التحريض الصوري في القانون الأردني

التحريض الصوري في القانون الأردني

إن التحريض على ارتكاب فعل إجرامي هو المحرك الأساسي إلى الجريمة، وتحديدًا عندما يكون الجاني يحتاج إلى دفعه من أجل القيام بأي جريمة، فالمحرض هو الذي يُسهل ارتكاب الجريمة وانتشارها في المجتمع؛ مما يتولد عن ذلك اعتداء الجاني على حق يحميه القانون. وتتعدد البواعث التي تدفع المحرض إلى الإقدام على هذا النوع من التحريض، ومن ضمن هذه الدوافع رغبة المحرض في أن ينال الجاني العقوبة المقررة للجريمة التي دفعه إلى ارتكابها، وهو ما يُعرف بالتحريض الصوري، ويُعد هذا النوع من التحريض صورة من صور المساهمة الجنائية؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال المقصود بالمحرض الصوري، وعناصر وشروط التحريض، وأركان جريمة التحريض، وعقوبة جريمة التحريض الصوري، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم التحريض الصوري في القانون الأردني

ثانيًا: ماهية عناصر التحريض الصوري في القانون الأردني

ثالثًا: أركان جريمة التحريض الصوري في القانون الأردني

رابعًا: شروط التحريض الصوري في القانون الأردني

خامسًا: ماهي المسؤولية الجنائية للمحرض الصوري

سادسًا: ماهي أثار التحريض الصوري

سابعًا: عقوبة التحريض في القانون الأردني:

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بالتحريض الصوري في القانون الأردني

وسوف نتناول شرح تفصيلي لكلًا من العناصر الرئيسية المذكورة سابقًا فيما يلي:

أولًا: مفهوم التحريض الصوري في القانون الأردني

لقد عرف جانب من الفقه المُحرض الصوري بأنه: “الشخص الذي تتجه إرادته إلى القبض على مجرم في حالة الجرم المشهود، أو إلى اختبار مدى حرص شخص على الخضوع إلى القانون، فيتظاهر بتشجيعه على إتيان الفعل الجرمي، حتى إذا ما بدأ في تنفيذه حال دون إتمامه، أو دون تحقق نتيجته الجرمية”([1])

ويتمثل فعل التحريض ذاته في إيجاد فكرة الجريمة لدى شخص ثم تدعيم هذه الفكرة لدى شخص آخر أو مجموعة؛ لكي تتحول الفكرة إلى فعل إجرامي.

ويُقصد بالتحريض الصوري عند بعض الفقهاء بأنه: “إيعاز شخص إلى أخر بارتكاب جريمة ما، ودفعه إليها حتى إذا ما شرع هذا الأخير في ارتكابها تدخل الأول للحيلولة دون تحقق نتيجتها الإجرامية، وأبلغ السلطات العامة بالجريمة”([2])

ثانيًا: ماهية عناصر التحريض الصوري في القانون الأردني

يتبين من خلال تعريف فعل التحرِيض أنه يقوم على مجموعة من العناصر التي تتكون منها جريمة التحريض الصوري وتتمثل هذه العناصر في الآتي:

١-المُحرض الصوري:

المحرض وهو ما عرفته (المادة 80) من قانون العقوبات الأردني: “هو الذي حمل أو حاول أن يحمل شخصًا آخر على ارتكاب جريمة بإعطائه نقودًا أو تقديم هدية له أو بالتأثير عليه بالتهديد، أو بالحيلة والخديعة ،أو بصرف النقود ،أو بإساءة الاستعمال في حكم الوظيفة”

٢– الشخص الموجه إليه التحريض الصوري:

إن التحريض يفترض قيام شخص بخلق فكرة جريمة لدى شخص آخر هو المحرض إليه، ثم دفعه بشكل معنوي وليس مادي على ارتكاب تلك الجريمة، ويشترط ألا يكون لدى ذلك الشخص أي نية لارتكاب الجريمة من قبل؛ وبالتالي لا يتصور قيام جريمة التحريض إذا وقع فعل التحريض على شخص مصمم على ارتكاب الجريمة من قبل، وفي هذه الحالة يُعتبر المُحرِض متدخلًا لا محرضًا إذا اثبت أنه شدد عزيمة الفاعل أو هيأ له وسائل تنفيذ الجريمة التي كان في نية الفاعل ارتكابها، ولكن يتصور تحريض شخص عرضت عليه فكرة الجريمة من قبل ولكنه لم يصمم عليها بعد، أي لم يتخذ قراره بشأنها، حتى جاء المحرض وخلق لديه التصميم الإجرامي أي هو السبب الأول فيدفعه إلى ارتكاب الجريمة.

3- محل التحريض الصوري:

 التحريض يقوم على خلق فكرة الجريمة لدى أي شخص؛ لذا فإن محل جريمة التحريض الصوري تكمن في الجريمة ذاتها المدفوع إلى ارتكابها.

4- فعل التحريض الصوري:

ويتمثل في الدفع المعنوي لشخصٍ آخر ليس لديه النية لارتكاب الجريمة المُحرض عليها بتهيئته نفسيًّا وتقوية عزيمته على إتيان الفعل الإجرامي، مع القيام بالإبلاغ عنه والعمل على كشف جريمته وإيقاع العقوبة المقررة عليه.

ثالثًا: أركان جريمة التحريض الصوري في القانون الأردني

لا بد لقيام جريمة التحريض في القانون الأردني من توافر ركنين أساسين هما الركن المادي والركن المعنوي على هذا النحو:

١-الركن المادي لجريمة التحريض:

يتمثل الركن المادي لجريمة التحريض في الفعل الذي يقوم به المحرض لبث فكرة الجريمة لدى الغير، ودفعه إلى تنفيذها، والعمل على كشف جريمته لدى السلطات المختصة، والركن المادي لجريمة التحريض يختلف عن الركن المادي لباقي الجرائم الأخرى؛ نظرًا للطبيعة الخاصة لجريمة التحريض الصوري باعتباره نشاطًا يتجه إلى إرادة من يوجه إليه التحريض فيدفعه إلى ارتكاب الجريمة. ولا بد لكي يتحقق الركن المادي لجريمة التحريض الصوري من توافر الشروط الآتية:

  • أن يكون التحريض مباشر:

بمعنى أنه يجب أن ينصب النشاط الإجرامي على موضوع معين يتمثل في جريمة معينة أو جرائم معينة يُعاقب عليها القانون، فلو أن شخصًا أوقع بين شخصين؛ مما أدى إلى وقوع اعتداء من أحدهما على الآخر؛ فلا يُعتبر محرضًا لانتفاء التحديد في الجريمة. ونستخلص مما سبق أن التحريض الصوري غير المباشر لا تقع به جريمة التحريض الصوري، وكذلك إذا كان محل التحريض الصوري فعلًا مشروعًا؛ فلا تتحقق جريمة التحريض الصوري حتى ولو أدى الى ارتكاب جريمة بسبب الظروف التي وقع فيها.

  • أن يكون التحريض سابقًا على الجريمة:

 حيث إن اشتراط أن يكون التحريض سابقًا على ارتكاب الجريمة يتفق مع طبيعة التحريض، باعتباره نشاطًا قصد به المحرض فكرة الجريمة أو تقويتها لدى الجاني بهدف دفعه إلى ارتكابها، فلا يتصور أن يقع فعل التحريض بعد ارتكاب الجاني لجريمته.

  • أن يكون التحريض خاص:

ويقصد بالتحريض الخاص أن يوجه التحريض إلى شخص معين أو أفراد معينة يختارهم المحرض لتنفيذ الجريمة، سواء بأنفسهم أو بواسطة الغير، بخلاف التحريض العام الموجه إلى كافة الناس أو أشخاص غير معينين.

  • يجب أن يقع فعل التحريض على جريمة تتمثل في كونها جناية أو جنحة:

 حيث إنه لا تحريض على المخالفات وفقًا لما تقضي به (المادة 82) من قانون العقوبات الأردني التي نصت على أن: “التحريض على ارتكاب مخالفة أو التدخل فيها لا يستلزم العقاب”.

  • أن يكون التحريض مؤثرًا وحاسمًا في ارتكاب الجريمة:

بحيث يكون لفعل التحريض أثر حاسم في دفع الجاني على ارتكاب الجريمة المُحرض عليها، أما إذا لم يكن كذلك كأن يكون فعل التحريض كلمة عابرة، أو حركة عرضية ،أو تمنيات، أو عرض وجهة نظر؛ فلا تحريض في هذه الحالة.

  • أن يكون المُحرِض سببًا في كشف الفعل الجرمي الذي وقع من المُحرَض إليه

فيشترط أن يكون المُحرِض هو من تسبب في الإيقاع بالمُحرَض إليه عن طريق كشف الجريمة التي ارتكبها محل التحريض، وذلك عن طريق الإبلاغ عنه صراحةً أو إرشاد السلطات إليه بطريق غير مباشر أو فضحه للعلن.

٢-الركن المعنوي لجريمة التحريض الصوري:

لا يكفي لقيام جريمة التحريض قيام المُحرِض بنشاط مادي يكون من شأنه دفع آخر إلى ارتكاب جريمة من الجرائم، وإنما لابد أن يُمارس الشخص نشاطه التحريضي بقصد دفعه إلى ارتكاب تلك الجريمة التي ارتكبت، ولم يشترط القانون صراحة أن يتخذ الركن المعنوي في جريمة التحريض صورة القصد، إلا أن ذلك يُفهم ضمنًا من نص (المادة 80) من قانون العقوبات الأردني المشتر إليها سابقًا، فلجوء المحرض وفقًا لنص المادة إلى أعمال مادية كالهدايا والوعود وإساءة استعمال السلطة أو قيامه بالتهديد كلها جميعًا تتضمن اتجاه إرادة الجاني إلى تحقيق نتيجته الجرمية. والقصد في جريمة التحريض الصوري كأي جريمة يقوم على عنصريين رئيسيين وهما:

  • العلم:

يتمثل عنصر العلم في إحاطة المحرض علمًا بعناصر الجريمة التي يدفع الغير إلى ارتكابها بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون، أي علم المحرض أن من شأن هذه الوسائل التي يستعين بها للتعبير عن نشاطه التحريضي أن تدفع الفاعل إلى تحقيق النتيجة الإجرامية، وأن يتوقع بأن يُقدم الفاعل على تنفيذ الجريمة محل التحريض.

  • الإرادة:

لا يكفي العلم وحده لقيام القصد الجرمي لدى المحرض، بل يشترط أيضًا اتجاه إرادته إلى خلق فكرة الجريمة لدى شخص آخر كأثر لنشاطه التحريضي، مع اتجاه إرادته إلى كشف الجريمة التي ارتكبها المُحرَض إليه، ويتبين أن عنصر الإرادة هنا مركب، إذ يلزم توافر إرادة التحريض على ارتكاب الجريمة قبل وقوع للجريمة، وإرادة الكشف عن الجرم بعد شروع الجاني في ارتكاب الجريمة.

رابعًا: شروط التحريض الصوري في القانون الأردني

لا يُسمى التحريض تحريضًا صوريًا مالم تتوافر به شروط معينة، وهذه الشروط الواجب توافرها هي:

١- ضرورة مباشرة المحرض لنشاط تحريضي تجاه الغير من أجل دفعه لارتكاب فعل يعد جريمةً معاقب عليها، وذلك بالإثارة.

٢- “أن يكون هدف المحرض من وراء تحريضه هو الوقوف على الجريمة والقبض على الجاني متلبسًا بها، ولكن بشرط تدخله عند مرحلة الشروع بالجريمة، إلا أن الغاية أو الهدف الذي يسعى المحرض الصوري الوصول إليه بتحريضه لا قيمة له عند تحديد مسؤوليته؛ لذلك لا قيمة لكون الهدف جسيمًا، أو بسيطًا، أخلاقي، أو غير أخلاقي”([3])

٣- تدخل المُحرِض للحيلولة دون تحقق نتيجة الجريمة، أي يجب ألا ينصرف قصد المحُرض الى تحقيق نتيجة الجريمة التي حرض الغير عليها؛ وإنما يجب أن يقتصر غرضه للوقوف عليها عند مرحلة الشروع.

٤-“وصف المحرض الصوري باعتباره أحد رجال السلطة العامة، أو من يعمل لحسابهم وتحت إشرافهم من المرشدين والمخبرين، ويرى هذا الجانب من الفقه بأن صفة المحرض الصوري باعتباره أحد رجال الضبط القضائية، أو من يعمل لحسابهم وتحت إشرافهم من المرشدين أو المخبرين، هو المعيار الحقيقي للتفرقة بين التحريض الحقيقي والتحريض الصوري إلى جانب معيار الباعث، في حين لم يعتد جانب أخر من الفقه بصفة المحرض الصوري، ولا فرق بين أن يكون التحريض صادر من أحد رجال الضبط القضائي أو من يعمل لحسابهم، أو أحد الأفراد العادية، ولكن إذا تعلق الأمر بأحد رجال السلطة العامة، يجب أن يكون تدخله قد تم بناء على إجراءات قانونية سليمة”([4])

٥-القصد الجنائي: فمن يتجه قصده إلى الوقوف بالأفعال التنفيذية للفاعل عند مرحلة البدء في التنفيذ، يُعد محرضًا صوريًا، بخلاف المحرض الحقيقي الذي يهدف إلى وقوع الجريمة.

خامسًا: ماهي المسؤولية الجنائية للمحرض الصوري

 يسود الفقه الجنائي اتجاهات عديدة بشأن مسؤولية المحرض الصوري الجنائية، بحيث لم يتفق الفقه على رأي واحد لهذه المسؤولية، فهناك رأي يذهب إلى وجوب عقاب المحرض الصوري شأنه شأن أي مُساهم في الجريمة، ومنهم من يرفع المسؤولية عن المحرض الصوري عن الجريمة المحرض عليها، ولبيان ما يتعلق بهذه المسؤولية، سوف نتناول مسؤولية الدولة عن نشاط المحرض الصوري، ثم نشاط المحرض الصوري، وموضوع الجريمة كمحل للمسؤولية الجنائية للمحرض الصوري، ثم مدى تطبيق نظام الخطأ في الوقائع والقانون بالنسبة لمسؤولية المحرض الصوري.

١- مسؤولية الدولة عن نشاط المحرض الصوري:

يقع على عاتق الدولة أن تبذل جهدها للكشف عن الجرائم والقبض على مرتكبيها ومعاقبتهم كنتيجة منطقية لإجرامهم، ولكن لا يجوز للدولة ولا تمتلك الحق في دفع الأفراد إلى ارتكاب الجريمة أو تُهيأ الفرص لهم للأجرام عن طريق الأثارة، غير أنه يوجد هناك بعض الحالات التي يلجأ إليها رجال السلطة العامة للقيام بالتحريض الصوري عندما يشكون من ممارسة بعض الأشخاص لنشاط إجرامي؛ حتى يتمكنوا من ضبطهم متلبسين وتسليمهم للعدالة فهل يعد عملهم هذا مشروعًا أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب التفرقة بين حالتين:

الحالة الأولى:

 في حالة افتعال الجريمة ودفع الشخص لارتكابها، بحيث يكون لولا هذا التحريض لكان من الجائز عدم إقدام الفاعل على ارتكابها، أي أن وقوع الجريمة يكون نتيجةً لسلوك رجال السلطة العامة؛ ففي هذه الحالة اتفق الرأي على أنه يُعد عملًا غير مشروع؛ لأنه من غير الجائز لسلطات الدولة اختبار الأفراد في ميولهم فالنفس أمارة بالسوء، فتحريض فرد على ارتكاب جريمة قد يحمله هذا التحريض لارتكابها بالفعل، على الرغم من أنه بدون هذا التحريض يكون من المحتمل عدم إقدامه على ارتكابها.

الحالة الثانية:

في حالة لجوء رجال السلطة الى حمل الجاني على تقديم ما يُفيد في كشف الجريمة وإثباتها، فهنا يعد عملًا مشروعًا للمحرض الصوري، وذلك لأنه في هذه الحالة كانت فكرة ارتكاب الفاعل للجريمة سابقة الوجود في ذهنه قبل قيام رجل السلطة العامة بتحريضه لها.

٢- نشاط المحرض الصوري وموضوع الجريمة كمحل للمسؤولية الجنائية للمحرض الصوري:

إن نشاط المحرض الصوري سواء كان هذا المحرض أحد رجال السلطة العامة أو أحد الأفراد تتوافر فيه أركان جريمة التحريض جميعًا مادية أو معنوية. ولقد ظهرت أراء عديدة بشأن مسؤولية المحرض الصوري وتحديدها، فهناك من يستند إلى أسباب الإباحة ليبرر فعل المحرض، ومنهم من يستند الى الركن المادي، والبعض الآخر يلجأ إلى الركن المعنوي لتوضيح مسؤولية المحرض الصوري، ومن المتفق عليه عند جميع الفقهاء هو حالة إذا ما امتدت مساهمة المحرض الصوري إلى أفعال مادية للتحريض في مرحلة التنفيذ المتعلقة بالجريمة، فهو يكون هنا مسؤول كفاعل أصلي مع غيره أو شريك بالمساعدة أثناء التنفيذ، ويستمد هذا الاتفاق من التفرقة بين المساهمة الأصلية والمعنوية، ففي المساهمة المعنوية يساهم المحرض في ارتكاب الجريمة عن طريق شخص يُعد محلًا للتحريض، واتجاه إرادة من قام بالتحريض للتدخل من أجل الحيلولة دون تحقق النتيجة؛ إنما فقط من أجل القبض على المجرم متلبسًا بجريمته، وعلى العكس في المساهمة المادية حيث يكون تحريض المحرض الصوري ممتد إلى أفعال مادية تحقق نتيجة الجريمة بصورة مباشرة، وليس عن طريق أفعال أشخاص آخرين كما في التحريض المعنوي.

ولتبرير فعل المحرض الصوري استند بعض الفقهاء إلى أسباب الإباحة حيث يرون أن المحرض الصوري يجد مبررًا لفعله يكمن في استعماله للسلطة بموجب القانون، أو القيام بالواجب الصادر إليه من قبل جهة إدارية رسمية كسبب من أسباب الإباحة، بينما يتجه آخرون إلى عدم مسؤولية المحرض الصوري؛ وبالتالي عدم عقابه باستنادهم إلى أن فعله غير متكامل العناصر، وذلك لوجود نقص في الإرادة، أي أن أصحاب هذا الرأي يستندون إلى الركن المادي لتبرير موقف المحرض الصوري من الجريمة.

٣- مدى تطبيق نظام الغلط في الوقائع والقانون بالنسبة لمسؤولية المحرض الصوري:

“فهناك اتجاه فقهي يستند في رأيه بعدم مسؤولية المحرض الصوري إلى انعدام القصد الجنائي، وذلك بسبب وجود غلط من شأنه أن ينفي القصد الجنائي لدى المحرض الصوري، كأن يعتقد المحرض الصوري أن رجال السلطة العامة مسموح لهم قانونًا بالتحريض، أو التداخل في الجرائم بقصد ضبطها والقبض على مرتكبها وتقديمهم للمحاكمة؛ وبالتالي فإنه يعتقد بمشروعية الفعل الذي يأتيه، وهذا الغلط في مشروعية الفعل ينفى القصد الجنائي”([5])

غير أن هذا الرأي ينتقد كونه يتطلب العلم بالتقييم القانوني للواقعة الإجرامية، وما يترتب على ذلك من أن الجهل أو الغلط في هذا العلم ينفي القصد الجرمي، وهذا ما يستبعده الرأي الراجح من الفقه، وتنص عليه العديد من التشريعات الجنائية حيث تقضي بأن الجهل بالقانون لا يعد عذرًا، بل تعتبر العلم بالنص التجريمي أمرًا مفترضًا حتميًا.

سادسًا: ماهي أثار التحريض الصوري

نُبين أثر التحريض الصوري فيما يلي:

١- أثر التحريض الصوري على قيام الجريمة:

يرى جانب من الفقه الجنائي أن تدخل المحرض الصوري يؤدي إلى قيام الجريمة، والأفعال المرتكبة من مختلف المساهمين في الجريمة ومن المحرض الصوري تؤدي جميعها إلى تحقق النتيجة الإجرامية، وهذه الأفعال تتصف بفاعليتها السببية في تحقيق النتيجة الإجرامية من قبل فاعل الجريمة؛ لذا فإن سلوك الجاني يبقى قادرًا على إحداث النتيجة، ولا مجال لإثارة مشكلة الجريمة المستحيلة؛ لأن الاستحالة لا تحول دون وقوع الشروع المعاقب عليه على الأقل، فالمحرض الصوري وفاعل الجريمة يساهمان ماديًا في تحقيق الجريمة محل التحريض، وذلك لأن سلوك كل منهما يعد سببًا في تحقيق نتيجة إجرامية واحدة.

ومن خلال ما سبق؛ فإن تداخل المحرض الصوري في الجريمة ليس من شأنه أن يؤثر في كفاءة الفعل بنفيها؛ وبالتالي صحة الاتجاه الذي يرى أن تداخل المحرض الصوري يؤدي الى قيام الجريمة.

٢- أثر التحريض الصوري على مقدار العقوبة:

يختلف أثر التحريض الصوري على العقوبة بحسب الظروف المشددة والظروف المخففة، وذلك فيما يلي:

  • التحريض الصوري والظرف المشدد للعقوبة:

يُعد تعدد الفاعلين في الجريمة ظرفًا مشددًا للعقاب كقاعدة عامة في بعض التشريعات الجنائية، في حين لا يُعد كذلك في أغلب التشريعات الجنائية، وإنما تجعل منه ظرفًا مشددًا في بعض الجرائم، ومن هذه التشريعات قانون العقوبات الأردني، إذ لا يُعد تعدد الجناة ظرفًا مشددًا عامًا، وإنما يعد ظرفًا مشددًا خاصًا في بعض الجرائم، كجريمة السرقة المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني، وفيما عدا حالات تشديد العقوبة التي نص عليها المشرع الأردني لتعدد الجناة، فإن عقوبة الفاعلين الأصليين في حال التعدد تكون مساويةً لعقوبة الفاعل المنفرد.

ويثور التساؤل هنا حول هل يدخل المحرض الصوري في عداد المساهمين في الجريمة، وبذلك يتوافر الظرف المشدد لعقوبة فاعل الجريمة أم لا؟

 فقد انقسم الفقه الجنائي إلى اتجاهين، هما: الاتجاه الأول: “يرى أن عدد المساهمين في الجريمة يقتصر على الفاعلين الآخرين دون المحرض الصوري، أي أن المحرض الصوري لا يدخل ضمن عدد المساهمين في الجريمة؛ وبالتالي فإن الظرف المشدد لا يتوافر في حال تداخل المحرض الصوري في الجريمة”([6]).

أما الاتجاه الثاني: فيرى أن عدد المساهمين في الجريمة يتضمن المحرض الصوري؛ وبالتالي فإن الظرف المشدد لعقوبة فاعل الجريمة يُعد متوافرًا في حال تداخل المحرض الصوري في الجريمة.

وقد اتجهت محكمة التمييز الأردنية في بعض القضايا التي عرضت عليها في موضوع التحريض الصوري والتي كانت تتعلق بمسؤولية فاعل الجريمة، ولم تلاحظ فيها وجود تحريض لفاعل الجريمة من قبل رجال السلطة إلى تقرير مسؤوليته دون تشديد لعقوبته، وذلك لأنها لم تُعِد المحرض الصوري مساهمًا في الجريمة لتتجه إلى بحث مدى انطباق الظرف المشدد الخاص بتعدد المساهمين في الجريمة.

  • التحريض الصوري والظرف المخفف للجريمة:

“يرى جانب من الفقه الجنائي أن فاعل الجريمة يستفيد من الظرف المخفف للعقوبة في حالة تداخل المحرض الصوري في الجريمة، ذلك أن المحرض الصوري ولتداخله في الجريمة يكون قد ساهم في إحداث النتيجة الإجرامية، ويرى أن توافر الظرف المخفف لفاعل الجريمة يجد سنده القانوني في نشاط، أو سلوك المحرض الصوري غير المشروع بصفته أحد رجال السلطة العامة الذي أدى إلى إساءة مركز فاعل الجريمة؛ وعليه فإن نشاط المحرض الصوري غير المشروع يعد ظرفًا مخففًا لعقوبة الفاعل لمساهمته في إحداث النتيجة الإجرامية، ويرى البعض أن نشاط المحرض الصوري الذي تداخل به في الجريمة هو نشاط مشروع بطبيعته، إلا أنه قد يساهم في إحداث النتيجة عند مباشرة المحرض الصوري لأعمال وظيفته التي تظهر إرادة الدولة؛ ولذلك يمكن تطبيق الظرف المخفف الخاص بالتدخل بفعل عمدي من جانب المحرض الصوري على فاعل الجريمة”([7])

٣- أثر التحريض الصوري على إجراءات الضبط:

اختلقت آراء الفقهاء حول أثر التحريض الصوري على إجراءات الضبط إلى اتجاهين هما:

  • الاتجاه الذي يرى بطلان إجراءات الضبط لعدم مشروعية التحريض الصوري:

يرى جانب من الفقه الجنائي أن التحريض الصوري يعد أسلوبًا منافيًا للأخلاق، وتتعارض مع واجبات رجال السلطة العامة في مكافحة الجريمة ومنع وقوعها، فمتى كان هناك تحريض على الجريمة من رجال السلطة العامة؛ فإن إجراءات الاستدلال تكون باطلةً لا أثر لها، ولا يعتد بها في الإثبات. ذلك أن التحريض هو أمر غير مشروع ومخالف للقانون بغض النظر عن نوع التحريض

  • الاتجاه الذي يرى صحة إجراءات الضبط والاستدلال استنادًا إلى مشروعية التحريض الصوري:

وعلة عدم مسؤولية المحرض الصوري أن إجراءات الاستدلال المبنية على التحريض الصوري صحيحة لمشروعية النشاط الصادر عن رجال السلطة العامة والكاشف للجريمة، خصوصًا الجرائم التي تمس بالاقتصاد القومي، كمحاولة اكتشاف المواد المحتكرة، أو حيازة الأموال المهربة، أو ضبط المتلاعبين بالتسعيرة، فبالرغم من اتباع رجال السلطة العامة هذا الأسلوب في الكشف عن هذه الجرائم، غير أن الأرجح لديهم هو إجازة التحريض الصوري.

  • موقف القضاء الأردني من أثر التحريض الصوري على إجراءات الضبط:

فقد قضت محكمة التمييز الأردنية على أنه: “إذا رتب رجال الأمن الوقائي الأمر مع المشتكي والمتهم الثاني للتأكد من صحة إخبار الشكوى؛ فإن هذا الأمر يخالف الواجب الوظيفي لرجال الأمن العام كضابطة عدلية، إذ إن واجب أفراد الأمن العام حفظ الأمن والنظام والحيلولة دون وقوع الجرائم بحسن تطبيق القانون، وملاحقة المجرمين، وتعقبهم، وليس من واجبات أفراد الأمن العام التخطيط لاختلاق الجرائم، وتسهيل حصولها للإيقاع بمرتكبيها”

سابعًا: عقوبة التحريض في القانون الأردني:

لقد نصت (المادة 81) من قانون العقوبات الأردني على أنه: “يعاقب المحرض والمتدخل:

١- الأشغال الشاقة المؤبدة أو بالأشغال الشاقة من عشرين سنة إلى خمسة وعشرين سنة إذا كانت عقوبة الفاعل الإعدام. وبالعقوبة ذاتها عشرين سنة إذا كانت عقوبة الفاعل الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد.

٢- وفي الحالات الأخرى يُعاقب المحرض والمتدخل بعقوبة الفاعل بعد أن تخفض مدتها من السدس الى الثلث.

٣- إذا لم يفض التحريض على ارتكاب جناية أو جنحة إلى نتيجة خفِضت العقوبة المبينة في الفقرتين السابقتين من هذه المادة إلى ثلثها”.

 وتتخذ عبارة عدم إفضاء التحريض إلى نتيجة الصور الآتية:

١- حالة ما إذا لم يلق التحريض استجابةً، أي عدم قبول الشخص الموجه إليه التحريض بالفكرة الجرمية

٢- حالة قبول التحريض ثم عدم اقتراف نشاط مادي تنفيذا للجريمة.

3- حالة إتيان من اتجه إليه التحريض نشاط مادي لا يعاقب عليه القانون كعمل تحضيري أو بدء في التنفيذ لا عقاب عليه.

ونؤيد من جانبنا العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني بشأن جريمة التحريض، وذلك لما له من دور كبير في انتشار الجريمة بالمجتمع، وإلحاق الضرر بالآخرين والمجتمع بشكل عام، كما أنه يُعتبر المحرك الأساسي في ارتكاب الجريمة، خاصةً عندما لا يكون لدى الجاني اتجاه إلى ارتكاب جريمة بحق غيره وإحداث نتيجة، ولكن عندما جاء المحرض حركه على الجريمة، ولذلك نؤيد من جانبنا أن المحرض يستحق كل صور العقاب المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بالتحريض الصوري في القانون الأردني

ماورد في الحكم رقم (18537) لسنة 2017م-الصادر من محكمة استئناف عمان- 7/5/2017م-بمانصه على أنه:” وبتطبيق هذا النص القانوني على واقعه الدعوى، نجد أن منظمي الضبط هو من قام بإعداد هذا البيت واستدراج المستأنف ضدها …….. إلى ذات البيت بغيه إلقاء القبض عليها وتوفير الدليل لإحالتها إلى القضاء؛ وبالتالي فإن ما قام به رجال الضبط العدلية من تحريض وحمل المستأنفة إلى الذهاب إليها يعتبر عملًا باطلًا ويدخل في مجال التحريض الصوري من قبل رجال الضابطة العدلية، وأنه لا ينبغي لرجال السلطة العامة حمل الناس على ارتكاب الجرائم، واستدراجهم، لهذا وتأسيسًا على ما تقدم، وعملًا بأحكام (المادة 267) من قانون أصول المحاكمات الجزائية نقرر رد الاستئناف موضوعًا، وتأييد القرار المستأنف وإعادة”.

وما ورد في الحكم رقم( 22021) لسنة2016م -الصادر من محكمة صلح جزاء عمان- الصادر بتاريخ ٥/٣/٢٠١٦م بما نصه على أنه: “وبتطبيق القانون على وقائع الدعوى تجد المحكمة أن المشتكى عليه، وإن كان قد استلم مبدئيًا طلب إرسال البعثية من منظمي الضبط إلا أن هذا الفعل لم يكتمل لوجود عطل بالنظام والذي ثبت من خلال البينة المقدمة في هذه الشكوى وخاصة من خلال شاهدي الدفاع بأن النظام كان معطلًا بعد حدوث التعديلات القانونية بعدم قانونيه استلام هذه الإرساليات إلا من الجهات المرخصة لها قانونًا حيث لم يتم فعل استلام الإرساليات البريدية بحق المشتكى عليه.

هذا من جهة أخرى تجد المحكمة أن منظم الضبط …………… قام بدور أحد المراجعين للمشتكى عليه طالبًا تقدم خدمه بريديه من قبله ذلك لغايات إثبات الفعل المسند للمشتكى عليهما دون أن يوضح للشركة أنه منظم ضبط وأنه من رجال الضابطة العدلية، ولم يعرف عن نفسه، وعن سبب وجوده الحقيقي الأمر تجد معه المحكمة من هذا التصرف تجاوزًا من قبل منظمي الضبط في تطبيق أحكام القانون وحمايه المجتمع من الجرائم والحيلولة دون وقوعها، وأن ما قام به منظمي الضبط باتخاذ صفه المحرض الصوري يُعد مخالفةً صريحةً لأحكام القانون، كما أن الشاهد …….. أفاد أنه لم يكن على واقعة المخالفة كون أن زميله …………. هو من قام بدور بمراجعة المشتكى عليه لضبطه أثناء المخالفة الأمر الذي تجد معه المحكمة بأن فعل المشتكى عليه غير مجرم ولا يستوجب عقابًا”

وما ورد في الحكم رقم (1495) لسنة 2008م -الصادر من محكمة تمييز جزاء- بتاريخ١٢/٢/٢٠٠٩م بما نصه على أنه: “بتطبيق القانون على وقائع الدعوى، وعدم الأخذ بشهادة الشاهد ……….واستبعاد الأدلة التي قام بجمعها رجال الأمن العام، وفي ذلك نجد أن محكمة الاستئناف وبصفتها محكمة موضوع توصلت إلى أن رجال الأمن العام وضابط المخابرات العامة ……….. وبعد أن أخبروا بالموضوع فقد رتبت الأمر مع المتهم……. لاستدراج المتهم……. قبل وقوع الجرم وإتمام حصول الجريمة المنسوبة إليه، وذلك بتسليم المتهم…….. مبلغ المائتي دينار بعد تصوير فئاتها ليقوم بدفعها وتسليمها للمتهم …. قيامهم بمثل هذه الأفعال يخالف الواجب الوظيفي لرجال الأمن العام وضابط المخابرات العامة، إذ إن واجبهم هو حفظ الأمن والنظام والحيلولة بكل الوسائل دون وقوع الجرائم بحسن تطبيق القانون وملاحقة المجرمين وتعقبهم وليس من واجباتهم التخطيط لاختلاق الجرائم وتسهيل حصولها للإيقاع بمرتكبيها؛ وبالتالي فان تسليم المبلغ النقدي للمتهم المميز ضده ……… لم يكن بمعرفة المتهم …….. وإنما بمعرفة رجال الأمن العام، وبتخطيط مسبق منهم، وحيث إن محكمة الاستئناف توصلت لذات النتيجة فان قرارها واقع في محله ومتفقًا مع أحكام القانون وما ورد بهذه الأسباب لا يرد على القرار المميز وتكون مستوجبة الرد”

إعداد: محمد محمود

[1] د. محمود نجيب حسني، المساهمة الجنائية في التشريعات العربية، (ص٢٨٧).

[2] د. نبيه، المحرض الصوري، (ص١١).

[3] د. مأمون محمد سالمة، المحرض الصوري، تداخل رجال السلطة والمرشدين في الجريمة، (ص٨٦).

[4] د. أحمد بن عبد الفتاح الحازمي، استدراج المتهم لإثبات الجرم، (ص١٤٦).

[5] د. الفتاح الصيفي، الاشتراك بالتحريض ووضعه من النظرية العامة للمساهمة الجنائية، (ص٣٦٠)

[6] د. علي عيد الغنيمات، و محامي في الأردن ، التحريض الصوري، (ص١٤٢).

[7] د. أحمد المجذوب، التحريض الصوري، (ص٥٧٠).

Scroll to Top