مسؤولية المتسبب في القانون المدني
سوف نتطرق في هذا المقال الوجيز إلى مسئولية المتسبب في القانون المدني الأردني وفي معرض ذلك سوف نتطرق إلى تعريف التسبب وصوره وشروطه والذي هو أساس مسئولية المتسبب المدنية فمتى توفر في التسبب الشروط التي نص عليها القانون المدني الأردني وما قررته مجلة الأحكام العدلية كان على المتسبب الضمان وفقا لأحكا المسئولية المدنية في القانون المدنية وتأسيسيا على ذلك فسوف يدور حديثنا في هذا المقال الوجيز حول صور وشروط التسبب المقرر للمسئولية المدنية على المتسبب على التفصيل الآتي:
ثانيا: شروط التسبب الذي يكون أساسا لتقرير المسئولية على المتسبب:
ثالثا: التمييز بين الإضرار بالتسبب والإضرار بالمباشرة:
رابعا: صور التسبب الذي يكون أساسا للمسئولية المدنية:
خامسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بمسئولية المتسبب في القانون الأردني:
أولا: ماهية التسبب:
يعرف التسبيب بأنه ما يكون مؤثرا في الهلاك ولا يحصله،[1]وعلى ذلك يمكن القول إن التسبب لا ينتج عنه الضرر مباشرة، بل يكون الوسيلة التي تفضي إلى حدوثه، كما عرفه الدكتور وهبة الزحيلي بأنه: ( هو الذي يحدث أمرا يؤدي إلى تلف شيء آخر حسب العادة إلا أن التلف لا يقع فعلا منه وإنما بواسطة أخرى هي فعل فاعل مختار ).[2]
وقعد عرفت (المادة 888) من مجلة الأحكام العدلية التسبب بقولها: ( التسبب لتلف شيء، يعني: إحداث أمر في شيء يفضي إلى تلف شيء آخر على جري العادة، ويقال لفاعله: متسبب).
وبالرجوع إلى القانون المدني الأردني نجده قد قسم الإضرار إلى إضرار بالمباشرة وإضرار بالتسبب حيث جاء النص في (المادة 257) من القانون المدي الأردني على أن: ( يكون الإضرار بالمباشرة أو بالتسبب)، ورغم عدم تعريف النص لماهية الإضرار بالتسبب إلا أن المذكرة الإيضاحية والتفسيرية للقانون المدني الأردني ذكرت في تعريفها للتسبب بأنه: (ويكون بالتسبب بإتيان فعل في شيء آخر فيفضي إلى إتلاف الشيء مثلا كقطع حبل معلق به قنديل فوقع القنديل وانكسر فهذا إتلاف للحبل مباشرة وللقنديل بالتسبب وكحفر بئر فوقع فيه إنسان فمات فموت الإنسان يكون بالتسبب). (مادة 888 مجلة) .
ويتضح مما سبق أن القانون المدني في معرض تعريفه لمفهوم التسبب والمتسبب سار على نهج الفقه الإسلامي، وتبنى الفقه القانوني الأردني نفس اتجاه الفقه الإسلامي وكذلك المشرع الأردني في القانون المدني الأردني وفي مجلة الأحكام العدلية، حيث ظهر التزامهم الواضح والدقيق بوجهة النظر المتبناة من الفقه الإسلامي في مفهوم التسبب وحاذوا حذوه حتى في الأمثلة التي ساقها الفقه الإسلامي، حيث ورد ذكرها في القانون المدني الأردني وكذلك مجلة الأحكام العدلية وأيضا في مؤلفات الفقهاء القانونيين الأردنيين بنفس الصورة والصيغة .
وعلى ذلك فيمكن القول إن المتسبب هو الفاعل للتسبب أي هو الذي ينتج عنه الفعل غير المباشر والذي يتسبب بطريقة غير مباشرة إلى الحاق الضرر بالمضرور، مثل السائق الذي تصطدم سيارته نتيجة خطأه بسيارة أخرى فتصطدم السيارة المصدومة أولا بسيارة ثالثة فيصبح اصطدام سيارة السائق الأول بالسيارة الثانية ينتج عنه ضررا مباشرا أما الضرر الذي لحق بالسيارة الثالثة يكون ضررا بالتسبب.
ثانيا: شروط التسبب الذي يكون أساسا لتقرير المسئولية على المتسبب:
لا يكفي التسبب وحده أن يكون سببا لضمان المتسبب الإضرار بالتسبب، باعتبار عدم صلاحيته وحده ليكون علة منفصلة، كما في الإضرار بالمباشرة وعلى ذلك فيشترط في التسبب حتى يكون سببا للضمان شرطان وفقا لمفهوم (المادة 257) من القانون المدني الأردني وهما التعمد والتعدي.
1- التعمد :
اشترطت (المادة 257) من القانون المدني حتى يكون المتسبب ضامنا أن يكون الفعل الصادر منه متعمدا، أي أن يكون المتسبب قد قصد من فعله تحقق النتيجة وهي الحاق الضرر بالمضرور مع علمه التام بتلك النتيجة، فلا يتوقف العمد عند قصده الفعل فقط بل قصد الفعل وقصد الضرر، وهو ما أكدته (المادة 93) من مجلة الأحكام العدلية من جعل شرط الضمان على المتسبب في التسبب بأن يكون الفعل متعمدا، حيث نصت على أن: (المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد )، فالتعمد يجب أن يتوافر فيه الرغبة والقصد لإحداث الإضرار، وبذلك يلتزم المتسبب المتعمد الضمان وحتى يكون التعمد صحيحا يجب أن يكون تعمدا مبنيا على ادراك وتمييز من الفاعل فإذا كان المتسبب متعمدا فاقدا للأهلية كأن يكون مجنونا أو غير مميز، فلا يمكن اعتبار فعله تسببا بالتعمد ولا يمكن مسائلته مدنيا كمتسبب للضرر على أساس التعمد .
2- التعدي:
والمقصود بالتعدي هو أن يكون الفعل الصادر من المتسبب لا يجب ولا يجوز فعله من الناحية القانونية، أو هو إضرار الغير بالقيام بسلوك يخالف مسلك الرجل العادي. [3]
وقد اشترطت (المادة 257) أن يكون فعل المتسبب ناتج عن تعمد، أو تعدي وبالتالي إذا ثبت أن فعل المتسبب كان فيه تعدي وألحق الضرر بالمضرور وجب على المتسبب الضمان وفقا لأحكام المسئولية المدنية، ورغم أن مجلة الأحكام العدلية لم تنص في (المادة 93) منها سوى على التعمد حتى يكون المتسبب ضامنا، إلا أن (المادة 924) من المجلة قد نصت على أن: ( يشترط في التعدي ليكون التسبب موجبا للضمان )، والإضرار بالتعدي له صور كثيرة في الواقع الملموس خاصة فيما يتعلق بالجانب البيئي وخصوصا التلوث الناتج من عمل المصانع سواء كان تلوث جوي، أو تلوث ضوضائي الناتج عن الأصوات المزعجة للآلات، حيث يخضع هذا النوع للمسئولية المدنية باعتباره إضرار بالتسبب الناتج عن التعدي.
ويجب أن نوضح أن كل من التعدي والتعمد لفظان مختلفان، فالتعمد المقصود منه هو تعمد الحاق الضرر بالمضرور وليس المقصود منه تعمد الفعل فقط، كما أن المقصود بالتعدي أن يكون الفعل الصادر من المتعدي خارجا عن مجال الإباحة بالنسبة للفاعل، أي ألا يكون للفاعل الحق بإتيان ذلك الفعل.
ثالثا: التمييز بين الإضرار بالتسبب والإضرار بالمباشرة:
يميز القانون الأردني بين الضرر المباشر والتسبب في الضرر في هذا الصدد، وهذا التمييز مستمد من الفقه الإسلامي ونصت عليه المادة (257) من القانون المدني الأردني بقولها: ( يكون الإضرار بالمباشرة أو التسبب، فان كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضيا إلى الضرر).
وعلى ذلك فيمكن القول إن الإضرار بالتسبب يكون بالقيام بفعل اتجاه شيء ما إلا أنه يصيب شيئا آخر بضرر، أما الإضرار بالمباشرة يقوم كلما كان الإتلاف قد وقع على الشيء نفسه وليس على شيء ثاني.
وقد ذكرت مجلة الأحكام العدلية ورافقتها المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني مثالا على ذلك، وهو أن يقوم الشخص بقطع حبلا في نهايته قنديلا معلق فنتج عن فعل الشخص أمران قطع الحبل وهو الضرر المباشر، وانكسار القنديل وهور الضرر بالتسبب، كما ذكرت صورة أخرى كأن يقوم الشخص بحفر حفرة في الطريق العام فيمر شخصا فيقع فيها فيموت، فإن موت الرجل هنا بالتسبب وليس بالمباشرة.
مما سبق يتضح أن الفرق بين التسبب والمباشرة يتمثل في أن المباشرة تتحقق كلما كان الضرر نتيجة لفعل مباشر، أما التسبب فيحتاج دائما إلى وسيلة، أو واسطة ولا يكون علة مستقلة كما المباشرة.
وقد أظهرت (المادة 257) من القانون المدني الأردني فروقا أخرى بين المباشرة والتسبب، حيث يتضح أن القانون المدني الأردني لم يشترط لتحقق المباشرة أن يكون هناك تعمد، أو تعدي بحيث تقوم المسئولية المدنية والتي عبر عنها النص (بالضمان ) إذا تحقق أن الإضرار تم بالمباشرة وسواء كان هذا الإضرار ناتج عن تعدي وتعمد أم لا فلا يبحث في هذه المسالة من الأساس، على خلاف الإضرار بالتسبب حيث اشترطت (المادة 257) أن يكون الفعل المتسبب قد وقع عمدا أو متعديا أو أن يكون الفعل قد أفضى لزوما إلى وقوع الضرر، والتعدي المعول عليه هنا هو قعود المتسبب عن بذل العناية اللازمة وتراخيه عن سلوك مسلك الرجل العادي وبالتالي فإن انحرافه عما يجب عليه يُعد تعديا يلزمه الضمان ويصبح مسئولا مدنيا عن فعله الذي تسبب بوقوع الضرر، وذلك على خلاف التعدي في المباشرة إذ أنه يتحقق كلما فشل المباشر في تحقيق النتيجة فإلزامه لا يتوقف عند مجرد بذل الجهد والعناية اللازمة بل يلتزم بتحقيق النتيجة والمتمثلة في عدم الحق الضرر بالغير.
لذلك فمرجع التفرقة بين المباشرة والتسبب أن المباشرة تقوم على علة مستقلة تكون هي السبب في الإضرار فلا يمكن التغاضي عن حكمها على أساس عدم التعمد أو التعدي، أما التسبب فليس بعلة منفصلة فوجب أن يقترن بتعدي أو تعمد يشير إليه حتى يكون سببا للضمان.[4]
رابعا: صور التسبب الذي يكون أساسا للمسئولية المدنية:
للضرر بالتسبب صور عدة ذكرها الفقه الإسلامي والقوانين المدنية وتعددت التطبيقات القضائية عليها، فقد يقع الإضرار بالتسبب بالقيام بفعل أو بالامتناع عن فعل، كما قد يكون التسبب بالتعمد وقد يكون بالتعدي، وقد يكون التسبب بالإهمال وقد يكون بالتغرير وسوف نوضح كل صورة على حدي على النحو الآتي :
1- التسبب بالقيام بفعل إيجابي:
ويعرف التسبب الإيجابي بأنه: (هو الذي يحصل التلف بفعله ويتخلل بين الفعل والتلف فعل مختار )،[5] ومثال ذلك قيام أحد الأشخاص برش أحد الطرق العامة بمياه مما جعله موحلا فمر أحد الأشخاص فعطب وانكسرت ساقه، ففي هذه الحالة يكون المتسبب قد نتج عنه فعلا إيجابيا، يجعله يقع تحت المسئولية ويلزمه الضمان،[6] كذلك لو أشعل النيران في يوم ريح فانتقلت النيران إلى مال جاره أو أرضه فأحرقتها، فيكون المتسبب ضامنا لكونه قد صدر منه فعلا إيجابيا وهو إشعال النيران في يوم ريح ولم يأخذ الحيطة والحذر اللازمين.
2- التسبب العمدي:
والمقصود بالفعل العمدي: (هو المقصود منه الحاق الضرر بالغير حيث إن الفاعل لم يقف عند علمه بالضرر الناتج عن فعله فحسب، بل امتد سعيه ورائها للتيقن من حدوث الضرر ).[7]
والتسبب العمدي يكون متوفر كلما كان الفعل الناتج من المتسبب يقصد به ضرر أحد الأشخاص، إلا أنه قد أصيب شخص آخر غير المقصود كأن يقوم المتسبب بحفر حفرة في مكان ما بقصد الإضرار بشخص ما بسقوطه فيها، إلا أنه يتصادف مرور شخص ثالث غير المقصود فيقع فيها وتنكسر قدماه، فيكون الضرر الذي لحق بالشخص غير المقصود ضررا بالتسبب ويلتزم المتسبب بالضمان، وتطبق على الواقعة أحكام المسئولية المدنية لكون الفعل الصادر من المتسبب كان مقصودا منه الضرر بالغير فالفعل في أصله غير مشروع.
كما قد يكون التسبب بالتعمد يرجع إلى مخالفة المتسبب لأحكام القانون، فكلما كان فعل المتسبب ينم عن مخالفته للقانون وأحدث ضررا للغير، فإن المتسبب يلزمه الضمان.
3- التسبب عن طريق الامتناع:
والمقصود بالامتناع ( هو اتخاذ موقف سلبي عن عمل إيجابي )،[8]والفعل السلبي هو: هو الترك أو الامتناع عن فعل كان يجب القيام به والذي يدل على الإهمال وعدم الاحتياط.
والامتناع يكون في صورة من ثلاث صور:
– الصورة الأولى: الامتناع أثناء الفعل الإيجابي، ومثال هذه الصورة الشخص الذي يحفر حفرة في الطريق ويكون قد حصل من السلطة العامة على تصريح بحفرها، إلا أنه لم يضع يافطة تنبه المارة عن وجود حفرة فيقع أحد الأشخاص في الحفرة ويلحقه الضرر، فرغم أن الفاعل قد قام بفعل إيجابي مشروع إلا انه بعدم وضعه ما يحذر المارة من الحفرة، يكون قد تسبب بالامتناع في إلحاق الضرر بالمضرور فيلزمه التعويض.
– الصورة الثانية : هو قعود المتسبب عن تنفيذ التزام ألزمه القانون بفعله ومثاله قيام أحد الشركات المكلفة بالصيانة بأعمال الصيانة في أحد الشوارع العامة، والتي يلزمها القانون أن تضع إشارات تنبه المارة بتنفيذ أعمال صيانة في هذه المنطقة، فقعود الشركة المكلفة بالصيانة عن وضع علامات التحذير التي ألزمها القانون بوضعها، يجعلها في حكم المتسبب بالامتناع لمخالفتها أحكام القانون والذي يضعها تحت المسئولية المدنية عن الأضرار التي تلحق بالمضرور نتيجة تسببها بالامتناع.
الصورة الثالثة : الامتناع المجرد وهذه الصورة لا يقع فيها على المتسبب أي التزام أو واجب قانوني، ومن أمثلتها أن يرى المتسبب شخصا قارب على الغرق ولديه القدرة على إنقاذه، إلا أنه يمتنع عن القيام بذلك ويتركه حتى يموت غرقا، ويرى بعض الفقه أن هذا النوع من الامتناع لا يصلح أن يكون سببا للمسئولية المدنية ولا يمكن وصف الممتنع فيه بأنه متسببا، باعتبار عدم وجود أي التزام أو أمر أو واجب قانوني يفرض عليه القيام بفعل إيجابي واحتراما لحرية الأفراد[9]، إلا أن جانبا من الفقه والذي تبنى فكرة المذهب الجماعي والذي يقتضي أن يحدث بين الأفراد تضمانا وتعاونا حتى لا يلحق الضرر بهم، وبالتالي يرى أصحاب هذا الرأي ضرورة تقديم المساعدة للآخرين وأن الامتناع عن تقديم المساعدة رغم مقدرة الشخص على ذلك و انه بمنأى عن خطر قد يلحق به في حالة تقديم المساعدة يجعله يقع تحت المسئولية المدنية باعتباره متسببا بالامتناع ويلزمه الضمان.[10]
رابعا: التسبب بعدم الاحتراز:
– والمقصود بعدم الاحتراز ( أن يكون الشخص في حالة من عدم التبصر والحذر عن ما قد ينتج من ضرر بناء على أفعاله )،[11] وعلى ذلك فإذا صدر من الشخص فعلا تسبب هذا الفعل بشكل غير مباشر وقوع ضررا لشخص آخر سواء كان في نفسه أو في ماله وكان الفعل ناتجا عن عدم تبصر من المتسبب وعدم احتراز، يكون المتسبب مسئولا مسئولية مدنية عن الضرر ويلزمه الضمان، لكن إذا كان الأمر لا يمكن الاحتراز منه ويخرج عن إرادة الشخص كأن يكون الضرر أو الفعل نتج عن قوة قاهرة ففي هذه الحالة لا يمكن مسائلة الشخص عن عدم تحرزه إعمالا للقاعدة التي تقرر أنه ما لا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه، وقد نصت (المادة 926) من مجلة الأحكام العدلية على أن: ( لكل أحد حق المرور في الطريق العام لكن بشرط السلامة يعني: أنه مقيد بشرط أن لا يضر غيره بالحالات التي يمكن التحرز منها فلو سقط على ظهر الحمال حمل واتلف مال أحد يكون الحمال ضامنا، وكذا إذا أحرقت ثياب أحد كان ماراً في الطريق الشرارة التي طارت من دكان الحداد حين ضربه الحديد فيضمن الحداد ثياب ذلك المار)، فجعلت المادة أن عدم التحرز سببا كافيا للضمان ولإعمال أحكام المسئولية المدنية.
خامسا: التسبب بالتغرير:
والتغرير كما عرفته (المادة 143) من القانون المدني بأنه: (التغرير هو أن يخدع أحد العاقدين الآخر بوسائل احتيالية قولية أو فعلية تحمله على الرضا بما لم يكن ليرضى به بغيرها)، والتغرير قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل، ومثال الأول أن يقول المتسبب للمضرور هذا الطريق آمن اسلكه وإن وقع لمالك مكروه فأنا أضمنه فيسلكه المضرور ويسرق ماله، فيلزم المتسبب الضمان لكونه غرر بالمضرور وأقنعه بالمرور وألزم نفسه بالضمان، أما التغرير بالفعل أن يقوم المتسبب بحمل المضرور على القيام بفعل ظانا منه أنه غير مجرم قانونا، فيتبين أن الفعل مجرما ويترتب عليه تلف أمواله بالمصادرة فعلى المتسبب الذي غرر بالمضرور الضمان.[12]
ورغم عدم النص صراحة على التسبب بعدم الاحتراز في القانون المدني إلا أنه يمكن استخلاصه من سياق المادتين 256 و257 من القانون المدني، حيث جاء النص في (المادة 256) ليتناول لفظ الإضرار ليشمل كل من الفعل السلبي والفعل الإيجابي، ويدخل عدم التحرز والإهمال من ضمن الفعل السلبي المسبب للإضرار، وقد استخدمت (المادة 257) لفظ الإضرار في معرض تحدثها عن المباشرة والتسبب وبالتالي فيكون مشمولا بكل صوره المذكورة في (المادة 256).[13]
خامسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بمسئولية المتسبب في القانون الأردني:
حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 56 لسنة 2017 والتي قضت فيه بما يلي:
(وحيث أن المستفاد من أحكام المواد 256 و257 و258 من القانون المدني أن نصوصها أقرت بصورة واضحة وجلية أحكام المسؤولية عن الضرر، وأن المستفاد من حكم المادة 256 من القانون المدني أنه يشترط توافر عنصر الفعل والضرر وعلاقة السببية بينهما، وأن المادة 257 من القانون ذاته تنص على أن الضرر يكون بالمباشرة وإذا وقع الضرر بالمباشرة لزم الضمان بدون شروط وأما اذا كان بالتسبب أي يرتكب فعل تؤدي نتيجته إلى حدوث الضرر دون الفعل ذاته، فإنه يشترط للضمان في هذه الحالة توافر التعدي أو التعمد وأن يكون الفعل مفضياً للضرر)
حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 372 لسنة 1979 والتي قضت فيه بما يلي:
إن المادة (93) من المجلة قد نصت على أن المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد، وأن من الحالات التي يتوفر فيها العمد حالة ما إذا كان في فعل المتسبب مخالفة لحكم القانون، أن مخالفة المدعى عليه أحكام قانون النقل على الطرق يجعله بعمله غير المحق هذا مسؤولا مدنيا عن الإضرار التي لحقت بالسيارات الأخرى، كما تكون شركة التأمين المؤمنة مسؤولة مسؤولية مشتركة مع المدعى عليه.
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] عمر عبد الله سلم الوصول إلى علم الأصول، دار المعارف، مصر، ص 56.
[2] د. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، دار الفكر المعاصر، دمشق 1998، ص 164 ،165.
[3] د. وهبة الزحيلي، نظرية الضمان، دار الفكر المعاصر، دمشق 1998، ص 68.
[4] حسام الدين أحمد، الوجيز في القواعد الكلية للأحكام العدلية، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض 2015، ص 209.
[5] محمد حسين علي الشامي، ركن الخطأ في المسئولية المدنية دراسة مقارنة، بين القانون المدني المصري واليمني والفقه الإسلامي، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999، ص 191.
[6] المرجع السابق ص 191.
[7] زهير بن زكريا حرح، الخطأ في المسئولية المدنية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عين شمس 1999، ص 211.
[8] سليمان مرقص، الوافي في شرح القانون المدني، ج1، ط5، القاهرة 1992، ص 270.
[9] محمد حسين علي الشامي، مرجع سابق، ص 194.
[10] محمد وحيد الدين سوار: شرح القانون المدني (النظرية العامة للالتزام) مصادر الالتزام، ط1، ج1، سوريا: منشورات جامعة دمشق، 1995 -1996، ص 52.
[11] عادل جبري محمد حبيب لمفهوم القانوني لرابطة السببية وانعكاساته في توزيع عبء المسؤولية المدنية (دراسة مقارنة بأحكام الفقه الإسلامي). ط1، الإسكندرية: دار الفكر الجامعي. 2003 ص 233.
[12] إبراهيم فاضل الدبو: ضمان المنافع (دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني)، ط1، عمان: دار الثقافة، 1997، ص1.
[13] إبراهيم رحمه، المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني، مرجع سابق، ص272.

