اختصاص محكمة الصلح في القضايا الجزائية
إن الاختصاص بنظر الدعاوى الجزائية ينعقد للمحاكم الأردنية وفقاً لما حدده القانون الأردني في مختلف التشريعات، فحتى يتم العمل القضائي بشكل يتضمن معايير السلامة من الناحية القانونية والإجرائية وبشكل يسهل معه عمل القضاء وعملية التقاضي، كان لا بد من تنظيم العمل القضائي وبيان الأصول الواجب إتباعها أمام المحاكم المختلفة، وتحديد اختصاصات المحاكم في النظر بالدعاوى الجزائية وذلك وفقاً للقواعد العامة للاختصاص الجزائي ومنها أنواع الاختصاص:
الذي يقسم المحاكم إلى قسمين محاكم خاصة ومحاكم عامة، المحاكم الخاصة تنظر في الدعاوى الجزائية بناءً على صفة توافرت في المشتكى عليه الظنين أو المتهم وهو ما يعرف بالاختصاص الشخصي كاختصاص المحاكم العسكرية وإيضاح تنظر المحاكم الخاصة في الدعاوى الجزائية بناءً على الاختصاص النوعي الممنوح لها كمحكمة الجنايات الكبرى ومحكمة آمن الدولة، أما المحاكم العامة فهي يتنظر في الدعاوى الجزائية بناءً على التقسيم الذي منحها إياه القانون وهو الاختصاص النوعي والاختصاص المكاني، وسنتعرف في هذا المقال على الاختصاص محكمة الصلح في القضايا الجزائية، وذلك بالاستناد إلى التشريعات الأردنية ومنها قانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 والمعدل بالقانون رقم 32 لسنة 2017 .، وقانون محاكم الصلح رقم 23 لسنة 2017.
جدول المحتويات
القضايا الجزائية التي ينعقد الاختصاص بنظرها لمحاكم الصلح
القضايا الجزائية التي تخرج عن اختصاص محاكم الصلح
إجراءات التقاضي الجزائية أمام محكمة الصلح
جلسات المحاكمة الجزائية أمام قاضي الصلح
إجراءات المحاكمة الجزائية أمام قاضي الصلح
الحكم في الدعاوى الجزائية الصادرة عن محاكم الصلح
المقصود بالاختصاص
هو سلطة يخولها القانون لمحكمة من المحاكم للفصل في دعوى معينة[1]، كما يعرف الاختصاص بمدى ما للمحكمة من سلطة للفصل في مسائل معينة، أو فيما قد يطرح عليها من قضايا[2]، والاختصاص في الأمور الجزائية هو ولاية القاضي في النظر في دعوى جزائية معينة[3].
ونحن بدورنا نعرف الاختصاص على أنه انفراد المحكمة بالنظر في نوع معين من القضايا الجزائية، بحيث تكون هذه المحكمة صاحبة الاختصاص الأصيل في النظر في هذه القضايا دون سواها.
أنواع الاختصاص
إن القواعد العامة للاختصاص الجزائي تقسم الاختصاص بالنظر بالدعاوى الجزائية بناءً على معايير الاختصاص والتي تقسم الاختصاص إلى أنواع وهي الاختصاص الشخصي والاختصاص النوعي والاختصاص المكاني والذي يهمنا في موضوع هذا المقال هو الاختصاص النوعي الذي يحدد اختصاص محكمة الصلح في القضايا الجزائية، فما هو المقصود بالاختصاص النوعي ؟.
الاختصاص النوعي للمحاكم
تنقسم المحاكم العادية بالنظر في الدعاوى الجزائية إلى قسمين محاكم تختص بنظر الجنح والمخالفات، وهي على درجتين، محاكم صلح وبداية، ومحاكم استئناف، ومحاكم تختص بنظر الجنايات وهي محاكم البداية بصفتها محكمة جنايات، ويتحدد اختصاص محكمة الصلح في القضايا الجزائية وفقاً لمعيار الاختصاص النوعي بكونها محكمة درجة أولى ينحصر اختصاصها الجزائي بالنظر في قضايا الجنح والمخالفات الجزائية.
الاختصاص النوعي لمحاكم الصلح
تعد محكمة الصلح محكمة درجة أولى، وقد جاء قانون تشكيل المحاكم في المادة 3 ناصاً على تشكيل محاكم الصلح في المملكة الأردنية الهاشمية، فجاء بنص المادة 3 من قانون تشكيل المحاكم :
أ . تشكل محاكم تسمى ( محاكم صلح ) في المحافظات، أو الألوية، أو الأقضية، أو أي مكان آخر بمقتضى نظام يحدد فيه الاختصاص المكاني لكل منهما وتمارس لصلاحية المخولة اليها بمقتضى قانون محاكم الصلح أو أي قانون أو نظام معمول به .
ب. تنعقد محكمة الصلح من قاض منفرد يعرف بقاضي الصلح.
وجاء بنص المادة 5 من قانون محاكم الصلح :
تختص محكمة الصلح بالنظر في المخالفات والجنح جميعها والتي لم يعين القانون محاكم أخرى للنظر فيها.
وجاء بنص المادة 140/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية :
تنظر محاكم الصلح بحسب اختصاصها في جميع المخالفات والجنح التي لم يعين القانون محكمة أخرى لنظرها .
القضايا الجزائية التي ينعقد الاختصاص بنظرها لمحاكم الصلح
بالاستناد الى النصوص السابقة فإن الاختصاص لمحاكم الصلح ينعقد في حال كانت القضية الجزائية من نوع مخالفة بغض النظر عن الطبيعة الجرمية لهذه المخالفة، كما تختص محاكم الصلح بالنظر في الجرائم الناشئة عن القضايا الصلحية الجزائية كالجرائم شهادات الزور أو اليمين الكاذبة، وتختص بالنظر في الجنح جميعها، وذلك وفقاً لقانون محاكم الصلح رقم 23 لسنة 2017، أما القانون السابق فقد كان يحصر اختصاص محاكم الصلح فيما يتعلق بقضايا الجنح فيما يخص الجنح التي لا تتجاوز عقوبة الحبس فيها عن سنتين فقط، ولكن تم تعديل الاختصاص الجزائي لمحاكم الصلح لتصبح مختصة بالنظر في جميع الجنح سواءً كانت عقوبتها الحبس مدة تتجاوز السنتين أو أكثر.
كما تختص محاكم الصلح في النظر في النظر في الجرائم التي تنص مختلف التشريعات على أن محكمة الصلح هي صاحبة الصلاحية بنظرها، فالمخالفات والجنح التي يختص بها قاضي الصلح قد تكون في قانون العقوبات أو في أي قانون آخر كقانون السير وقانون الصحة العامة أو أي تشريع آخر، ولكن بشرط ألا يكون هذا القانون أو التشريع جعل الاختصاص لمحكمة آخري غير محاكم الصلح[4].
القضايا الجزائية التي تخرج عن اختصاص محاكم الصلح
يخرج عن اختصاص محاكم الصلح الجنج والمخالفات التي ورد نص خاص بأن تنظر فيها محكمة أخرى غير محاكم الصلح، كما يخرج عن اختصاص محاكم الصلح القضايا المتعلقة بالاعتداء على آمن الدولة الداخلي أو الخارجي[5].
بعض الجنح والمخالفات التي يختص بنظرها قاضي الصلح
جنح التزوير بأوراق خاصة واستعمال مزور المواد 271و272 و260 و261 عقوبات، جنحة التسبب بالوفاة ، جريمة الافتراء المادة 210/1، جنحة الاحتيال المادة 417 عقوبات، جنحة إساءة الائتمان المادة 423 عقوبات، ولا بد من الإشارة أن هذه القضايا كانت من إختصاص قاضي محكمة البداية، وبعد تعديل القانون أصبحت من اختصاص محكمة الصلح .
أما فيما يتعلق بالمخالفات فسبق وأن ذكرنا أن محاكم الصلح تختص بالنظر في جميع المخالفات، وهناك جرائم نص عليها قانون العقوبات على أنها من نوع مخالفة إلا أن عقوبتها تجعل منها جريمة جنحوية، مثل جريمة الامتناع عن الإغاثة مع القدرة على ذلك المادة 474 وجريمة عدم قبول النقد الأردني المادة 470 وجريمة التنجيم أو قراءة الكف وكل ما له علاقة بعلم الغيب، يعاقب بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة حتى عشرين ديناراً ويكمن إبعاده إذا كان أجنبياً[6].
إجراءات التقاضي الجزائية أمام محكمة الصلح
ينظر قاضي الصلح في الدعاوى الجزائية التي تدخل في اختصاصه بناءً على عدة حالات تسمح له بنظر الدعوى الجزائية وهي :
1_ في حال تقديم شكوى من المتضرر.
2_ في حال أحيلت إليه القضية من مدعي عام وجد أنها من اختصاص محكمة الصلح.
3_ بناءً على تقرير مقدم إليه من مأموري الضابطة العدلية والمراكز الأمنية.
هل حضور النيابة العامة أمر إلزامي أمام قاضي الصلح؟
لا يفرض القانون تمثيل النيابة العامة في القضايا المنظورة أمام محاكم الصلح فيجوز للشاكي أو وكيله حضور المحاكمة والقيام بدور ممثل النيابة فيها من حيث تسمية البينة وتقديمها بما في ذلك استجواب الشهود ومناقشة الدفاع وطلب إجراء الخبرة.
حضور المحامين أمام قاضي الصلح الجزائي
يجوز للمشتكى عليه أن ينيب عنه وكيلاً من المحامين لحضور المحاكمة بدلاً عنه ما لم تقرر المحكمة أن حضوره بالذات ضروري لتحقيق العدالة، باستثناء جلسة تلاوة التهمة على المشتكى عليه وسؤاله عنها والجلسة المخصصة لإعطاء إفادته الدفاعية.
جلسات المحاكمة الجزائية أمام قاضي الصلح
تجري المحاكمات بصورة علنية إلا إذا قررت المحكمة أن تتم بصورة سرية وذلك لاعتبارات منها للمحافظة على النظام العام والآداب العامة، وفيما يتعلق بطريقة المحاكمة فتجري أما بصورة وجاهية وذلك في حال حضر وكيل المشتكى عليه أو وكيله المحاكمة، أو تتم المحاكمة بمثابة الوجاهي وذلك في حال حضر إحدى الجلسات وتخلف بعد ذلك، أو تجري المحاكمة بشكل غيابياً وذلك عند عدم حضور المشتكى عليه لأي جلسة من جلسات المحاكمة، والحكم الصادر وجاهياً يكون قابلاً للاستئناف أم الحكم الصادر بمثابة الوجاهي أو الحكم الغيابي فهو غير قابل للاستئناف وإنما للاعتراض في الميعاد الحدد في القانون وهو خلال عشرة أيام من اليوم التالي لتبليغ الحكم، المحكمة التي تنظر في الاستئناف تنظر فيه موضوعاً أي تفصل في الدعوى ولا يتم إعادة الدعوى إلى محكمة الصلح
أصحاب الحق في الاستئناف
الاستئناف من حق النيابة العامة والمدعي الشخصي والمحكوم عليه والمسؤول بالمال، سنداً لنص المادة 14/أ من قانون محاكم الصلح.
إجراءات المحاكمة الجزائية أمام قاضي الصلح
إن أولى إجراءات المحاكمة أمام قاضي الصلح الجزائي هو مثول المشتكى عليه أمام القاضي فيسأله بعد التثبت من هويته إن كان مذنب أو لا، فإذا أجاب بأنه مذنب واقتنع القاضي باعترافه يدون ذلك في محضر الجلسة ويصدر القاضي حكمه بالإدانة والعقوبة، أما إذا لم يجيب على السؤال واكتفى بالصمت فيدون ذلك في المحضر ويشرع القاضي في الاستماع إلى البينات والإفادة الدفاعية بعد أن يتفهم المشتكى عليه منطوق المادة 175 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ،ويتخذ القاضي ذات الإجراء في حال أنكر المشتكى عليه التهمة المنسوبة إليه، فتبدأ المحكمة بسماع شهود النيابة العامة ثم شهود المدعي الشخصي في حال كان هناك ادعاء بالحق الشخصي، وفي حال عدم وجود ادعاء بالحق الشخصي على المشتكي أن يتخذ صفة الادعاء بالحق الشخصي قبل فراغ المحكمة من سماع بينة النيابة العامة، وإلا سقط حقه في اتخاذها، فإذا قدم بعد ذلك يرد شكلاً.
وبعد ذلك تستمع المحكمة للإفادة الدفاعية للمشتكى عليه دون الحق في مناقشته فيها، فحق المناقشة للنيابة العامة وفي حال عدم وجودها فحق المناقشة يكون للشاكي أو وكيله وذلك في القضايا الصلحية التي لا تفترض وجود النيابة العامة فيها.
صلاحيات قاضي الصلح الجزائي
لقاضي الصلح من الصلاحيات ما للمدعي العام، فصلاحية قاضي الصلح تامة تشمل التوقيف وتمديد التوقيف وإخلاء السبيل بالكفالة العدلية أو المالية وتحديد مقدارها، وللقاضي الصلاحية المطلقة بقبول قرار طلب إخلاء السبيل أو رفضه، وله الحرية في تحديد ماهية الكفالة والجهات التي تنظم الكفالة أمامها.
الحكم في الدعاوى الجزائية الصادرة عن محاكم الصلح
بعد مباشرة الإجراءات السابقة والانتهاء من تقديم المرافعات وإعلان اختتام المحاكمة، يصدر قاضي الصلح حكمه مكتوباً ومؤرخاً بتاريخ النطق به وموقعاً ، وبجب أن يتضمن الحكم العلل والأسباب الكافية ، وأن يذكر القاضي المواد القانونية التي استند إليها، وأن يذكر فيه إن الحكم قابلاً للاستئناف أو الاعتراض، أي الطعن بالحكم الصلحي الجزائي ،سنداً لنص المادة 182 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
فالأحكام الصلحية في القضايا الجزائية تستأنف إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية.
أخطاء قد يرتكبها قاضي الصلح
القاضي بشر والبشر غير معصومين عن الأخطاء، وقد يقع من القاضي أخطاء بإجراءات المحاكمة أو عند النطق بالحكم، لذلك نص المشرع على طرق الطعن القانونية، ومن الأخطاء التي ممكن أن تصدر عن القاضي بقراره الصادر في الدعوى أن لا يكون معللاً ومسبباً تسبيبا كافياً للحكم مما يجعله معرض للفسخ من قبل محكمة الاستئناف، وقد يخطأ القاضي بذكر المادة القانونية إلا أن العقوبة التي نص عليها هي ذات العقوبة المنصوص عليها للجريمة موضوع الحكم ففي هذه الحالة لا ينفسخ الحكم وتقوم محكمة الاستئناف من تلقاء نفسها بتصحيح هذا الخطأ.
ولا يعد من الأخطاء عدم تعرض القاضي لبينة الدفاع، لأن عدم تعرضه لها يعني أنه طرحها جانباً ولم يأخذ بها.
من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق باختصاص محكمة الصلح في القضايا الجزائية
استقر اجتهاد محكمة التمييز على أن عدم بحث المحكمة في حكمها لشهادات الدفاع وبيان أسباب عدم الأخذ بها لا يعتبر قصوراً مبطلاً للحكم ؛ إذ إن ذلك يعني أن المحكمة قد قنعت ببينات الإثبات وقررت ضمناً طرح أدلة النفي وعدم الأخذ بها، تمييز جزاء/ 115/96 [7].
الحكم رقم 66 لسنة 2012 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: عدم جواز نظر قاضي الصلح الطعن في الدعوى المنظورة من قبله.
مبدأ
إذا نظر القاضي وأصدر القرار في القضية الصلحية الجزائية واشترك في نظر القضية الاستئنافية خلافاً لأحكام المادة 132/6 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وحيث أن عمل القاضي وقضاءه في الأحوال المنصوص عليها في المادة المذكورة يقع باطلاً ، فإن القرار الاستئنافي المشار إليه وقع باطلاً وأن الطعن الاستئنافي المقدم بتاريخ 25/8/2011 ما زال قائماً ولم يفصل فيه من هيئة مشكلة تشكيلاً قانونياً، مما يوجب نقض القرار الاستئنافي.
الحكم رقم 1522 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: القناعة الشخصية لقاضي الصلح في الدعاوى الجزائية.
إن الحكـم بالقضايا الجزائيـة هـو وجـدان القاضي وفقاً لمقتضيات المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي أعطت قاضي الموضوع الصلاحية الكاملة في تقدير الأدلة والحكم حسب قناعته الشخصية ويأخذ ما يطمئن إليه ويطرح ما لا يرتاح إليـه.
إعداد المحامية : ليلى خالد.
[1] د. محمود محمود مصطفى، شرح قانون الإجراءات الجزائية، المجلد الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1981، ص 320.
[2] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، 2021، ص 442.
[3] د. حسن جوخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى، 1993، ص 227.
[4] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الطبعة الثانية، 2021، ص 345.
[6] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2021، ص 347.
[7] مجموعة المبادىء القانونية ج1 ص 784_ 758.

