جريمة هدر المال العام
تعتبر جريمة هدر المال العام من الجرائم الخطيرة التي حاولت التشريعات في الدول المختلفة مواجهاتها، ذلك سواء بفرض العقوبات على مرتكبي أي فعل من الأفعال المؤدية إلى هدر المال العام، أو من خلال فرض الإجراءات والاحترازات اللازمة للحد من هذه الجريمة، ومع تعدد صور جريمة هدر المال العام وخطورتها على الاقتصاد الوطني وما ينتج عنها من اهتزاز الثقة في قوة الاقتصاد الوطني ومدى نزاهة الموظفين العمومين، فقد لجأ المشرع الأردني إلى مواجهة جميع صور التعدي على المال العام وذلك بسن التشريعات القانونية الخاصة لمجابهة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة، ويظهر ذلك جليا من قيام المشرع الأردني بإصدار قانون الجرائم الاقتصادية وقانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد وسوف نحاول في هذا المقال الوجيز بيان مفهوم المال العام وصور التعدي عليه وهدره والعقوبات التي قررتها القوانين الأردنية لمواجهة هذه الجريمة.
ثانيا: القوانين التي تواجه جرائم هدر المال العام:
ثالثا: بعض صور جريمة هدر المال العام:
رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة هدر المال العام:
أولا: مفهوم المال العام:
1- تعريف المال بشكل عام:
المال هو ما يملكه الإنسان من أشياء ذات قيمة، وقد عرفت مجلة الأحكام العدلية المال في (المادة 126) بأنه: ( هو ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجـة منقـولاً كـان أو غيـر ذلك).
وقد عرفت (المادة 53) من القانون المدني الأردني المال بأنه: (كل عين أو حق له قيمة مادية في التعامل)، كما قررت (المادة 54) من القانون المدني أن لفظ المال يطلق على: (كل شيء يمكن حيازته مادياً أو معنوياً والانتفاع به انتفاعاً مشروعاً، ولا يخرج عند التعامل بطبيعة أو بحكم القانون يصبح أن يكون محلا للحقوق المالية).
2- تعريف المال العام:
عرف المال العام بعدة تعريفات منها ما ذكرته (المادة 1235) من مجلة الأحكام العدلية والتي عرفت المال العام بأنه: (الأمـوال التي يعود نفعها للعامة وغير قابلة للتملك الماء الجاري تحت الأرض ليس بملك أحد).
وكذلك ما قررته (المادة 1275) من المجلة من كون المال العام هو المال الذي يعود منفعته لعامة الناس دون تمييز حيث نصت على: ( لا اعتبار لمرور الزمن في دعاوى المال التي يعود نفعها للعامة كـالطريق العـام والنهر والمراعي مثلاً لو ضبط أحد المراعي المخصوص بقرية وتصرف فيه خمسين سنة بـلا نزاع ثم ادعاه أهل القرية تسمع دعواهم).
وقد اتجه القانون الأردني إلى تعريف الأموال العامة وتحديد معيار تحديدها وتمييزها عن غيرها من الأموال وذلك فيما نصت عليه (المادة 60) الفقرة الأولى والتي جاء نصها: ( تعتبر أموالاً عامة جميع العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص الحكميـة العامـة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون أو النظام، ولا يجوز في جميع الأحوال التصرف في هذه الأموال، أو الحجز عليها أو تملكها بمرور الزمن)، ويظهر من ذلك التعريف أن المشرع الأردني جعل من التخصيص للمنفعة العامة معيارا وسبيلا لتمييز الأموال العامة عن غيرها من الأموال، ولاشك في أن ذلك المعيار الفضفاض يصب في مصلحة المال العام وحمايته حيث يمكن القاضي من تقدير كون المال تتوافر فيه صفة المال من عدمه وبعيد عن المعايير الأكثر جمودا والتي من شأنها تضييق وتحجيم السلطة التقديرية للقضاء في تحديد كون المال مال عام من عدمه.
وقد عرف الفقه المال العام بأنه: ( المال الذي تملكه الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية العامة سواء كان منقولا أو عقارا وكان مخصصا لتحقيق منفعة عامة )،[1]وعلى ذلك يمكن القول إن المال العام يتوفر فيه خصيصتان أساسيتان:
الأولى: كون المال العام يقع في ملكية أحد أشخاص القانون العام سواء كانت الدولة نفسها أو ما يتبعا من هيئات ومؤسسات عامة، وعلى ذلك فلا يمكن إطلاق لفظ المال العام على ملكية الأفراد العاديين إلا إذا انتقلت ملكيته إلى الدولة أو إلى إحدى مؤسستها عن طريق الشراء من المواطن المالك أو عن طريق النزع للمنفعة العامة ففي هذه الحالة يتحول المال الخاص إلى مال عام ويأخذ أحكام المال العام
الثانية: أن يكون المال المملوك للدولة أو إحدى مؤسستها العام مخصصا بالفعل لتحقيق منفعة عامة للجمهور سواء كان ذلك بفعل الدولة مثل الطرق والكباري والحدائق والمطارات إذ تقوم الدولة بتمهيديها وإنشائها، أو بفعل الطبيعة مثل الأنهار أو الجبال غاية ما في الأمر أن تكون موجهة لمنفعة عامة.[2]
كمالا يتوقف معنى الأموال العامة عند العقارات والأشياء الثابتة فقط، بل تمتد صفة العمومية لتشمل الأموال المنقولة التي تمتلكها الدولة أو إحدى مؤسساتها طالما كانت مخصصة للنفع العام.
3- تعريف المال العام من الناحية الجنائية:
ورد تعريف المال العام بقانون الجرائم الاقتصادية رقم 11 لسنة 1993 وهو القانون الذي يعني بمواجهة الجرائم الاقتصادية والتي يؤدي ووقعها إلى المساس بمركز المملكة الاقتصادي ويهز الثقة في الاقتصاد الوطني والأسهم والسندات وقد ورد تعرف الأموال العامة في هذا القانون في (المادة 2/ب) حيث نصت على أن الأموال العامة هي: (كل مال يكون مملوكاً أو خاضعاً لإدارة أي جهة من الجهات التالية أو لإشرافها:
- الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية العامة.
- مجلسا النواب والأعيان.
- البلديات والمجالس القروية ومجالس الخدمات المشتركة.
- النقابات، والاتحادات، والجمعيات، والنوادي.
- البنوك والشركات المساهمة العامة ومؤسسات الإقراض المتخصصة.
- الأحزاب السياسية.
- أي جهة يتم رفد موازنتها بشكل رئيس من موازنة الدولة.
- أي جهة ينص القانون على اعتبار أموالها من الأموال العامة).
ويلاحظ أن النص السابق لم يفرق بين أموال الدولة الخاصة وأموال الدولة العامة وفقا لمفهوم القانون المدني للأموال العامة، ويظهر جليا غرض المشرع من عدم التفرقة وهي فرض وتقرير الحماية اللازمة لأموال الدولة إذ أن قانون الجرائم الاقتصادية قانون جزائي الغرض الأساسي منه فرض العقاب على كل من تسول له نفسه الاعتداء على المال المملوك للدولة دون النظر لنوع ملكية الدولة له كون ملكيتها ملكية خاصة أو عامة، وهو أمر محمود إذ أن في التفريق بين ملكية الدولة العامة أو الخاصة له فائدة من الناحية المدنية والإدارية ، أما التفرقة بين ملكية الدولة الخاصة والعامة من الناحية الجنائية قد يفقد القانون الغاية التي أرادها المشرع من إصداره وهو الحفاظ على المال المملوك للدولة وبغض النظر عن نوع ملكيتها له .
ثانيا: القوانين التي تواجه جرائم هدر المال العام:
إن جرائم هدر المال العام متعددة ومتنوعة كما أن هناك عدة قوانين جزائية تواجه صور متعددة لجرائم هدر المال العام مثل قانون النزاهة ومكافحة الفساد وقانون الجرائم الاقتصادية إلى جانب قانون العقوبات وسوف نتطرق إلى بعض الجرائم التي تناولتها القوانين المختلفة الجزاءات التي وضعها لمرتكبيها على النحو الآتي:
1- قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد:
وكما يظهر من تسمية هذا القانون فالغرض الأساسي منه هو مواجهة الفساد وتقرير النزاهة ولا شك في أن إهدار المال العام أحد معوقات النزاهة وأحد صور الفساد الخطيرة لذلك فقد نص القانون على اعتبار أي فعل أو امتناع عن فعل يؤدي إلى إهدار الأموال العامة هو صورة من صور الفساد التي يعاقب عليها هذا القانون، حيث نصت (المادة 16) من هذا القانون على أن: ( يعتبر فساداً لغايات هذا القانون: كل فعل، أو امتناع، يؤدي إلى هدر الأموال العامة أو أموال الشركات المساهمة العامة أو الشركات غير الربحية أو الجمعيات ).
وقد قرر القانون إنشاء نيابات خاصة للتحقيق في قضايا الفساد وفقا لنص (المادة 17) من ذات القانون وقرر المشرع في (المادة 23) من ذات القانون تحديد العقوبات والإجراءات اللازمة لوقف هدر المال العام وتوقيع العقاب اللازم على المتهم حيث جاء نصها أن: ( أ- دون الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي تشريع آخر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن أربعة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين كل من ارتكب أياً من الأفعال و التصرفات المنصوص عليها في المادة (16) من هذا القانون وفي حال التكرار يضاف للعقوبة نصفها.
ب. مع مراعاة الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة، تسري أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة على الموظف العمومي غير الأردني وعلى موظفي المؤسسات الدولية العمومية مع الإلزام برد الأموال المتحصلة عن أفعال الفساد.
ج- 1.كل عقد أو اتفاق أو منفعة تم الحصول عليه نتيجة فعل يشكل فساداً يكون قابلاً للإبطال أو الفسخ بقرار من المحكمة المختصة.
2. كل امتياز تم الحصول عليه نتيجة فعل يشكل فساداً يكون غير نافذ بقرار من المحكمة المختصة وعلى الجهات المختصة إلغاء قانون التصديق على الامتياز وفقاً للإجراءات الدستورية.
3. للهيئة في أثناء إجراء تحقيقاتها أن تطلب كإجراء مستعجل من المحكمة المختصة وقف العمل بأي عقد، أو اتفاق، أو منفعة، أو امتياز إذا تبين لها من ظاهر البينة انه تم الحصول عليه نتيجة فعل فساد وذلك إلى حين البت في الدعوى)).
كما قررت (المادة 28) من ذات القانون توقيع ذات العقوبة المقررة للفاعل الأصلي على الشريك أو المحرض أو المتدخل كما قررت (المادة 29) من ذات القانون عدم سريان أحكام انقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم على الجرائم المشار إليها في هذا القانون.
2- قانون الجرائم الاقتصادية:
يواجه قانون الجرائم الاقتصادية الجرائم التي يكون لها تأثير ضار على اقتصاد الدولة والجرائم التي تهز الثقة في العملة الوطنية أو الأسهم والسندات إذا كانت محلها مال عام، وقد عرفت (المادة 3) من قانون الجرائم الاقتصادية الجريمة الاقتصادية بأنها: (تشمل الجريمة الاقتصادية أي جريمة تسري عليها أحكام هذا القانون أو أي جريمة نص قانون خاص على اعتبارها جريمة اقتصادية أو أي جريمة تلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للمملكة، أو بالثقة العامة بالاقتصاد الوطني أو العملة الوطنية أو الأسهم أو السندات أو الأوراق المالية المتداولة أو إذا كان محلها المال العام ).
وترتيبا على ذلك يمكن القول إن جريمة هدر المال العام تكون جريمة اقتصادية إذا نتج عنها ضررا المركز الاقتصادي للدولة أو أي اعتداء على المنشآت العمومية للدولة أو أدى الفعل الإجرامي إلى اهتزاز الثقة بالاقتصاد الوطني، أو العملة، أو الأسهم، أو الأوراق المالية المتداولة.
كما قرر المشرع ضم بعض الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات ليطبق عليها النص العقابي الخاص بقانون الجرائم الاقتصادية واشترط لذلك أن يكون محل ارتكاب تلك الجرائم أموال عامة واعتبرها من قبيل الجرائم الاقتصادية التي يحكمها هذا القانون، مما يعني أنه إذا ارتكبت تلك الجرائم على أموال أخرى غير الأموال العامة تطبق أحكام قانون العقوبات وليس هذا القانون.
ويترتب على ذلك أنه في حالة اعتبار الجريمة جريمة اقتصادية وفقا لمفهوم قانون الجرائم الاقتصادية أن توقع على الجاني العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون دون العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، كما يتبع في إجراء المحاكمة الإجراءات التي نص عليها هذا القانون من حيث وجوب نظر الدعوى الجنائية خلال مدة لا تزيد عن عشرة أيام من تاريخ ورود الدعوى الجنائية لها، كما لا يجوز من حيث الأصل تأجيل الدعوى الجنائية لمدة تزيد على ثلاثة أيام مالم تقتضي الضرورة غير ذلك، ويجب على المحكمة أن تصدر حكمها خلال مدة لا تزيد عن ثلاثة أسابيع من وقت قفل باب المرافعة ويجوز أن تؤجل المحكمة النطق بالحكم لمرة واحدة بشرط إلا تزيد مدة التأجيل عن عشرة أيام.
كما قررت (المادة 10) من ذات القانون عدم سريان أحكام انقضاء الدعوى الجنائية بالتقادم على الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وكذلك لا يسري أحكام تقادم العقوبة ذاتها.
ويظهر من النصوص القانونية لقانون الجرائم الاقتصادية أن المشرع حاول مجابهة ومواجهة خطر هدر الأموال العامة، بإجراءات محاكمة أسرع من إجراءات المحاكمات العادية وتقرير عقوبات مختلفة عن نظائرها في قانون العقوبات وإضافة بعض العقوبات التبعية مثل ضمان المال العام المهدر من قبل الجاني، والعزل من العمل وعدم جواز استعمال الأسباب المخففة، وعدم جواز دمج العقوبات لتحقيق العدالة الناجزة وتحقيق الردع العام والخاص ومنع كل من تسول له نفس الاعتداء على المال العام.
ثالثا: بعض صور جريمة هدر المال العام:
1- قيام الموظف العام وباستخدام الغش في هدر المال العام الموكل إليه التصرف فيه بالبيع أو الشراء:
وصورة هذه الجريمة أن يقو الموظف العام بارتكاب الغش في بيع وشراء الأموال العامة بقصد الحاق الضرر بالمال العام والمصلحة العامة وهو ما يعد استثمار الوظيفة العامة، فقد نصت (المادة 175) من قانون العقوبات الأردني على أن: ( من وكل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة، فاقترف غشا في أحد هذه الأعمال أو خالف الأحكام التي تسري عليها إما لجر مغنم ذاتي أو مراعاة لفريق أو إضرارا بالفريق الآخر أو إضرارا بالإدارة العامة عوقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة تعادل قيمة الضرر الناجم ).
والغش الذي يقع من الموظف العام يتمثل في إيهام الموظف العام لأشخاص آخرين وتضليله لهم بضروب الخداع والمناورة والكذب لكي يعتقد صدق ما يدعيه الموظف العام بشأن المال العام الموكل إليه بيعه كأن يدعي عدم صلاحيته للاستعمال أو تلفه بقصد صرفهم عن شرائه رغم ما كان سيترتب من منفعة في حالة بيع المال العام الموكل إليه بيعه، وبالتالي يكون فعله في هذه الحالة بقصد الإضرار بالمال العام، ويظهر جليا أن النص العقابي الذي يقرر عقاب الموظف العام في حالة استخدام أساليب الغش والخداع إهدارا للمال العام إنما قرره لمنع الموظف العام من العبث بالمال العام وإعذار الموظف العام بالعقوبات التي قد تلحق به في حالة ثبوت وقوع منه غشا بقصد إهدار المال العام أو إضرارا به، وحتى يحرص الموظف العام على المحافظة على المال العام، والركن المميز لهذه الجريمة هو صدور أفعال تدل على غش الموظف العام سواء لأحد الأطراف أو محاباة أحد الأطراف وأن يترتب على تلك الأفعال ضررا وإهدارا للمال العام.
2- قيام الموظف العام باستثمار الوظيفة بقصد الحصول على مغنم لنفسه أو لغيره:
والمقصود بالمغنم من حيث أصل اللفظ ما يكتسبه الشخص نتيجة لكسبه لقتال أو حرب،[3] والمقصود بالمغنم هنا: ما يعود على الموظف العام من فائدة ومنفعة لشخصه، ولا يشترط في كون المنفعة في هذه الحالة مادية أو معنوية وسواء كانت قليلة أو كثيرة، فلو كان الموظف العام موكول إليه شراء بعض الآلات أو البضائع لصالح الإدارة العامة وسلم إليه المال إلا أنه تعمد تأخير شراء الآلات أو البضائع وقام بالإتجار بالمال العام المسلم إليه لبضعة أيام بقصد تحقيق ربح شخصي ثم قام بعد ذلك بشراء البضائع والآلات فيكون الموظف قد ارتكب جريمة هدر المال العام ويتم تطبيق النصوص القانونية الواردة في قانون الجرائم الاقتصادية فيما يتعلق بجرائم استثمار الوظيفة طالما كانت متعلقة بمال عام إعمالا لنص (المادة 3/ب) من قانون الجرائم الاقتصادية.
3- قيام الموظف العام باستثمار الوظيفة بقصد الإضرار بالمال العام:
حيث أن هذا النوع من الجرائم يترتب عليه ضررا بأموال العامة وإهدارا له إلى جانب الأضرار السياسية والاقتصادية التي تترتب على هذا الفعل الإجرامية ،ويتمثل الضرر بالذي يلحق بالأموال العامة نتيجة استثمار الوظيفة أن ينتج عن فعل الموظف العام فوات مكسب أو حدوث خسارة في المال العام، أو أن يترتب على استعمال الموظف العام للأموال العامة تلف لها أو نقصان منفعتها، وبالتالي يجب على الموظف العام مراعاة أحكام البيع والشراء وإدارة الأموال العامة بشكل يشير إلى بذله الجهد والعناية اللازمة وتطبيقا للقوانين والتعليمات المنظمة لذلك، مما يترتب عليه أن كل فعل يشير إلى أن الموظف العام قد استثمر الوظيفة لتحقيق مصلحة شخصية يكون قد ارتكب جريمة اقتصادية بهدره للمال العام ويترتب على ذلك خضوعه للمسائلة الجنائية وفقا لما نصت عليه (المادة 3) من قانون الجرائم الاقتصادية.
ويظهر أن الغرض من توقيع العقاب على الموظف العمومي عند استثماره لوظيفته كون الموظف العام يكون موكول إليه أداراه المال العام أو التصرف فيه بالبيع أو لشراء وبالتالي تكون الواجبات الملقاة على عاتقه أكثر من غيره من الأشخاص العاديين مما يستوجب أن يكون أكثر أمانه وأشد حرصا على المال العام.
رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة هدر المال العام:
قضت محكمة التمييز بصفتها الجزائية في الحكم رقم 879 لسنة 1998 بما يلي:
وبالنسبة للأسباب (1 – 3) من تمييز المميز هـ. فالبينات التي اعتمدتها محكمتا الدرجة الأولى والثانية في بناء قضائهما عليها المتمثلة بشهادات شهود الإثبات تشير إلى أن المميز هـ. كان يسهل مهمة ش.ص. في شراء كميات كبيرة من بعض موجودات سوق المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالزرقاء لدى موظفي المبيعات مع أنه ليس منتفعا وأن تلك الكميات تزيد عن الحد المسموح به للمنتفعين والبينة التي اعتمدتها المحكمتان المذكورتان في استخلاص الاتفاق فيما بين المميز هـ. وز. على أن يدفع الأخير للأول مبالغ معينة عن كل عبوة يشتريها ز. من السوق تتمثل بأقوال هـ. وز. لدى الشرطة والأجندة والتقويم السنوي المستعملين من قبل هـ. المدون عليهما كميات مواد من الأنواع التي كان يتعامل بها ز.
وباستقراء نصي المادتين 175 و176 من قانون العقوبات نجد أن قيام المسؤولية الجزائية بمقتضاهما يستلزم توافر العناصر التالية:
أن يكون الفاعل موكلا إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال لحساب الدولة أو إدارة عامة أو أن يكون موظفا عاما، وأن يقترف غشا في عمله بالنسبة للأول لجر مغنم ذاتي أو مراعاة لفريق إضرارا بفريق آخر أو بالإدارة العامة أو أن يحصل على منفعة شخصية من احدى معاملات الإدارة التي ينتمي إليها بالنسبة للثاني وفي حالتنا فالمميز هـ. موظف عام كما يتضح من ملفه الوظيفي وأوراق الدعوى (اسند إليه وادين) بأنه تقاضى من ز. مبالغ نقدية عن المواد التي اشتراها من سوق المؤسسة الاستهلاكية المدنية في الزرقاء الذي يديره المذكور (أي أنه حصل على منفعة شخصية) من معاملات البيع في السوق المذكور) وبذلك فإن الوصف القانوني لما هو منسوب له هو جرم مخالفة أحكام المادة 176 عقوبات لا المادة 175 منه))
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] محمد سليمان المحاسنة، التصالح وأثره على الجريمة الاقتصادية، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان 2011، ص 14.
[2] علي خطار شطناوي، القانون الإداري الأردني الكتاب الثاني، سنة 2009، دار وائل للنشر، ص 323 وما بعدها.
[3] زكريا محمد خضرة، الملكية في الميراث، دار أمواج للطباعة والنشر، 2010 ص 41.

