضو من المتبرع إلى المستقبل بشكل سليم، ودون حدوث ضررا للطرفين وهو يبذل العناية والجهد اللازمين لتحقيق النتيجة فاذا ثبت أن الطبيب لم يبذل العناية والجهد اللازمين لنجاح عملية نقل الأعضاء، ففي هذه الحالة يمكن مسائلته تعويضيا من قبل المضرور سواء كان المتبرع أو المستقبل وذلك وفقا لأحكام المسئولية التقصيرية .
2- مسئولية المستشفى الحكومي عن خطا الطبيب الموظف في عملية نقل الأعضاء:
كذلك تقوم المسئولية التقصيرية في حالة كون الطبيب الذي يقوم بعملية نقل العضو طبيب موظف بمستشفى حكومي، إذ أنه في هذه الحالة ورغم ارتكاب الطبيب خطأ إلا انه لا يمكن مسائلة مدنيا عن هذا الخطأ إلا وفقا لأحكام المسئولية التقصيرية حيث لا يوجد عقد بين المريض وبين الطبيب في هذه الحالة، ومع ذلك فإن مسئولية الطبيب تكون مسئولية تضامنية مع المستشفى الحكومي[7] ويجوز أيضا رفع دعوى المسئولية في هذه الحالة في مواجهة المستشفى إعمالا لقاعدة مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه.
3- مسئولية الطبيب مسئولية تعاقدية:
والمسئولية التعاقدية تتوفر كلما أخل أحد المتعاقدين بالالتزامات الواقعة عليه وفي مجال نقل الأعضاء إذا كانت العلاقة بين الطبيب وطرفي العملية مبنيه على التعاقد، فإن أي إخلال ببنود العقد من قبل الطبيب يحتم مسائلته المدنية، ويشترط في العقد حتى يرتب أثاره القانونية أن يكون صحيحا من الناحية القانونية، [8] وعلى ذلك إذا كان بين الطبيب وأطراف عملية نقل الأعضاء عقدا قانونيا يلتزم فيه الطبيب بنقل العضو من جسم المتبرع إلى جسم المستفيد وتقديم العلاج الطبي اللازم في مقابل أن يدفع اطراف العقد مبلغا معينا مقابل عمل الطبيب، تكون مسئولية الطبيب في هذه الحالة مسئولية عقدية ويمكن مسائلته عن كل إخلال من قبله بالالتزامات التي فرضها عليه العقد.[9]
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] هيثم حامد، نقل الأعضاء البشرية بين الحظر والإباحة، دار المطبوعات الجامعية، 2003، الإسكندرية، ص 11.
[2] حسن بن علي السقاف، الامتناع والاستقصاء لأدلة تحريم نقل الأعضاء، المطابع التعاونية، عمان، 1989، ط 1، ص 6.
[3] عارف على عارف، مدى شرعية التصرف بالأعضاء البشرية، رسالة دكتوراه، كلية العلوم الإسلامية، بغداد، 1992. ص 41.
[4] مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد 4، جدة، 1988.
[5] محمد على البار، انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيا أو ميتا، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، عدد4، ص 94، 1988 م
[6] أنور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، الطبعة الأولى، صفحة (283. (
[7] المسؤولية الطبية، بحث منشور على الشبكة العنكبوتية(الإنترنت)، جوريسبيديا، الموسوعة الحرة صفحة 8 – 11
[8] حسن علي ذنون، المبسوط في شرح القانون المدني(الضرر)، الطبعة الأولى مطبعه المعارف صفحة 12
[9] طلال عجاج ، المسؤولية المدنية للطبيب، رسالة دكتوراه، ص 47

