المسؤولية الجزائية للوزراء

المسؤولية الجزائية للوزراء

تعمل الوزارة – أو الحكومة – على رسم وتنفيذ السياسية العامة في الدولة، وفي سبيل ذلك تمارس أعمالها وسلطاتها المستمدة مباشرة من الدستور، ويكون الوزراء أثناء ممارستهم لأعمالهم مسئولين مسئولية سياسية أمام البرلمان الذي يُعد الممثل القانوني عن الشعب.

إلا أن مسئولية الوزراء لا تقف عند هذا الحد، فالوزير إذا ارتكب فعل يشكل جريمة جنائية فإن ذلك يعرضه إلى إثارة مسئوليته الجزائية، وقد تضمن قانون محاكمة الوزراء النص على الجرائم التي يرتكبها الوزراء بحكم وظيفتهم الوزارية والتي تعرضهم للمسائل الجنائية.

وفي مقالنا الحالي سنبين ماهية المسئولية الجزائية للوزراء ثم نتبع ذلك بالحديث عن صور الجرائم التي تضمنها قانون ملاحقة الوزراء وذلك من خلال العناصر التالية:

أولاً: تعريف المسئولية الجزائية للوزير:

ثانياً: خصائص المسئولية الجزائية للوزير:

ثالثاً: تمييز المسئولية الجزائية للوزير عن غيرها:

رابعاً: نطاق المسئولية الجزائية للوزير:

خامساً: صور الجرائم التي يرتكبها الوزير وفقاً لقانون محاكمة الوزراء الأردني:

أولاً: تعريف المسئولية الجزائية للوزير:

لما كان الوزير فرداً من أفراد الدولة فإنه يكون مخاطباً بأحكامها وقوانينها وعلى رأس تلك القوانين القانون العقابي، مما يعني أن الوزير إذا اقترف فعلاً يشكل جريمة جنائية فإن فعله سيزج به تحت طائلة القانون الجزائي مما يعرضه إلى أن يكون محلاً لتوقيع العقوبات الجزائية عليه.

وبناء على ما تقم يمكن تعريف المسئولية الجزائية للوزير بأنها: “الالتزام الذي يقع على عاتق الوزير بتحمل الآثار القانونية الناتجة عن أفعالة والتي تشكل في مجموعها الأركان القانونية لجريمة ما منصوص عليها في النظام القانوني للدولة”.

ثانياً: خصائص المسئولية الجزائية للوزير:

تتسم المسئولية الجزائية للوزير – أو لغيره من الأشخاص – بعدة خصائص تتمثل في ما يلي:

1- مبدأ شخصية المسئولية:

من القواعد الراسخة في الأنظمة الجزائية – أو الجنائية – أن المسئولية الجزائية هي مسئولية شخصية لا تثار إلا لمن اقترف فعلاً جنائياً سواء أكان بوصفه فاعلاً أم شريك، ومن ثم فإن الفعل الذي يرتكبه الوزير ويوقعه تحت طائلة القانون الجنائي لا يتحمل مغباته سواه دون أن يتعدى أثره إلى غيره من الوزراء.

وذلك – قطعا – على عكس فكرة المسئولية الجماعية والتضامنية للوزراء أمام البرلمان في ظل المسئولية السياسية، حيث إن المسئولية السياسية التضامنية أو الجماعية تٌعد ركيزة النظام البرلماني وجوهره، فهي لا تمثل فقط أحد السمات البارزة لهذا النظام وإنما تُعد أحد أركانه الجوهرية.[1]

2- مبدأ قضائية العقوبة:

إذا كانت المسئولية السياسية للوزير يتم تقريرها من قبل البرلمان أو يمكن إثارتها من قبل الحكومة، فإن المسئولية الجزائية لا يمكن أن تقرر إلا من قبل القضاء، ولا يمكن أن يترتب آثارها والمتمثلة في توقيع العقوبات إلا بمقتضى حكم قضائي، وذلك بمبدأ قضائية العقوبة والذي تم تكريسه بموجب (المادة 3) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (لا جريمة إلا بنص ولا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة، وتعتبر الجريمة تامة إذا تمت أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت حصول النتيجة).

3- مبدأ المساواة في تحمل المسئولية:

الوزير ما هو إلا فرد من أفراد الشعب، تم اختياره لأن يشغل منصباً على درجة عالية من الخطورة والأهمية، إلا أن ذلك لا يجعله بمنأى عن انطباق أحكام النظم القانونية المطبقة في الدولة عليه، وهذا ما تم تقريره بموجب (المادة 6) من الدستور الأردني والتي نصت على أن: (الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين).

ولما كان الوزير يُعد أحد أفراد الشعب الأردني فهو يكون مُخاطب – مثله مثل أي مواطن – بأحكام القانون المطبق داخل المملكة الأردنية، وما هذا إلا ترسيخاً وتحقيقاً لفكرة العدالة التي تقتضي المساواة بين الأفراد دون ثمة تمييز وعلى وجه الخصوص أمام النظام القانوني الجزائي.

ثالثاً: تمييز المسئولية الجزائية للوزير عن غيرها:

1- المسئولية الجزائية والمسئولية السياسية:

تعتبر المسئولية السياسية للوزير من أهم ركائز وسمات النظام البرلماني، وهي تقوم عندما يخرج الوزير بأفعال مخلة بالواجبات الموكلة إليه بموجب وظيفته، حيث إن هذا الخطأ أو الإخلال يتم تقديره من قبل البرلمان في النظام البرلماني، حيث إن المفهوم العام للمسئولية السياسية للوزارة في هذا النظام يعني بأن الوزارة رئيساً ووزراء مسئولين أمام مجلس النواب أو رئيس الدولة في النظام الرئاسي.[2]

والمسئولية السياسية قد تكون مسئولية تضامنية وقد تكون مسئولية سياسية وذلك حسب النظام السياسي المتبع والمبين في الدستور سواء أكان نظام برلماني أم نظام رئاسي أو نظام جمعية أم نظام مختلط، وبذلك تختلف المسئولية عن المسئولية الجزائية في أن الأخيرة لا يمكن إلا أن تكون مسئولية فردية.

فضلاً عن أنه لا يوجد ثمة تلازم بين إثارة المسئولية السياسية للوزير وإثارة مسئولته الجزائية، فقد تثار مسئوليته السياسية دون أن يكون لذلك أثر على مسئوليته الجزائية، مما يعني أن المسئولية السياسية للوزير أخف وطأة من المسئولية الجزائية.

2- المسئولية المدنية والمسئولية الجزائية:

المسئولية المدنية هي التزام شخص بتعويض الضرر الذي سببه لشخص آخر نتيجة إخلاله بالتزام يقع عليه، فإذا كان هذا الالتزام مصدره العقد كانت المسئولية عقدية، وإذا كان الالتزام مصدره العمل غير المشروع كانت المسئولية تقصيريه.[3]

فالوزير يكون خاضعاً لأحكام القانون المدني والتي تتطبق عليه إذا ارتكب أفعال من شأنها أن تُلحق بالغير ضرراً حيث يلتزم في هذه الحالة بأن يدفع للغير – بناءً على حكم قضائي – تعويض جابر ما أوقعه عليه من ضرر.

ولقد كرست (المادة 8) من قانون محاكمة الوزراء الأردني فكرة المسئولية المدنية للوزير بنصها على أن: (المسؤولية المدنية للوزراء الوزراء مسؤولين مدنياً وفق أحكام القانون المدني).

رابعاً: نطاق المسئولية الجزائية للوزير:

1- النطاق الموضوعي لمسئولية الوزير الجزائية:

قرر المشرع الأردني أن هناك جرائم خاصة بالوزراء يلاحقون بشأنها وفقاً لنظم خاصة بهم، ولقد بين المشرع هذه الجرائم في قانون محاكمة الوزراء وتعديلاته وعلى وجه الخصوص في المواد من 2 إلى 5، وبمطالعة أحكام تلك المواد يتجلى لنا أن تلك الجرائم تتمثل فيما يلي:

  • الخيانة العظمى.
  • إساءة استعمال السلطة.
  • الإخلال بواجبات الوظيفة.

2- النطاق الشخصي لمسئولية الوزير الجزائية:

قبل تعديل الدستور الأردني في عام 2011 كان المشرع الأردني يخصص محاكم معينة يجري أمامها مُحاكمة الوزراء تختص بالجرائم التي تقع من الوزراء أثناء مباشرتهم لأعمال وظائفهم، إلا أن الوضع تغير عقب التعديلات التي طرأت على الدستور الأردني عام 2011 والتي أعادت الاختصاص بنظر الجرائم التي تقع من الوزراء أثناء مباشرة أعمالهم الوزارية – أو غيرها – إلى المحاكم النظامية، ومن الجدير بالذكر أن محاكمة الوزراء وفقاً لهذا النظام ينطبق على كافة الوزراء سواء أكانوا عاملين أم عقب تقديم استقالتهم.

– خصوصية مُحاكمة الوزير:

إذا كان الوزير أصبح يُحاكم أمام المحاكم النظامية مثله مثل باقي الأفراد إلا أن ذلك لا يمنع من أن هناك خصوصية تكتنف تلك المحاكمة تتجلى في أن تحريك المسئولية الجزائية للوزير لا تكون إلا من جهة مختصة بذلك، فضلاً عن اختلاف النظام الإجرائي المطبق على الوزير أثناء محاكمته والذي سنعرض له مؤخراً.

لذلك يثور التساؤل حو ما إذا كان هناك أشخاص آخرين متورطين في ارتكاب الجرم الذي تم نسبته إلى الوزير، فهل يلاحقون وفقاً للإجراءات التي يخضع لها الوزراء في محاكمتهم الجزائية أم يطبق علهم النظام الإجرائي الجزائي العادي؟

الواقع أن المشرع الأردني لم يتعرض لبحث تلك المشكلة ولم يضع لها حلاً قانونياً، بل ولم تُعرض مثل هذه المشكلة على المحاكم حتى يتكون بين أيدينا سوابق قضائية تدلنا على الحل الواجب الاتباع في شأن تلك المسألة، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنه لا مناص من تطبيق القواعد العامة بشأن الأشخاص المرتكبين لجرائم بجانب الوزراء.

خامساً: صور الجرائم التي يرتكبها الوزير وفقاً لقانون محاكمة الوزراء الأردني:

حددت المواد من 2 إلى 5 من قانون محاكمة الوزراء الأردني الجرائم التي تقع من الوزراء والتي تتمثل فيما يلي:

1- الخيانة العظمى:

الخيانة العُظمى هي جريمة من أقدم الجرائم التي عرفتها النظم القانونية الجنائية، وهذه الجريمة ترتبط بأفعال غير أخلاقية تؤدي إلى الإضرار بمركز الدولة وأمنها، حيث تتمثل ماديات تلك الجرية في معاونة أعداء الوطن على محاربته وذلك بتقديم العون أو التسهيلات لهم.

وقد بينت (المادة 3) من قانون محاكمة الوزراء الأردني ماهية جريمة الخيانة العظمى بنصها على أن: (تعد خيانة عظمى الأفعال الآتية:

  • الجرائم التي تقع على امن الدولة الخارجي أو الداخلي كما هي محددة في قانون العقوبات.
  • مخالفة أحكام الفقرة الثانية من المادة (33) من الدستور).

أ- الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي:

تتمثل هذه الجرائم ارتكاب في أحد الأفعال التالية:

– جريمة الخيانة:

وردت صور أفعال الخيانة في المواد من 110 إلى 117 من قانون العقوبات الأردني، وبمطالعة تلك المواد يتجلى لنا أن أهم الصور التي تشكل جريمة الخيانة هي:

  • جريمة حمل سلاح ضد الدولة.
  • الاتصال بدولة – أو دول أجنبية – لحسها على العدوان المباشر على الأردن.
  • الإضرار بوسائل الدفاع الأردنية.
  • الاعتداء على سلامة أراضي المملكة الأردنية.
  • إيواء جنود الأعداء أو الجواسيس أو مساعدتهم على الهرب.

والواقع أنه لا يوجد ثمة فارق بين مصطلح جريمة الخيانة المستعمل في (المادة 110) من قانون العقوبات وجريمة الخيانة العظمى الذي استعمله المشرع الأردني وهو بصدد وضع قانون ملاحقة الوزراء، فإضافة كلمة “عُظمى” إلى مصطلح الخيانة لم يكن سوى لإبراز مدى جسامة الجريمة عندما تقع من أحد الوزراء.

والواقع أن إبراز جسامة الجريمة بإضافة كلمة “عظمى” إليها لم يكن كافياً حيث كان يتعين على المشرع أن يتبع ذلك بتشديد العقوبات المقررة لتلك الجرائم إذا تم ارتكابها من قبل أحد الوزراء، وما ذلك إلا تطبيقاً لقاعدة ضرورة المساواة بين الجرم المرتكب والعقوبة المفردة له، ولما كان الجريمة تكون ذي جسامة وأشد وطأة عندما يرتكبها وزير فإن ذلك كان من شأنه أن يجعل من العقوبة المقررة للوزير أشد من تلك التي تتطبق على شخص عادي حال ارتكابه لذات الجريمة.

– الجرائم الماسة بالقانون الدولي:

تتمثل هذه الجرائم في خرق التدابير التي تضمن حياد الدولة أو القيام بأفعال من شأنها تعكير صفو صلة الأردن بغيرها من الدول الأخرى، أو أن يحاول الوزير قلب دستور دولة أجنبية موالية، أو أن يحاول تجنيد جنود للقتال لمصلحة دولة أجنبية، أو أن يحرض جنود دولة أجنبية على الفرار أو العصيان، أو أن يحط من اعتبار دولة أجنبية مما يؤدي إلى التأثير على العلاقات الودية مع تلك الدولة.

– التجسس:

التجسس هو النشاط المتضمن إفشاء الأسرار المتعلقة بتكوين الدولة وهيبتها واعتبارها وقوتها التي تحرص الدولة على إحاطتها بالكتمان وعدم العلم بها من قبل الدول المعادية،[4] وغني عن البيان أن قيام الوزير بارتكاب هذا الفعل ينطوي على خطورة جمة وذلك نظراً لأن العمل الوزاري الذي يختص به الوزير يمكنه من الاطلاع على أسرار خاصة بالدولة لا ينبغي لغيره أن يطلع عليها، مما يجعل تلك الجريمة تنطوي على نتائج ذي جسامة بالغة إذا كان مرتكبها أحد الوزراء.

– الاتصال بالعدو لمقاصد غير شرعية:

نصت على هذه الجريمة (المادة 127) من قانون العقوبات الأردني بقولها: (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تنقص عن مائة دينار كل أردني وكل شخص ساكن في المملكة أقدم أو حاول أن يقدم مباشرة أو بواسطة شخص مستعار على صفقة تجارية، أو أية صفقة شراء ،أو بيع، أو مقايضة مع أحد رعايا العدو، أو مع شخص ساكن بلاد العدو).

ب- الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي:

تتمثل تلك الجرائم فيما يلي:

– الجنايات الواقعة على الدستور:

والتي تتمثل في الاعتداء على حياة الملك، أو الملكة، أو ولي العهد ،أو أحد أوصياء العرش، أو العمل على تغيير الدستور بطرق غير شرعية، أو أن يعمل الوزير على محاولة إثارة عصيان مسلح بطريق غير مشروع ضد السلطة القائمة، أو أن يكون اعتداء الوزير من شأنه أن يعطل السلطات في الدولة عن ممارسة وظائفها.

– اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية:

ورد النص على هذه الجريمة في (المادة 140) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (يعاقب بالاعتقال المؤقت سبع سنوات على الأقل:

  • من اغتصب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية.
  • من احتفظ خلافا لأمر الحكومة بسلطة مدنية أو قيادة عسكرية.
  • كل قائد عسكري أبقى جنده محتشدا بعد أن صدر الأمر بتسريحه أو بتفريقه).

فهذه الجريمة تمثل اعتداء على السلطة السياسية في الدولة، ومن ثم فهي تشكل اعتداء على الدولة ذاتها لأن السلطة السياسية هي أحد العناصر المكونة للدولة.

– الفتنة:

تتجسد تلك الجريمة في محاولة الوزير أن يثير فتنة بين أفراد الشعب الأردني سواء تم ذلك بإثارة حرب أهلية أو قتال طائفي أو بأن يحض فئة من الأشخاص على القتل والنهب والتخريب في المحال العامة، أو أن يترأس الوزير عصابة مسلحة لاجتياح المدن بغرض أعمال النهب والتخريب.

وقد وردت تلك الجريمة بموجب نص (المادة 143) والتي نصت على أن: (يعاقب بالأشغال مؤبدا من رأس عصابات مسلحة أو تولى فيها وظيفة أو قيادة أياً كان نوعها، إما بقصد اجتياح مدينة ،أو محلة، أو بعض أملاك الدولة ،أو أملاك جماعة من الآهلين، وإما بقصد مهاجمة أو مقاومة القوة العامة العاملة ضد مرتكبي هذه الجنايات).

– الإرهاب:

يرتكب الوزير جريمة إرهاب باقترافه أي نشاط من شأنه أن يروع الآمنين أو تعريض سلامة المجتمع للخطر أو إجبار الحكومة على القيام بعمل أو الامتناع عن عمل موالي لمصالحة أو مصالح دول أو أشخاص أخرين.

– الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر الصفاء بين عناصر الأمة:

يتم ارتكاب هذه الجريمة بالقيام بأي من الأفعال التي تعكر الصفو العام بين أفراد الأمة، سواء تم ذلك عن طريق الخطب أو النشر في الصحف أو المنشورات أو من خلال بث الفيديوهات أو النشر الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي.

– النيل من مكانة الدولة المالية:

فقوة الاقتصاد للدولة يدل على المكانة التي تتمتع بها تلك الدولة بين مختلف دول العالم، ومن ثم فإن قيام الوزير بأي فعل من شأنه أن يؤثر على مكانة الدولة المالية أو يزعزع استقرارها المالي فإن ذلك يمثل تعريض الأمن الداخلي للدولة للخطر.

ج- مخالفة أحكام الدستور “المادة 33”:

يُعد خيانة عظمى كل فعل يرتكبه الوزير يُخالف الأحكام التي وردت في (المادة 33) من الدستور الأردني والتي تنص على أن: ( 1- الملك هو الذي يعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات والاتفاقات، 2- المعاهدات والاتفاقات التي يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة ولا يجوز في أي حال أن تكون الشروط السرية في معاهدة أو اتفاق ما مناقضة للشروط العلنية).

ومن ثم يتضح إذن أن الدستور قد منح الملك اختصاص حصري بإعلان الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية، ويترتب على ذلك أنه إذا قام أحد الوزراء بالقيام بأي من هذه الأفعال فإنه يكون بذلك مرتكباً لجريمة خيانة عظمى.

وكذلك يُعد الوزير مرتكباً لجريمة خيانة عظمى إذا وافق على معاهدة يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة دون أن يقوم بعرضها على الملك ومجلس الأمة.

2- جريمة إساءة استعمال السلطة:

بينت (المادة 4) من قانون محاكمة الوزراء الأردني الأفعال التي يرتكبها الوزراء وتمثل إساءة لاستعمال السلطة وذلك بنصها على أن: (تعد إساءة استعمال السلطة الأفعال الآتية:

  • جرائم الرشوة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
  • جرائم الاختلاس واستثمار الوظيفة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
  • جرائم إساءة استعمال السلطة والإخلال بواجب الوظيفة المنصوص عليها في قانون العقوبات.
  • مخالفة أي حكم من أحكام الدستور المنصوص عليها في المواد 9 و 12و13 و15 و 111 من الدستور.
  • تعريض سلامة الدولة أو امنها لخطر ناشئ عن إهمال أو خطا جسيمين.
  • الموافقة على صرف أموال غير داخلة في موازنة الدولة.

ونعرض فيما يلي عرض مجمل للجرائم التي تقع من الوزراء وتمثل جريمة إساءة لاستعمال السلطة المخولة لهم:

أ- جريمة الرشوة:

تقوم جريمة الرشوة – سواء في صورتها الأصلية أم في صورها الخاصة – على فكرة الإتجار بالوظيفة، وتتمثل في قيام الموظف العام أو من في حكمه بأداء عمل أو امتناع عن عمل من أعمال الوظيفة أو الإخلال بأحد واجباتها وذلك مقابل منفعة خاصة له أو لغيره.[5]

وقد عرفها قانون العقوبات الأردني في (المادة 170) من قانون العقوبات بقوله: (كل موظف وكل شخص ندب إلى خدمة عامة سواء بالانتخاب أو بالتعيين وكل شخص كلف بمهمة رسمية كالمحكم والخبير والسنديك طلب أو قبل لنفسه، أو لغيره هدية ،أو وعدا، أو أية منفعة أخرى ليقوم بعمل حق بحكم وظيفته عوقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة تعادل قيمة ما طلب أو قبل من نقد أوعين)، هذا بالإضافة إلى ما ورد ذكره عن صور تلك الجريمة في المواد من 171 إلى 173 من قانون العقوبات الأردني.

ومن مطالعة النص المتقدم وباقي النصوص المشار إليها يتجلى لنا أن الوزير يكون قد ارتكب جريمة رشوة إذا قبل أو طلب أو أخذ عطية أو وعداً بها ليقوم بعمل من أعمال وظيفته أو لأن يمتنع عن القيام بعمل من أعمال وظيفته.

وجريمة الرشوة تنطوي على خطورة جمة حيث تنال من الثقة الموضوعة في موظفي الدولة ومؤسساتها، تلك الخطورة تزداد جسامة إذا كان مرتكب الجريمة يعتلي قمة الهرم الوظيفي في الدولة، لذلك أكد المشرع في قانون محاكمة الوزراء على أن الوزير الذي يرتكب جريمة رشوة يُعد مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة المخولة إليه.

ب- جريمة الاختلاس واستثمار الوظيفة:

نصت على جريمة الاختلاس (المادة 174/1) من قانون العقوبات الأردني بقولها: (كل موظف عمومي أدخل في ذمته ما وكل إليه بحكم الوظيفة أو بموجب تكليف من رئيسه أمر إدارته أو جبايته أو حفظه من نقود وأشياء أخرى للدولة أو لاحد الناس عوقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة تعادل قيمة ما اختلس).

فالاختلاس جريمة من شأنها النيل من ثقة الأفراد في الدولة أو الاعتداء على أموال الدولة التي تسلمها إلى موظفيها ليستخدموها في سبيل تحقيق أهداف الدولة المتمثل في تحقيق المصالح العامة.

وإذا قام أحد الوزراء باختلاس أموال سلمت إليه من الدولة أو من آحاد الناس بحكم وظيفته فإنه يعرض نفسه لإثارة مسئوليته الجزائية عن فعل الاختلاس، إلا أن فعل الاختلاس في هذه الحالة لا يكون متحققاً إلا إذا كان المال المسلم إلى الوزير كان بسبب وظيفته وتم تسليمه إليه على سبيل الحيازة الناقصة، أما إذا انتفى تسليم المال إلى الوزير على سبيل الحيازة الناقصة فلا تقوم الجريمة، وكذلك لا تقوم الجريمة إذا لم تكن الوظيفية الوزارية للوزير هي السبب في أن يتسلم تلك الأموال.

أما جريمة استثمار الوظيفة فهي جريمة غنية عن البيان تشير إلى الأفعال التي يرتكبها الوزراء مستغلين بذلك منصبهم الوزاري ليحققوا لأنفسهم مغانم خاصة، وقد ورد النص على تلك الجريمة بموجب (المادة 175) من قانون العقوبات الأردني والتي نصت على أن: (من وكل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة، فاقترف غشا في أحد هذه الأعمال أو خالف الأحكام التي تسري عليها إما لجر مغنم ذاتي أو مراعاة لفريق أو إضرارا بالفريق الآخر أو إضرارا بالإدارة العامة عوقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة تعادل قيمة الضرر الناجم).

فضلاً عما ورد (بالمادة 176/1) من ذات القانون والتي نصت على أن: (يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة اقلها عشرة دنانير كل موظف حصل على منفعة شخصية من إحدى معاملات الإدارة التي ينتمي إليها سواء أفعل ذلك مباشرة أو على يد شخص مستعار أو باللجوء إلى صكوك صورية).

ج- جرائم إساءة استعمال السلطة والإخلال بواجب الوظيفة المنصوص عليها في قانون العقوبات:

وردت تلك الجرائم في قانون العقوبات الأردني في المادتين (182، 183) وبينت المادتين المشار إليهم أن الموظف العام الذي يستعمل سلطته بغية إعاقة تنفيذ القوانين والأنظمة والقرارات القضائية والأوامر يُعد مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة، هذا بالإضافة إلى أن الوزير يُعد مرتكباً لهذه الجريمة إذا تهاون في القيام بأعمال وظيفته.

د- مخالفة أحد الدستور:

يُعد الوزير مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة إذا خالف أحكام الدستور وعلى وجه الخصوص إذا خالف الأحكام التي وردت في المواد 9، 12، 13، 15، 111 من الدستور الأردني، وهذه المواد تضمنت ما يلي:

– تضمنت المادة التاسعة من الدستور الأردني التأكيد على حظر إبعاد أردني من ديار المملكة، أو منعه من التنقل أو إلزامه بالإقامة في أماكن معينة إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون ومن ثم فإن الوزير الذي يستعمل سلطته للقيام بأحد هذه الأفعال بالمخالفة لأحكام الدستور يُعد مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة.

– في حين تضمنت المادة الثانية عشر من الدستور حظر فرض قروض جبرية أو مصادرة أموال منقولة أو غير منقولة إلا بمقتضى نص القانون.

– أما المادة الثالثة عشر فقد حظرت فرض التشغيل الإلزامي على أحد إلا بموجب أحكام القانون الذي يجيز فرض التشغيل الإجباري في حالتين وهما:

  • في الأحوال الاضطرارية كما في حالة اندلاع حرب أو انتشار وباء أو وقوع أي خطر عام.
  • صدور حكم قضائي بإلزام أحد الأشخاص بأن يؤدي عمل أو خدمة معينة تحت إشراف سلطة رسمية.

– في حين تضمنت المادة الخامسة عشر من الدستور كفالة حرية الرأي والتعبير وحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي والرياضي وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحظر تعطيل الصحف ووسائل الإعلام أو إلغاء ترخيصها إلا بموجب حكم قضائي، وعدم جواز فرض رقابة على الصحف إلا في حالة إعلان الأحكام العرفية ويكون ذلك في إطار ما يقضي به القانون.

– والمادة مائة وإحدى عشر من الدستور تضمنت حظر فرض ضرائب أو رسوم إلا بقانون، ومن ثم فلا يجوز لأي وزير أن يفرض رسوم أو ضرائب على الأشخاص إلا بموجب أحكام القانون وإلا عُد مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة.

هـ – تعريض سلامة الدولة أو امنها لخطر ناشئ عن إهمال أو خطا جسيمين:

يُعد مسيئاً لاستعمال سلطته الوزير الذي يعرض سلامة الدولة وأمنها للخطر بسبب إهمال منه أو ارتكاب خطأ جسيم، سواء أكان هذا الإهمال أو الخطأ الجسيم راجع إلى سلوك إيجابي أو سلبي من الوزير.

فالوزير يشغل منصب على درجة عالية من الأهمية لذلك يتعين عليه أن يبذل في عمله عناية تفوق العناية المتطلبة في أي عمل أخر، حيث إنه المسئول عن تنفيذ سياسية الدولة وتطبيق أحكام الدستور والحفاظ على مصالح الدولة العليا التي تتعلق بمصالحها الاقتصادية، والأمنية، والاجتماعية، وغيرها.

و- الموافقة على صرف أموال غير داخلة في موازنة الدولة:

غني عن البيان أن الأموال التي تتولى الدولة إنفاقها تكون محددة في موازنتها العامة التي يتم إعدادها من البرلمان، ومن ثم فلا يجوز أن يتم إنفاق أموال غير تلك التي تم تحديدها في موازنة الدولة العامة، فإذا أقدم أحد الوزراء على ارتكاب هذا الفعل فإنه يُعد مرتكباً لجريمة إساءة استعمال السلطة.

3- جريمة الإخلال بواجبات الوظيفة:

بينت (المادة 5) من قانون محاكمة الوزراء الأردني الأفعال التي يرتكبها الوزراء وتشكل إخلال بواجبات الوظيفة، وذلك بنصها على أن: (تعد إخلالا بواجب الوظيفة الأفعال الآتية:

  • إذا اشترى أحد الوزراء أثناء توليه الحكم أو استأجر شيئاً من أملاك الدولة ولو بالمزاد العلني.
  • إذا دخل في تعهدات أو مناقصات تعقدها أية إدارة عامة أو أية مؤسسة تابعة لإدارة عامة أو خاضعة لمراقبتها .
  • إذا كان عضواً في مجلس إدارة شركة أو وكيلاً عنها أو تعاطى التجارة.

فلما كان الوزير هو الذي يمثل السلطة التنفيذية في الدولة فإنه بقيامه بأحد هذه الأفعال يكون قد استغل منصبة ووضعه الوزاري وآثر مصلحته الشخصية على مصلحة الدولة والتي تجسد المصلحة العامة، وهذا أمر لا ينبغي للوزير الإقدام عليه لأنه منوط به المحافظة على شئون الدولة وسيادتها وهيبتها.[6]

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الأستاذ الدكتور/ إبراهيم عبد العزيز شيحا، وضع السلطة التنفيذية، 2006، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 63.

[2] محمد حسين عبطان الرقاد، المسئولية الجزائية للوزير وأصول ملاحقته وفقاً للتشريع الأردني ” دراسة تحليلية”، 2014، ص 55.

[3] الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص 323.

[4] محمد حسين عبطان الرقاد، المسئولية الجزائية للوزير وأصول ملاحقته وفقاً للتشريع الأردني ” دراسة تحليلية”، مرجع سابق، ص 94.

[5] الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، قانون العقوبات “القسم العام”، 2018، دار المطبوعات الجامعية، ص 38.

[6] أنظر محمد حسين عبطان الرقاد، المسئولية الجزائية للوزير وأصول ملاحقته وفقاً للتشريع الأردني ” دراسة تحليلية”، مرجع سابق، ص 126.

Scroll to Top