جريمة التهديد الإلكتروني

جريمة التهديد الإلكتروني

في عام 2011 كان هناك 2.3 مليار شخص على الأقل كان لهم حق الوصول إلى شبكة الإنترنت، أي ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي سكان العالم، وأن أكثر من 60 في المائة من جميع مستخدمي الإنترنت هم من البلدان النامية.

ومما لا شك فيه أن هذه الأرقام تزايدت الأن بصورة أكبر، وأنتقل الإنسان من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، وللأسف فإن الفضاء الإلكتروني أنتج أنواع جديدة من الجرائم وهو ما يسمى الجريمة الإلكترونية، والتي تعددت صورها ما بين القرصنة والاحتيال والتخريب للكمبيوتر واختراق نظم المعلومات وسرقة أرصدة البنوك.

ولقد أدرك المشرع الجنائي الأردني مدى خطورة جريمة التهديد الإلكتروني، سيما بعد انتشارها السريع، والتقدم الهائل في وسائل التكنولوجيا الحديثة، فأصدر قانون خاص للجرائم الإلكترونية، وشمل فيه جريمة التهديد الإلكتروني وهو قانون 27 لسنة 2015.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسوف أتناوله من خلال العناصر الآتية:

أولاً: مفهوم الجريمة الإلكترونية بصفة عامة وخصائصها:

ثانياً: المقصود بجريمة التهديد ومدى خطورتها:

ثالثاً: أركان جريمة التهديد الإلكتروني:

رابعاً: التهديد الإلكتروني عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة:

خامساً : بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية بشأن جريمة التهديد الإلكتروني:

أولاً: مفهوم الجريمة الإلكترونية بصفة عامة وخصائصها:

1- مفهوم الجريمة الإلكترونية:

لم يضع المشرع الأردني تعريفاً للجريمة الإلكترونية في قانون جرائم أنظمة المعلومات المؤقت رقم 30 لسنة 2010، ولقد تعددت تعريفات الفقه القانوني للجريمة الإلكترونية، فهناك رأى فقهى يعرفها بأنها: “كل أشكال السلوك غير المشروع الذى يرتكب باستخدام الحاسب”، وهناك رأى آخر يرى بأنها “نشاط مشروع موجه لنسخ أو تغيير أو حذف أو الوصول إلى المعلومات المخزنة داخل الحاسب، أو التي تحول عن طريقه”، وهناك فريق ثالث يذهب إلى أنها “كل فعل غير مشروع تكون المعرفة بتقنية المعلومات أساسية لمرتكبه والتحقيق فيه وملاحقته قضائيا” ،ورأي رابع يري أنها “الاعتداءات القانونية التي يمكن أن ترتكب بواسطة الوسائل الإلكترونية بغرض تحقيق الربح”، أما الرأي الأخير فيذهب في تعريفه للجريمة الإلكترونية بأنها كل “فعل أو امتناع عن فعل يمثل  مسألة اعتداء على الأموال المعنوية (معطيات الحاسب) ويكون ناتجاً بطريقة مباشرة وغير مباشرة لتدخل التقنية الإلكترونية”، وهو تعريف يجمع معايير الاتجاهات السابقة سالفة الذكر ويتوافق مع التطور المستمر للجرائم الإلكترونية، كما أنه يشمل الأموال المعنوية.[1]

أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التابعة للأمم المتحدة، فقد عرفت الجريمة الإلكترونية بأنها: ” كل فعل أو امتناع من شأنه الاعتداء على الأموال المادية أو المعنوية يكون ناتجاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن تدخل التقنية الإلكترونية “.

2- خصائص الجريمة الإلكترونية:[2]

أ- جريمة عابرة للحدود:

من المسلم به أن انتشار شبكة الإنترنت في العالم بأسره والتي لا تخضع لحدود الزمان والمكان، جعلت من السهولة أن يرتكب المجرم جريمته في بلد ما ضد المجني عليه المقيم في بلد آخر، مما يثير العديد من الإشكالات حول الاختصاص القضائي بالجريمة الإلكترونية، وأيضاً الاختصاص التشريعي، وإجراءات الملاحقة القضائية، لأن الجريمة الإلكترونية قد لا ترتكب داخل الحدود الإقليمية للدولة، بل تتعداها لدول أخرى، الأمر الذي يحتاج من دول العالم أن تتعاون وتضع تنظيم قانوني مناسب لمكافحة مثل هذا النوع من الجرائم .

ب- جريمة صعبة الإثبات والاكتشاف:

ويرجع صعوبة إثبات الجريمة الإلكترونية إلى أنها غاليا لا تترك أثراً مادياً ظاهراً، لأن الوسيلة التي يستخدمها الجاني في ارتكابها هي نبضة إلكترونية، تنتهي مهمتها في أقل من ثانية واحدة مما يسمح للجاني بتدمير الدليل المستخدم في الجريمة، ومحو آثار جريمته بمنتهى الهدوء والطمأنينة، مما يجعل اكتشاف الجريمة الإلكترونية أمر عسير وصعب المنال.

جـ – خصوصية مجرم المعلومات:

فهو يختلف تماماً عن المجرم التقليدي العادي، فالمجرم المعلوماتي يكون في الغالب شخص بارع في استخدام الحاسب الآلي، ولديه رغبه في إثبات الذات وذو معرفة كبيرة بتقنية المعلومات، يستهدف من ارتكاب الجريمة الإلكترونية، إما تحقيق كسب غير مشروع، وإما يستهدف تحقيق أغراض سياسية، وإما يرتكبها بدافع الانتقام والثأر.

د- جريمة مغرية للمجرمين:

حيث إن الجريمة الإلكترونية تستهوي عدد كبير من المجرمين طمعاً في تحقيق مكاسب طائلة من ورائها، مما يتمثل إغراء لهم، وخصوصاً مع صعوبة اكتشافها أو ملاحقة مرتكبيها .

هـ – عدم وجود مفهوم مشترك للجريمة الإلكترونية:

لا يوجد مفهوم قانوني دولي موحد للجريمة الإلكترونية، فلقد تعددت تعريفاتها، وعجز الفقه القانوني عن وضع تعريف موحد لها، بسبب تطورها وتعدد أساليب ووسائل ارتكابها، والصعوبات التي تواجه إثباتها، بل صعوبة وتحديد الاختصاص القضائي والتشريعي لها.

و- وقوع الجريمة الإلكترونية أثناء المعالجة الآلية للبيانات:

فقد تقع في أي مرحلة من المراحل الأساسية لتشغيل نظام المعالجة الآلي للبيانات، سواء عند مرحلة إدخال البيانات، أو أثناء مرحلة المعالجة، أو أثناء مرحلة إخراج المعلومات.

ز- الجريمة الإلكترونية جريمة مستحدثة:

تعد هذه الجريمة من أبرز أنواع الجرائم وأحدثها، ومع ذلك فهي تشكل أخطار جسيمة، وتهدد أجهزة الدول الرقابية وكيانها، وأمن مواطنيها.

ى- احتمال تعدد الأوصاف القانونية لمحل الجريمة الإلكترونية:

إن المعلومات محل الجريمة الإلكترونية قد تكون في حالة معنوية غير مادية وذلك في ذاكرة النظام الإلكتروني، وقد تتجسد هذه المعلومات في صورة مادية إذا تم تخزينها على دعامة إلكترونية، وإذا كانت المعلومات غير مادية فإنها قد تخضع لأكثر من نص قانوني لأنها مصنف أدبي، مما يؤدى إلى تعدد الأوصاف القانونية لمحل الجريمة.[3]

ثانياً: المقصود بجريمة التهديد ومدى خطورتها:

1- تعريف جريمة التهديد:

معظم التشريعات لم تضع تعريفاً لفعل التهديد، وتركت ذلك لفقهاء القانون الجنائي الذين وضعوا عدة تعريفات لهذا السلوك الإجرامي، فهناك من يرى أن التهديد هو: (كل قول أو كتابة من شأنه إلقاء الرعب والخوف في قلب الشخص المهدد من ارتكاب الجاني للجريمة ضد النفس، أو المال، أو إفشاء، أو نسبة أمور مخدشه للشرف، وقد يحمله التهديد تحت تأثير ذلك الخوف إلى إجابة الجاني إلى ما ابتغى، متى اصطحب التهديد بطلب).

وهناك من عرف التهديد بأنه: (الوعيد بشر يصيب المحنى عليه مهما كانت الوسيلة التي توسل بها الجاني، سواء كان الشر بالاعتداء على نفسه أو ماله أو عرضه مما يحدث الرعب في نفسه، فكل فعل مادي أو قول يشكل اعتداء على الحرية والأمن للمجني عليه يعتبر تهديداً ).

 أو هو: (تخويف المجني عليه وإلقاء حالة الرعب في نفسه وإزعاجه من ضرر معين يراد إيقاعه به)، ولقد نص قانون العقوبات الأردني على جريمة التهديد ضمن الجرائم الواقعة على الأشخاص في المواد (350 – ٣٥٤).

أما بالنسبة للتهديد الإلكتروني فهو عملية تهديد وترهيب للضحية بنشر صور مثلاً أو فيديوهات، أو تسريب معلومات سرية تتعلق بالضحية لأغراض مادية، أو استغلال الضحية في القيام بأعمال غير مشروعة لصالح المهدد، ويتم اختيار الضحايا في أغلب جرائم التهديد الإلكترونية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، كالفيس بوك وتوتير وإنستغرام، أو بواسطة البريد الإلكتروني، ولقد شهدت الآونة الأخيرة تزايد عمليات التهديد الإلكتروني مع تطور وسائل التواصل وزيادة عدد مستخدميها.

2- مدى خطورة جريمة التهديد:

جدير بالذكر أن جريمة التهديد الإلكتروني تعد من أكثر الجرائم تعرضاً لخصوصية الأفراد، واعتداء على معلوماتهم الخاصة بداخل الأجهزة التكنولوجية والإنترنت، ومما يزيد من خطورة تلك الجريمة، أن ضعاف النفوس وهم من المجرمين الذى استطاعوا اكتساب خبرات ومهارات في التعامل مع الإنترنت يستغلون كل ذلك في اختراق النظام المعلوماتي، والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وهى إحدى الحريات العامة لفرد، وفد يصاحب جريمة التهديد الإلكتروني في أغلب الحالات ابتزاز المجنى عليه للقيام بفعل أو الامتناع عن فعل سواء كان هذا الفعل مشروع أو غير مشروع.

كما أنه لا يخفى عن الفطنة أن ضحايا جريمة التهديد الإلكتروني أغلبهم من النساء والمراهقون، وقد يؤدى أساليب الضغط والإكراه الذي يمارسه المهدد عليهم إلى سلب حريتهم وإرادتهم، وإيقاع الأذى الجسدي أو المعنوي عليهم، حيث يحاول الجاني استخدام التهديد لابتزازهم أخلاقياً أو مادياً، مما قد يعرضهم إلى الانتحار، وأحياناً للقتل من قبل عائلاتهم.

والذي يزيد الأمر سوءاً إحجام الكثير من الضحايا في جرائم التهديد الإلكتروني عن رفع دعاوى قضائية ضد هؤلاء المهددين والمبتزين، نتيجة أن المعلومات التي استخدمها هؤلاء ضدهم ذات طبيعة محرجة للضحية، بل قد تدمر حياته الاجتماعية أو تؤثر بالسلب على عمله، فخطورة هذه الجريمة تنبع من كونها اعتداء على شعور الإنسان بالأمن في حياته وماله وعرضه، بل واقتحامها لأحد أهم حقوقه وهو حقه في احترام حرمة حياته وأسراره الخاصة، وهو أمر يؤدى إلى مالا يحمد عقباه.[4]

ثالثاً: أركان جريمة التهديد الإلكتروني:

1- الركن المادي لجرمة التهديد:

تجدر الإشارة إلى أن الركن المادي لجريمة التهديد يتكون من السلوك الإجرامي الذي يصدر من الجاني سواء بالقول أو بالكتابة أو بالفعل، ويؤدى إلى إدخال الفزع والخوف في قلب الشخص المهدد وهذه هي النتيجة، ومن ثم فجريمة التهديد الإلكتروني لا تختلف في أركانها عن جريمة التهديد التقليدي فهي أيضاً يتكون عناصر الركن المادي فيها من ثلاثة:

فهي تستلزم أولاً توافر سلوك إجرامي من الجاني، ويتم هذا السلوك عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكة الإنترنت، ومن ثم فإن المجرم الإلكتروني يمتاز عن المجرم العادي بأنه ذو خبرة كافية في مجال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

أما بالنسبة للعنصر الثاني في جريمة التهديد الإلكتروني وهو النتيجة الإجرامية، بيد أنه يمكن أن يتوافر الركن المادي في جريمة التهديد الإلكترونية دون أن تتحقق النتيجة الإجرامية، كالتبليغ عن الجريمة واكتشافها دون تحقق نتيجتها، مثل إنشاء موقع للتشهير بشخص معين وقبل طرح هذا الموقع على الشبكة يتم اكتشاف الجريمة.

أما العنصر الثالث في الجريمة فهو علاقة السببية التي يجب توافرها، أي أن يكون سلوك الجاني هو الذي أحدث النتيجة، ولعله من المفيد أن نؤكد أنه لا يهم ما إذا كان المتهم يتولى تنفيذ الأمر الذي هدد به أو لا ينوى ذلك، كما لا يشترط في التهديد أن يكون بشكل صريح، بل قد يستفاد بالتلميح شفهياً، أو كتابياً، أو بأرسال صورة سكين ،أو صورة جمجمة ،أو صورة المجني عليه مقتولاً فكل هذه الحالات تعد من باب التهديد الذي يقع تحت طائلة العقاب.

ويشترط لتوافر الركن المادي لجريمة التهديد الإلكتروني أن يكون التهديد جدياً وليس ظاهر الهزل، فإذا لم يكن التهديد جدي لا يتوافر الركن المادي للجريمة، ولكن لا يشترط أن يكون التهديد بإيقاع أذى على الشخص نفسه، بل يمكن أن يقع بالتهديد بالحاق أذى على شخص آخر عزيز عليه أو شخص يربطه بالمجني عليه صلة قوية، سواء أكان الضرر المهدد بإيقاعه يتعلق بالنفس أو بالمال أو بإفشاء أمور تسيئ للشخص أو تلحق به العار.

2- الركن المعنوي لجريمة التهديد:

لا يكفي لقيام جريمة التهديد الإلكتروني قانوناً توافر ركنها المادي، بل يجب أن يتوافر الركن المعنوي وهو اتجاه الإرادة إلى ارتكاب الفعل المؤثم.

وقد تتجه الإرادة إلى ارتكاب السلوك الإجرامي وتتجه أيضاً إلى تحقيق النتيجة فتكون الجريمة عمدية، وقد تتجه الإرادة إلى ارتكاب السلوك الإجرامي دون أن تتجه إلى تحقيق النتيجة فتكون النتيجة غير عمدية، ويرى بعض فقهاء القانون الجنائي أنه إذا حدثت النتيجة الإجرامية في الجريمة الإلكترونية صدفة أو عن طريق الفضول ولم يقصد الجاني ارتكابها من البداية يتوافر لديه رغم ذلك الركن المعنوي، حيث كان يجب عليه أن يتراجع عن سلوكه ولا يستمر فالقصد الجنائي متوافر في جميع الجرائم الإلكترونية دون استثناء.

ويتوافر القصد الجنائي العام في جريمة التهديد بعلم الجاني أن فعله أو قوله أو إشارته يدخل الفزع في نفس المجني عليه، وأن يقصد الجاني من ذلك حمل المجني عليه على القيام بفعل أو الامتناع عن فعل، ولا عبرة بالباعث على التهديد سواء بدافع الانتقام أو الحصول على المال أو حتى رغبة في اختبار شجاعة المجني عليه.

رابعاً: التهديد الإلكتروني عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة:

1- التهديد عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي:

المشرع لم يضع تعريفاً لجريمة الإنترنت وترك أمرها للفقه لذا فقد تعددت الاتجاهات التي عرفت جريمة الإنترنت، فيذهب بعض الفقه إلى أن جرائم الإنترنت هي (الجرائم الجزائية التي ترتكب عبر شبكة الإنترنت، والتي تشمل ثلاثة أنواع مختلفة من الجرائم هي:-

  • جرائم المحتوى.
  • المساس بالملكية الفكرية.
  • الجرائم المعلوماتية.

وعرفها البعض الأخر بأنها: (كل الجرائم التي ترتكب عن طريق الاستخدام غير المشروع أو الاحتيالي لشبكة المعلومات وهي تضم : المساس بالنظم المعلوماتية، الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، الاحتيال باستخدام بطاقة الائتمان، العنصرية أو النازية أو التصرفات المعادية، غسيل الأموال، تنظيم مواقع الاستغلال الجنسي للأطفال وكذا مواقع الإرهاب).

كما عرفها مؤتمر الأمم المتحدة العاشر لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين المنعقد في فيينا عام 2000 بأنها: (أي جريمة يمكن ارتكابها بواسطة نظام حاسوبي).

ويميل اتجاه آخر من الفقه إلى تعريف جرائم الإنترنت بأنها: (تلك الجرائم التي لا تعرف الحدود الجغرافية والتي يتم ارتكابها بأداة هي الحاسوب عن طريق شبكة الإنترنت، وبواسطة شخص على دراية فائقة بها).[5]

2- الأساس القانوني لتجريم التهديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

لقد أصبح من الضروري على الدول أن تصدر تشريعات لحماية الحياة الخاصة ضد أي انتهاكات محتملة، ومن بين هذه الانتهاكات إساءة استخدام تقنية المعلومات والاتصالات، لذلك فإن السند القانوني لتجريم التهديد الإلكتروني يتمثل في (المادة 7) من الدستور الأردني والتي نصت على أنه: ( الحرية الشخصية مصونة، كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون )، كما نصت (المادة 56) من قانون الاتصالات الأردني على أن : (تعتبر المكالمات الهاتفية والاتصالات الخاصة من الأمور السرية التي لا يجوز انتهاك حرمتها، ويقع ذلك تحت طائلة المسئولية القانونية).

3- صور التهديد الإلكتروني عير وسائل الاتصالات:

من أهم صور الاعتداء على الحياة الخاصة بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي هي توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبراً مختلقا بقصد إثارة الفزع، وهذه الصورة تدخل ضمن جريمة التهديد الإلكتروني، ولقد نصت على هذه الصورة (المادة 75) من قانون الاتصالات الأردني حيث أكدت على أن 🙁 كل من أقدم بأي وسيلة من وسائل الاتصالات على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبراً مختلفاً بقصد إثارة الفزع، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة، أو بغرامة لا تقل عن 300 دينار ولا تزيد على 2000 دينار، أو بكلتا هاتين العقوبتين) وهكذا يتضح لنا أن المشرع الأردني قد أفرد لجريمة التهديد الإلكتروني نصوصاً قانونية خاصة.

ويتضح من نص (المادة 75) من القانوني الأردني سالف الذكر أن هناك صور مختلفة ومتعددة للتهديد عبر وسائل الاتصالات منها ما يلي:

أ- توجيه رسائل تهديد بوسيلة اتصال:

إن قانون العقوبات الأردني جعل في النص المشار إليه أنفاً التهديد مرتبطاً بالوسيلة التي استخدمت في إيقاعه، وهي أي وسيلة من وسائل الاتصالات، وبذلك أخرج التهديد الشفهي وركز على الوسيلة المستخدمة، وأورد التهديد بلفظ عام ليشمل كل أنواعه سواء مقترن بأمر لفعل شيء أو الامتناع عن فعل.

ب- توجيه رسائل إهانة أو رسائل منافية للآداب العامة:

إن فكرة الإهانة أو النظام العام أو الآداب العامة فكرة مرنة فضفاضة نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان، فما هو من النظام العام اليوم لم يكن كذلك في الماضي، وكذلك الآداب العامة، أما مسألة الإهانة فهي ترتبط أكثر بجنس المجني عليه ومكانته الاجتماعية، ومن ثم فإن تقدير ما إذا كانت الرسائل تحتوي على إهانة أو منافية للآداب العامة من عدمه تترك لتقدير قاضى الموضوع.

ج- نقل خبر مختلق بقصد إثارة الفزع:

ويقصد بالنقل في هذه الصورة عن طريق إحدى وسائل الاتصالات التقنية على اختلافها، ولتحقيق المسئولية الجزائية في هذه الصورة لابد من توافر أربع عناصر وهم:

  • أن يكون موضوع الرسالة خبراً.
  • أن يتعلق الخبر بمن يرسل إليه أو بشخص له علاقة وثيقة به أو يتعلق بموضوع عام أو شخصية عامة.
  • أن يكون محتوى الرسالة المنقولة يحمل أموراً تخالف الحقيقة.
  • أن يقصد الفاعل من الإرسال إثارة الفرع والخوف لدى الشخص المتلقي للرسالة، أما إذا لم يقصد من نقل الخبر إثارة الفزع فلا تقوم الجريمة، كذلك لا تقوم الجريمة إذا كان نقل الخبر قد تم بصورته الحقيقية ولو قصد إثارة الفزع.[6]

خامساً : بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية بشأن جريمة التهديد الإلكتروني:

1- الحكم رقم 3974 لسنة 2018 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية:

والذى رفض الطعن الخاص بالتهديد وورد فيه ما يلى: (1- اذا لم تناقش محكمة الجنايات الكبرى في فقرة التطبيق القانوني أركان وعناصر جناية هتك العرض بحدود المادة(296/1) عقوبات، وبدلالة المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية مكررة (15) مرة وجنحتي التهديد بفضح أمر بحدود المادة (415) عقوبات وجنحة الدخول قصداً إلى نظام المعلومات دون تصريح بحدود المادة (3/5) من قانون الجرائم الإلكترونية المسندة للمتهم، ولم تبين كيف انطبقت النصوص القانونية على أفعاله ولم تبين استخلاص القصد الجرمي لديه، وجاء قرارها بحقه مشوباً بالقصور بالتعليل والتسيب مما يجعل أسباب التمييز واردة عليه وبتعين نقضه فيما يتعلق بالمتهم الأول، 2- إن الأفعال التي أقدم المتهمان على ارتكاها والثابتة من خلال شهادة المشتكية والمعززة بتقرير الخبرة وباقي بيانات النيابة العامة، هذه الأفعال المتمثلة بتهديدها للمشتكية وإرسال صورتها وهى عارية من الملابس والدخول إلى صفحتها على الفاسبوك ونسخ محادثتها، إنما تشكل هذه الأفعال كامل أركان وعناصر جناية هتك العرض، بحدود المادة (296/1) عقوبات وبدلالة المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية مكرر (15) مرة، وجنحة الدخول قصداً إلى نظام المعلومات دون تصريح بحدود المادة (3/5) من قانون الجرائم الإلكترونية).

2- الحكم رقم 1628 لسنة 2021 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية:

والذي نص على أنه: (بالتدقيق وجدت المحكمة أن محل أفعال المتهم والمتمثلة بقيامه بهتك عرض المشتكية وتهديدها بإبلاغ والدها عن الصور والفيديوهات الخاصة بها وهي عارية، وتحقيرها عبر تطبيق الماسنجر، وهو رجل أمن عام معنى بتطبيق القانون ومنع الجريمة وحفظ الأعراض وصونها، تشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر التهمة المسندة إليه ويقتضي إدانته بها).

3- الحكم رقم 130 لسنة 2021 الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية:

والذى ورد فيه أن ( محكمة الجنايات الكبرى قد مارست هذه الصلاحية المنوطة بها وأحاطت بوقائع الدعوى، وقامت باستعراض البيانات وناقشتها مناقشة سليمة، وتوصلت إلى أن المتهم قام بإرسال صور وفيديوهات على هاتف شقيق المجنى عليه الشاهد زيد، وقام بتهديد المشتكية على تطبيق الواتس آب بفضح أمرها اذا لم ترجع إليه بعد أن تم فسح الخطوبة، وقام بإرسال هذا التهديد لشقيقة المجنى عليها الشاهدة رانيا، وقد شكلت هذا الأفعال كافة أركان وعناصر التهم المسندة للمتهم …، وقد جاء استخلاص محكمة الموضوع لهذه الوقائع سائغاً ومقبولاً، ومستنداً إلى بيانات لها أصل ثابت في الدعوى، وحكمتنا بدورها تؤيدها فيما توصلت إليه من نتائج …).

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر عبد الله دغش العجمي، المشكلات العلمية والقانونية للجرائم الإلكترونية، دراسة مقارنة،٢٠١٤، رسالة ماجستير في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط ، ص١٢، ١٣.

[2] أنظر في ذلك أيضاً زينب محمود، المواجهة الجنائية للابتزاز الإلكتروني، جامعة كركوك – كلية القانون والعلوم السياسية، 2021، ص 578 وما بعدها.

[3] المرجع السابق، ص ٢٠، ص ٢٢، ص ٢٣.

[4] انظر سارة محمد جنش، المسئولية الجزائية عن التهديد عبر الوسائل الإلكترونية، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير في القانون العام، كلية الحقوق جامعة الشرق الأوسط ، ٢٠٢٠، ص ٢٤، ٢٤.

[5] وانظر  مقال للمحامي سامي العوض محامي جرائم  إنترنت، منشور على موقع حماة الحق – محامي الأردن – . ، وسارة محمد جنش، المرجع السابق، ص٣٧، ص٣٨، ص٣٩.

[6]سارة محمد جنش، المرجع السابق ، ص ٤٩، ٥٠.

Scroll to Top