صلاحية المحكمة في تقدير ووزن البينات

صلاحية المحكمة في تقدير ووزن البينات

إن مهمة القضاء مهمة سامية مقدسة غايتها إرساء العدالة وتحقيق المساواة بين الناس، والمساواة بين الناس يعني أن يكونوا على حد سواء في تمثيلهم أمام القضاء أو في طرحهم للأدلة ومناقشتها واستنباط الحقيقة منها بتبصر وحسن تفنيد، وفي هذا المقال سنتطرق لجانب من جوانب حيادة القضاء من خلال فهم صلاحية المحكمة في تقدير ووزن البينات وسنتناول ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: التعريف بالأدلة والسلطة التقديرية

ثانيًا: آليات ممارسة السلطة التقديرية للمحكمة

ثالثًا: تباين سطلة المحكمة في موازنة الأدلة المختلفة

رابعًا: تطبيقات قضائية

أولًا: التعريف بالأدلة والسلطة التقديرية

1- الأدلة

الأثبات القضائي هو عبارة عن الفصل بين فرقاء على حق يدعيه طرف وينكره طرف[1] ويكون ذلك عن طريق الأدلة، ويمكن تعريف الأدلة بأسلوب مبسط بأنها عبارة عن الوسائل المستخدمة لإثبات حق أو دفع ادعاء، والأدلة ليس على درجة واحدة من حيث القوة في الإثبات فنجد المحررات الرسمية تعتلي هرم الأدلة ويتبعها الشهادة وغيرها من الأدلة التي سنتعرض لها في هذا المقال بمناسبة مناقشتنا لسلطة القاضي في تقدير البينات. وقد نصت المادة (2) من قانون البينات الأردني على ( تقسم البينات إلى:- 1- الأدلة الكتابية. 2- الشهادة. 3- القرائن. 4- الإقرار. 5- اليمين. 6- المعاينة والخبرة.)

ويتبين من ذلك أن محل الإثبات ليس هو الحق المدعى به شخصيا، إنما يرد الإثبات على التصرف القانوني أو الواقعة القانونية باعتبارها مصدرا للحق أو الالتزام، ومقتضى ذلك قد يعجز صاحبه عن إثبات الواقعة القانونية المنشئة له، فيتجرد الحق من قيمته ويصبح عديم النفع من الناحية العملية[2]. فعلى سبيل المثال لإثبات تملك شخص لشيء نثبت البيع كسبب من أسباب نقل الملكية.

ويعتبر التشريع الأردني من التشريعات التي أخذت بالمذهب المختلط في الإثبات فالقاضي تحكمه مجموعة من الضوابط يلتزم بها وتطلق يده في تقدير بعض الأدلة الأخرى، وفي الأسطر القادمة سنسلط الضوء على تلك الأدلة وسلطة القاضي في تقديرها.

2- السلطة التقديرية

يمكن تعريف السلطة التقديرية للقاضي بأنها إعمال نظره للوصول إلى حكم أو قرار أو إجراء مناسب تنفيذًا لمقصد التشريع، مما لا نص فيه أو كان النص فيه محتمل. فهي في الأساس عملية فكرية تهدف للوصول للحقيقة فيما لا يجزمه نص.

ثانيًا: آليات ممارسة السلطة التقديرية للمحكمة

إن ممارسة السلطة التقديرية للمحكمة وإن كان شكلًا من أشكال الاتجاه الحر في الإثبات إلى أنها تظل مقيدة بمجموعة من الآليات التي يجب عليها إتباعها أثناء إعمالها للسلطة التقديرية.

1- الحرية

إن المحكمة في ممارسة سلطتها التقديرية لها مطلق الحرية في موازنة الأدلة المقدمة طالما أن طالما أن تلك الأدلة تقبل الترجيح والتفضيل فيما بينها وكما سنتعرف في السطور القادمة.

2- اتباع قواعد القانون الطبيعي وقواعد العدالة

المحكمة عند استعمالها لسلطتها التقديرية فإنها تلتزم بالقواعد المكتوبة وكذلك هناك نوعين من القواعد غير المكتوبة واللذان يجب على المحكمة أن تضعهما في الاعتبار ألا وهما قواعد القانون الطبيعي وقواعد العدا التقديرية. يخلق معيارً مجردً وهو غاية السلطة التقديرية[3].

فالقانون الطبيعي عبارة عن مجموعة القواعد الأخلاقية والموجودة من قبل القانون الوضعي يفطر عليها الإنسان الباحثة عن المثالية، وقواعد العدالة عبارة عن ميزان العقل السليم لأفيه. الأمور بدون محاباة لطرف من الأطراف، ويمكنا القول إن هذا الضابط يعبر عن الضمير الإنساني للمحكمة مترجم في نص الحكم.

3- التسبيب الوافي

قلنا أن أي نظام قضائي لابد أن لا يخلو من مبادئ العدل والمساواة فبهما يطمأن الفرد للجوء لقاضيه ونزع النزعة الهمجية بداخله للحصول على حقه، وحيث أن تسبيب الأحكام من الضوابط الأساسية لكتابة الأحكام عامة فإنه يزيد طلبه في تلك الأحكام التي تعتمد على سلطة تقديرية للمحكمة علة ذلك أن المحكمة في هذه الحالة قد تكون اعتمدت على أدلة معينة وطرحت غيرها مما يجعل الحكم غامضًا حال عدم سرده للوقائع تفصيلًا وللأدلة التي أعتمد عليها في الحكم، مما قد يثير الريبة في نفوس المتقاضين، وفي ذلك نصت المادة (4/2) من قانون البينات الأردني على (على المحكمة تسبيب أي قرار تصدره يتعلق بإجراءات الإثبات).

فإذا انتهى إلى الحل الذي يجده متفقا والقانون الوضعي ومتماشيا مع العدالة، يبدأ في مهمة تأسيس قراره وكيفية إخراجه وإلباسه ثوب العمل القضائي الذي يقترن بحجية الشيء المقضي فيه[4].

4- الاستدلال المنطقي

ويتبع القاضي منهجية خاصة عند البحث عن حل للمنازعة وذلك بالالتجاء إلى وسائل منطقية للفهم والإدراك للمنازعة بالرجوع إلى أسس وبناءات قانونية منطقية وإلى الفن القانوني بما قد يتضمنه من الصورية والحيل والقرائن والمعايير والضوابط القانونية. ولا شك أن هذه الأسس والبناءات والفنيات المنطقية والقانونية تساعد القاضي في إعمال نشاطه التقديري لإيجاد حل للمنازعة حيث يتوصل القاضي بفضل هذه الوسائل القانونية والمنطقية إلى حل للمنازعة[5].

فالاستنباط الجيد يعني منطقية الوصول للنتيجة من خلال مجموعة المعطيات الموجود في طيات ملف الدعوى، فعلى سبيل المثال لا يعد استنباط سليمًا اعتبار شخص من الأشخاص مدركًا متحملًا مسؤولية تعاقداته لمجرد وجوده حيًا وقت أبرام العقد دون الأخذ في الاعتبار أن عمره وقتها كان خمس سنوات أي ما دون المميز.

ثالثًا: تباين سطلة المحكمة في موازنة الأدلة المختلفة

المحكمة كما بينا بصدر المقال لها سلطة موازنة الأدلة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه السلطة ممتدة لتشمل جميع الأدلة؟ أم أن هناك من الأدلة ما يغل يد المحكمة عن ممارسة سلطتها التقديرية عليها؟، وسنبين ذلك من خلال الأسطر القادمة بعرض الأشكال المختلفة للأدلة وسلطة المحكمة عليها.

1- الأدلة الكتابية

الأدلة الكتابية هي أقوى أنواع الأدلة التي يمكن الاستناد عليها في إصدار الأحكام لما لها من دلالة قطعية على ثبوت الواقعة في حالة صحتها ففيها يضيق نطاق سلطة القاضي التقديرية، وفي ذلك نصت المادة (5) من قانون البينات نصت على (الأدلة الكتابية هي:- 1- الأسناد الرسمية.2- الأسناد العادية. 3- الأوراق غیر الموقعة.) وسنبين دور المحكمة في كلًا منها.

أ- السند الرسمي

1- تعريفه

هو المستند الذي يصدر عن موظف عام مختص بواسطته أو تحت إشرافه بالطريق الذي رسمه القانون، وفي ذلك نصت المادة )6/1) من قانون البينات الأردني على (أ- السندات التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية ويحكم بها دون أن يكلف مبرزها إثباته ما نص عليه فيها ويعمل بها ما لم يثبت تزويرها، ب- السندات التي ينظمها أصحابها ويصدقها الموظفون الذين من اختصاصهم تصديقها طبقاً للقانون ، وينحصر العمل بها في التاريخ والتوقيع فقط).

2- سلطة المحكمة في تقديره كدليل

بخصوص المستندات المحررة كلها بمعرفة الموظف العام فالمحكمة ليس لها سلطة تقديريه في تقبلها كدليل للإثبات طالما لم يثبت تزويرها، وفي ذلك نصت المادة  (7/1) من قانون البينات الأردني على (تكون الأسناد الرسمية المنظمة حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بھا الموظف العام في حدود اختصاصه ،أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانونا)

أما بخصوص المستندات المحررة بمعرفة الموظف العام ويوجد بها بيانات مدلاة بواسطة أصحابها فالمحكمة لها سلطة تقديريه فيما ورد من أقوال لأصحاب المستند إذا ما تم طرح ما يخالف تلك الأقوال أمام المحكمة، وفي ذلك نصت المادة  (7/1) من قانون البينات الأردني على (أما ما ورد على لسان ذوي الشأن من بينات فيعتبر صحیحا حتى يقوم الدليل على ما يخالفه)

3- عدم استيفاء المستند الرسمي لشروطه

إن عدم استيفاء المستند الرسمي لشروطه يسلبه قوته المقيدة للمحكمة في استعمال سلطتها التقديرية في مناقشة المستند كدليل فتضحى كالمستند العادي يكون مقبولًا طالما لم يظهر ما يخالفه، وفي ذلك نصت المادة (6/2) من قانون البينات الأردني على (ذا لم تستوف هذه الأسناد الشروط الواردة في الفقرة السابقة فلا یكون لها إلا قيمة الأسناد العادية بشرط أن یكون ذوو الشأن قد وقعوا علیھا بتواقیعھم أو بأختامھم أو ببصمات أصابعھم).

4- صورة المستند الرسمي

الصورة قد تأخذ نفس حجية المستند الأصلي وقوتها في التقليص من سلطة المحكمة التقديرية ونفرق بين الصورة الأولى والصورة المأخوذة من الصورة الأولى واللتان تأخذان نفس حكم المستند الرسمي إذا صدرا عن موظف عام أما الصورة المأخوذة من الصورة الثانية فتكون على سبيل الاستئناس فتقع تحت السلطة التقديرية للمحكمة، وفي ذلك نصت المادة (8) من قانون البينات الأردني على (اذا كان اصل السند الرسمي موجودا فان الصور الخطیة والفوتوغرافیة التي نقلت منه وصدرت عن موظف عام في حدود اختصاصه تكون لها قوة السند الرسمي الأصلي بالقدر الذي یعترف فيه بمطابقة الصورة للأصل)، وكذلك المادة (9) من قانون البينات الأردني نصت على (اذا لم يوجد اصل السند الرسمي كانت الصورة الخطیة أو الفوتوغرافية حجة على الوجه الآتي:- 1- یكون للصورة الأولى قوة الأصل اذا صدرت عن موظف عام مختص وكان مظهرها الخارجي لا يتطرق معه الشك في مطابقتھا للأصل.2-ویكون للصورة الخطیة أو الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الأولى نفس القوة اذا صدرت عن موظف عام مختص یصادق على مطابقتھا للأصل الذي أخذت منه ويجوز لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة هذه الصورة على الأولى على أن تتم المراجعة في مواجهة الخصوم.3- أما الصورة المأخوذة عن الصورة الثانیة فیمكن الاستئناس بھا تبعا للظروف)

أ- السند العادي

1- تعريفه

هو المستند الذي يصدر عن صاحبه مزيل بتوقيعه أو خاتمه أو بصمته ولا يحمل صفة الرسمية، وفي ذلك نصت المادة  (10) من قانون البينات الأردني على (السند العادي ھو الذي یشتمل على توقیع من صدر عنه أو على خاتمه أو بصمة أصبعه ولیست له صفة السند الرسمي.)

2- سلطة المحكمة في تقديره كدليل

والمحررات العرفية تعتبر حجة على الطرفين من حيث صدورها ممن وقعها ثم هي حجة من حيث البيانات المدونة فيها ما لم يطعن فيها بالإنكار، أما بالنسبة للغير فإن السند لا يكون حجة على غير المتعاقدين إلا إذا كان تاريخه ثابتا ثبوتا رسميا[6]، فالمحكمة تتقيد في استعمال سلطتها التقديرية إذا ما طرح أمامها المحرر العرفي فيما بين أطرافه بإقرارهم بصحة توقيعهم عليه أو عدم الدفع بالجهالة به من قبل الورثة في حالة الوفاة وبالنسبة للغير فتتقيد المحكمة بكون المحرر مثبت التاريخ. وقد نظم ذلك المشرع الأردني من خلال مواد قانون البينات فقد نصت المادة (12) منه على:-

1- لا یكون السند العادي حجة على الغیر في تاريخه إلا منذ أن یكون له تاريخ ثابت.

2- ویكون له تاريخ ثابت:-

أ – من یوم أن یصادق عليه الكاتب العدل .

ب – من یوم أن یثبت مضمونه في ورقة أخرى ثابتة التاریخ رسمیاً.

ج – من یوم أن یؤشر علیه قاض أو موظف مختص.

د – من یوم وفاة أحد ممن لھم على السند أثر ثابت أو معترف فيه من خط أو توقیع أو ختم أو بصمة أصبع أو من یوم أن یصبح مستحیلا على أحد ھؤلاء أن یكتب أو یبصم لعلة في جسمه.) أما في حالة عدم ثبوت صحة الورقة فإن ذلك لا يمنع أن يكون مضمون الورقة صحيحًا وحين إذ يعود للمحكمة السلطة التقديرية في ممارسة سلطتها للوصول للحقيقة من خلال الأدلة الأخرى المتاحة لديها.

2- الشهادة

الشهادة هي وسيلة من وسائل الإثبات في المعاملات الغير تعاقدية والتعاقدية المستثناة بموجب نص المادة (28/2/ ب) من قانون البينات الأردني والتي نصت على (مع مراعاة أحكام أي قانون خاص یجوز الإثبات بالشھادة في الالتزامات التجاریة مھما بلغت قیمتھا وفي الالتزامات المدنية إذا لم تزد قيمتها على مئة دينار).

وسلطة المحكمة التقديرية في الشهادة كأحد البينات تتسع حيث إنها غير ملزمة بالأخذ بها طالما أنها لم تطمأن لها أو لم تجد من القرائن ما يدعمها، وفي ذلك نصت المادة (34) من قانون البينات الأردني على ( 1- للمحكمة أن ترجح بینة على أخرى وفاقا لما تستخلصه من ظروف الدعوى.2- لا یجوز للمحكمة أن تصدر حكما في أیة قضیة بالاستناد إلى شھادة شاھد فرد إلا إذا لم یعترض علیھا الخصم أو تأیدت ببینة مادیة أخرى ترى المحكمة أنھا كافیة لإثبات صحتھا)

3- القرائن

القرينة هي عملية الوصول لأمر مجهول من خلال أمر معلوم وهي أما أن تكون استنباطات فردية لمحكمة الموضوع من خلال تعرضها لموضوع النزاع وأما أن تكون قانونية نص عليها القانون وفي الأسطر القادمة سنتعرف على مدى سلطة المحكمة التقديرية في كلًا منهما.

أ- القرينة القانونية

القرينة القانونية لها أهمية في مجال الأثبات فهي مسألة تخضع لرقابة محكمة النقض ، ذلك لأن المحكمة إذا اتكأت على قرينة ضعيفة فإن حكمها يشوبه النقض من حيث الخطأ في تطبيق القانون، وأما إذا لم تتح الفرصة للخصم إثبات عكس هذه القرينة فإنها تكون قد أخلت بحقوق الدفاع[7].

القرينة القانونية تحد من سلطة المحكمة التقديرية ما لم تنقض بالدليل العكسي من الخصم، وفي ذلك نصت المادة (40) من قانون البينات الأردني على ( القرینة التي ینص علیھا القانون تغني من تقررت لمصلحته عن أیة طریقة أخرى من طرق الإثبات على أنه یجوز نقض ھذه القرینة بالدلیل العكسي ما لم یوجد نص یقضي بغیر ذلك.)

ب- القرينة القضائية

 نصت المادة (43) من قانون البينات الأردني على (1- القرائن القضائیة ھي القرائن التي لم ینص علیھا القانون ویستخلصھا القاضي من ظروف الدعوى ویقتنع بان لھا دلالة معینة ویترك لتقدیر القاضي استنباط ھذه القرائن .2- لا یجوز الإثبات بالقرائن القضائیة الا في الأحوال التي یجوز فیھا الإثبات بالشھادة.)، ويلاحظ من نص المادة أن سلطة المحكمة التقديرية تتسع في القرائن القضائية وتقبل ما دامت مبنية على أسباب سائغة.

4- الإقرار

عرفت المادة (44) من قانون البينات الأردني الإقرار حيث نصت على ( الإقرار ھو إخبار الإنسان عن حق علیه للآخر.)، والإقرار نوعان إما قضائي وعرفته المادة (45) من قانون البينات الأردني والتي نصت على (الإقرار القضائي ھو اعتراف الخصم أو من ینوب عنه اذا كان مأذوناً له بالإقرار بواقعة ادعى بھا علیه وذلك أمام القضاء أثناء السیر في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة) وإما غير قضائي وعرفته المادة (46) من قانون البينات الأردني والتي نصت على  ( الإقرار غیر القضائي ھو الذي یقع في غیر مجلس الحكم أو یقع في مجلس الحكم في غیر الدعوى التي أقیمت بالواقعة المقر بھا)

والإقرار بنوعيه يؤثر على سلطة المحكمة التقديرية حيث يحد منها، ولكن في مواجهة المقر فقط لأن حجته تكون عليه دون غيره وفي ذلك نصت المادة (51) من قانون البينات الأردني على (الإقرار حجة قاصرة على المقر).

5- اليمين

اليمين نوعان أما أن تكون بناء على طلب من أحد الخصوم ( اليمين الحاسمة ) وأما أن توجها المحكمة من تلقاء نفسها في الحالة الواردة حصرًا بالقانون.

أ-اليمين الحاسمة

نصت المادة (53) من قانون البينات الأردني على(1- الیمین الحاسمة ھي التي یوجھھا أحد المتداعین لخصمه لیحسم بھا النزاع .2- ویجوز للمحكمة من تلقاء نفسھا أن تفھم الخصم أن من حقه توجیه الیمین في حال عجز أحد طرفي الدعوى عن إثبات دعواه أو دفعه)

وفي هذه الحالة فلا يكون للمحكمة أي سلطة تقديرية حيث إن الاحتكام يكون لما تنتجه اليمين حيث يكسب من طلب منه الحلف إذا حلف ويخسر إذا نكل عن الحلف.

ب- اليمين التي توجها المحكمة من تلقاء نفسها

 نصت المادة (54/2) من قانون البينات الأردني على( على المحكمة من تلقاء نفسھا تحلیف الیمین في أي من الحالات التالیة:

أ . إذا اثبت أحد ادعاءه بحقه في التركة فتحلفه المحكمة على انه لم یستوف بنفسه أو بواسطة غیره ھذا الحق من المیت ولم یبرؤه منه ولم یحله على غیره ولم یستوف دینه من الغیر ولم یكن للمیت رھن مقابل ھذا الحق.

ب. إذا استحق أحد المال واثبت ادعاءه تحلفه المحكمة على انه لم یبع ھذا المال ولم یھبه لاحد ولم یخرجه من ملكه باي وجه من الوجوه .

ج. إذا أراد المشتري رد المبیع لعیب فیه تحلفه المحكمة انه لم یرض بالعیب صراحة أو دلالة .

د. إذا اثبت طالب الشفعة دعواه تحلفه المحكمة بانه لم یسقط شفعته باي وجه من الوجوه.)

واليمين في هذه الحالة ليس حاسمًا للنزاع، ولكن يجوز مناقشته إذا ما عرض الخصم دليلًا أقوى يثبت عكس ما حلف عليه المدعي فتعود حينها السلطة التقديرية للمحكمة في الموازنة بين البينات المختلفة وإصدار الحكم طبقًا لما تستقر عليه قناعتها.

رابعًا: تطبيقات قضائية

عن الأسباب من الأول ولغاية الخامس والتي تخطئ فيها الطاعنة محكمة الاستئناف عندما استندت إلى بينات مقدمة خارج المدة القانونية وأن قرارها شابه الفساد في الاستدلال ولم يرتكز على أساس قانوني وإن المميز ضدها لم تثبت دعواها.

وفي ذلك نجد أن المبادئ التي انعقد عليها إجماع الفقه والقضاء أن قاضي الموضوع حر في تقدير الدليل المقدم إليه يأخذه إذا اقتنع به ويطرحه إذا تطرق الشك إلى وجدانه وأنه ليس لمحكمة التمييز أن تستأنف النظر بالموازنة والترجيح والتعديل فيما يكون قد قدمه الخصوم للمحكمة من دلائل وبينات وإثبات لوقائع الدعوى أو نفيها ، إلا أنه من المتفق عليه أيضاً أن يستثنى من هذا المبدأ أن يكون ما توصلت إليه محكمة الموضوع ليس له ما يؤيده في بينات الدعوى أو تكون محكمة الموضوع قد استندت إلى أدلة وهمية لا وجود لها في أوراق الدعوى .

ولما كان من الثابت من خلال وقائع الدعوى والبينات المقدمة فيها أن المدعية تعمل في مجال التأمين والمدعى عليها أمنت لدى المدعية تأميناً صحياً جماعياً وتأمين حريق وتأمين بحري وتأمين على المركبات وأن وثائق التأمين التي تم إبرامها بين الطرفين صدرت لمصلحة المدعى عليها وأنه ونتيجة لهذا التعامل الذي استمر لعدة سنوات كما هو ثابت من خلال كشف الحساب الصادر عن المدعية والذي تم إبرازه من خلال منظمه وما ورد على لسان الشاهدين كل من محمد اللحام ومحمود الخطيب أنه قد ترتب بذمة المدعى عليها المبلغ المدعى به .

وبما أن محكمة الاستئناف قد استندت لهذه البينة القانونية التي لم يرد عكسها وما يناقضها والتي قدمت بصورة أصولية وغير مخالفة للقانون وخلال المدة القانونية وقامت بمناقشة هذه البينة فإن ما توصلت إليه يكون موافقاً للقانون مما يجعل من أسباب الطعن غير واردة على القرار المطعون فيه ويتعين ردها[8].

وفي ذلك نجد أنه من المبادئ التي انعقد عليها إجماع الفقه والقضاء أن قاضي الموضوع يملك سلطة واسعة في تقدير الدليل المقدم أمامه يأخذه إذا اقتنع به ويطرحه إذا تطرق الشك إلى وجدانه وأنه ليس لمحكمة التمييز أن تستأنف النظر بالموازنة والترجيح والتعديل في ما يكون قد قدمه الخصوم للمحكمة من الدلائل والبينات إثباتاً لوقائع الدعوى أو نفيها ، ويستثنى من هذا المبدأ أن يكون ما توصلت إليه محكمة الموضوع ليس له ما يؤيده في بينات الدعوى أو أن محكمة الموضوع استندت إلى دليل أو بينة وهمية لا وجود لها.

ولما كان من الثابت من خلال أوراق وبينات الدعوى أن المدعى عليه كان قد وقع الطلب موضوع المسلسل (3) من بينات المدعية وتمكن من خلال ذلك من الحصول على بطاقة أمريكان اكسبرس تمكنه من سحوبات نقدية من الصراف الآلي و/أو لتغطية مشترياته ويتم تقييدها كدين في ذمته مضافاً إليها الفوائد والنفقات والعمولات والرسوم وأن المدعى عليه أقر من خلال توقيعه المثبت على الطلب والذي لم ينكره أقر بصحة قيود المدعية والتزاماتها وأنه يسقط حق الطعن فيها ، وأنه وبنتيجة استخدامه لتلك البطاقة ومن خلال الكشف موضوع المسلسل (2) من بينات المدعية والذي تأيد بشهادة الشاهد فايز نصار بجلسة 27/12/2020 وما ورد في المسلسل (4) من البينة ذاتها فإن المدعية تكون بذلك قد أثبتت صحة دعواها من خلال تلك البينات الأصولية الصالحة للإثبات ويكون ما توصلت إليه محكمة الاستئناف يتفق وأحكام القانون مما يتعين رد هذا السبب[9].

خامسًا: خاتمة

القاضي المدني يتمتع بسلطة تقديرية، ولكنها تعد محدودة نسبيًا إذا ما قورنت بتلك الممنوحة للقاضي الجنائي ذلك لأن القاضي المدني تقيده كما بينا في هذا المقال مجوعة من العوامل الاستنتاجية والترجيحية، فهو يعمل وفق معايير حيادية مرساة من مبدأ العدالة ويفند الأدلة والقرائن وينزل كلًا بمنزلته للوصول في نهاية الأمر لحكم مسبب صحيح الاستنباط غير مخالف للقانون.

وبينا أن هناك عدد من البينات التي تحد من سلطة المحكمة التقديرية في مناقشة دليل معين كالأوراق الرسمية والأوراق العرفية مثبته التاريخ غير المنكرة أو المدفوع فيها بالجهالة من ورثة صاحبها، وهناك أيضأ اليمين الحاسمة والتي يلجأ إليها المتقاضي في حال عجزه عن إثبات دعواه فتضحى المحكمة مجرد مراقب لإجرائها دون أي سلطة تقديرية منها في غض الطرف عنها، بل هي ملزمة بما ترتبه من نتيجة.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] عبد المنعم فرج الصدة، الإثبات في المواد المدنية، الطبعة الأولى، القاهرة: 1955 ، ص5

[2] قروف موسى الزین، سلطة القاضي المدني في تقدیر أدلة الإثبات، رسالة، جامعة محمد خیضر – بسكرة كلیة الحقوق والعلوم السیاسیة قسم الحقوق، 2013/2014 صـ21

[3] نبيل إسماعيل عمر، سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية: 2008، صـ181

[4] أحمد محمود سعد، مفهوم السلطة التقديرية للقاضي المدني، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، طبعة الأولى، 1988، صـ268

[5] قروف موسى الزین، سلطة القاضي المدني في تقدیر أدلة الإثبات، رسالة، جامعة محمد خیضر – بسكرة كلیة الحقوق والعلوم السیاسیة قسم الحقوق، 2013/2014 صـ44

[6] قروف موسى الزین، سلطة القاضي المدني في تقدیر أدلة الإثبات، رسالة، جامعة محمد خیضر – بسكرة كلیة الحقوق والعلوم السیاسیة قسم الحقوق، 2013/2014 صـ44

[7] – خليفة محمود عبد العزيز، النظرية العامة للقرائن في الإثبات الجنائي في التشريع المصري والمقارن، مطابع الطوبجي التجارية، مصر: 1987 ،ص 295.

[8] الحكم رقم 4472 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-11-14

[9] الحكم رقم 3927 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2021-10-24

Scroll to Top