الملاذات الضريبية
تفرض الدول الضرائب كمساهمة مالية مجتمعية من أفراد المجتمع في تمويل النشاطات والقطاعات المختلفة ولكن في كثير من الأحيان يسعي أصحاب الثروات إلى محاولة التهرب من سداد دين المجتمع المتمثل في الضرائب التي تفرضها الدولة سواء كان هذا التهرب جزئي أو كلي كما يحرص أصحاب الثروات على عدم تمكن دولهم وحكوماتهم من تعقب تلك الثروات من قبل حكوماتهم وهذا ما أدي إلى ظهر الملاذات الضريبية أو الجنة الضريبية كما يطلق عليها وهي عبارة عن دول أو حكومات تسعي إلى جذب أصحاب الثروات عن طريق عدم فرض ضريبة أو فرض ضريبة منخفضة تحث أصحاب الثروات على تحويل أموالهم إلى تلك الدول كنوع من أنواع التهرب الضريبي كما توفر تلك الملاذات الضريبة ضمانة أخري وهي سرية الحسابات وعدم إمكانية تعقبها
وسف نعرض في المقال التالي لكل ما يتعلق بالملاذات الضريبية والدول أو الأقاليم التي يمكن اعتبارها ملاذا ضريبيا والشروط الواجب توافرها في الملاذ الضريبي على النحو التالي:
أولا: تعريف الضرائب
- الضرائب هي مبالغ مالية تفرضها الدول على الأفراد أو الشركات أو النشاطات المختلفة وتعد من مصادر الدخل القومي لأي دولة وهي نوع من المساهمة المجتمعية للأفراد والشركات في دعم الدولة للقطاعات المختلفة سواء الجيش أو الشرطة أو الدعم الذي توجهه الدولة لقطاع بعينه مثل القطاعات التعليمية أو قطاع الصحة أو الدعم الموجه لبعض السلع مثل دعم الدولة للسلع التموينية أو السلع الاستهلاكية أو الغذائية أو دعم الدولة للمحروقات ومشتقات البنزين
وتتميز الضرائب بعدة خصائص أهمها: –
– الضريبة عامة
ويقصد بذلك أنها تفرض على بصفة عامة سواء على عموم الأفراد أو على نشاط معين بصفة عامة لكل من يمارس النشاط ومن ذلك ضريبة الدخل التي يتم فرضها على الدخل بصفة عامة
– الكفاية
حيث تأخذ الضرائب شكل الكفاية المجتمعية لكونها مساهمة مالية من الأفراد مقدمة للمجتمع لمساعدة الدولة على تقديم الخدمات ودعم القطاعات المختلفة
– نقدية
من أهم ما يميز الضريبة في العصر الحديث أنها نقدية حيث كانت تسدد الضرائب قديما بصورة عينية كجزء من المحصول مثلا
– تدفع دون مقابل
بمعني أن دافع الضرائب لا يستطيع مطالبة الدولة بأي التزامات مقابل الضرائب التي قام بدفعها
– تدفع بصفة نهائية
ويقصد بذلك أنه متي تم سداد الضريبة المقررة قانونا فلا يحق لدافعها استردادها
ثانيا: – أنواع الضرائب
- يمكن تقسيم الضرائب إلى قسمين ضرائب مباشرة وضرائب غير مباشرة على النحو التالي:
– ضرائب مباشرة
وهي تفرض على حسب مقدار الدخل سواء بالنسبة للأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية ومن أمثلتها الضريبة على الدخل سواء للأفراد أو المنشئات.
– ضرائب غير مباشرة
وهي الضريبة التي تتصل بالسلعة أو الخدمة ومنها ضريبة المبيعات أو القيمة المضافة والرسوم الجمركية الضرائب التي تفرض على إصدار تراخيص المركبات
ثالثا: – المقصود بالملاذات الضريبية
- بدأت نشأة الملاذات الضريبية مع استخدام بعض البحارة في اليونان القديمة بعض الجزر كمستودعات لتخزين البضائع للتهرب من الضرائب التي كانت تفرضها أثينا كما كان التجار في المستعمرات يمرون بتجارتهم عبر أمريكا اللاتينية لتجنب الضرائب وفي العصر الحديث تعتبر سويسرا هي أول ملاذ ضريبي حقيقي
- عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الملاذ الضريبي إنه ” نظام يعفي من تأدية الضرائب أو نظام ضريبي متساهل حيث تجتزئ ضرائب بسيطة على العائدات المالية أو على العائدات الناتجة عن النشطات والخدمات أو ينظر اليه كمكان يوفر لغير المقيمين فيه إمكانية التهرب من دفع الضرائب العائدة إلى محل اقامتهم بالإضافة إلى ذلك يتمتع النظام المذكور بأحدي الميزات الثلاثة قلة الشفافية أو رفض الإفصاح عن المعلومات وإمكانية أنشاء مؤسسات وهمية” [1]
- فالملاذات الضريبية هي أماكن (دول أو أقاليم) لا تخضع فيه الضرائب لولاية القضاء أو تكون الضرائب فيه معدومة أو منخفضة وتقصد الحكومات من تلك القوانين جذب الأموال الخارجية وعلى الاغلب ترتبط ميزة الضرائب المنخفضة أو المعدومة بميزة أخري أكثر أهمية وهي السرية حتى تحقق تلك الأماكن الغرض منها وهي جذب الراغبين في عدم سداد الضرائب في أوطانهم فيلجأ إلى تلك الملاذات الضريبية
- ويتم إخفاء الأرباح في الملاذات الضريبية عن طريق تملك الشركة التي ترغب في التهرب الضريبي فرع أو أكثر في إحدى الدول التي تعد ملاذا ضريبيا أو في أكثر من ملاذ ضريبي بحيث تظهر أرباحهم الفعلية في الفرع الموجود بالملاذ الضريبي ولا تظهر في الفرع الموجود في دولة إقامتهم فتبدو الشركة كأنها لا تحقق أرباح فلا تدفع ضرائب في الدول التي تباشر فيها النشاط فعليا ويكون إخفاء الأرباح عن طريق دفع الفروع الاموال إلى الفرع الموجود بالملاذ الضريبي لشراء بضائع أو خدمات بحسب التكلفة التي ترغب في إخفائها وقد يتم إخفاء الأموال في أكثر من فرع في أكثر من ملاذ ضريبي[2]
رابعا: – خصائص الملاذات الضريبية
- تشترك الملاذات الضريبة في عدد من الخصائص والتي تؤهلها لتكون مصدر جذب لأصحاب الثروات وهي :
1- المعدلات الضريبية المنخفضة
يعتبر العامل الأساسي في الملاذ الضريبي أو الجنة الضريبية هو غياب الضريبة أو إقرارها بنسبة ضئيلة وتتفاوت نسب الضريبة المفروضة من دولة إلى أخري فقد تفرض بعض الدول ضريبة على الأشخاص الطبيعية أكثر منها على الشركات وفي دول اخري تفرض ضريبة على الشركات أعلي من التي يتم فرضها على الأشخاص
2- السرية المصرفية
يستلزم في الملاذ الضريبي أن يتمتع بالسرية المصرفية للحفاظ على سرية حسابات العملاء وعدم إمكانية تتبعها
3- السرية المهنية
حيث تفرض الدول أو الأقاليم التي يمكن اعتبارها ملاذا ضريبي على المحامين والمحاسبين والعاملين في المجال الضريبي احترام سرية العملاء والحفاظ عليها
4- مرونة التسجيل
يتطلب الملاذ الضريبي سهولة التعامل مع الحكومات والسلطة العامة في إنشاء الشركات وتسجيلها كما يتطلب عدم إلزام العملاء بتقديم معلومات دقيقة عن مصدر الأموال
5- الحرية المطلقة في نقل رؤوس الأموال
وهي ضرورة حتميه لابد من توافرها في الملاذ الضريبي فيجب أن يكون الملاذ الضريبي أو الجنة الضريبية مجهزة بالتكنولوجيا اللازم والبنية التحتية التي تمكن العملاء من نقل رؤوس الأموال بسهولة ودون إمكانية تتبعها
6- الاستقرار السياسي والاقتصادي
يشترط في الدول أو الأقاليم التي يمكن اعتبارها ملاذا ضريبي أن تتمتع بالاستقرار الاقتصادي والسياسي حتي تتمكن من جذب الشركات العالمية وأصحاب الثروات فلن يرغب أصحاب الثروات في نقل أموالهم الي دول بها حروب أو تمر بأزمات اقتصادية [3]
خامسا : أنواع الملاذات الضريبية
يتم تقسيم الملاذات الضريبة حسب المعيار الذي يتم استخدامه في التقسيم حيث تنقسم من حيث الشمولية إلى ملاذات ضريبية عامة وملاذات ضريبية خاصة ومن حيث معيار فرض الضرائب إلى ملاذات معدومة الضرائب وملاذات إقليمية وملاذات بموجب معاهدات كما يلي:-
1- أنواع الملاذات الضريبية من حيث الشمول
أ) ملاذات ضريبية عامة
ويعتبر هذا النوع من الملاذات من أوسع أنواع الملاذات الضريبية انتشارا وهي الأماكن التي تتميز بأن لها قواعد ونظم ضريبية تطبق على الجميع ولكنها تخص الاستثمارات الأجنبية بحوافز ضريبية ومالية لتشجيع الاستثمار ومن أمثلتها سويسرا وموناكو
ب) ملاذات ضريبية خاصة
وهي الدول والاقاليم التي تفرض أنظمة ضريبية محددة تختص نوع معين من الشركات ومن أشهر أمثلتها لوكسمبورغ والتي تفرض ضرائب خاصة على الشركات القابضة حيث تتمتع الشركات القابضة بمعاملة ضريبية مختلفة عن أي نوع من الأنواع الأخرى للشركات
2- أنواع الملاذات الضريبة من حيث فرض الضرائب
أ) ملاذات ضريبية معدومة الضرائب
وهي الدول والأقاليم التي لا تفرض أي ضريبة على الدخل أو الأرباح ومنها جزر الباهاما – البحرين – برمودا – جزر الكايمن وهذه الجنات الضريبة لا تفرض أي ضريبة على الدخل أو الأرباح كما لا تبرم أي معاهدات خاصة بالضرائب وهي بذلك تتجنب شبهة التهرب الضريبي في علاقتها بالدول الأخرى وعلى الرغم من كون تلك الدول معدومة الضرائب إلا أنها قد تفرض رسوما على تأسيس الشركات [4]
ب) ملاذات تعفي الموارد الأجنبية
- وتعرف أيضا بالملاذات التي تفرض الضرائب بصورة إقليمية ومؤدي ذلك أن الدولة تفرض الضرائب على الدخل والأرباح ولكنها تستثني منها الأرباح والدخول التي تنتج عن صفقات أو معاملات مالية تتم خارج الحدود ومنها هونج كونج – ماليزيا – بنما
ت) جنات منخفضة العبء الضريبي
- وهي الدول التي تفرض ضرائب مرتفعة على الدخول والأرباح على المستوي الإقليمي والمستوي الدولي، ولكنها تستثني بعض الدول بموجب المعاهدات التي تسمي معاهدات الازدواج الضريبي بغرض تخفيف العبء الضريبي ومنها النمسا وسويسرا
سادسا: عدد الملاذات الضريبة حول العالم
حسب موقع ويكبيديا فإن الجنات الضريبة قد بلغ عددها حول العالم حوالي خمسون منطقة ملاذ ضريبي تم تحويل عشرات التريليونات وتضم تلك الخمسون ملاذ أكثر من اربعمائة مؤسسه مالية وحوالي اثنين مليون شركة وتبلغ اجمالي رؤوس أموالها ما يقارب أربعة اضعاف الناتج الإجمالي لدولة كاملة مثل فرنسا
[1] – الملاذات الضريبية بين الرفض والتبني – جاد خليفة أستاذ في القانون الضريبي بلبنان ص 113
[2] -السياحة الضريبية – وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية الطبعة الاولي مايو 2015 تصميم محمد جابر ص 5
[3] – الملاذات الضريبية بين الرفض والتبني – جاد خليفة أستاذ في القانون الضريبي بلبنان ص 114
[4] – مجلة الاقتصاد والاعمال – الجنات الضريبية ودورها في التهرب الضريبي-العدد 1 لسنة 2020 كتابة ريما ضافري ص 80

