جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال
لا جدال حول الفائدة الكبيرة التي يحققها التقدم والتطور العلمي والتكنولوجي في مجالات الاتصال من تيسير عمليات التواصل التي تتم عبر العديد من الوسائل التقليدية والحديثة، ومما لا شك فيه أن تلك الفائدة لها العديد من الأوجه الإيجابية المتعددة والمختلفة في حياة الإنسان، والتي يسرت عليه الكثير من شؤونه وأموره سواء على الصعيد الشخصي أو العملي، إلا أن ذلك لا يمنع من أن هناك البعض من ذوي الطبيعة الإجرامية الذين استغلوا ذلك التطور والتكنولوجيا في مجال الاتصالات أسوأ استغلال، حيث سخروها لخدمة أغراضهم الإجرامية واستخدموها في ارتكاب طائفة من الجرائم المختلفة التي تكون وسبلة الاتصال هي الأداة الرئيسية في ارتكابها.
وقد أفردنا هذا المقال للتعرض إلى أحد تلك الجرائم التي ترتكب باستخدام وسائل الاتصال المختلفة، والتي تعد من الجرائم التي تتسم بخطورة كبيرة ألا وهي جريمة توجيه رسائل التهديد عبر تلك الوسائل.
أولاً: ماهية جريمة التهديد ووسائل الاتصال
ثانياً: أركان جريمة التهديد عبر وسائل الاتصال
ثالثاً: عقوبة جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: ماهية جريمة التهديد ووسائل الاتصال
1- التعريف بجريمة التهديد
يقصد بالتهديد لغة التخويف والوعيد، وقيل هدده يهدده تهديداً بمعنى يتوعده بالعقاب ويخوفه به، ومن يتم تعديده يسمى مُهَدد[1].
وفيما يخص التعريف القانوني للتهديد فإنه وبالرجوع إلى العديد من القوانين العقابية لبعض الدول العربية ومن ضمنها المملكة الأردني الهاشمية تبين لنا عدم تعرض أياً من تلك القوانين لتعريف التهديد، حيث اكتفت بتجريمه فقط دون بيان تعريفه، ونستخلص من ذلك أن تلك المسألة تم تركها لفقهاء وشراح القانون، وبالفعل تصدى الفقه القانوني لتعريف التهديد بأكثر من تعريف يمكننا أن نورد أبرزها فيما يلي:
– يقصد بالتهديد السلوك الذي يتمثل في أي قول أو كتابة تتسبب في بث الخوف والهلع والرعب في وجدان من يتم توجيهها إليه، وتكون متضمنة الوعيد بارتكاب مرسلها لجريمة في حق المجني عليه سواء في نفسه أو في ماله أو نعته بأوصاف تخدش الحياء والشرف أو إفشاء لأسراره، والذي قد يرتبط في بعض الأحيان بطلب من الجاني يسارع المجني عليه بتنفيذه خوفاً من تنفيذ الجاني لوعيده[2].
– كما يقصد به أيضاً الوعد القولي أو التحريري بشر ينزله الجاني على المجني عليه بغض النظر عن الوسيلة التي يستهدف الجاني بها تنفيذ ذلك، وسواء كان يستهدف مال أو نفس أو عرض المجني عليه بهذا الوعد، وبصورة تلقي الرعب في نفس المجني عليه.
– وأيضاً عرف بإنه الإنذار الذي يوجهه الجاني إلى المجني عليه بغية تخويفه من خلال وعيده بشر ما سينصب على نفسه أو ماله أو شرفه أو اعتباره أو بأي شخص يهم المجني عليه.
ومن مجمل هذه التعريف يتضح لنا أن التعريف الجامع والشامل للتهديد بأنه إدخال الرعب والخوف من قبل الجاني على نفس وقلب المجني عليه من خلال وعيده وإنذاره بإلحاق الضرر بالمجني عليه أو من هو عزيز عليه ويهمه أمره سواء في نفسه أو ماله أو شرفه أو بفضح وكشف أمور تخص حياة أياً منهما الشخصية، ومتى كان الوعيد والإنذار بهدف إكراه المجني عليه معنوياً للقيام بعمل يرغبه الجاني.
2- الحكمة من تجريم فعل التهديد
يمكننا أن نعزي وضع فعل التهديد من قبل المشرع محل التجريم والعقوبة إلى الخطورة التي يمثلها هذا الفعل على حرية وإرادة الشخص الواقع عليه هذا الفعل، حيث يعد بمثابة قيد وأغلال عليها تقيدها وتمنعه من استخدامها، بل وقد تدفعه إلى القيام بأفعال قد تعود عليه بالضرر أياً كان شكله أو نوعه.
ولعل ذلك ما حدا بالمشرع الأردني بوجه خاص والمشرع الجنائي بوجه عام إلى تجريم التهديد، حيث نجد أن المشرع الأردني قد خصص المواد من (350) وحتى (354) من قانون العقوبات الأردني وتعديلاته لتجريم فعل التهديد بشتى صوره.
ونحن نرى أن المشرع الجنائي قد أحسن صنعاً بتجريمه لفعل التهديد حتى يكون ذلك مانعاً للحيلولة دون تحول ذلك التهديد – متى تم تركه دون تجريم – إلى فعل مادي ملموس على أرض الواقع، خاصة وأن جريمة التهديد بغض النظر عن الوسيلة التي تستخدم فيها أو مضمون التهديد ذاته فهي تلقي بتأثيرها على المجني عليه، فتفقده الطمأنينة وترسخ في وجدانه الشعور بالقلق والخوف، وتجعله في حالة اضطراب نفسي يحول دون ممارسته لحياته الطبيعية، ويشوش على قدرته في اتخاذ قراراته وضبط تصرفاته وأفعاله، كما أن هذا التهديد يوقعه تحت سيطرة الجاني وإمرته بحيث يمكنه التأثير بشكل كبير على حرية وإرادة المجني عليه، وأن يجبره على القيام بأفعال قد تعود عليه بالضرر في حياته أو أمواله[3].
بجانب ذلك فإن ارتكاب تلك الجريمة باستخدام بعض وسائل الاتصال والتواصل المحددة – كما هو الحال في وسائل التواصل الحديثة كشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي – تمثل خطورة كبرى نظراً لطبيعة الفئة التي تستهدف من خلالها، حيث يكون ضحايا تلك الجرائم من مرتادي تلك المواقع من الشباب والنساء والمراهقين من الجنسين، والتي قد تؤدي بهم إلى العديد من المشكلات مع ذويهم وأهلهم والتي قد تصل ببعضهم إلى الانتحار.
3- ماهية وسائل الاتصال
تتمثل وسائل الاتصال في كافة الوسائل التقليدية والحديثة التي يمكن من خلالها إقامة عملية اتصال وتواصل صوتي أو مرئي أو كتابي بين طرفين، ويترتب عليها انتقال الأفكار وتبادلها فيما بينهما، وذلك في صورة مجموعة من المعاني التي يتم إرسالها واستقبالها عبر العديد من الوسائل المتنوعة، حيث تختلف وسائل الاتصال بين مسموعة كالهاتف أو مرئية كالهواتف الذكية والحواسب المتصلة بشبكة الإنترنت، أو مكتوبة كالرسائل التي يتم إرسالها عبر أنواع المراسلة والشات المختلفة.
وقد تعرض المشرع الأردني في قانون الاتصالات رقم 13 لسنة 1995 وتعديلاته لتعريف الاتصال، حيث نص في (المادة 2) منه على أن الاتصالات هي (نقل أو بث أو استقبال أو إرسال الرموز أو الإشارات أو الأصوات أو الصور أو البيانات مهما كانت طبيعتها، بواسطة الوسائل السلكية أو الراديوية أو الضوئية أو بأي وسيلة أخرى من الأنظمة الإلكترونية).
إلا أننا إذا أردنا أن نصنف وسائل الاتصال بشكل أكثر عملية وواقعية فسوف نصنفها إلى نوعين، النوع الأول هو وسائل الاتصال التقليدية والنوع الثاني هو وسائل الاتصال الحديثة، فمن أهم وسائل الاتصال التقليدية الهواتف الأرضية والهواتف الخلوية والنقالة غير الذكية والبرق والتلغراف، أما الوسائل الحديثة فهي مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة والاتصال عبر شبكة الإنترنت، وسينطبق وصف وسائل الاتصال على أي وسيلة تواصل قد يفرزها التطور التكنولوجي مستقبلاً طالما كانت تلك الوسائل تؤدي وظيفتها كأداة لعملية الاتصال.
والتهديد قد يكون عبر وسائل الاتصال والتواصل إما بشكل شفهي أو كتابي، فالتهديد الشفهي ينتقل من الجاني للمجني عليه من خلال المكالمات الصوتية أو المسجلة، أما التهديد الكتابي فيتم عبر رسائل مكتوبة يتم إرسالها للمجني عليه من خلال رسائل الهاتف النصية أو المحادثات عن طريق البرامج والتطبيقات الإلكترونية المختلفة للحاسب الآلي أو الهواتف الذكية، وعبر التطبيقات والأدوات التي تتيحها مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأيضاً رسائل البريد الإلكتروني والبريد الصوتي.
وبالتالي فإن أي وسيلة معتمدة كوسيلة اتصال وتواصل طالما يمكن من خلالها أن يقوم الجاني بنقل تهديده من إلى المجني عليه، وبالتالي يمكن اعتبارها أداة ووسيلة لارتكاب جريمة التهديد لتكتمل بها أركانها.
ثانياً: أركان جريمة التهديد عبر وسائل الاتصال
جرم المشرع الأردني التهديد عبر وسائل الاتصال في إطار قانون الاتصالات رقم 13 لسنة 1995 وتعديلاته وتحديداً في (المادة 75/أ)، وذلك حينما نص على أن (أ- كل من أقدم بأي وسيلة من وسائل الاتصالات على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبراً مختلقاً بقصد إثارة الفزع يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (300) دينار ولا تزيد على (2000) دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين).
وفي شأن أركان جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال نجد أن محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية قد أوضحت أركان تلك الجريمة في حكمها الصادر تحت رقم 2399 لسنة 2021، والذي أوردت به أن (وحيث أن محكمتنا تجد أن نتيجة الخلاف بين المشتكي والمشتكى عليه قام المشتكى عليه بإرسال هذه العبارة إلى المشتكي وأن هذه العبارة لا تشكل تهديداً أو إهانة أو منافية للآداب، مما يعني معه انهيار الركن المادي لجريمة توجيه رسائل إهانة وتهديد المنصوص عليها في المادة (75/أ) من قانون الاتصالات التي تتطلب أن تكون هذه العبارات تنطوي على ذم أو تهديد، هذا بالإضافة إلى أن المشتكي لم يقدم أية بينة من شِأنها إثبات توافر القصد الجرمي لدى المشتكى عليه بعنصريه العلم والارادة والتي تشكل الركن المعنوي لهذه الجريمة).
ومن خلال وصف النص القانوني والحكم القضائي سالفي البيان للجريمة نجد أن جريمة التهديد عبر وسائل الاتصال لا تختلف في تكوينها عن سائر الجرائم الأخرى، حيث يلزم لتحققها أن يتوافر الركن المادي والركن المعنوي لها، بجانب الركن المفترض وهو أن تتم عبر إحدى وسائل الاتصالات.
1- الركن المفترض
يتجسد الركن المفترض لجريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال في الوسيلة التي تتم عن طريقها تلك الحريمة، ويرتكب من خلالها الركن المادي المتمثل في توجيه رسائل التهديد، حيث استلزم القانون أن يتم توجيه تلك الرسائل عبر إحدى وسائل الاتصال، وهو أمر واضح من مسمى هذه الجريمة، وبالتالي إذا تمت هذه الجريمة خارج إطار استخدام إحدى وسائل الاتصال فإنها لا تعد عندئذ جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال، ولكننا نكون بصدد جريمة تهديد عادية تخضع للتجريم – وفقاً لتصنيفها – بنصوص المواد من (350) وحتى (354) من قانون العقوبات.
وبالتالي يمكن أن يتم توجيه الرسائل عبر الهاتف العادي (الأرضي) أو الهاتف النقال أو أي نوع من أنواع الهواتف ثابتة كانت أو محمولة، أو عن طريق أي برنامج من برامج المحادثات عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وتكون الوسيلة الرئيسية إما الهاتف أو جهاز الكمبيوتر بأنواعه أو أي جهاز يمكن عن طريقه الاتصال بالشبكة وإجراء محادثة أو إرسال رسالة.
2- الركن المادي
بداية وقبل الخوض في بيان الركن المادي نود أن ننوه إلى أمر هام، وهذا الأمر نتبينه من حكم محكمة صلح جزاء العقبة رقم 1877 لسنة 2021 والصادر بجلسة 10/11/2021 والذي نص في مضمون تسبيبه على أن (أما فيما يتعلق بجرم التهديد خلافاً لأحكام المادة 75 من قانون الاتصالات تجد المحكمة أن أركان جرم توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال كما يلي: 1- الركن الشرعي ………. 2- الركن المادي المتكون من: أ- فعل وهو فعل إيجابي ……. ب- النتيجة الإجرامية وهذه الجريمة من جرائم الخطر لا جرائم الضرر، ومن ثم لا يشترط أن تحقق نتيجة معينة. ج- علاقة السببية ما بين الفعل والنتيجة، وهنا لا يمكن بحثها طالما لا يوجد نتيجة).
ومن مضمون هذا الحكم يتبين أن جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسيلة من وسائل الاتصال هي جريمة من جرائم الخطر، حيث لا يشترط توافر النتيجة الإجرامية وبالتالي علاقة السببية في الركن المادي لها، بل يُكتفى بقيام السلوك الإجرامي ليتحقق الركن المادي لها، إلا أننا سنتعرض إلى نموذج الركن المادي المتكامل للجريمة بعناصره الثلاث.
يقصد بالركن المادي جملة العناصر والأفعال المادية التي تتشكل في مظهر خارجي تتمكن حواس الإنسان من التنبه إليه[4]، فهو يعتبر الصورة المادية للجريمة والتي تظهر فيه إلى أرض الواقع، ويتشكل الركن المادي لجريمة التهديد في صورتها العامة من النشاط الإجرامي الذي يقوم الجاني بارتكابه في شكل قول أو فعل أو غيرها من صور التهديد، والنتيجة الإجرامية التي تتخلف عن هذا السلوك والمتمثلة في بث الرعب والخوف داخل نفس ووجدان المجني عليه، والذي قد يدفع الأخير لارتكاب أفعال ضد إرادته قد تعود بالضرر عليه سواء في نفسه أو ماله أو عرضه، مما يقودنا إلى أن الركن المادي لجريمة التهديد يقوم على ثلاث مكونات، الأول هو السلوك الإجرامي والثاني هو النتيجة والثالث هو علاقة السببية التي تربط السلوك بالنتيجة[5]، وكما سبق وأن أشرنا يمكن الاعتداد بالسلوك الإجرامي فقط لقيام الركن المادي.
(أ) السلوك الإجرامي
لا يوجد أي فارق بين الركن المادي في جريمة التهديد في صورتها التقليدية وبين الركن المادي في صورتها المرتكبة عبر وسائل الاتصال، فهي أيضاً تستلزم لتحققها أن يقوم الجاني بارتكاب سلوك ونشاط إجرامي يتمثل في (توجيه رسالة تهديد)، حيث أن قوام النشاط والسلوك الإجرامي في جريمة التهديد بوجه عام والتهديد عبر وسائل الاتصال هو قيام الجاني بفعل مادي وهو إرسال رسالة التهديد للمجني عليه، فقد يكون التهديد متمثلاً في رسالة صوتية يرسلها الجاني للمجني عليه سواء على هاتفه أو على بريده الإلكتروني أو الصوتي، أو تكون رسالة نصية على هاتفه أو على بريده الإلكتروني أو عبر أي وسيلة تواصل تستخدم فيها الكتابة، كما قد تكون بالإشارة المقصود بها التهديد وذلك عبر وسائل التواصل والاتصال المرئية ككاميرا الويب ومحادثات الهواتف الذكية التي تتمتع بتلك الخاصية.
ولا تعد الأعمال التحضيرية للجريمة جزء من ركنها المادي، حيث أن تلك الأعمال لا يعاقب عليها القانون متى لم تكن تشكل في حد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون، فشراء الجاني للهاتف أو جهاز الكمبيوتر الذي سيقوم بإرسال رسالة التهديد من خلاله لا يعاقب عليه القانون على الرغم من أنه من الأعمال التحضيرية للجريمة لأنه لا يشكل جريمة في حد ذاته، في حين أن سرقة الجاني للجهاز الذي سيقوم بارتكاب جريمته من خلاله يعاقب عليه القانون ليس لكونه من الأعمال التحضيرية للجريمة، ولكن لكونه يمثل جريمة في حد ذاته وهي جريمة السرقة.
ويلزم حتى تكون تلك الرسالة – باختلاف أشكالها – بمثابة رسالة تهديد أن تتضمن بين طياتها ما يفيد وعيد وتخويف الجاني للمجني عليه، ويمكن الاستدلال على ذلك من العديد من الألفاظ التي يستدل منها على استهداف تخويف ووعيد المجني عليه، فلا يشترط ورود أي مصطلحات أو ألفاظ معينة ولكن يلزم أن يكون محتوى الرسالة في مجمله متضمناً صيغة تهديد ووعيد، بحيث يكون المجني عليه واقعاً تحت ضغط وإجبار حتى وإن كان بتهديد وهمي، فمناط تحقق السلوك الإجرامي للركن المادي بهذه الجريمة هو سلوك الجاني في تخويف ووعيد المجني عليه وإكراهه ضد إرادته للقيام بفعل ما أو الامتناع عنه.
مما يمكننا معه القول إن وصف التهديد ينطبق على أي قول أو كتابة يكون لها تأثير في خلق حالة من الرعب والخوف لدى المجني عليه من خشيته أن يتعرض لجريمة يتوعد الجاني بارتكابها في حقه، سواء في نفسه أو ماله أو سمعته أو عرضه، بحيث يستشف من ذلك القول أو الكتابة أن ما يوجهه الجاني للمجني عليه من تهديد هو تهديد يتسم بالجدية، لأنه متى ثبت أن ما تضمنه التهديد هو مجرد هزل يمكن تبينه من ظاهره فلا يعد هذا التهديد من قبيل التهديد المعاقب عليه قانوناً.
(ب) النتيجة الإجرامية
يقصد بالنتيجة الإجرامية الأثر المادي الذي ينتج عن ارتكاب الجاني للسلوك الإجرامي ضد المجني عليه، وبالنظر إلى عنصر النتيجة الإجرامية في جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسيلة من وسائل الاتصال سنجد أنه يتمثل في تحقق حالة من الخوف والهلع في نفس ووجدان المجني عليه على إثر ما يتلقاه من تهديد من قبل الجاني، هذه الحالة التي تضعه بين يدي الجاني وتحت سيطرته ليقوم بأمور ضد إرادته ورغبته خشية تنفيذ الجاني لتهديداته.
ويستدل على تحقق تلك النتيجة الإجرامية من عدة أدلة، منها مسارعة المجني عليه بالإبلاغ، بل ويمكن اعتبار أن تحقق العنصر الخاص بالسلوك الإجرامي هو أمر كافي لقيام وتحقق النتيجة الإجرامية المتمثلة في تحقق وقيام حالة الرعب والخوف لدى المجني عليه، خاصة وأن جريمة التهديد بوجه عام هي – كما سبق وأن أوضحنا – من جرائم الخطر، حيث يعاقب القانون عليها متى تحقق السلوك الإجرامي باعتبار أن هذا السلوك في حد ذاته ينم عن خطورة إجرامية يجب حماية المجني عليه منها قبل أن يتحقق منها أي ضرر.
وتتحقق النتيجة الإجرامية بشكل محقق ودون أي مجال للتشكيك فيها متى كان التهديد مرتبط بأمر يجبر الجاني المجني عليه ليقوم بتنفيذه لقاء عدم تنفيذ الجاني لتهديداته، فإذا ما نفذ المجني عليه هذا الفعل – والذي يكون بشكل شبه مؤكد ضاراً به – رغماً عنه، فإن ذلك تأكيد على أن الخوف الذي نشأ لديه من جراء التهديد كان من القوة ليدفعه إلى تنفيذ هذا الأمر الذي ما كان ليقوم به لو كانت إرادته حرة دون قيود أو ضغط أو إكراه.
(ج) علاقة السببية
يقصد بعلاقة السببية هنا أن يكون السلوك الإجرامي الصادر من الجاني والمتمثل في التهديد عبر إحدى وسائل الاتصال هو الدافع والسبب الذي تحققت عنه النتيجة الإجرامية المتمثلة في حالة الخوف والهلع التي أصيب بها المجني عليه، بحيث لا يمكن تحقق تلك النتيجة إلا بتحقق هذا السلوك.
ومثال على علاقة السببية أن يقوم المجني عليه بإلغاء صفقة ما كانت ستعود عليه بفائدة مالية كبيرة، وذلك على إثر تهديد الجاني له عبر رسالة على هاتفه يهدده فيها بأنه سيلحق به الضرر لو لم يتراجع عن تلك الصفقة، فتقوم هنا علاقة السببية بين السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية، في حين تنتفي علاقة السببية إذا كان تراجع المجني عليه عن تلك الصفقة ليس راجعاً لتهديده من قبل الجاني، ولكن بسبب عدم وجود سيولة لديه لإتمامها، فعلى الرغم من تحقق السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية، إلا أن رابطة السببية قد انتفت وبالتالي لم تصبح تلك النتيجة مترتبة على السلوك الإجرامي للجاني وهو ما يخرجه من نطاق التجريم.
وبتحقق هذه العناصر الثلاث يتحقق الركن المادي للجريمة، ويتبقى لقيام الجريمة بشكل كامل أن يتحقق الركن المعنوي لها والذي سنتناوله تالياً.
3- الركن المعنوي
تتطلب جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسيلة من وسائل الاتصال لقيام الركن المعنوي لها أن يتحقق القصد الجنائي لدى مرتكبها، والقصد الجنائي هنا هو القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة.
بالنسبة لعنصر العلم فيجب أن يكون مرتكب الجريمة على علم وإدراك بأن ما يمارسه من فعل يتمثل في إرسال رسالة تهديد للمجني عليه عبر وسيلة اتصال هو فعل يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، كما يجب أن يكون على علم بأن فعله هذا يشكل ضرر يلحق بنفس أو مال أو سمعة أو شرف المجني عليه.
أما بالنسبة لعنصر الإرادة فيلزم أن يكون الجاني قاصداً تحقيق النتيجة الإجرامية لفعله، وأن يكون مالكاً لكامل إرادته وهو يستهدف الإضرار بالمجني عليه عن طريق ارتكابه للركن المادي للجريمة، فيكون الجاني قاصداً ومتعمداً عن وعي وإدراك أن يرتكب الفعل المكون للجريمة وتحقيق نتيجتها الإجرامية.
وبالتالي إذا تخلف أياً من عنصري العلم أو الإرادة في حق الجاني كما لو كان قد أرسل رسالة التهديد تحت ضغط أو إكراه من الغير يؤثر على إرادته ويجبره على إرسالها، فإن الركن المعنوي للجريمة لا يتحقق، وتنتفي في حقه المسؤولية الجنائية عن تلك الجريمة.
ثالثاً: عقوبة جريمة توجيه رسائل تهديد عبر وسائل الاتصال
وفقاً لما جاء بنص (المادة 75/أ) من قانون الاتصالات وتعديلاته فإن من يرتكب هذه الجريمة يوقع عليه أحد ثلاث عقوبات وضعها المشرع لها، وترك لقاضي الموضوع حرية الاختيار للعقوبة المناسبة وفقاً لظروف كل حالة وملابساتها، وتتمثل تلك العقوبات الثلاث فيما يلي:
– العقوبة الأولى هي الحبس لمدة لا يقل حدها الأدنى عن شهر ولا يتجاوز حدها الأقصى سنة واحدة.
– العقوبة الثانية هي الغرامة التي لا يقل حدها الأدنى عن ثلاثمائة دينار ولا يتجاوز حدها الأقصى ألفي دينار.
– العقوبة الثالثة هي الحبس والغرامة معاً، على أن يتقيد القاضي عند قضائه بهما معاً بالحد الأقصى والحد الأدنى لكل منهما والموضحين أعلاه.
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
– حكم محكمة صلح جزاء الكورة رقم 850 لسنة 2020 والصادر بجلسة 26/10/2020 والمتضمن أن (أما فيما يتعلق بجرم التهديد بوسيلة اتصال خلافاً لأحكام المادة (75/أ) من قانون الاتصالات المسند للمشتكى عليه فإن المحكمة تجد أن قيام المشتكى عليه بتهديد المشتكية من خلال رسالة SMS بواسطة الهاتف وتهديدها بأنه سوف يقوم بنشر الفيديو الذي قامت المشتكية بتصوير نفسها به إنما يشكل من جانبه كافة أركان وعناصر جرم توجيه رسائل تهديد بوسيلة اتصال خلافاً لأحكام المادة (75/أ) من قانون الاتصالات، مما يستوجب إدانته به).
– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 443 لسنة 2021 تمييز جزاء والصادر بجلسة 28/3/2021 والمتضمن أن (وجدت المحكمة أن المشرع الأردني نص في المادة (75/أ) من قانون الاتصالات على أنه من أقدم بأي وسيلة من وسائل الاتصالات على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبراً مختلقاً بقصد إثارة الفزع يعاقب مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن 300 دينار ولا تزيد على 2000 دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين، وحيث وجدت المحكمة أن مجمل أفعال المتهم والمتمثلة بقيامه بإرسال رسائل تهديد للمدعوة سهاد عبر برنامج الماسنجر وعبر الرسائل النصية يشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر الجرم المسند إليه ويقتضي إدانته به).
خامساً: الخاتمة
أصبحت جريمة التهديد عبر إرسال رسائل من خلال وسائل الاتصالات المختلفة منتشرة بشكل كبير خلال الآونة الأخيرة، لا سيما وأن وسائل الاتصالات ذاتها تطورت بشكل كبير مما حدا بتلك الجريمة أن تتطور هي الأخرى، وهو ما يستدعي مواكبة تلك التطورات بتطور قانوني مواز لها، بحيث يكون هناك تعديل دائم على قانون الاتصالات ليتمكن من تأطير وتقنين ما يمكن أن تقابله مواجهة تلك الجريمة من مصاعب وتحديات، وهو بالفعل ما قام به المشرع الأردني والذي بذل جهداً يحسب له في مواجهة الجرائم المرتكبة من خلال وسائل الاتصال بوجه عام وفي مواجهة جريمة التهديد عبر الرسائل من خلال إحدى وسائل الاتصال، وكان ثمرة ذلك العمل جاد هو قانون الاتصالات الأردني رقم (13) لسنة 1995، وتعديلاته التي واكب من خلالها المشرع الأردني تطور تلك الجريمة.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – أبي الفضل بن منظور – معجم لسان العرب –دار الكتب العلمية – بغداد – 2009 – ج15 – ص 36.
[2] – حسن المرصفاوي – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – منشأة المعارف – مصر – 1975 – ص 14. وانظر مقال محامي جرائم إنترنت، منشور على موقع محامي الأردن – حماة الحق.
[3] – محمد سعيد نمور – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص: الجرائم الواقعة على الأشخاص – الطبعة الخامسة – دار الثقافة – الأردن – الجزء الخامس – 2013 – ص 314.
[4] – ناصر البقمي – الجرائم المعلوماتية ومكافحتها في المملكة العربية السعودية – مكتبة القانون والاقتصاد – مكتبة القانون والاقتصاد الرياض – الطبعة الأولى – 2009.
[5]- أدهم بغدادي – وسائل البحث والتحري عن الجرائم الإلكترونية – رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة النجاح الوطنية – غزة – 2018 – ص 21.

