الشكلية في العقود المدنية في القانون المدني
إن ركن الشكل في العقود قد يتطلبه القانون، أو قد تتفق عليه إرادة أطراف العلاقة، بأن يشترطون شكلًا أو إجراءً معينًا؛ لانعقاده، وهذه هي الشكلية بمعناها الضيق، حيث يوصف فيها العقد بأنه “عقد شكلي”، وقد لا تتضح ماهية الشكل المتطلب أو وظيفته القانونية من صياغة النص أو العبارة، ولإدراك الأمر؛ فلا بد من التعمق في البحث وراء الحكمة التشريعية أو الإرادية (للأفراد) من اشتراط الشكل، والمصلحة المراد حمايتها، والجزاءات المترتبة عليه. فلم تحظَ أحكام الشكل بمعناها الضيق، ولا بمعناها الواسع بالدراسة الكافية، إذ دائمًا يكتفي المؤلفين بالإشارة إليها ببعض الصفحات أو السطور أحيانًا في مؤلفات القانون المدني؛ لذا فقد كان واجبًا علينا تناول هذا الموضوع بالبحث والدراسة، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثالثًا: أنواع الشكلية في العقود
سادسًا: الآثار المترتبة على تخلف الشكل
سابعًا: السوابق القضائية الخاصة بالشكلية في العقود المدنية
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: ماهية العقود الشكلية
يمكن تعريف العقود الشكلية بأنها: “تلك التي يلزم لذات انعقاداها ورود الرضاء بها في شكل خاص محدد ومثالها الهبة والرهن الرسمي وبيع السفينة، والشكل الذي يتطلبه القانون لقيام العقود الشكلية ليس واحدًا فهو يندرج ما بين الورقة الرسمية والكتابة العرفية”([1]).
ثانيًا: مصادر الشكل
الشكل بصرف النظر عن نوعه ووظيفته، وأيًّا كانت خطورة الجزاء المترتب عليه، وسواء اقترن بالعقد منذ ولادته أو أثناء حياته، بل حتى لحظة انتهائه يجد دائمًا مصدره في القوانين الوضعية. ومع أن القانون هو المصدر الرئيسي للشكل، فيمكن للإرادة أيضًا أن تكون مصدرًا أخرًا للشكل، ونُبين ذلك على النحو التالي:
1. الشكل في القانون الأردني:
يبدو أن نصوص القانون المدني الأردني حسب الظاهر جاءت مشبعةً بالنزعة الشخصية، غير أنها في الواقع قد جاءت مزدحمةً بالعديد من النصوص والأحكام المتطلبة لأشكال وإجراءات عديدة، منها ما هو متطلب لانعقاد التصرف، ومنها ما هو لنفاذه أو إثباته وإقامة الدليل عليه، وسنحاول استعراض أهم هذه الأشكال في نظرة سريعة دون ذكر وظيفة الشكل المنصوص عليه أو الجزاء المترتب على مخالفته، سواء في نصوص القانون المدني الأردني أو القوانين الخاصة ذات الصلة، وفقًا لما يلي:
أ. القانون المدني الأردني:
لقد ورد في القانون المدني أشكال وإجراءات بعينها يتطلب تواجدها في العقود، نتناولها وفقًا للترتيب التي جاءت به على النحو التالي:
- الشكلية في العقود المرتبطة بالحقوق الشخصية:
فنجد المشرع في هذا الكتاب يقرر قاعدة الرضائية في العقود أصلًا عامًا، واعتبر الشكل استثناءً سواء كان مصدر هذا الشكل نصًا قانونيًا أم اتفاقًا من قِبل الأطراف المتعاقدة، وهذا بموجب المادتين (90، 93)، ثم نص بعد ذلك على وجوب استيفاء الوعد لذات الشكل المتطلب في العقد الموعود به بموجب المادتين (105، 106). وكذلك ما تطلبه المشرع من إجراءات لصحة التصرف في أموال القاصر سواء بشخصه أو بواسطة الوالي أو الوصي عليه بموجب المواد (119، 121، 122، 126، 127، 130، 131، 133).
وكذلك اعتبر المشرع تخلف الشكل يرتب البطلان وفقًا لنص (المادة 168) التي نصت على أن: “العقد الباطل ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه بأن اختل … أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة”، ومن ثَم يتوجب إعادة الحال إلى ما قبل التعاقد وفقًا لنص (المادة 248) على أنه: “إذا انفسخ العقد أو فُسخ أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، فإذا استحال ذلك يُحكم بالتعويض”.
- الشكلية في الأحكام المنظمة للعقود:
نظم المشرع الأردني أحكام العقود وتميزت نصوصه بالازدحام بالأحكام ذات الصلة بالأشكال والإجراءات. فنجد المشرع المدني يتطلب التسجيل لنقل ملكية الأموال العقارية، سواء عن طريق البيع (مادة 497) أو المخارجة (مادة 542)، أو المقايضة (مادة 556)، أو الهبة (مادة 566) وذلك وفقًا لما تقضي به القوانين الخاصة، ونلاحظ أن هذا التسجيل لا يقتصر على الأموال غير المنقولة، بل يشمل المنقولات التي تشترط قوانينها الخاصة التسجيل؛ لكي يمكن انتقال ملكيتها، كما في تسجيل نقل ملكية السيارات أو رهنها وفقًا لنص المادة (104/2) من قانون النقل على الطرق.
كذلك يشترط المشرع الكتابة في عقد الشركة وفقًا (للمادة 584)، كما يشترط وجوب مراعاة القواعد المتعلقة بقسمة المال الشائع عند قسمة الشركات وفقًا (للمادة 509)، وإخضاع عقد الصلح لأحكام العقد الأكثر شبهًا من حيث شروط صحته والآثار التي تترتب عليه وفقًا (للمادة 654/2)، وكذلك ما تطلبه للحصول على إذن من المحكمة المختصة؛ لإيجار مال الوقف واليتيم إذا زادت مدته على ثلاث سنوات وفقًا (للمواد 673، 750/1، 759)، وكذلك اشتراطه في عقد التأمين على حياة الغير وهذا العقد من أوضح صور نظرية الاشتراط لمصلحة الغير، إذ اشترط المشرع الموافقة الخطية للغير المؤمن على حياته أو لمن يمثله قانونًا إذا لم تتوافر فيه الأهلية (وهو المنتفع في عقد التأمين) قبل إبرام العقد؛ وذلك لإقامة الدليل على قيام حقه من وقت إبرام العقد لا من وقت إقراره وموافقته ونفاذه؛ كي لا يثبت له حق دون رضاه، وهذا فقًا (للمادة 942).
- الشكلية في العقود المتعلقة بحق الملكية والحقوق المتفرعة عنها:
يتعلق هذا العنصر ببعض الأشكال اللازمة للتعبير عن الإرادة في العقود، أو الإجراءات الواجب مراعاتها عند التعبير عن الإرادة والرضا، إذ يتطلب الكتابة للاتفاق المنشئ لملكية الأسرة وفقًا (للمادة 1061)، وتطلبه التسجيل؛ لانتقال الملكية والحقوق العينية الأخرى بين المتعاقدين وفي حق الغير وفقًا (للمادة 1148)، وكذلك وجوب تسجيل سند التصرف في الأموال المملوكة للدولة (الأميرية) وفقًا (للمادة 1198/2) أو إفراغها بسند مسجل في دائرة تسجيل الأراضي وفقًا (للمادة 1204)، وكذلك تطلبه الحصول على إذن من المحكمة المختصة لإنشاء حق الحكر، وأن يسجل بعد ذلك في دائرة التسجيل وفقًا (للمادة 1250/ 2)، وكذلك تطلبه الرسمية في التنبيه بفسخ عقد خلو الانتفاع وفقًا (للمادة 1269).
- الشكلية في العقود المتعلقة بالتأمينات العينية:
وتتمثل الشكلية هنا في اشتراط التسجيل لانعقاد الرهن التأميني وفقًا (للمادة 1323) ما لم يتفق على غير ذلك، وعدم جواز رهن ملك الغير إلا إذا أجازه المالك الحقيقي بسند موثق وفقًا (للمادة 1325). وما تطلبه القانون من إذن المحكمة المختصة للأولياء أو الأوصياء فيما يتعلق برهن مال القاصر وفقًا (للمواد 1326، 1327، 1380)، وتطلبه ضرورة مراعاة قيد الرهن الصادر من شريك (للغير) في دائرة التسجيل بعد إتمام القسمة لعقار شائع إذا وقعت هذه الحصة المفرزة في نصيب الراهن بناءً على ما نصت عليه (المادة 1331). وكذلك تطلب المشرع تسجيل الرهن التأميني للمنقولات التي تقتضي قوانينها الخاصة التسجيل كالسيارات أو السفن … وفقًا (للمادة 1334). وضرورة تسجيل سند التفرغ عن حق الرهن التأميني لآخر بشرط موافقة المدين في دائرة التسجيل وفقًا (للمادة 1341)، وما إلى ذلك من الشروط الشكلية التي نص عليها المشرع في العقود المدنية.
ب. القوانين الخاصة:
أحال القانون المدني الأردني في العديد من مواده إلى القوانين الخاصة فمثلًا نصت (المادة 90) على أنه: “ينعقد العقد بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول، مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد”، وما نصت عليه (المادة 105/2) بأنه: “2. وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل يجب مراعاته أيضًا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد”، وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي وردت في القانون المدني الأردني والتي تحيل على القوانين الخاصة أو التشريعات الأخرى.
ثم نجد المشرع المدني الأردني -بصورة أكثر صراحة- يقضي بضرورة مراعاة تطبيق القوانين الخاصة عند تطبيق أحكام القانون المدني، وذلك وفقًا لما ورد في (المادة 1448/2) بقولها: “عند تطبيق أحكام هذا القانون تراعى أحكام القوانين الخاصة”.
ونعود للإشارة لبعض النصوص التي أشارت للشكلية التعاقدية، فنجد أن قانون التحكيم قد تتطلب الكتابة الخطية لعقد التحكيم وفقًا (للمادة 2) منه، وكذلك تطلب المشرع الكتابة والتوقيع والختم للوصية من قِبل الموصي بذلك بحضور شاهدين على الأقل يشهدان معًا على الوصية بموجب (المادة 7) من قانون التركات للأجانب وغير المسلمين، كذلك وجوب مراعاة بعض الإجراءات التي نص عليها قانون إدارة أملاك الدولة عند تفويض وإجازة أراضي وأملاك الدولة.
وهنالك قوانين متعددة، لا مجال لحصرها تتطلب أشكالًا متعددة أو إجراءات معينة حددتها نصوص القوانين الخاصة، بصرف النظر عن وظيفة الشكل (أو الإجراء) أو الجزاء المترتب على غياب هذه الأشكال أو الإجراءات.
2. الإرادة كمصدر للشكلية:
الشكل في العقود يعد بمنزلة الاستثناء على مبدأ الرضائية في العقود. من ثمَّ وجب النص عليه صراحةً قانونًا. وقد عرضنا أهم تطبيقاته عند تناولنا للقانون باعتباره مصدرًا أساسيًا للشكلية في العقود، غير أنه يمكن للأطراف المتعاقدة الاتفاق على اتباع شكل أو إجراء معين في تعاقدهم وهو ما يمكن تسميته ب “الشكل الاتفاقي”. يجب الإشارة أولًا إلى أن الشكلية الاتفاقية لم تنظم في القانون المدني الأردني. ومن ثم فتناولنا لها سيكون وفقًا للقواعد العامة التي تحكم انعقاد العقد.
ولما كانت القوانين الموضوعية في النظم القانونية تقوم عادةً بتنظيم الأشكال التي يتوخى فيها، تحقيق مصلحة للمجتمع، بقواعد آمرة ترتبط بقيود النظام العام، ومن ثم فإنه ووفقًا للقاعدة العامة، ليس للإرادة اتخاذ شكل للتعبير عنها بصورة تخالف الشكل الذي يتطلبه القانون صراحةً، بموجب قاعدة آمرة تتصل بالنظام العام؛ ومن ثم تكون باطلةً بطلانًا مطلقًا أية اتفاقات خاصة للإرادة على خلاف ذلك.
أما إذا كان الشكل لم يستلزمه القانون بموجب قاعدة آمرة، بأن يكون قد ترك الخيار للإرادة في اختيار وسيلة للتعبير عنها بشكل ما، أو بأن القانون لم يتطلب شكلًا أو إجراءً معينًا؛ للتعبير عن الإرادات. فهنا يكون للإرادة حريةً أكبر في اختيار الشكل للتعبير عنها.
ثالثًا: أنواع الشكلية في العقود
ذهب جانب من الفقه إلى تقسيم الأشكال على النحو التالي:
- أشكال وإجراءات خارجية وأشكال وإجراءات داخلية: في حين لا يتعلق الشكل الأول بالعملية القانونية موضوع التصرف ذاتها، وإنما بشكل التعبير عنها، كوجوب أن يقوم بكتابته شخص معين. ويتعلق النوع الثاني بذاتية التصرف القانوني وجوهره، كالبيانات التي يجب ذكرها في العقد الشكلي وهي تفرقة محل نظر؛ لما قد تثيره من خلط بين التصرف القانوني ذاته وبين الشكل المثبت فيه.
- شكلية مباشرة وشكلية غير مباشرة: يخضع الشكل الأول لاتفاق الطرفين للبطلان بينما لا يمس الشكل الثاني العقد.
- أشكال أولية أو أصلية والأشكال المكملة أو المتممة: في حين يقصد بالأولى الأشكال المفروضة سواء لإتمام الاتفاق بوجه عام أو لضمان فاعليته، وعليه فالكتابة البسيطة تُعد من قبيل الأشكال الأولية أو الأصلية. ويقصد بالثانية تلك التي تُضاف إلى الأشكال الأولية في بعض الاتفاقات ذات الأهمية.
ومن الفقه من يرد الشكلية إلى نوعين الرسمية والكتابة خالطًا بين صور الأشكال والشكلية باعتبارها صفة للعقد، إذ إن هذه الأشكال لا يمكن ردها إلى نوع معين أو صورة ما، لأن ذلك مرتبط بوسائل الصياغة الفنية أو الإجراءات، وهي وسائل تتطور بتطور حاجات العصر وابتكاراته. كالكتابة بمعناها الواسع يستوي أن تكون في صورة محرر، أو سند رسمي، أو عرفي أو مكتوبة بخط الأيد أو بطريق الطباعة أو الاختزال … أو بتطلب إجراء معين يتم التعبير به عن الرضا في حدود عدد معين من الشهود، أو تطلب إذن، أو تصريح إداري، أو بأي إجراء ما، شريطةً أن تكون وسيلة الصياغة الفنية أو الإجراء أو الشكل المتطلب منصوصًا عليها قانونًا تحت جزاء البطلان.
ويلاحظ أن أكثر الأشكال المتطلبة لإبرام التصرف هو “الكتابة” للتعبير عن إرادة الأطراف التي غالبًا ما تتم على ورقة أو محرر، والمحرر أو السند قد يكون رسميًا وقد يكون عرفيًا، وقد يتم تحرير السند وإعداده بتدخل من قِبَل موظف مختص بتحريره وإعداده قانونًا وفقًا للأوضاع القانونية المتطلبة، وهنا يكتسب المحرر أو السند صفة الرسمية، وقد يتم تحريره من قِبل أي شخص أو من قِبل موظف ولكنه غير مختص زمانيًا أو مكانيًا أو نوعيًا أو من قِبَل موظف مختص، ولكنه لم يراعِ الأوضاع المتطلبة فيه قانونًا، وهنا يوسم هذا المحرر بأنه سند أو محرر عادي شرط أن يكون هذا المحرر قد اشتمل على توقيع أو ختم أو بصمات ذوي الشأن، ولكن قد يلجأ الأفراد أحيانًا بعد تنظيمهم وإعدادهم للمحرر أو السند إلى الكاتب العدل بقصد التصديق أو التوثيق لغاية ارتأوها يستوي أن يكون ذلك لإبرامهم تصرفهم أو لإثباته أو لسريان آثاره، وهنا نود أن نشير إلى أن المحرر في هذه الحالة يكتسب صفة الرسمية.
رابعًا: الشكل وطرق الإثبات
يجب أن نفرق هنا بين أمرين أولهما عندما يكون مصدر الشكل القانون، وثانيهما عندما يكون مصدر الشكل الإرادة ذاتها، وذلك على النحو التالي:
1. الشكل مصدره القانون:
سبقت الإشارة إلى أن المشرع قد يتطلب لانعقاد تصرف ما، أن يتم التعبير عن الإرادة في شكل معين ينص عليه القانون صراحةً، وهذا الشكل قد يكون الكتابة الرسمية كما في البيوع العقارية الواردة على العقارات التي تقع ضمن المناطق التي تمت التسوية فيها في القانون الأردني. أو الكتابة العرفية كما في عقد المرتب مدى الحياة في القانون المدني الأردني، والشكل في هذه الحالات يُعتبر ركنًا من أركان التصرف القانوني بحيث يترتب على تخلفه عدم انعقاد التصرف.
وقد ينص صراحةً على أن الشكل هو لسريان آثار العقد أو نفاذه فيما بين المتعاقدين، أو في مواجهة الغير، ولكن في بعض الحالات لا يفصح النص القانوني عن المقصود بالشكل المطلوب، حيث إنه لا يمكن الوصول إلى تحديد قصد الشارع بطرق التفسير المعروفة، وتعتبر الكتابة في مثل هذه الحالات متطلبةً للإثبات لا للانعقاد؛ كون الأصل في التصرفات القانونية هو رضائيتها.
2. الشكل مصدره الإرادة:
“سبق أن تناولنا مدى قدرة الإرادة في اختيار شكل التعبير عنها وفي اختيار دليل الإثبات، هذا ما لم يكن قد حدد الشكل المتطلب بنص قانوني آمر، ومن ثمَّ يستطيع البائع في عقد البيع مثلًا -وهو عقد رضائي- أن يتفق مع المشتري على أن البيع لا ينعقد إلا إذا تم تحريره بسند كتابي رسميًا كان أم عرفيًا، وهنا ينقلب العقد شكليًا، ولهم أيضًا أن يجعلوا من هذا الشكل لسريان آثار العقد، أو نفاذه، أو إثباته. ولكن أحيانًا لا يتضح المقصود من الشكل الذي تم الاتفاق عليه وهل هو للانعقاد؟ أم للنفاذ أو الإثبات؟ وهنا يجب الاحتراز عند تفسير ذلك الشرط لتبيان المقصود منه، ذلك أنه إذا تبين أن المتعاقدين قصدا الغرض الأول أُعتبِر ما تم بينهما مجرد مشروع يجوز لكل منهما العدول عنه، أما إذا تبين أنهما قد قصدا الغرض الثاني أُعتُبِر ما تم بينهما بيعًا. والمسألة هنا مرجعها نية الطرفين التي يستخلصها القاضي من شروط الاتفاق والظروف والوقائع التي أحاطت به، فإذا لم يجد القاضي مرجحًا لأحد الغرضين على الآخر، وقام الشك في تفسير نية المتعاقدين وجب اعتبار الكتابة مشترطة فقط للإثبات”([2]).
خامسًا: طبيعة الشكل
نحاول هنا بحث طبيعة الشكل الوظيفية والقانونية، وذلك على النحو التالي:
1. طبيعة الشكل الوظيفية:
يمكن بحث الطبيعة الوظيفية للشكل من خلال الوظائف التي يمكن أن يؤديها، والتي يمكن ردها إلى فئتين من الوظائف؛ أولهما ما يُبتغي من ورائه حماية المتعاقدين كلاهما، أو أحدهما، أو حماية الغير، وهي حماية سابقة على قيام التصرف، ويمكن تسميتها ب “الوظائف الوقائية”، ثانيهما: ما يُبتغى منه تحقيق أهداف سياسية، أو اقتصادية، أو إدارية، أو مالية، وهي ما يمكن تسميتها ب “الوظيفة التنظيمية أو التأسيسية”.
2. الطبيعة القانونية للشكل:
يمكن بحث الطبيعة القانونية للشكل من خلال تناول وظيفته بالتمييز بين فرضين: أولهما عندما يكون الشكل أو الإجراء متطلبًا لقيام العقد، وصحته أي يقوم بدور الركن في التصرف. وثانيهما عندما يُشترط لتحقيق فاعليته أي لنفاذه وسريانه، أو ترتيب بعض الآثار المترتبة عليه أو لإقامة الدليل على وجوده.
سادسًا: الآثار المترتبة على تخلف الشكل
يمكننا إجمال أهم الآثار التي تترتب على تخلف الشكل، إذ يوجد آثار مدنية تتمثل في البطلان أو في عدم الفاعلية للتصرف أو عدم سماع الدعوى، وسنفصل تلك الآثار فيما يلي:
1. البطلان:
يُعد البطلان من أشد الجزاءات التي جعلته التشريعات المدنية أثرًا على تخلف الشكل في العقود في حالة كون الشكل ركنًا لقيام التصرف أو شرطًا لصحته، بمعنى أنها لا ترتب على العقد المفتقد لركن الشكل أي آثار قانونية، أي يُصبح ذلك العقد هو والعدم سواء، ونقصد بالبطلان هنا البطلان المطلق سواء تم النص عليه صراحةً، أو فُهم من صيغة النص الصريحة كأن يُنص على عدم ترتيب أي أثر على التصرف كما جاء في القانون المدني الأردني في (المادة 1323)، حيث جعل التسجيل ركنًا لانعقاد الرهن التأميني، وفي (المادة 916/3) المتعلقة بعقد المرتب مدى الحياة، حيث جعل من الكتابة شرطًا لصحة التصرف، وهنالك حالات أخرى نص عليها المشرع الأردني جعل فيها الشكل ركنًا لإبرام التصرف، أو شرط صحة لا مجال لتعدادها مرتبًا على عدم مراعاتها بطلان التصرف بطلانًا مطلقًا مُعدمًا لكل أثر للتصرف وهنا فقط يمكن اعتبار العقد بأنه عقد شكلي.
“أما في حالة ترتيب المشرع لأي جزاء آخر غير البطلان المطلق، فلا يمكننا في هذه الحالات، اعتبار التصرف تصرفًا شكليًا، ففي الحالات التي يجعل فيها المشرع التصرف باطلًا بطلانًا نسبيًا مثلًا؛ فإننا نكون أمام تصرف صحيح، مرتب لجميع آثاره كاملة، إلى أن يقضي ببطلانه، أو تلحقه الإجازة، فيزول البطلان، وفي ذلك تقوية لدور الإرادة وتأكيد عليه”([3]).
2. عدم الفاعلية للتصرف:
قد تكون وظيفة الشكل ضمان فاعلية التصرف أي لنفاذه، أو لترتيب آثاره، أو لإقامة الدليل على وجوده، أو لمنحه الحماية القانونية، بإمكانية سماع أية منازعة بخصوصه، وهنا يُعتبر التصرف صحيحًا ولو لم يُراع فيه الشكل المتطلب، وإن ترتب على ذلك عدم فاعليته أي عدم نفاذه، أو ترتيبه لبعض آثاره فيما بين أطرافه أو عدم القدرة على الاحتجاج به سواء في مواجهة الغير، أو أمام القضاء، أو عدم القدرة على إقامة الدليل على وجوده.
وسنحاول هنا إيراد بعض الأمثلة التي يكون فيها التصرف غير نافذ أو غير قابل للتنفيذ في القانون المدني الأردني. من ذلك ما ورد في (المادة 1015/ 2) التي تطلبت الإعلان الرسمي للحوالة لكي تصبح نافذةً في مواجهة الغير، فنا إذا لم يتم الإعلان الرسمي للحوالة فلا تكون نافذةً في مواجهة الغير ولا يكون للمُحال التمسك بصحة هذه الحوالة.
وقد يكون الشكل متطلبًا؛ لإثبات التصرف على سبيل التحديد، وهنا يجب مراعاة ذلك عند التقاضي، إذ إن الأمر هنا موجه للقضاة، وبالتالي يتوجب عليهم التقيد بالدليل المحدد سلفًا قانونًا أو اتفاقًا، مع مراعاة أن القواعد الموضوعية المتعلقة بالإثبات ليست من النظام العام، ومن ثم يجوز للخصوم التنازل عن حق الإثبات بالطرق المحددة سلفًا.
فالقانون الأردني يتطلب الكتابة لإثبات كل التزام تعاقدي -في غير المواد التجارية- تزيد قيمته على عشرة دنانير، أو كانت قيمته غير محددة، وفقًا لنص (المادة 28/1) من قانون البينات، فالأصل عدم جواز الإثبات لأي التزام تعاقدي مدني تزيد قيمته على عشرة دنانير، أو كانت قيمته غير محددة. ومع ذلك نظرًا لعدم تعلق قواعد الإثبات الموضوعية بالنظام العام كما يستفاد ذلك من (المواد 31، 41/2) من قانون البينات الأردني؛ وعليه فإنه يجوز الإثبات بما يقوم مقام الكتابة كالإقرار، أو اليمين، أو الحالات التي يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة الشخصية وفقًا لنص (المادة 30) من قانون البينات الأردني، وبالقرائن القضائية وفقًا لنص (المادة 43/2) من القانون ذاته، وهذا كله ما لم يدافع صاحب الحق بإثباته بهذا الطريق وفقًا لنص (المادة 31) من القانون ذاته.
3. جزاءات أخرى:
كثيرًا ما يرتب القانون بعض الجزاءات على تخلف شكل سبق أن تطلبه، في تصرف ما لا يمت بصلة إلى وجود التصرف ذاته أو إلى فاعليته من نفاذ أو سريان أو ترتيب بعض الآثار أو إلى طريقة إقامة الدليل عليه، وهي غالبًا ما تكون جزاءات أقل خطورة من الجزاءات التي سبق أن عرضنا لها. وقد يرتب بعض العقوبات الجنائية، كالغرامات، بمعنى أن يكون المتعاقد حال عدم مراعاته للشكل المفروض يكون معرضًا لتغريمه، مثال ذلك ما قضت به (المادة 16/ 3) من قانون تسوية الأراضي والمياه بإمكانية تعرض المخالف للغرامة.
سابعًا: السوابق القضائية الخاصة بالشكلية في العقود المدنية
لقد ورد في الحكم رقم (405) لسنة 2005م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 30/3/2005م بما نصه: “نصت (المادة 420) من قانون العقوبات على أن يُعاقب بالحبس حتى سنة كل من كان بائعًا أو راهنًا لمال أو محاميًا أو وكيلًا لبائع أو راهن أخفى عن الشاري أو المرتهن مستندًا جوهريًا يعلق بملكية المبيع أو المرهون أو أي حق أو رهن آخر يتعلق به؛ وعليه وحيث إن البائع لم يخف عن المشتري أي مستند جوهري يتعلق بتقييد حق البائع في التصرف في ملكه، وأن الحجز الذي تم على قطعة الأرض من قِبَل دائرة الجمارك علم به المشتري لدى مراجعته دائرة التسجيل، ورغم ذلك أبدى تمسكه بشراء قطعة الأرض ودفع مبالغ أخرى غير العربون من أجل فك الحجز، وعلى فرض علم البائع بوقوع الحجز قبل ذلك فإنه لا يشكل إخفاء لمستند جوهري ما دام أن المشتري علم به ورضي بذلك إضافة الى أن بيوع الأراضي التي تتم خارج دائرة التسجيل باطلة وما يبنى على الباطل باطل، ويُعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد” .
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (5115) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 13/12/2020م بما نصه: “إن العقد الباطل ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه بأن اختل ركن أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده، ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة ولكل ذي مصحلة أن يتمسك بالبطلان وللمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها”.
وما ورد في الحكم رقم (3354) لسنة 1999م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 27/6/2000م بما نصه “إن الحوالة لا تكون نافذةً في حق المدين إلا إذا قبلها المدين وأعلن عن ذلك، حيث إن محكمة الاستئناف كمحكمة موضوع قد خلصت في قرارها بأن التفويض اقتصر على توقيع المُحيل فقط ولم يقترن بتوقيع المُحال عليه حتى يمكن إلزامه؛ مما يجعل من هذا التفويض حوالة غير صحيحة؛ لذلك قررت رد الدعوى عنه”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) مصطفى مجدي هرجه، العقد المدني، (ص21).
([2]) سالم حماد شعبان الدحدوح، الشكلية في العقود المدنية في القانون الأردني، (ص117).
([3]) سالم حماد شعبان الدحدوح، الشكلية في العقود المدنية في القانون الأردني، (ص135).

