التصرف بالإرادة المنفردة
لم يكن هناك اتفاق بين التشريعات المقارنة في مدى قدرة الإرادة المنفردة على إنشاء تصرف قانوني، إلا أن كل من المشرع الأردني ونظيره المصري قررا أن الإرادة المنفردة يكون لها القدرة على إنشاء بعض التصرفات القانونية طالما لم تكن تلك التصرفات من شأنها أن تنشئ التزامات على الغير.
أولاً: صلاحية الإرادة المنفردة في ترتيب آثار قانونية:
ثانياً: دور الإرادة المنفردة في إنشاء التصرفات في الفقه الإسلامي:
ثالثاً: الإرادة المنفردة لا تصلح لإلزام الغير:
رابعاً: القواعد التي تضبط حكم التصرف الانفرادي:
خامساً: الوعد بجائزة كأحد صور التصرفات الانفرادية:
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن التصرف بالإرادة المنفردة:
أولاً: صلاحية الإرادة المنفردة في ترتيب آثار قانونية:
هناك تصرفات قانونية عديدة يمكن أن تترتب بالإرادة المنفردة ويترتب عليها آثار قانونية بخلاف نشأة الالتزام، حيث قد تكون الإرادة المنفردة سبباً في إنشاء حق عيني كما هو الحال في الوصية التي بموجبها يتم إنشاء حق عيني للموصي له بحيث ينتقل هذا الحق من ذمة الموصي إلى ذمة الموصي له، وكذلك تصلح الإرادة المنفردة في إنهاء الحق العيني وذلك كما في حالة النزول عن حق الرهن أو حق ارتفاق مما يؤدي إلى زوال مثل هذا الحق العيني.[1]
وأيضاً للإرادة المنفردة دور جوهري في تأكيد وجود بعض أنواع العقود، مثل إجازة العقد الباطل عملاً بقاعدة الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، في حين أن الإرادة المنفردة في بعض الأحيان قد يكون لها دوراً في إنهاء بعض العقود، كما في حالة قيام الموكل بعزل الوكيل أو قيام الوكيل باعتزال الوكالة بإرادته المنفردة.
وفي أحيان أخرى يكون للإرادة المنفردة دور في تثبيت الحق الشخصي وتأكيده كما في حالة قبول الغير للاشتراط الذي تم لمصلحته، ويكون للإرادة المنفردة دور في أحيان أخرى في إنهاء الالتزام كما في حالة الإبراء من الدين.
ثانياً: دور الإرادة المنفردة في إنشاء التصرفات في الفقه الإسلامي:
إذا نظرنا إلى دور الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي لوجدنا أن دورها يمثل دور جوهري في العديد من التصرفات القانونية والتي ترتب آثار قانونية غاية في الأهمية، ومن تلك التصرفات ما يلي:
1- الطلاق:
فالطلاق يقع بالإرادة المنفردة للزوج ويترتب عليه انفصام عُرى الزوجية، فالطلاق لا تتوقف ترتيب آثاره على قبول من الزوجة وإنما تقع آثاره بمجرد نطق الزوج به، وينطبق ذات الأمر إذا كانت الزوجة قد اشترطت على زوجها أن تكون العصمة بيدها، حيث في هذه الحالة يكون لها الحق بإرادتها المنفردة في تطليق نفسها وإنهاء رابطة الزوجية.
2- الوقف:
الوقف هو حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على الفقراء ولو في الجملة أو على وجه من وجوه البر.[2]
فالوقف بنوعيه المعروفين في الفقه الإسلامي سواء أكان الخيري والذي يكون لأحد جهات الخير والبر أو الأهلي الذي يتم وقفه لمصلحة شخص أو أشخاص معينين هو من التصرفات التي تتم بالإرادة المنفردة، حيث إن الوقف لا يتوقف على قبول من الموقوف عليه.
3- الظهار:
وأيضاً من تطبيقات الإرادة المنفردة في الشريعة الإسلامية الظهار حيث يترتب عليه تحريم المرأة على زوجها إلى حين قيامه بأداء الكفارة.
فالظهار هو تشبيه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه تحريماً مؤبداً بنسب أو رضاع أو مصاهرة،[3] وهو كان من التصرفات المعهودة عن العرب قبل الإسلام والذي ظل مستمر العمل به إلى حين نزول سورة المجادلة والتي حرم الله بمقتضاها الظهار، وعاقب الزوج بمنعه من وطء زوجته إلى حين التكفير عن ظهاره.
4- الإيلاء:
يُعد الإيلاء من التصرفات التي ترتب آثار قانونية والتي تتم بالإرادة المنفردة للزوج، حيث يترتب على الإيلاء أن الزوج إذا ظل على قسمه لوجب عليه أن يطلق زوجته، وفي نظر الإمام أبي حنيفة يكون الطلاق واقع دون حاجة إلى نطق الزوج به بمجرد تمام مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر.
فالإيلاء هو اليمين على ترك قربان الزوجة أربعة أشهر فصاعداً بالله أو بصفة من صفاته، أو تعليق قربان الزوجة على أمر يشق على الزوج،[4] ولقد ورد الإيلاء في قول الله تعالى: ” لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ “.
5- الرجعة:
حيث يكون للزوج الذي طلق زوجته طلاق رجعي أن يراجعها بإرادته المنفردة دون الحاجة إلى مهر جديد أو عقد جديد ودون حاجة إلى قبول من الزوجة، فالرجعة تتم بمجرد القول من الزوج ويترتب عليها أن تُعاد عُرى الزوجية بين الزوجين مرة أخرى طالما كان الطلاق رجعي وتمت الرجعة في أشهر العدة.
6- استعمال الخيار وإسقاطه:
حيث إن المتبايعان في الشريعة الإسلامية أو أحدهما قد يكون له الخيار في العقد، إما بالاستمرار في إبرام العقد وتأكيده أو الرجوع فيه، واستعمال الخيار لصاحبه في تلك الحالة لا يتوقف على قبول من الطرف الآخر، ولا يتوقف الأمر على استعمال الخيار، بل يمتد أيضاً إلى إسقاط الحق في استعماله وتأكيد إبرام العقد.
تلك الصور – وغيرها – هي من الأمثلة على التصرفات التي وردت في الفقه الإسلامي والتي تتم بمحض الإرادة المنفردة دون حاجة إلى قبول من شخص آخر، ولقد تم النص على تلك الصور وغيرها من صور التصرفات التي تتم بالإرادة المنفردة بموجب (المادة 176) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (أما في الفقه الإسلامي فللإرادة المنفردة مجال كبير إذ تكفي الإرادة المنفردة لإنشاء كثير من التصرفات أهمها: الطلاق والتفويض فيه – الرجعة – الإيلاء – الظهار – الإعتاق – التدبير – الوقف – الجعالة – الهبة (والعمري والرقبى على رأي) الهدية الصدقة – الوصية وقبولها والرجوع فيها وردها – الإيصاء – العارية والقرض والكفالة وردها والرهن (على القول بانها تصرفات انفرادية) إسقاط الشفعة – الإباحة أو التحليل – الإسقاط الإبراء – النذر – الوعد (التزام المعروف) – الاستصناع على القول بأنه وعد – اليمين (لتقوية عزم الحالف على عمل شيء) التملك باستعمال حق التملك – الإيجاب – الرجوع عن الإيجاب – رد الإيجاب – القبول – إذن الصبي والعبد في التجارة – عزل الوكيل – الحجر على العبد المأذون – استعمال حق الخيار وإسقاطه – فسخ العقد غير اللازم – إجازة العقد الموقوف. يضاف إليها الإقرار والإنكار واليمين (كوسيلة للإثبات) على ما ذكره الكاساني من أن الإخبار تصرف شرعي أيضا).
ثالثاً: الإرادة المنفردة لا تصلح لإلزام الغير:
إذا كانت الإرادة المنفردة بالمعنى المتقدم صالحة في العديد من الأحيان لترتيب آثار قانونية، فإنها في ذات الوقت لا يصح أن تكون سبباً في إلزام الغير، وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 250) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن: (يجوز أن يتم التصرف بالإرادة المنفردة للمتصرف دون توقف على القبول ما لم يكن فيه إلزام الغير بشيء وذلك طبقا لما يقضي به القانون).
فليس من المعقول قبول صلاحية الإرادة المنفردة لأن تكون سبباً في ترتيب إلزام على عاتق الغير الذي لم يرتض قبول التقيد بذلك الالتزام، فتجد الإرادة المنفردة مجالها في التصرفات التي لا تنشئ التزامات على عاتق الغير وإن أمكن لها أن ترتب حقوقاً لهم.
على أنه يجب أن يُلاحظ أنه في الحالات التي ترتب فيها الإرادة المنفردة حقوقاً لصالح الغير فإنه يجوز للغير في هذه الحالة أن يرفض ذلك الحق، وذلك كما في حالة أحقية الموصي له برد الوصية، وأيضاً كما في حالة أحقية المنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير من رفض الاشتراط لمصلحته.
رابعاً: القواعد التي تضبط حكم التصرف الانفرادي:
1- إلزام الشخص لنفسه بإرادته المنفردة دون إلزام الغير:
وفقاً لما سبق بيانه فإن الشخص بإرادته المنفردة لا يكون له سوى أن يلزم نفسه بإرادته المنفردة، دون استطاعته إلزام الغير بتلك الإرادة.
2- سريان أحكام العقود على التصرفات القانونية:
نصت (المادة 251) من القانون المدني الأردني على أن: (تسري على التصرف الانفرادي الأحكام الخاصة بالعقود إلا ما تعلق منها بضرورة وجود إرادتين متطابقتين لنشوء العقد. وذلك ما لم ينص القانون على غير ذلك، ويبقى الإيجاب في العقود خاضعا للأحكام الخاصة به).
ومن ثم فحتى يكن الشخص قادراً على ترتيب التزام في ذمته أو إنشاء تصرف قانوني بإرادته المنفردة فإنه يجب أن يكون تصرفه القانوني مستوفياً لأركان وشرط إبرام العقد والتي تتمثل فيما يلي:
- أن يكون الشخص متمتعاً بالأهلية القانونية التي تخوله إبرام مثل هذا التصرف.
- أن تكون إرادته خالية من ثمة عيب من عيوب التراضي المتمثلة في الغلط، والتدليس، والإكراه، والاستغلال.
- أن يكون محل الالتزام أو التصرف الناشئ مستوفياً لشروطه القانونية.
- أن يكون لهذا الالتزام سبباً مشروعاً حتى ولو لم يتم النص عليه.
3- عدم جواز الرجوع في التصرف الانفرادي:
نصت (المادة 252) من القانون المدني الأردني على أن: (إذا استوفى التصرف الانفرادي ركنه وشروطه فلا يجوز للمتصرف الرجوع فيه ما لم ينص القانون على غير ذلك)، ومن ثم يتضح أن التصرف إذا نشأ صحيحاً مستوفاً لشروطه وأركانه فلا يكون للمتصرف أن يرجه فيه ما لم ينص القانون على غير ذلك.
ولا بد من ملاحظة أن التصرف حتى تكون له قوته الملزمة يجب أن تكون إرادة صاحبه قد انصرفت إلى الزام نفسه دون انتظار قبول المتصرف إليه، لذلك لا يكفي انصراف النية إلى مجرد الإيجاب لأنه لا بد لهذا الإيجاب من قبول حتى ينعقد العقد وينشأ الالتزام الذي يراد ترتيبه بالعقد، أما قبل القبول فللموجب خيار العدول عن إيجابه وهو غير ملزم بالبقاء عليه، وهذا الحكم لا يسري على الإيجاب الملزم الذي هو تطبيق من تطبيقات الالتزام بالإرادة المنفردة، حيث يلزم الموجب نفسه بإرادته بمدة يبقى فيها على إيجابه ولا يجوز أن يعدل عنه.[5]
4- إذا كان التصرف الانفرادي تمليكاً فلا يثبت حكمه إلا بقبول من وجه إليه:
ورد في (المادة 253) من القانون المدني الأردني أن:
- إذا كان التصرف الانفرادي تمليكا فلا يثبت حكمه للمتصرف إليه إلا بقبوله.
- وإذا كان إسقاطا فيه معنى التمليك أو كان إبراء من دين فيثبت حكمه للمتصرف إليه، ولكن يرتد بردة في المجلس.
- وإذا كان إسقاطا محضا فيثبت حكمه ولا يرتد بالرد.
- كل ذلك ما لم ينص القانون على خلافه.
ومن ثم يُستفاد من النص المتقدم أن التصرف الانفرادي إذا كان تمليكاً فلا يجوز أن يرتب آثاره في ذمة المتصرف إليه إلا إذا قبله الأخير، حيث لا يصح أن يتم تمليك شخص شيء إلا برضاه.
أما إذا كان التصرف إسقاط محضاً فإنه يترتب عليه زوال الحق بصورة نهائية ولا يجوز رد هذا الإسقاط ولا يجوز الرجوع فيه، ذلك أنه يترتب عليه السقوط والساقط لا يعود، ولكن يجب ملاحظة أن ذلك الحكم ينطبق على الإسقاط المحض، أما الإسقاط الذي يحمل معنى التمليك فيجوز أن يتم رده في مجلس العقد.
5- صاحب الوعد ملزم لغيره بما وعد ما لم يكن مانع من موت أو إفلاس:
ورد في (المادة 254) من القانون المدني الأردني أن: (الوعد هو ما يفرضه الشخص على نفسه لغيره بالإضافة إلى المستقبل لا على سبيل الالتزام في المال وقد يقع على عقد أو عمل، ويلزم الوعد صاحبه ما لم يمت أو يفلس).
بداية ينبغي أن نشير إلى اختلاف معنى الالتزام في كل من الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، حيث إن مصطلح الالتزام في القانون الوضعي يشير إلى رابطة الدائنة بين كل من الدائن والمدين بحيث يكون كل منهما دائن ومدين للأخر في ذات الوقت، أما الالتزام في الفقه الإسلامي فهو يشير إلى الصورة العامة للالتزام وهي الالتزام بالإرادة المنفردة.
والوعد في هذا الصدد يُعد صورة من صور الالتزام الذي ينشئه الشخص على نفسه بإرادته المنفردة، وهو بذلك يختلف عن الوعد بالتعاقد المعروف في القانون الوضعي والذي يُعد بمثابة عقد وعد بالتعاقد بين طرفين يكون أحدهما الواعد والأخر الموعود له، بمقتضاه يلتزم الواعد بأن يبرم التصرف المتفق عليه في عقد الوعد بالتعاقد مع الموعود له إذا أبدى الأخير رغبته بذلك في غضون المدة المتفق عليها وبالمبلغ الذي تم الاتفاق عليه.
أما الوعد الذي تناولته المادة السابقة يُعد بمثابة أحد صور الالتزام بالإرادة المنفردة، ويكون الشخص ملزماً بوعده ما لم يمت أو يُفلس تطبيقاً لقواعد الشريعة الإسلامية الغراء والتي تلزم كل أمرئ بأن يفي بما وعد به.
خامساً: الوعد بجائزة كأحد صور التصرفات الانفرادية:
يُعد الوعد بجائزة هي الصورة الوحيد التي شملها المشرع المصري بالنص في القانون المدني، وذلك على عكس ما فعل المشرع الأردني والذي تناول بالتنظيم القانون أحكام الالتزام بالإرادة المنفردة وفقا لما سبق وبيناه آنفاً.
ومن ضمن الصور التي نظمها المشرع الأردني والتي تُعد أحد صور الالتزام بالإرادة المنفردة هي صورة الوعد بجائزة والتي نصت عليها (المادة 255) من القانون المدني الأردني بقولها: (من وجه للجمهور وعدا بجائزة يعطيها عن عمل معين وعين له اجلأ التزم بإعطاء الجائزة لمن قام بهذا العمل ولو قام به دون نظر إلى الوعد بالجائزة، وإذا لم يعين الواعد اجلأ للقيام بالعمل جاز له الرجوع في وعده إعلان للكافة على ألا يؤثر ذلك في حق من أتم العمل قبل الرجوع في الوعد ولا تسمع دعوى المطالبة بالجائزة إذا لم ترفع خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان عدول الواعد).
1- شروط الوعد بجائزة:
يستفاد من النص السابق بيانه أن للوعد بجائزة شروط يجب أن تتحقق وهي:
أ- يجب أن توجد إرادة صادرة من شخص قادرة على ترتيب مثل هذا الالتزام، حيث يجب أن يتوافر في هذه الإرادة المقومات القانونية اللازمة لإنشاء مثل هذا الالتزام سواء من ناحية كمال أهلية الواعد أو عدم تعيب إرادته بأي عيب من عيوب التراضي.
ب- يجب أن يوجه التعبير عن الإرادة إلى الجمهور وليس إلى شخص مُعين بذاته، حيث إن توجيه الوعد بجائزة إلى شخص معين بذاته يُعد بمثابة إيجاباً وليس وعداً بجائزة، وهذا الإيجاب لن ينتج أثره ولن يرتب إلزام في ذمة الموجب إلا إذا اقترن به قبول مُطابق له، ومن ثم يترتب على ذلك أنه لو تم توجيه الوعد إلى شخص معين بذاته وقبل الشخص الموجه إليه لكنا بصدد التزام مصدره العقد وليس الإرادة المنفردة، إذن يجب أن يكون هذا الوعد من خلال نشره على الجمهور حتى نكون بصدد وعد بجائزة كأحد صور الالتزام بالإرادة المنفردة.[6]
ج- يجب أن يتحقق في الوعد الشروط العامة الواجب توافرها في محل الالتزام بصفة عامة من حيث إن يكون مُعين أو قابل للتعيين وأن يكون مشروعاً غير مُخالف للنظام العام أو الآداب، بغض النظر عن نوع الجائزة في هذه الحالة سواء تمثلت في مبلغ نقدي أو شيء عيني كأن تكون الجائزة سيارة أو عقار أو غير ذلك.
د- يجب أن يكون سبب التزام الواعد هو تحقق العمل الموعود بالجائزة من أجله كالعثور على شيء ضائع أو اكتشاف علاج لمرض معين أو التوصل لاختراع معين.
وتجدر الإشارة إلى أن الجائزة تكون مستحقة لكل من توصل إلى إتمام العمل الموعود بها من أجله، سواء أكان قد قام بهذا العمل قبل الإعلان عن الجائزة أو بعدها، ومن ثم فيكون مستحقاً للجائزة من قام بالعمل دون أن يعلم أن هناك جائزة مرصودة للقيام بهذا العمل، ولكنه علم بذلك بعدما أتم العمل المطلوب.
على أن يكون للواعد أن يضع ما يشاء من الشروط الواجب أن تتوافر في العمل الذي ستسحق الجائزة بمجرد إتمامه، بحيث يكون له أن يرصد الجائزة لمن يتم العمل بعد الإعلان عنها دون أن يكون لمن قام بالعمل في الماضي حق الحصول عليها.
2- أحكام الوعد بجائزة:
في هذا الصدد يجب أن نفرق بين أمرين وهما:
أ- أن يكون هناك مدة محددة للقيام بالعمل:
إذا كان الواعد قد حدد أجلاً معيناً للقيام بالعمل الذي تم تقريره للحصول على الجائزة فلا يجوز له أن يرجع عن وعده طوال سريان المدة التي حددها، فإذا انقضت تلك المدة دون أن يتمكن أحد من إتمام العمل المطلوب لأدى ذلك إلى انتهاء الوعد وسقوط التزام الواعد.
ويترتب على ذلك أنه لو استطاع أحد الأشخاص أن يتوصل إلى تمام العمل الذي رصدت من أجله الجائزة، ولكن بعد انقضاء المدة التي حددها الواعد لإتمام العمل فلن يكون له الحق في المطالبة بالجائزة لسقوط التزام الواعد في هذه الحالة، حيث لا يكون مستحقاً لتلك الجائزة إلا من أتم هذا العمل قبل انقضاء المدة المحددة لإتمام العمل أو قبل الإعلان عن الجائزة وفقاً للقواعد العامة.
ب- إذا لم يكن هناك مدة لإتمام العمل:
إذا لم يحدد الواعد مدة لإتمام العمل فيكون الواعد ملزماً بوعده مالم يقرر الرجوع عنه في أي وقت شاء، حيث يكون للواعد في هذه الحالة أن يرجع عن وحده في الوقت الذي يشاء إلا أن ذلك الرجوع حتى ينتج أثره ويتحلل الواعد من التزامه يجب ألا يكون هناك من قام بالعمل قبل أن يُعلن الواعد عن الرجوع في وعده، بحيث إذا أعلن الواعد عن رجوعه في الوعد المعلن عنه، ولكن تبين أن هناك من توصل إلى العمل واستطاع أن يثبت إنجازه قبل الرجوع الواعد عن وعده لأدى ذلك إلى استحقاقه للجائزة التي أعلن عنها الواعد.
أما إذا رجع الواعد عن وعده وبعد ذلك توصل أحد الأشخاص إلى القيام بالعمل الذي اشترطه الواعد للحصول على الجائزة فإنه لن يستطع أن يُطالب الواعد بحصوله على الجائزة لأن الواعد قد تحلل من التزامه قبل إنجاز العمل المشروط.
3- ميعاد رفع دعوى المُطابة بالجائزة:
إذا تمكن أحد الأشخاص من الوصول إلى العمل الذي تطلبه الواعد للحصول على الجائزة أثناء فترة سريان هذا الوعد، ولكن الواعد امتنع عن منحه الجائزة بحجة أنه رجع عن وعده فيكون له الحق في أن يُلزم الواعد قضاءً بمنحه الجائزة المُعلن عنها، ولكن يتعين عليه أن يرفع دعوى المُطالبة بالجائزة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان عدول الواعد عن وعده.
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن التصرف بالإرادة المنفردة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 8415 لسنة 2019 ما يلي:
يستفاد من المادة 250 من القانون المدني أنـه يجوز أن يتم التصرف بالإرادة المنفردة للمتصرف دون توقف على القبول ما لـم يكن فيه إلزام للغير بشيء وذلك طبقاً لما يقضي به القانون – وجاء في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني والراجح في الفقه الإسلامي أن المرجع في اشتراط إرادتين متقابلتين أو الاكتفاء بإرادة واحدة لإنشاء التصرف هو ما إذا كان التصرف من المعاوضات أو من التبرعات.
أ- فإن كان معاوضة ابتداءً وانتهاء كالبيع والإجارة فلا يتم إلا بالإيجاب والقبول من الطرفين.
ب- وإن كان تبرعاً ابتداء وكان معاوضة انتهاء كالكفالة والقرض فالراجح هو الإيجاب والقبول.
ج- وإن كان تبرعاً ابتداءً وانتهاءً كالهبة والعارية فالراجح هو الإيجاب فقط ولا يلزم فيه القبول.
كما يستفاد من المادة 252 من القانون المدني، أنه إذا استوفى التصرف الانفرادي ركنه وشروطه فلا يجوز للمتصرف الرجوع فيه ما لم ينص القانون على غير ذلك، فإذا كان ما قام به المدعى عليه هو من قبيل التصرف الانفرادي فهو ملزم له طالما أنه ليس لـه شكلاً معيناً يجب إفراغه فيه وأن هذا التصرف ليس فيه مخالفة للقانون أو النظام العام وليس للمتصرف الرجوع فيه.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار الجامعة الجديدة، ص351.
[2] الأستاذ الدكتور/ جابر عبد الهادي، الأستاذ الدكتور/ رمضان على السيد الشرنباصي، أحكام الميراث والوصية والقف، 2015، ص 393.
[3] الأستاذ الدكتور/ جابر عبد الهادي، الأستاذ الدكتور/ رمضان على السيد الشرنباصي، أحكام الأسرة، 2014، دار المطبوعات الجامعية، ص444.
[4] الأستاذ الدكتور/ جابر عبد الهادي، الأستاذ الدكتور/ رمضان على السيد الشرنباصي، المرجع السابق، ص 441.
[5] د. سمير الحراسيس، أحكام الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون المدني الأردني، ص27.
[6] أنظر الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص 319.

