مسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية

مسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية

تُعد الاستشارة القانونية ركيزة أساسية في أعمال المحاماة، حيث يلجأ إليها الأفراد والشركات على حد سواء لطلب المشورة القانونية في مختلف المسائل. غالبًا ما يتقاضى المحامي أجرًا مقابل هذه الخدمة، وقد تترتب على الاستشارة آثار سلبية على طالبها، كأن يلحق به ضرر مادي أو معنوي نتيجة اعتماده على المشورة القانونية الخاطئة. هذا يثير تساؤلات حول مسؤولية المحامي عن الاستشارة، وحق المضرور في المطالبة بالتعويض، وشروط ذلك.

أولا: تعريف الاستشارة القانونية:

ثانيا: تعريف عقد تقديم الاستشارة القانونية:

ثالثا: الضوابط التي يجب توافرها في الاستشارة القانونية:

رابعا: أهمية الاستشارة القانونية:

رابعا: التكييف القانوني لمسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية:

خامسا: شروط قيام المسؤولية المدنية عن الاستشارة القانونية:

سادسا: أركان مسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية:

سابعا: التعويض عن خطأ المحامي:

أولا: تعريف الاستشارة القانونية:

لم يذكر المشرع الأردني تعريفا صريحا للاستشارة القانونية إلا أن بعض الفقه القانوني عرف الاستشارة اصطلاحا بأنها: (اتفاق بين طرفين أحدهم من أهل مهنة ما يسمى الاستشاري متخصص في علم من العلوم الفنية يلتزم على آثر هذا الاتفاق أن يقدم للطرف الثاني وهو العميل دراسة، أو رأي فني من شأنه أن يصنع تأثيرا فعلا في صناعة قرار العميل ويتكون هذا الرأي والمشورة بمقابل مادي ).[1]

وعرفت الاستشارة أيضا بأنها: ( قيام المستشار بتقديم النصح والرأي الفني في مسألة معروضة عليه بناء على طلب من المستشير بحيث يكون الرأي المقدم من المستشار يمكن العميل من اتخاذ القرار  المناسب ).[2]

وعلى ذلك يمكن القول أن الاستشارة القانونية هي ما يقدمه الخبير القانوني من رأي ونصح لطالب المشورة بعد فحصه لأوراق ومستندات الموضوع محل الاستشارة، بالإضافة إلى بيان النصوص القانونية التي تحكم المسألة المعروضة وما يتبع ذلك من اجتهاد من المستشار القانوني في إبداء ما سوق يؤول إليه النزاع القانوني محل الاستشارة.

ولما كانت الاستشارة القانونية تدور وجودا وعدما مع حكم القانون في مسألة ما، فعلى ذلك يمكن القول إن كل ما يصدر من المحامي فيه توجيه لطالب الاستشارة، أو إبداء رأي قانوني، أو نصح باتخاذ إجراء معين، أو الامتناع عن فعل ما مع بيان أضرار القيام به، أو الامتناع عنه من الناحية القانونية ويوضح له السلوك الأمثل للحفاظ على حقه كل ذلك يعد بما لا يدع مجالا للشك من قبيل الاستشارة القانونية التي تطلب من صاحب الخبرة والفن وهو في هذه الحالة المحامي.

ثانيا: تعريف عقد تقديم الاستشارة القانونية:

عقد الاستشارة القانونية هو اتفاق بين المستشار القانوني (المحامي) وبين أحد الأشخاص سواء كانوا أشخاص عاديين، أو أشخاص اعتباريين كالشركات والمؤسسات يلتزم فيه المحامي بتقديم الرأي القانوني والنصيحة والفتوى القانونية الصحيحة للطرف الثاني، ليتمكن من اتخاذ القرار المناسب في مقابل أن يحصل المستشار على مقابل مادي مناسب.

وقد عُرف عقد تقديم الاستشارات القانونية بأنه: ( اتفاق بين شخصين يلتزم فيه المحامي بإبداء استشاراته القانونية وفتاويه للطرف الآخر في مقابل أجر)، وعقد تقديم الاستشارة القانونية لا يختلف عن غيره  من العقود من حيث شروط العقد فيجب أن تتوافر في طرفي التعاقد الأهلية اللازمة للتعاقد، وهو عقد رضائي يشترط فيه أن يتقابل الإيجاب من أحد طرفيه بالقبول من الطرف الآخر، وأن يكون محله وسببه مشروعين، وعقد تقديم الاستشارات القانونية عقد مهني يعتمد على خبرة المحامي وقدراته القانونية في استنباط الحلول والآراء الصحيحة من الناحية القانونية، ويقدمها للعميل ويمارس المحامي عمله من ناحية تقديم الاستشارة القانونية بشكل مستقل دون أن يملي عليه الطرف آخر ما يجب عليه فعله كما أن للمستشير، أو العميل الحق في اختيار المحامي الذي يرى فيه الجدارة اللازمة للاستشارة القانونية.

ثالثا: الضوابط التي يجب توافرها في الاستشارة القانونية:

لما كانت الاستشارة القانونية وإبداء الرأي القانوني مسألة فنية وعلمية بحته، تحتاج إلى أهل الخبرة والذي يكون بمقدورهم صياغة استشارة قانونية تساعد طالبها في الوصول إلى مراده واتخاذ القرار المناسب الذي يتوافق مع أحكام القانون من ناحية، ويحقق ويحفظ مصالحه الشخصية من ناحية أخرى، فيجب أن تكون الاستشارة القانونية مضبوطة بعدة ضوابط للوصول للهدف منها ومن تلك الضوابط:

1- أن يقوم المحامي ببحث جوانب الموضوع محل الاستشارة وفحص المستندات المرتبطة بها، وأن يقوم بتوضيح الموضوع محل الاستشارة بدقة وما يثيره من أمور وافتراضات، وله في سبيل الوقوف على حقيقة الموضوع أن يطلب من طالب الاستشارة المزيد من الإيضاحات أو المستندات التي تعينه على الوقوف على لب الموضوع، ويقوم من خلال ذلك بتحديد نقاط الضعف التي يجب معالجتها وما يترتب عليها من نتائج قانونية، متقيدا في ذلك بأحكام القانون وقواعده .[3]

2- يجب أن تكون المشورة صحيحة من الناحية القانونية ولا تخالف أحكامه، وللمحامي في سبيل تقديم الاستشارة القانونية المنضبطة أن يحاول تفسير ما قد يحوم بنص قانوني من غموض، أو إبهام مستخدما في ذلك آراء الفقه القانوني والاجتهاد الذي لا يخالف القواعد العامة بحيث يكون تفسيره متوافقا مع ما يقرره القانون ولا يحتمل الشذوذ، كما يجب على المحامي في هذه الحالة أن يوضح في استشارته أنه قام بتفسير النص الغامض، ويجب عليه إن كان هناك تفسيرا مخالفا لتفسيره أن يوضحه وأن يذكر الآراء المتباينة في موضوع الاستشارة ويبين الرأي الذي يتفق معه وأسباب ذلك.[4]

3- يجب أن تكون صياغة الاستشارة القانونية في عبارات بسيطة مفهومة للقارئ العادي، ويستطيع من خلالها فهم ما يجب عليه فعله وأن تكون الاستشارة بعيدة كل البعد أن الإبهام أو الحشو أو الإطناب.

4- أن يكون مقدم الاستشارة محاميا فهم أهل الخبرة في هذا المجال، وبالتالي لا ينعقد الاختصاص لغير المحامين في إبداء الاستشارات القانونية، ويجب أن يكون المحامي مزاولا للمهنة فإن كان موقوفا عن مزاولة المهنة لأي سبب من الأسباب فلا يجوز له إبداء الاستشارات القانونية.

رابعا: أهمية الاستشارة القانونية:

تُعد الاستشارة القانونية من أهم أعمال المحاماة ففي بعض الأحيان يرغب الفرد في معرفة موقفه القانوني من مسألة ما قبل القدوم عليها حتى يستطيع أخذ القرار المناسب، ولا شك أن أكثر ما يخيف الأفراد سواء أفراد عاديين أو شخصيات معنوية هو مخالفة القانون، نظرا لما يترتب على ذلك من مشاكل وقلاقل يومية، وبالتالي يلجأ الأشخاص إلى أهل الخبرة القانونية وهم المحامون بعقد اتفاق بينهم يكون دور المحامي فيه إبداء الراي والنصيحة القانونية التي تكفل لطالبها عدم مسائلته قانونية عن فعل ما، أو تنتهي الاستشارة إلى توصية طالبها بعدم الإقدام على فعل ما لتجنب المسائلة القانونية، أو تنتهي الاستشارة إلى توصية طالبها باتخاذ إجراء معين، أو الامتناع عن إجراء معين للحفاظ على حقه ومصلحته القانونية، ولا شك أن ذلك يوضح مدى أهمية الاستشارة القانونية بالنسبة لطالبها و واقع الحال يؤكد أيضا أن الاستشارة القانونية ذات أهمية بالنسبة للمحامي على عدة محاور أولها المحور المادي فكما بينا أن عقد الاستشارة القانونية من حيث الأصل هو عقد من عقود المعاوضة، أي أن المحامي يعطي الاستشارة في مقابل الحصول على عوض مالي، والمحور المعنوي أن الاستشارة تزيد من شهرة المحامي خاصة إذا كانت منضبطة من الناحية القانونية وهذه ميزة مادية ومعنوية بالنسبة للمحامي مقدم الاستشارة، ولا شيء أكثر دلالة على مدى أهمية الاستشارة القانونية من ما نصت عليه (المادة 6) من قانون نقابة المحامين النظامين من كون تقديم الاستشارات القانونية أحد أعمال المحاماة.[5]

رابعا: التكييف القانوني لمسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية:

والمقصود بالمسؤولية هي مؤاخذة الشخص ومسائلته عن فعل قد ارتكب أدى إلى ضرر الغير[6]،   وتعرف المسؤولية أيضا بأنها التزام الشخص بتعويض شخص آخر عن ضرر قد أصابه بسبب فعل الأول، وكان الضرر قد نتج عن إخلال الأول بالتزام واجب عليه.[7]

والمسؤولية المدنية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يتثمل في المسؤولية العقدية والتي تنعقد في كل حالة يكون فيها إخلال بالتزام عقدي سواء كان إخلال كليا بعدم تنفيذ الالتزام مطلقا، أو إخلال جزئي بتنفيذ بعض الالتزام وترك بعضه، أو أن يكون تنفيذه تم بشكل معيب لا يتفق مع طبيعة العقد أو الالتزام أو كان تنفيذه متأخرا بالقدر الذي أصاب الطرف الأخر بالضرر جراء هذا التأخير في التنفيذ، فمناط المسؤولية المدنية في هذه الحالة هو العقد وهي ما تسمى بالمسؤولية العقدية.

وهناك قسم آخر من المسؤولية وهو المسؤولية التقصيرية وهي تنعقد عند كل مخالفة للواجب العام المفروض على الأشخاص كافة، وأساسها عدم الإضرار بالغير فكلما نتج ضرار بالغير ولم يكن الضرر أساسه عقدي فتنعقد المسؤولية التقصيرية.

وعلى ذلك يمكننا تعريف المسؤولية المدنية للمحامي عن الاستشارة القانونية بأنها ما يصدر من المحامي من أخطاء أثناء أداء مهامه الاستشارية ونتج عنها وبشكل مباشر ضررا بطالب الاستشارة والتي توجب مسائلته المدنية ومطالبته التعويض كلما كانت شروط تلك المسؤولية متوفرة.

خامسا: شروط قيام المسؤولية المدنية عن الاستشارة القانونية:

الشرط الأول: أن يتم إبرام عقد استشارة قانونية بين الطرفين:

يجب حتى يكون المحامي مسؤول مسؤولية تعاقدية عن الاستشارة القانونية التي يقدمها لطالبها أن يربطه بطالبها عقد يلتزم فيه بتقديم الاستشارة، فإذا أخل المحامي بالتزاماته في هذا العقد وأدت استشارته القانونية إلى تسويئ مركز طالبها أو إلى ضياع حقه، أو فوات ميعادها، أو أي ضرر تكون ركيزته الأساسية هو اعتماد طالب الاستشارة على الاستشارة الخاطئة الصادرة من المحامي، فتقوم المسؤولية العقدية والتي تجعل من حق المضرور مطالبة المحامي بالتعويض عن الضرر الذي لحق به بشرط توافر باقي أركان المسؤولية والتي سيتم ذكرها فيما بعد.

كذلك تتوفر المسؤولية العقدية في جانب المحامي إذا كانت الاستشارة القانونية ليست أصلا في العقد ولكنها تابعه للأصل لا تنفك عنه، فالموكل الذي يوكل أحد المحاميين للدفاع عنه في إحدى القضايا ينعقد حقه على وكيله المحامي أن يقدم له الاستشارة القانونية والرأي والنصح الذي يحسن موقفه في النزاع وهذا الالتزام تابع للالتزام الأصلي المقرر في عقد الوكالة، وعلى ذلك إذا كانت الاستشارة القانونية قد جانبها الصواب بالشكل الذي ينبئ عن عدم قيام المحامي ببذل العناية اللازمة والجهد الكافي وتقدير الأمور بقدرها يكون مسؤولا مسؤولية مدنية عن استشارته القانونية الخاطئة والتي أصابت طالبها بالضرر.

الشرط الثاني: أن يكون العقد صحيحا من الناحية القانونية:

يجب أن يتوافر في عقد الاستشارة القانونية الشروط اللازمة للعقد، وأن يكون خالي من أي عيب عيوب الإرادة ذلك لأنه إن توفر في العقد سببا من أسباب بطلانه لا يمكن معه ترتيب المسؤولية العقدية ولا يكون أمام المضرور سوى دعوى المسؤولية التقصيرية.

الشرط الثالث: يجب أن يكون الخطأ الصادر من المحامي نتيجة إخلاله بعقد الاستشارة القانونية:

حتى تتوفر المسؤولية العقدية يجب أن يكون الخطأ الذي وقع من المحامي ينصب على مسألة متعلقة بعقد الاستشارة القانونية نفسه، فقد يكون العقد بين الطرفين ينتج عنه قصر دور المحامي على تقديم مشورته في بعض الأمور دون سواها وبالتالي فلا تنعقد المسؤولية إلا عما تم ذكره في العقد.

الشرط الرابع: أن يكون الضرر قد لحق طالب الاستشارة نفسه:

وهذا الشرط بديهي ويقتضه الحال، فيجب أن تكون الاستشارة القانونية قد سوأت من موقف طالبها ونتج عنها ضررا ماديا، أو أدبيا فإن كانت الاستشارة القانونية والقرار المتخذ من طالبها استنادا إليها قد سبب ضررا لغير طالباها فلا مجال لإعمال المسؤولية العقدية، أو التقصيرية بين طرفي التعاقد لانتفاء وقوع الضرر على المتعاقد.

الشرط الخامس: أن يكون طالب التعويض هو الموكِّل المضرور نفسه أو ورثته:

فإذا كان الموكل على قيد الحياة فلا يجوز لغيره المطالبة بالتعويض على أساس مسؤولية المحامي عن خطأه في الاستشارة القانونية، ومع ذلك ينتقل هذا الحق في حالة وفاته إلى ورثته إعمالا لنصوص القانون المدني الأردني، حيث نصت (المادة ٢٠٦) من القانون المدني الأردني على أن: (ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام).

في حين نصت (المادة 207) من ذات القانون على أن: (إذا أأنشأ العقد حقوقا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص فإن هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه).

سادسا: أركان مسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية:

لا تنعقد المسؤولية إلا بتوافر أركانها سواء كانت مسؤولية عقدية مصدرها العقد، أو مسؤولية تقصيرية مصدرها التخلي عن أداء ما كان يجب أدائه، وفي مجال مسؤولية المحامي سواء العقدية الناتجة عن عقد الاستشارة القانونية ابتداء أو مسؤوليته التقصيرية إذا كانت الاستشارة تابعة لالتزام أصلي، ففي الحالتين حتى يمكن القول بتوافر مسؤولية مدنية على عاتق المحامي يجب أن تتوفر أركان تلك المسؤولية وهي ذات أركان المسؤولية المدنية بشكل عام، من حيث وقوع خطأ وأن يترتب على ذلك الخطأ ضررا وأن تتوافر علاقة السببية بين الخطأ والضرر وسنتعرض لكل ركن على حدة بالبيان الموجز له:

1- ركن الخطأ:

فرق الفقه القانوني بين تعريف الخطأ الذي يكون أساسه المسؤولية العقدية والخطأ الذي يكون أساسه المسؤولية التقصيرية.

فالخطأ العقدي هو: (انحراف سلوك المدين بالإيجاب أو السلب الذي يكون سببا في مسائلته ومعياره أن يسلك المدين مسلكا مجافي لمسلك الشخص العادي )،[8]  ويشترط في الخطأ العقدي أن يتوافر فيه الركن المادي وهو الانحراف والركن المعنوي الإدراك والتمييز.

أما الخطأ التقصيري فهو: ( هو إصابة مصلحة معتبرة ومشروعة للإنسان سواء نتج عنها ضرر في شخص الإنسان أو ماله أو شرفه ).[9]

وبعد بيان معنى الخطأ بشكل عام وفقا لمفهومه القانوني، فما هي طبيعة الخطأ الذي يصدر من المحامي أثناء أداء استشارة قانونية للغير وينتج عنها ضررا؟

لم يقرر قانون نقابة المحامين النظاميين في الأردن أي نص يشير إلى مسؤولية المحامي المدنية عن أخطائه أثناء أداء عمله بشكل عام، أو عن أخطائه بسبب أداء دوره كمستشار قانوني بشكل خاص، وبالتالي فيرجع في تقرير المسؤولية المدنية عن أخطاء المحامي أثناء أداء عمله إلى القواعد العامة للمسؤولية المدنية.

وعلى ذلك يمكن القول أن الخطأ الذي يصح أن يرتب مسؤولية مدنية على المحامي هو ( الخطأ الذي يرتكبه المحامي بتقصير منه وبدون حسن نية ولا يقع فيه محامي آخر أخذ بسبل بذل الجهد والعناية اللازمة في ذات الظروف التي أحاطت بالمحامي مرتكب الخطأ )، فإذا كان المحامي قد أسند إليه مهمة إبداء رأيه القانوني في مسالة ما اعتمادا من طالبها على الثقة فيه وفي علمه، ثم لم يقم المحامي ببذل العناية اللازمة والجهد لجعل استشارته القانونية في أقرب درجات الصحة وأكثرها توافق مع القانون وأحكامه، وكان هذا الفعل ناتجا عن إهمال منه وعدم اتخاذه السبل والطرق العلمية الصحيحة في دراسة موضوع الاستشارة، وما نتج عن ذلك الإهمال من اتخاذ طالب الاستشارة للقرار بناء على تلك الاستشارة الغير منضبطة وترتب على ذلك ضررا له في شخصه أو ماله، انعقدت المسؤولية المدنية في حق المحامي ويجوز مطالبته بالتعويض باعتباره أن فعله خطا مهني جسيم يستوجب مسائلته مدنيا.

وقد عرف بعض الفقه الخطأ المهني بأنه: (ذلك الخطأ الذي يرتكبه المحامي حال مزاولته لمهنة المحاماة وينتج عنه خرقٌ للقوانين أو جهلٌ بها أو خرقٌ لأدأب المهنة أو تقاليدها).[10]

ولما كانت (المادة 55) من قانون نقابة المحامين النظامين الأردني قد نصت على أن: (على المحامي أن يدافع عن موكله بكل أمانة وإخلاص وهو مسؤول في حالة تجاوز حدود وكالته أو خطأ جسيم).

وما نصت عليه (المادة 39) من ذات القانون أن: (للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجحة في الدفاع عن موكله ولا يكون مسؤولاً عما يورده في مرافعاته كتابة أو شفاهة مما يستلزمه حق الدفاع، كما لا يكون مسؤولاً عن الاستشارات التي يعطيها عن حسن نية)،

 وبتطبيق النصين على باقي أعمال المحاماة ومنها الاستشارة القانونية يمكن القول إن النص قصر مسؤولية المحامي عن الاستشارة القانونية إذا كانت تنطوي الاستشارة على خطأ مهني جسيم فقط، إلا أن السوابق القضائية تشير إلى أن القضاء الأردني اتخذ مسلكا بمسؤولية المهنين عن أخطائهم سواء كانت بسيطة أو جسيمة دون تفريق.

2- ركن الضرر:

الضرر قانونا هو: ما يصيب الشخص من أذى نتيجة المساس بأحد حقوقه، أو أي مصلحة معتبرة قانونا وسواء كان ذلك الحق مرتبطا بسلامة جسده أو شرفه أو ماله أو حريته.[11]

وتعريف الضرر الموجب المسؤولية المدنية على المحامي بسبب استشارته القانونية الخاطئة هو ما يصيب طالب الاستشارة القانونية من ضرر مادي أو أدبي نتيجة اعتماده في اتخاذ قراره على استشارة قانونية غير صحيحة.

وللضرر أهمية كبيرة في نطاق مسائلة المحامي مدنيا عن إبدائه استشارة قانونية غير منضبطة، ذلك لأنه حتى تتوفر المسؤولية المدنية على المحامي يجب إلى جانب ثبوت وقوع الخطأ من المحامي وإهماله في إبداء الاستشارة القانونية الصحيحة أن يترتب على ذلك الإهمال ضررا يلحق بطالبها في ماله، أو نفسه أو شرفه فإذا انتفى وقوع الضرر أنتفت المسؤولية المدنية الموجبة للتعويض سواء كان أساسها عقدي، أو تقصيري، ويشترط في الضرر أن يكون محققا وقوعه وليس محتملا وقوعه، كما يجب أن يكون الضرر الذي لحق بطالب المشورة ضررا مباشرا والذي نتج بشكل مباشر عن خطأ المحامي، أما الضرر الغير مباشر فلا يرتب مسؤولية على المحامي.

3- توافر علاقة السببية بين فعل المحامي الخاطئ وبين الضرر الذي لحق بطالب المشورة:

والمقصود بالعلاقة السببية أنها: (هي الرابطة التي تربط بين الضرر الناتج والخطأ وتجعل من الضرر نتيجة حتمية للخطأ وأن الخطأ هو السبب الرئيسي للضرر ).[12]

حيث لا يكفي مجرد وجود خطأ من المحامي في إبداء استشارة قانونية غير صحيحة قانونا قد سوأت مركز طالبها، بل يجب أن تتوافر علاقة السببية بين فعل المحامي الخاطئ، وبين الضرر الذي لحق بطالب المشورة فإذا انتفت هذه العلاقة وتلك الرابطة، لا تنعقد المسؤولية المدنية في مواجهة المحامي ذلك لأنه بانتفائها ينتفي الضرر أو الخطأ.

 سابعا: التعويض عن خطأ المحامي:

ترتيبا على ما سبق ذكره من أركان للمسؤولية المدنية سواء كانت عقدية، أو تقصيرية ومن شروط للاستشارة القانونية وما يجب أن تكون عليه والتزام المحامي ببذل العناية والجهد اللازمين لتقديم استشارته القانونية المنضبطة دون أي إهمال، أو تقصير من جانبه فإذا لم يلتزم المحامي بذلك ونتج عن ذلك ضررٌ وتوافرت فيه أركان المسؤولية المدنية، جاز للمضرور أن يطالب المحامي بالتعويض جراء خطأه المهني.

والتعويض هو: ما يرتبه القانون من حق مالي جزاء ثبوت المسؤولية المدنية في حق المحامي وينشا الحق في التعويض من اللحظة التي يكون الضرر فيها واقعا.

والغرض من التعويض هو إعادة الاتزان الذي اختل بسبب الفعل الخاطئ من المسؤول مدنيا وهو هنا المحامي، لإعادة حالة المضرور إلى ماكنت عليه قبل حدوق الضرر.

تقدير قيمة التعويض:

الأصل أن التعويض يكون بمقدار ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب إلى جانب الضرر الأدبي إذا كانت مسؤولية المحامي تقصيرية، أما إذا كانت مسؤوليته تعاقدية فتقتصر على الضرر الواقع فعلا ولا تمتد إلى ما فات المضرور من كسب ويجب أن يكون التعويض عادلا مساويا للضرر جابرا له.

ويجب أن نشير إلى أن دعوى التعويض إذا كان أساسها المسؤولية التقصيرية فإنها تسقط بالتقادم في حال مرور ثلاث سنوات من وقت علم المضرور بوقوع الضرر، أما إذا كانت دعوى التعويض أساسها المسؤولية التعاقدية فهي تخضع للتقادم الطويل ولا يسقط الحق في رفعها والمطالبة بالتعويض إلا بعد مرور خمسة عشر عاما من وقت علم المضرور بوقوع الضرر.

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] حسن حسين البراوي، عقد تقديم المشورة، دراسة قانونية لعقد تقديم الاستشارات الفنية، دار النهضة العربية، طبعة 98، ص56.

[2] ريما محمد فرج، عقد المشورة، دراسة مقارنة لعقد تقديم الاستشارات القانونية والتقنية، دبلوم دراسات عليا في قانون الأعمال، المنشورات الحقوقية، مطبعة صادر 2006، ص5.

[3] عبدالعال ومنصور، عكاشة محمد وسامي بديع، المنهجية القانونية، منشورات الحلبي الحقوقية 2007، ص538 و539.

[4] عبدالعال ومنصور، عكاشة محمد وسامي بديع، المرجع السابق، ص539.

[5] محمود عبدالرحمن محمد ،النظرية العامة للالتزام، مصادر الالتزام ، الجزء٢، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية ،٢٠٠٥ ،ص ٥١٨ وما بعدها.

[6] سليمان مرقس، شرح القانون المدني، مصادر الالتزام، الجزء 2 الطبعة 1، القاهرة 1964، المطبعة العالمية، ص 1.

[7] مالك أبو نصير، المسئولية المدنية للطبيب عن الخطأ المهني، رسالة دكتورة غير منشورة، جامعة عين شمس 2008، مصر، ص 65.

[8] أنور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني الأردني، دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي، ط1، عمان 2007، دار الثقافة والنشر والتوزيع،  ص 232.

[9] المرجع السابق، ص 232، وانظر موقع المحامي الأردني.

[10] سليمان مرقس، المرجع السابق، واتظر محامي شركات  ص 386.

[11] أحمد إبراهيم سيد، الضرر المعنوي فقهيا وفقهاء، القاهرة 2007، المكتب الجامعي الحديث، ص 11-12.

[12] حسن علي ذنون، محمد سعيد، الوجيز في النظرية العامة للالتزام، مصادر الالتزام، ج1، ط1، عمان، دار وائل للنشر، ص 248.

Scroll to Top