جريمة الخيانة العظمى

جريمة الخيانة العظمى

تجمع كافة الدساتير والتشريعات العقابية لمختلف دول العالم على أي فعل من الأفعال التي تصنف تحت طائفة جرائم الخيانة، وعلى رأس تلك الأفعال جرائم خيانة الوطن والتي تصنف تحت مسمى جرائم الخيانة العظمى، وهذه النوعية من الجرائم تصم المتهم بارتكابها بالعار طوال حياته وتستمر مع نسله بعد مماته، وذلك هو ما جعل العقوبة المقررة لها هي أقصى درجات العقوبة سواء كانت الإعدام في الدول التي لا تزال تستخدم تلك العقوبة، والسجن المؤبد أو مدى الحياة في الدول الأخرى التي لا تقر عقوبة الإعدام.

 وتكتسب جريمة الخيانة العظمى خطورتها من كونها تمثل اعتداء سافر ومباشر على وجود الدولة السياسي، والنيل من سلامة المجتمع، والإضرار بأمن الدولة الخارجي، وغيرها من ثوابت ودعائم وجود الدولة واستقرارها، مما ارتأينا معه أن التعرض لجريمة الخيانة العظمى من الموضوعات الجديرة بأن يتم عرضها ومناقشتها في مقال مستقل، وذلك في سبيل توضيح ماهية جريمة الخيانة العظمى، وكيف تعامل المشرع الأردني منها.

أولاً: المقصود بالخيانة العظمى

ثانياً: الخيانة العظمى والتجسس

ثالثاً: موقف المشرع الأردني من جريمة الخيانة العظمى

رابعاً: الخاتمة

أولاً: المقصود بالخيانة العظمى

1- ماهية الخيانة

لكي يمكننا تعريف جريمة الخيانة العظمى يجب أن نتعرض بداية لتعريف لفظ الخيانة في حد ذاته بشكل منفرد ومستقل.

والخيانة في اللغة هي يقصد بها الخون أي أن يكون الإنسان مؤتمناً فلا يصون أمانته، وهو المصدر للفعل خان[1] وهي نقيض الأمانة.

ويقصد بلفظ الخيانة في الاصطلاح متى ذكر منفرداً أكثر من مقصد، فالخيانة لفظ أشمل وأعم من الخيانة العظمى، حيث إن الخيانة العظمى صورة من صور الخيانة كالخيانة الزوجية وخيانة الأمانة وغيرها من الأشكال الأخرى، إلا أن الخيانة العظمى تعتبر أخطر تلك الصور لكونها لا تستهدف فرد أو مجموعة، بل تستهدف الإضرار بالدولة والمجتمع ككل، وبالتالي تستهدف تلك الخيانة الإضرار بجميع أفراد الدولة، ومن هنا أصبحت الخيانة العظمى أخطر أنواع الخيانة وأشدها جسامة.

إلا أن الخيانة في مجملها تتمثل في الغدر الذي يتم من قبل مرتكب فعل الخيانة وينصب على من يأتمنه ليصيبه بضرر جسيم سواء في نفسه، أو ماله، أو أمنه، أو وجوده من حيث الأصل.

2- التعريف بالخيانة العظمى

كما هو واضح وجلي من مسمى هذا النوع من الخيانة فهو النوع الذي تم وصفه بوصف “العظمى” والذي يعد تصريحاً بأنه أشد أنواع الخيانة خطورة وأبلغها تأثيماً، مما يجعلها على قمة هرم الخيانات من حيث الجسامة والتجريم.

وعلى الرغم من خطورة الخيانة العظمى وأهمية وضع تعريف واضح لها، إلا أن المشرعين قد لجأوا إلى طريقة التعريف بها عن طريق النص على الجرائم التي تمثل خيانة عظمى دون وضع تعريف عام لها، لذلك فقد تكفل الفقه القانوني بوضع التعريف الفقهي لجريمة الخيانة العظمى، وسنتعرض لأهم تلك التعريفات فيما يلي:

– عرف بعض الفقه القانوني جريمة الخيانة العظمى بأنها أي اعتداء يقع على أمن الدولة ويترتب عليه أي ضرر لها أو للمصالح الخاصة بأي دولة غيرها.

– وعرفها جانب آخر من الفقه بأنها الفعل الذي يقوم بارتكابه شخص من مواطني الدولة ليضر بدولته بغض النظر عن قيامه بذلك بمحض إرادته من عدمه، ويكون فيها مفضلاً مصلحة دولة أجنبية على مصلحة دولته[2].

– واتجه البعض الآخر في تعريفها إلى أنها الجريمة التي يقوم بارتكابها المواطن بغرض معاونة ومساعدة إحدى الدول الأجنبية لتحقق مصلحة لها على حساب مصالح وأمن دولته[3].

مما يمكننا معه أن نعرف جريمة الخيانة العظمى بأنها الجريمة التي تقع من مواطن في الدولة ضد دولته، ويستهدف منها تحقيق مصلحة لدول أخرى على حسابها، ويترتب عليها تهديد الأمن الخارجي أو الداخلي لدولته.

ثانياً: الخيانة العظمى والتجسس

قد يخلط البعض بين جريمة الخيانة العظمى وجريمة التجسس، ويرجع ذلك إلى تقاربهما في الآثار والأهداف، إلا أنهما وعلى الرغم من ذلك يختلفان في بعض الأمور الأخرى، مما يمكننا معه القول إن كلاً منهما جريمة مستقلة قائمة بذاتها، ولكي نوضح ذلك فسوف نتعرض بالتعريف لجريمة التجسس، كما سنوضح أهم الاتجاهات التي نادى بها الفقه القانوني للتفرقة بين كلاً من التجسس والخيانة العظمى.

1- تعريف التجسس

عرف التجسس في نظر الفقه القانوني بأكثر من تعريف، حيث عرف بأنه قيام الشخص الأجنبي عن الدولة بجمع معلومات ومستندات تخص وضع تلك الدولة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري لها، بغرض أن يسلم ما تم جمعه من معلومات ووثائق لدولة أخرى سواء كانت دولته التي يتبعها بجنسيته أو غيرها، وسواء تم ذلك نظير مقابل أو بدون، وذلك بما يترتب عليه ضرراً للدولة التي تم التجسس عليها[4].

بينما عرف التجسس أيضاً بأنه أحد أشكال العمل الاستخباراتي والذي يكون الهدف منه هو البحث والوصول إلى معلومات تخص دولة ما لنقلها بشكل ما إلى دولة أخرى عن طريق عملاء لها.

وهو أيضاً قيام شخص أجنبي بالبحث سراً عن أسرار دولة ما والحصول عليها لتوصيلها إلى أي دولة أو جهة أجنبية، وذلك شريطة أن يكون هذا الفعل مسبباً للضرر بمصلحة الدولة التي تم التجسس عليها وجمع معلومات عنها.

مما يتبين معه أن جريمة الخيانة العظمى وجريمة التجسس يتشابهان بشكل كبير من حيث الأفعال التي تكون كل منهما، فهما تتداخلان في جزئية إضرارهما بالأمن الخارجي للدولة، ولذلك كان اهتمام فقهاء القانون الجزائي منصباً على تحديد المعيار المناسب الذي يمكن من خلاله وضع حد فاصل بين هاتين الجريمتين، ويمكن الاستناد إليه في تكييف الجريمة المعروضة على القاضي ليستطيع تحديد العقوبة المناسبة لها، خاصة وأن عقوبة الخيانة العظمى هي عقوبة أشد جسامة من عقوبة جريمة التجسس.

2- اتجاهات الفقه في التمييز بين جريمتي الخيانة العظمى والتجسس

انقسم الفقه على نفسه في تحديد الطريقة والمعيار الذي يمكن اتخاذه كأساس للفصل بين جريمتي الخيانة العظمى والتجسس والتمييز بينهما، وقد خلص الفقه في هذا الشأن إلى ثلاث اتجاهات.

أ- الاتجاه الأول: الاتجاه الموضوعي (طبيعة الفعل)

فحوى هذا الاتجاه يتمثل في أن التمييز بين الجريمتين يتم استناداً الطبيعة الخاصة بالفعل المادي الذي يتم ارتكابه ومدى جسامته، ووفقاً لذلك الاتجاه فإن الخيانة هي التي يتم فيها تسليم ما يحوزه مرتكبها تحت يده من أسرار إلى دولة أخرى، بينما التجسس هو البحث عن الأسرار والتنقيب عنها.

وقد واجه هذا الاتجاه وبحق العديد من الانتقادات والتي كان أهمها عدم اتسامه بالدقة، حيث إنه ووفقاً لهذا الاتجاه يمكن اعتبار أن التجسس بمثابة مرحلة شروع في ارتكاب جريمة الخيانة العظمى[5]، وهو ما لا يمكن التسليم به باعتبار أن كلاً منهما – التجسس والخيانة العظمى – جريمة كاملة متكاملة قائمة بذاتها.

ب- الاتجاه الثاني: الباعث على ارتكاب الجريمة

يقوم هذا الاتجاه على فكرة رئيسية مناطها أن الباعث على ارتكاب الجريمة لدى الجاني هو الأساس في تكييف الجريمة المرتكبة، وتحديد ما إذا كانت خيانة عظمى أم تجسس، ووفقاً لهذا الاتجاه تكون الجريمة المرتكبة هي جريمة خيانة عظمى متى كان الباعث الذي دفع الجاني لارتكابها هو منح دولة أجنبية القدرة على الإضرار بالدولة والاعتداء على سيادتها أو أراضيها، أو إتاحة الفرصة لدولة أخرى لتهديد أمنها، بينما تكون الجريمة هي التجسس متى كان الباعث على ارتكاب الجريمة هو الطمع والجشع للمال.

ولم يسلم ذلك الاتجاه أيضاً من النقد حيث تم انتقاده باعتباره اتجاه يبحث في النوايا والمقاصد الخفية لدى الإنسان والتي لا يطلع عليها – بعد الله عز وجل – إلا صاحبها، وهو ما يستلزم التعرض لكل جريمة وفقاً لظروف مرتكبها، والغوص في مقاصده ونواياه[6]، وهو ما لن يترتب عليه تحقيق العدالة الكاملة لصعوبة التأكد من حقيقة نوايا الإنسان الخفية.

ج- الاتجاه الثالث: جنسية مرتكب الجريمة

أما هذا الاتجاه فيستند في تحديد معالم كل جريمة وتمييزها عن الأخرى إلى جنسية الجاني، بحيث اعتبر أن ارتكابها من قبل أحد مواطني الدولة ممن يحملون جنسيتها يجعلها جريمة خيانة عظمى، في حين تعد الجريمة هي جريمة تجسس متى كان القائم على ارتكابها شخص أجنبي عن الدولة التي يتم التجسس عليها.

وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه قد ارتآه البعض لا يقيم الحد الفاصل بين الجريمتين بشكل منضبط، خاصة وأن الفعل الذي يتم ارتكابه في الجريمتين واحد، ولكنه يغير من تكييف الفعل استناداً إلى مجرد جنسية مرتكبه، إلا أن الغالبية العظمى من آراء الفقه قد اعتمدت هذا الاتجاه باعتباره أكثر الاتجاهات التي ظهرت انضباطاً ووضوح.

وقد أخذ المشرع الأردني في تمييزه بين جريمة الخيانة وجريمة التجسس بهذا الاتجاه، فاعتبر أن ارتكاب الجريمة من قبل من يحمل الجنسية الأردنية يجعلها جريمة خيانة، وليس أبلغ على ذلك من دليل ما أورده المشرع في قانون العقوبات وتحديداً بالمواد من (المادة 110) وحتى (المادة 117) والخاصة بجريمة الخيانة، حيث استهل جميع هذه المواد بلفظ (كل أردني)، وهو ما يوضح أن التجريم يبدأ في جريمة الخيانة العظمى بأن يكون مرتكبها أردنياً، أما ارتكابها من الشخص الأجنبي يجعلها جريمة تجسس شريكة ألا يكون لهذا الأجنبي سكن أو محل إقامة فعلي في الدولة، وإلا يتم معاملته عندئذ باعتباره أردنياً كما نصت (المادة 117) من قانون العقوبات.

ونحن نؤيد الاتجاه الذي أخذ به المشرع الأردني في التمييز بين الجريمتين، حيث إن فكرة الخيانة ترتبط بوجود علاقة بين الجاني والمجني عليه تجعل ارتكابه لفعل التجسس بمثابة خيانة لتلك العلاقة، في حين أن وقوع فعل التجسس من قبل الأجنبي لا يمكن اعتباره خيانة نظراً لعدم وجود علاقة تربطه بالدولة التي يتجسس عليها، وهو ما جعل هذا الاتجاه هو السائد في الغالبية العظمى من التشريعات العقابية، والتي تأخذ في اعتبارها عند التفرقة بين الجريمتين جنسية مرتكبها.

ثالثاً: موقف المشرع الأردني من جريمة الخيانة العظمى

لكي نستوضح موقف المشرع الأردني من جريمة الخيانة العظمى فسوف يقتضي الأمر بيان كل صورة من صور هذه الجريمة، وأركان الجريمة الواردة بكل صورة، والعقوبة التي قررها المشرع لها.

1- الصورة الأولى: وقوع جريمة على أمن الدولة الخارجي

اعتبر المشرع أن وقوع جريمة من قبل شخص يحمل الجنسية الأردنية – أو أجنبي له محل إقامة في الدولة – على أمن الدولة الخارجي تعد من صور جريمة الخيانة العظمى، إلا أن المشرع في نص (المادة 110) من قانون العقوبات تفرع عن تلك الصورة بأكثر من شكل من أشكال ارتكابه، وفرق بين كل من تلك الأشكال في العقوبة المقررة له.

أ- حمل السلاح ضد الدولة

a– أركان الجريمة

اعتبر المشرع الأردني أن حمل الشخص الذي يحمل الجنسية الأردنية – أو الأجنبي الذي له محل إقامة في الدولة – للسلاح ضد المملكة الأردنية الهاشمية، وحارب ضدها مع أعدائها مرتكباً لجريمة الخيانة، ومن مجمل الوصف التشريعي لهذه الجريمة يمكننا بيان أركانها فيما يلي:

– الركن المفترض: ينقسم هذا الركن إلى شقين، الشق الأول هو أن يكون مرتكب الفعل المكون للجريمة حاملاً للجنسية الأردنية، وذلك بغض النظر عن مصدر تلك الجنسية سواء كانت أصلية أو تبعية أو بالتجنس، أو أن يكون من الأجانب المقيمين في الملكة الأردنية الهاشمية وله محل إقامة وسكن فعلي بها، والشق الثاني هو أن تقع الجريمة على المملكة الأردنية الهاشمية أو أي دولة أخرى تجمعها بالمملكة معاهدة تحالف ضد عدو مشترك، فتلك الدول تأخذ حكم المملكة، وهذا الركن المفترض هو ركن مشترك بين جميع صور جريمة الخيانة العظمى، لذلك لن نكرره في الجرائم التالية باعتباره ركن رئيسي لقيام كافة صور تلك الجريمة ويفترض تحققه في كافة الصور.

– الركن المادي: ورد في قانون العقوبات في وصف هذه الجريمة مصطلح (حول السلاح ضد الدولة)، وهو الفعل المكون للركن المادي لهذه الجريمة، ويتمثل في مشاركة الجاني في أي عمليات عسكرية أو حربية تقوم بها أي دولة أجنبية ضد المملكة الأردنية الهاشمية، والمشاركة هنا لا يقصد بها القتال الفعلي في خضم الحرب، ولكن بأي فعل يمكن أن يقدمه الجاني للدولة الأجنبية في تلك الحرب، كما لو كان طبيباً والتحق بجيشها لمداواة الجرحى في قواتها أثناء الحرب.

– الركن المعنوي: تعد هذه الجريمة من جرائم القصد أي التي يتوافر فيها التعمد، ويقوم الركن المعنوي فيها بتحقق القصد الجنائي العام، والذي يتمثل في انصرف نية الجاني وإرادته القائمة على الإدراك والعلم بحقيقة فعله الذي يرتكبه، وأن فعله هذا يكون جريمة الخيانة العظمى، فإذا ما كان الجاني على جهل بأنه يحارب دولته، أو أن الجيش الذي التحق به هو جيش دولة معادية، أو كان على علم وإدراك ولكنه انضم لقوات الدولة الأجنبية لجمع معلومات لصالح المملكة الأردنية الهاشمية، فلا يقوم في حقه القصد الجنائي في تلك الحالات[7].

b– العقوبة

قرر المشرع الأردني لهذه الصورة من صور جريمة الخيانة العظمى أشد أنواع العقوبة نظراً لمدى جسامة هذه الجريمة حيث تتجلى فيها أبلغ صور خيانة الدولة، حيث قد قرر لها بنص (المادة 110/1) من قانون العقوبات عقوبة الإعدام.

ب- ارتكاب عمل عدواني ضد الدولة في زمن الحرب

a– أركان الجريمة

تتمثل هذه الصورة في أن الجاني يقوم بارتكاب فعل من الأفعال العدوانية التي تصنف بأنها ضد الدولة، واشترط أن يكون ارتكاب تلك الأفعال في فترة الحرب التي تخوضها الدولة.

– الركن المادي: يتمثل الركن المادي في تلك الصورة من صور جرائم الخيانة العظمى في العمل العدواني الذي يرتكبه الجاني ضد الدولة، وينطبق هذا الوصف على أي فعل يمكن تكييفه بأنه فعل يتسم بالعدوان، وينصب على الدولة بأجهزتها المختلفة، ولم يوضح المشرع بشكل صريح ماهية الأعمال التي تتسم بالعدوان، وهو بذلك تركها لتفسير وتقدير قاضي الموضوع وفقاً لظروف كل حالة وحسب طبيعة تلك الأعمال المرتكبة تجاه الدولة.

– الركن المعنوي: تعد هذه الجريمة أيضاً من جرائم القصد أي التي يتوافر فيها التعمد، ويقوم الركن المعنوي فيها بتحقق القصد الجنائي لدى الجاني والذي يتمثل في انصرف نية الجاني وإرادته القائمة على الإدراك والعلم بحقيقة فعله الذي يرتكبه، والمتمثل في قيامه بتوجيه عمل يعد من قبيل الأعمال العدوانية للمملكة أثناء خوضها الحرب.

b– العقوبة

قرر المشرع الأردني بنص (المادة 110/2) من قانون العقوبات عقوبة الأشغال المؤبدة والتي توقع على من يرتكب تلك الجريمة.

ج- التجنيد في قوات معادية

a– أركان الجريمة

تتمثل تلك الجريمة في أن يتم تجنيد الجاني في جيش الدولة المعادية، ثم يقوم هذا الجيش بتنفيذ أعمال عدوانية ضد المملكة، وتتمثل أركان هذه الجريمة في:

– الركن المادي: يقوم الركن المادي لتلك الجريمة على قيام الجاني بالانضمام إلى التجنيد في القوات التابعة لدولة تتسم علاقاتها مع المملكة بالعداء، وقيام تلك القوات بأعمال عدائية ضد المملكة أثناء وجود الجاني ضمن أفراد هذه القوات.

– الركن المعنوي: تتسم تلك الجريمة أيضاً بأنها جريمة عمدية، ويتطلب القانون فيها القصد العام المتمثل في اتجاه نية الجاني وإرادته للانضمام إلى القوات المعادية، وعلمه بأن تلك القوات تقوم بأعمال عدائية ضد المملكة.

b– العقوبة

قرر المشرع الأردني لهذه الصورة من صور جريمة الخيانة العظمى عقوبة الأشغال المؤقتة، وذلك طبقاً لنص (المادة 110/3) من قانون العقوبات.

3- الصورة الثالثة: دس الدسائس لدى العدو

لا تختلف تلك الصورة من جريمة الخيانة عن الصورة السابقة إلا في أمر وحيد، وهو أن الدولة الأجنبية التي يدس لديها الجاني الدسائس أو يعاونها هي دولة معادية للمملكة.

أ- أركان الجريمة

– الركن المادي: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة عن طريق إما دس الدسائس أو الاتصال بالدولة العدو.

– الركن المعنوي: يتطلب قيام هذه الجريمة أن يتوافر فيها القصد الجنائي العام والخاص معاً، والقصد الجنائي العام يتمثل في علم وإدراك الجاني بأن الفعل الذي يقوم به يكون جريمة الخيانة واتجاه إرادته إلى القيام به، أما القصد الخاص فيتمثل في اتجاه قصد ونية الجاني لتحقيق نصر للدولة المعادية على المملكة

ب- العقوبة

قرر المشرع معاقبة من يرتكب تلك الجريمة بعقوبة الإعدام، وذلك وفقاً لما قرره بنص (المادة 112) من قانون العقوبات الأردني.

4- الصورة الرابعة: دس الدسائس لدى العدو

لا تختلف تلك الصورة من جريمة الخيانة عن الصورة السابقة إلا في أمر وحيد، وهو أن الدولة الأجنبية التي يدس لديها الجاني الدسائس أو يعاونها هي دولة معادية للمملكة.

أ- أركان الجريمة

– الركن المادي: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة عن طريق إما دس الدسائس أو الاتصال بالدولة العدو.

– الركن المعنوي: يتطلب قيام هذه الجريمة أن يتوافر فيها القصد الجنائي العام والخاص معاً، والقصد الجنائي العام يتمثل في علم وإدراك الجاني بأن الفعل الذي يقوم به يكون جريمة الخيانة واتجاه إرادته إلى القيام به، أما القصد الخاص فيتمثل في اتجاه قصد ونية الجاني لتحقيق نصر للدولة المعادية على المملكة

ب- العقوبة

قرر المشرع معاقبة من يرتكب تلك الجريمة بعقوبة الإعدام، وذلك وفقاً لما قرره بنص (المادة 112) من قانون العقوبات الأردني.

5- الصورة الخامسة: إحداث شلل في الدفاع الوطني

وصف هذه الجريمة يتمثل في إسباغ حماية المشرع على الدفاعات الوطنية للمملكة في الحالة التي يقوم الجاني بأي فعل يستهدف بها إصابتها بالشلل والقصور في عملها.

أ- أركان الجريمة

– الركن المادي: يتمثل في وقوع الاعتداء من قبل الجاني – أياً كانت الوسيلة المستخدمة – على أي شيء يتمتع بالصفة العسكرية أو معد ليستخدمه جيش المملكة أو ما تتبعه من قوات، سواء كانت منشآت، أو مصانع، أو بواخر، أو غيرها.

– الركن المعنوي: بجانب تطلب هذه الجريمة للقصد الجنائي العام من علم وإرادة وإدراك لدى مرتكبها، فإن تحققها يستلزم أيضاً تحقق القصد الجنائي الخاص والمتمثل في اتجاه نية الجاني إلى إصابة الدفاع الوطني للمملكة بالشلل.

ب- العقوبة

وضع المشرع بـ (المادة 113/1) من قانون العقوبات عقوبة الأشغال المؤبدة كعقوبة لصدور تلك الأفعال من الجاني سواء تحققت عنها نتيجتها – إصابة الدفاع الوطني بالشلل – أو لم تتحقق[8]، إلا أنه في الفقرة الثانية من ذات المادة قد حدد حالات ثلاث اعتبر أنها ظروف مشددة للعقوبة، بحيث جعل من توافر إحداها سبباً للوصول بعقوبة الجاني للإعدام، وتتمثل تلك الحالات في أن تكون الجريمة قد وقعت أثناء قيام حرب، أو في ظل وجود ظروف تدعو للتنبؤ والتوقع بحدوثها، أو أن يترتب على ارتكابها تلف نفس أي وفاة شخص أو أكثر.

6- الصورة السادسة: اقتطاع أراض أو حقوق أو امتيازات أردنية لصالح دولة أجنبية

وصف هذه الجريمة يتمثل في محاولة اقتطاع أرض أردنية، أو حق أو امتياز أردني لصالح دولة أجنبية، ويقصد بأرض أردنية أرض المملكة وبحرها وجوها.

أ- أركان الجريمة

– الركن المادي: يتمثل في قيام الجاني بأي فعل من شأنه اقتطاع جزء من أراضي المملكة أو حقاً من حقوقها أو امتيازاً مقرر لها وتسليمها إلى دولة أجنبية، ولا يشترط شكل معين لوقوع الفعل، فيستوي الأمر أن يكون فعلاً مادياً أو معنوياً كالخطب والكتابات وغيرها.

– الركن المعنوي: يجب أن يتوافر في تلك الجريمة القصدين العام والخاص لدى الجاني، فالقصد الجنائي العام هو علمه وإدراكه أنه يقوم بتسليم أرض أردنية أو امتياز أو حق أردني لدولة أجنبية بمحض إرادته، والقصد الجنائي الخاص هو تسليم تلك الأرض أو الحقوق أو الامتيازات لدولة أجنبية لتضمها إليها وتحقق فائدة لها.

ب- العقوبة

وضع المشرع بـ (المادة 114) من قانون العقوبات عقوبة الأشغال المؤقتة لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

7- الصورة السابعة: مد يد المساعدة لجنود القوات المعادية

تتمثل هذه الصورة من صور جريمة الخيانة في تجريم فعل المساعدة لجنود أو جواسيس الاستكشاف التابعين لأعداء المملكة، سواء كانت المساعدة بتقديم المأكل، أو المشرب، أو الملبس، أو مساعدتهم على الفرار، كما تتمثل أيضاً في تسهيل ومعاونة أسرى الحرب أو أحد المعتقلين في المملكة من رعايا العدو على الفرار.

أ- أركان الجريمة

– الركن المادي: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة في شكل فعل المساعدة التي يقدمها الجاني لجندي أو جاسوس يتبع قوات أعداء المملكة، سواء كان هذا الفعل في شكل منحهم الطعام أو الشراب أو المأوى، أو في شكل مساعدتهم على الفرار من المملكة، أو تيسير عملية الفرار من المملكة لأسرى حرب أو رعايا دولة معادية من المعتقلين بالمملكة، وتكون تلك المعاون بأي فعل كما لو منح الجاني لجنود الأعداد وجواسيسهم ملابس للتخفي بها.

– الركن المعنوي: تتسم تلك الجريمة أيضاً بأنها جريمة عمدية، ويتطلب القانون فيها القصد العام المتمثل في اتجاه نية الجاني وإرادته لتقديم المساعدة لجنود أو جواسيس القوات المعادية أو أسراهم، وعلمه بأن هؤلاء الجنود أو الجواسيس يتبعون لدولة معادية للمملكة وأن الهدف من ذلك هو تهريبهم من السلطات في المملكة.

ب- العقوبة

عاقب قانون العقوبات الأردني مرتكب هذه الصورة من صور جريمة الخيانة بالأشغال المؤقتة.

8- الصورة الثامنة: الخيانة في قانون العقوبات العسكري

لم يقتصر تجريم المشرع لجريمة الخيانة العظمى مقتصراً على قانون العقوبات الأردني، بل امتد ليشمل تجريمها في قانون العقوبات العسكري الأردني أيضاً، حيث نصت المادة (38) من هذا القانون على تجريم بعض الأفعال المصنفة كخيانة متى تمت في زمن الحرب وكان الغرض منها هو مساعدة العدو على إحداث ضرر بقوات المملكة المسلحة أو القوات التابعة لأي دولة حليفة للمملكة، وتتمثل تلك الأفعال التي تمثل الركن المادي لتلك الجريمة فيما يلي:

– كشف وإفشاء كلمة السر أو المرور أو الإشارة الجوابية.

– إرشاد العدو إلى الأماكن التي تتواجد فيها القوات المسلحة الأردنية أو الخاصة بدولة حليفة، أو تضليل هذه القوات بهدف وضعهم في طرق غير صحيحة.

– أن يقوم الجاني بإحداث رعب وذعر لدى القوات المسلحة للمملكة، أو وضعها في موقف تضطر فيه إلى القيام بتحركات خاطئة، أو منع وعرقلة لم شتات من تفرق من جنودها.

وقد قررت المادة المكورة عقوبة الإعدام لمرتكبي هذه الجريمة متى تمت في زمن الحرب، كما جعلت من ارتكابها في غير زمن الحرب ظرفاً مخففاً للعقوبة، حيث تنزل العقوبة في تلك الحالة إلى الأشغال المؤقتة التي لا تقل في مدتها عن عشر سنوات.

رابعاً: الخاتمة

على الرغم من المحاولة الجيدة من قبل المشرع الأردني لوضع قاعدة قانونية قوية لمواجهة جريمة الخيانة العظمى، إلا أنه كان عليه أن يوجه المزيد من الاهتمام لبعض الجزئيات والتفصيلات الهامة والجوهرية في نجاح تلك القاعدة القانونية في تحقيق هدفها، ومن أهم الأمثلة على تلك الجزئيات والتفصيلات بيان ماهية الأعمال العدوانية المقصودة في نصوص المواد التي تجرم الخيانة، وماهية دس الدسائس، وغيرها من التفصيلات والجزئيات التي يجب تنظيمها وتعريفها بشكل صريح حتى لا يتم ترك تقديرها لقاضي الموضوع، خاصة وأن تلك التفصيلات تنتقل بالشخص من وصف المواطن إلى وصف الخائن الذي قد يصل به إلى نهاية حياته، لذلك فإننا نهيب بالمشرع الأردني إلى تعديل نصوص المواد من (110) وحتى (115) بوضع وصف وتعريف للأفعال التي يعد مرتكبها مرتكباً لجريمة الخيانة العظمى.  

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – جمال الدين بن منظور – معجم لسان العرب – ط4 – ج13 – دار الطباعة للنشر – لبنان – 2005 – ص 144.

[2] – نجاة بن مكي – الخيانة العظمى جريمة ماسة بأمن الدولة في التشريع الجزائري – مجلة الحقوق والعلوم السياسية – جامعة عباس لغرور خنشلة – الجزائر – ع (1) – 2014 – ص126.

[3] – حافظ محمود – الحماية الجنائية لأسرار الدولة: دراسة تحليلية تطبيقية لجرائم الخيانة والتجسس في التشريع المصري والمقارن – جامعة القاهرة – مصر – ط1 – 1991 – ص233.

[4] – هاني الطراونة – الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي في التشريع الأردني – دار وائل – الأردن – 2011 – ص91.

[5] – عبد الإله النوايسة – الجرائم الواقعة على أمن الدولة في التشريع الأردني – دار وائل – الأردن – ط1 – 2005 – ص 118.

[6] – محمود موسى – التجسس الدولي والحماية الجنائية للدفاع الوطني وأمن الدولة – منشأة المعارف – القاهرة – 2001 – ص 132 وما بعدها.

[7] – محمد صبحي نجم – شرح قانون العقوبات الجزائري: القسم الخاص – الطبعة السادسة – ديوان المطبوعات الجزائرية – الجزائر – 2006 – ص 195.

[8] – عبد الله سليمان – دروس في شرح قانون العقوبات الجزائري: القسم الخاص – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر – 1998 – ص 22 وما بعدها.

Scroll to Top