جريمة ذم موظف أثناء قيامه بوظيفته (المادة 191) عقوبات أردني
تعمل الدولة على تحقيق مهامها ووظائفها عن طريق مساعدة المواطنين لها في ذلك، وتتمثل تلك المساعدة في تولي بعض المواطنين بناء على تكليف من الدولة للوظائف المختلفة بجهازها الإداري والقضائي والتنفيذي، وهو ما يتيح لها تحقيق أسباب وجودها والمحافظة على استمرارية أدائها لوظائفها المختلفة تجاه مواطنيها.
وحتى يتمكن الموظف من تأدية عمله على أكمل وجه فإن ذلك يقتضي إسباغ الحماية القانونية عليه، وهو بالفعل ما حدا بالمشرع إلى كفالة بعض الضمانات التي تهدف إلى حماية ذلك الموظف أثناء تأدية مهام وظيفته، وجرم أي اعتداءات يمكن أن تصيبه أو تنال منه أثناء أو بسبب قيامه بتلك الوظيفة، وذلك من خلال مجموعة من النصوص القانونية التي تعاقب كل منها نوعاً مختلفاً من الاعتداءات التي يمكن أن تستهدف الموظف وأن يتعرض لها خلال تأديته لمهام وظيفته، وقد أفردنا هذا المقال للتعرض إلى أحد تلك الاعتداءات والمتمثلة في جريمة ذم الموظف أثناء قيامه بوظيفته، وتحديداً المجرمة بنص المادة (191) من قانون العقوبات الأردني.
أولاً: ماهية الذم والمقصود بالموظف
ثانياً: أركان جريمة ذم الموظف المجرمة بنص المادة (191) عقوبات
ثالثاً: عقوبة جريمة ذم الموظف المجرمة بنص المادة (191) عقوبات
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: ماهية الذم والمقصود بالموظف
1- ما هو المقصود بالذم؟
تعد جريمة الذم من الجرائم التي يترتب عليها المساس بشرف الإنسان واعتباره، ولا يوجد أي تشريع من التشريعات العقابية يخلو من تجريم لهذا الفعل سواء كانت عربية أو أجنبية، فعلى الرغم من أن الشرف والاعتبار لهما المفهوم الخاص بهما في كل مجتمع وثقافة بشكل يختلف عنها في غيرها من المجتمعات والثقافات الأخرى، إلا أن جميع تلك المجتمعات الثقافات قد اجتمعت على تجريم فعل الذم لكونه ينال من احترام من يتم توجيه فعل أو قول الذم إليه، ويقلل من مكانته التي يشغلها في مجتمعه، وينقص من شعوره بالاحترام.
وقد انبرى جانب من الفقه في تعريف جريمة الذم بأنها الجريمة التي يتم فيها إسناد واقعة معينة تستلزم عقاب من ينسب له ارتكابها أو تسبب احتقاره، ويكون ذلك الإسناد بشكل علني ومتعمد[1].
بينما اتجه البعض الآخر إلى تعريف الذم بأنه قيام الجاني بإسناد فعل للمجني عليه يستوجب القانون معاقبته عليه باعتباره يمثل جريمة يعاقب عليها القانون[2].
وقد حدد قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته في مادته رقم (188/1) التعريف الخاص بالذم، حيث جاء بنص المادة المذكورة تعريف الذم بأنه (إسناد مادة معينة إلى شخص -ولو في معرض الشك والاستفهام – من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا).
ومن التشريعات العربية من عرف الذم بمسمى آخر وهو القذف كما هو الحال في قانون العقوبات المصري وقانون العقوبات المغربي ونظيرهما الإماراتي أيضاً، إلا أنهما وعلى الرغم من اختلاف المسمى – الذم والقذف – فهما يتفقا في ذات المعنى والمضمون.
إلا أن المشرع الأردني يتميز عن نظيريه المصري والمغربي – ويتفق في ذلك مع القانون الإماراتي – في أن المشرع الأردني قد اعتبر أن فعل الذم (القذف) يتضمن أي إسناد يكون من شأنه النيل من اعتبار المجني عليه وشرفه وكرامته سواء كان بفعل يمثل جريمة يعاقب عليها القانون أو لا، في حين قيد المشرع المصري تجريم فعل الذم بأن يكون الفعل الذي يتم إسناده للمجني عليه يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، وهو ما يعد مسلكاً محموداً من المشرع الأردني نظراً لأن كرامة الإنسان وشرفه واعتباره يجب حمايتهم من أي مساس حتى لو لم يكن القانون يعاقب على الفعل المسند لصاحبهم.
2- تمييز جريمة التهديد عن جريمتي القدح والتحقير
يخلط الكثير بين مفهوم الذم ومفهوم القدح ومفهوم التحقير، فعلى الرغم من اختلافهم جميعاً من حيث المدلول القانوني والتنظيم الخاص بكل منهم، إلا أن تقاربهم في المعنى والدلالة لغوياً يجعل البعض يهدرون الاختلاف القانوني بينهم، وسنخصص السطور القليلة القادمة لتوضيح الفارق القانوني بين كل من الذم والقدح من جهة، والذم والتحقير من جهة أخرى.
(أ) التمييز بين جريمة الذم وجريمة القدح
عرف قانون العقوبات الأردني في مادته رقم (188/2) جريمة القدح بأنها (الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره ولو في معرض الشك أو الاستفهام من دون بيان مادة معينة)، والقدح في القانون الأردني يقابله السب في قوانين أخرى كالقانون المصري، إلا أن القدح في القانون الأردني مجرم بنوع وحيد وعام، في حين أن السب في القانون المصري ينقسم إلى نوعين وهما السب العلني والسب غير العلني.
ونلاحظ من تعريف القدح وتعريف الذم أن الفارق بينهما يكمن في الواقعة محل الإسناد، فالقدح يعد أوسع نطاقاً من الذم لكونه لا يشترط أن تكون المادة المسندة للمجني عليه محددة، في حين أن الذم يستلزم أن تكون المادة المسندة إلى المجني عليه هي مادة معينة، بمعنى أنه في الذم تكون الواقعة التي يتم إسنادها إلى المجني عليه محددة ومعينة بغض النظر عن كون تلك الواقعة يعاقب عليها القانون أم لا، كما لو قيل أن زيد خائن أو سارق، في حين تكون الواقعة المسندة للمجني عليه في جريمة القدح هي واقعة غير محددة كما لو قيل عمرو ليس مؤتمن الجانب.
(ب) التمييز بين جريمة الذم وجريمة التحقير
عرف المشرع الأردني التحقير في نص المادة (190) بأنه (كل تحقير أو سباب – غير الذم والقدح – يوجه إلى المعتدى عليه وجهاً لوجه بالكلام أو الحركات أو بكتابة أو رسم لم يجعلا علنيين أو بمخابرة برقية أو هاتفية أو بمعاملة غليظة).
ويكمن اختلاف التحقير عن الذم والقدح في أن التحقير لا يتم على مرأى ومسمع من الناس فلا يكون علنياً بخلاف الذم والقدح اللذان يشترط فيهما العلانية كما سنرى عند التعرض لأركان جريمة الذم، كما يختلف عنهما في أن السب والقدح يمكن أن يقعا بشكل وجاهي أو غيابي، في حين أن التحقير لا يتم إلا وجاهيا أو بشكل غير واضح إلا بين طرفيه كمخابرة هاتفية أو برقية مغلقة، فإذا ما كان التحقير قد تم توجيهه بشكل علني أو ببرقية مفتوحة يمكن للغير الاطلاع على فحواها يحوله من تحقير إلى ذم أو قدح[3].
بمعنى أوضح فإذا كان الفعل المرتكب في حق المجني عليه لا لا يشكل جريمة ذم أو قدح لتخلف ركن من أركان الجريمة، فإن تكييف هذا الفعل يكون جريمة التحقير طالما أن نتيجتها الإجرامية هي الحط من قدر المجني عليه وتحقيره وإهانته قبل نفسه.
3- المقصود بالموظف
يختلف مفهوم الموظف الذي تسبغ له الحماية في القانون الذي يسبغ له تلك الحماية، لذلك فإننا وبالعودة إلى قانون العقوبات الأردني تبين لنا أن المشرع لم يترك تعريف الموظف الذي تسبغ له الحماية، حيث عرف الموظف في نص المادة رقم (169) من قانون العقوبات على أنه (يعد موظفاً بالمعنى المقصود في هذا الباب كل موظف عمومي في السلك الإداري أو القضائي، وكل ضابط من ضباط السلطة المدنية أو العسكرية أو فرد من أفرادها، وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة).
ومن خلال هذا التعريف يتبين لنا أن المشرع في إسباغه للحماية الجنائية للموظف من جرائم الذم قد أراد أن يؤكد تلك الحماية ويدعمها ويوسع من نطاق المتمتعين بها من موظفي المملكة، حيث وضع تعريفاً للموظف يتسع ليشمل جميع العاملين بالجهاز القضائي والإداري والتنفيذ للدولة، بل وشمل بتلك الحماية أعضاء مجلس الأمة الممثلين للسلطة التشريعية بنص المادة (191) عقوبات، وهو توسعاً محموداً منه في تعريف الموظف لكونه يمثل ضمانة لأي موظف عام يقوم بممارسة مهام عمله، وهو ما يكفل بدوره حسن سير وإدارة المرافق العامة.
ثانياً: أركان جريمة ذم الموظف المجرمة بنص المادة (191) عقوبات
تتحقق جريمة ذم الموظف وفقاً لنص المادة (191) من قانون العقوبات الأردني متى تحققت أركانها الرئيسية والتي تتمثل في ثلاث أركان، الركن الأول وهو الركن المفترض، والركن الثاني وهو الركن المادي، والركن الثالث وهو الركن المعنوي.
1- الركن المفترض
يقصد بالركن المفترض لجريمة ذم الموظف هو توافر صفة في المعتدى عليه وهي صفة الموظف، فيلزم أن يكون المعتدى عليه من موظفي الدولة، ويعتبر هذا الركن هو أهم أركان تلك الجريمة حيث أن بدونه يتغير وصف الجريمة فتتحول من ذم موظف إلى ذم آحاد الناس، وهو ما يترتب عليه دخول تلك الجريمة في كنف نص تجريمي آخر خلاف نص المادة (191) عقوبات.
وكما سبق وأن أوضحنا فقد أورد المشرع الأردني في قانون العقوبات تعريف الموظف، إلا أنه في نص المادة (191) عقوبات قد شمل بنص التجريم – بجانب الموظف وفقاً لتعريفه العام سالف البيان – أن يكون من تم الاعتداء عليه هو مجلس الأمة ذاته أو عضو من أعضائه سواء أثناء عمله أو بسبب ما قام به وأجراه من تصرفات بحكم عمله، أو أي هيئة من الهيئات الرسمية، أو أي محكمة من المحاكم بالمملكة، أو أي إدارة من إداراتها العامة، أو الجيش، أو أي موظف بالدولة سواء كان الاعتداء عليه بالذم أثناء ممارسته لوظيفته أو بسبب ما قام به أو أجراه من تصرفات بحكم عمله.
ونجد هنا أن المشرع الأردني قد استهل الجهات التي يوجه إليها الذم محل التجريم بمجلس الأمة وأعضائه تأكيداً منه على حماية السلطة التشريعية بالمملكة من أي اعتداء بالذم، واختتمها بأي موظف ليكون قد بدأ نص التجريم بالتخصيص واختتمها بالعموم، وذلك حتى لا يكون هناك مجالاً لإخراج أي موظف يمارس وظيفة عامة بالمملكة من تحت مظلة الحماية القانونية من جريمة الذم.
كما أن واقعة الذم يجب أن تكون مستهدفة الموظف ليس بشخصه فقط باعتباره فلان ابن فلان، ولكن لصفته المتمثلة في كونه موظف عام، لأنه لو وجهت واقعة الذم لشخص الموظف ولاعتبارات شخصية بينه وبين الجاني فإنها تتحول إلى جريمة ذم عادية ضد آحاد الناس، وتخرج عندئذ من نطاق تجريم المادة (191) عقوبات، وهو ما دعا المشرع إلى اشتراط أن تكون جريمة الذم قد ارتكبت تجاه الموظف إما أثناء تأديته لمهام وظيفته، أو بسبب أعمال وتصرفات تتعلق بممارسته لتلك الوظيفة، واعتبر أن عدم تحقق أياً من هاتين الحالتين ينقل التجريم من ذم موظف عام إلى ذم آحاد الناس.
2- الركن المادي
يقوم الركن المادي لجريمة ذم موظف أثناء أو بمناسبة تأدية وظيفته على ثلاث دعائم رئيسية، وهذه الدعائم هي فعل الإسناد، والعلانية، والواقعة التي يتم نسبتها للموظف.
(أ) فعل الإسناد
أول عناصر الركن المادي لهذه الجريمة يتمثل فيما يعرف بفعل الإسناد، ويقصد بفعل الإسناد أن تكون الواقعة المسندة قد تم إسنادها إلى المجني عليه (الموظف)، ويستوي الأمر أن يكن فعل الإسناد قد تم بشكل يدل على التأكيد أو الترجيح أو حتى على سبيل الاستفهام، حيث أن القانون لم يشترط فيه أن يكون على سبيل اليقين أو الجزم[4].
ويعد فعل الإسناد هو النقطة الفاصلة بين الذم والقدح، حيث أن جريمة القدح تقوم بأي إسناد يكون من شأنه المساس باعتبار الشخص أو شرفه، في حين أن جريمة الذم تقوم متى كان ما تم إسناده للمجني عليه هو واقعة محددة تضعه تحت طائلة القانون وعقوباته، وهو ما يمكننا أن نستخلص منه أن الذم يعد قدحاً، في حين أنه ليس كل قدح يعد ذم.
ولم يحدد القانون شكل محدد يجب أن يصدر عليه فعل الإسناد، حيث يمكن أن يكون في صورة قول أو كتابة أو حتى بالرسم أو بأي طريقة أو شكل آخر يمكن من خلاله التعبير عن فعل الإسناد أو القيام به من قبل الجاني إلى المجني عليه.
ومن مجمل نص المادة (191) عقوبات يتضح لنا أن المشرع يعتد بالجريمة وفعل الإسناد فيها سواء كان المجني عليه شخص طبيعي أو اعتباري، وهو أمر منطقي ومتصور خاصة وإن كان الذم يستهدف من يقوم بإدارته من أشخاص طبيعيين كالمديرين والممثلين القانونيين لهذا الشخص الاعتباري بصفتهم تلك، فعندئذ يكون الجرم واقعاً على الشخص الاعتباري.
ويعتد القانون بتجريم فعل الإسناد سواء كان محتواه من صنع الجاني وابتكاره أو نقلها عن شخص آخر، فيستوي الأمر مادام فعل الإسناد قد صدر من الجاني للمجني عليه مباشرة.
(ب) العلانية
المقصود بالعلانية هو اتصال علم الغير أو قدرتهم على العلم بالفعل الذي يمس باعتبار المجني عليه أو شرفه بصورة تضر بمكانته وبنظرتهم إليه، وتنال من مكانته بينهم، والحكمة هنا من اشتراط العلانية في تلك الجريمة هو أن العلانية تعتبر هي الوسيلة والأداة التي يصل بها فعل الإسناد المتضمن المساس باعتبار المجني عليه إلى علم الغير من الأفراد[5].
وقد حدد المشرع صور الذم التي يعاقب عليها القانون، وقد حددها على سبيل الحصر في إطار المادة (189) من قانون العقوبات الأردني، وذلك في إطار أربعة صور رئيسية وهي:
– الذم الوجاهي أي الذم الذي يتم في مواجهة الجاني بالمجني عليه وفي حضورهما بذات المكان، يشترط القانون في تلك الصورة من الذم إما أن يكون الجاني مرتكباً لجريمته تجاه المجني عليه في مواجهته بشكل مباشر، أو أن يتم ارتكاب جريمة الذم في مكان به أشخاص يستطيعون سماعه بغض النظر عن عددهم سواء كان ضئيلاً أو كثيراً.
– الذم الغيابي أي الذم الذي يحدث في غياب المجني عليه، ويشترط فيه أن يتم خلال اجتماع الجاني بأشخاص كتيرين سواء كانوا مجتمعين أو منفردين.
– الذم الخطي والذي اشترط فيه القانون أن يتم على إحدى صورتين، إما أن يتم فعل الإسناد من خلال ما يتم نشره وإذاعته بين الناس أو من خلال ما يتم توزيعه على طائفة من الناس من الكتابات أو الرسوم أو الصور الاستهزائية أو مسودات الرسوم والتي تتمثل في السوم قبل أن يتم تزيينها وتصنيعها، وإما أن يتم إرساله للمجني عليه في مكتوب مفتوح أو بطاقة بريدية.
– الذم المطبوع أي الذي يتم من خلال المطبوعات، وقد اشترط القانون أن يتم إما من خلال الجرائد والصحف اليومية أو الموقوتة، وإما من خلال أي نوع من أنواع المطبوعات ووسائط النشر.
وبالتالي متى انتفت العلانية بعدم توافرها في إحدى صورها التي قررها القانون واشترط توافرها على النحو المبين أعلاه، فإن جريمة الذم تنتفي في حق الجاني، وتتحول الجريمة من جريمة ذم إلى جريمة تحقير، حيث أن الأخيرة لا يشترط فيها العلانية.
(ج) الواقعة التي تنسب للموظف
الموظف باعتباره المجني عليه في هذه الجريمة يجب أن تكون الواقعة التي يتم نسبتها إليه في فعل الإسناد من قبل الجاني هي واقعة معينة وواضحة ومحددة، وذلك العنصر من عناصر الركن المادي يعد هو الحد الفاصل بين جريمة الذم وجريمة القدح، وبالتالي متى لم تكن الواقعة المسندة للموظف محددة أو معينة على واجه واضح، فإن الجريمة المرتكبة في تلك الحالة تصبح جريمة قدح.
ونود أن نوضح أن الواقعة التي يتم نسبتها للمجني عليه لا يتم استخلاصها فقط من الصيغة التي يصدر عليها فعل الإسناد فقط، ولكن أيضاً من الملابسات والظروف المحيطة بالجريمة، والتي تشمل كل من الجاني والمجني عليه أيضاً، فعلى سبيل المثال إذا ما كان الفعل المسند للمجني عليه متمثلاً في وصفه بأنه (ابن زنا) فإن ذلك يعد دلالة على الاحتقار والازدراء، إلا أنه يعتبر ذماً متى كان الجاني يهدف إلى الدلالة على أن نسب المجني عليه إلى والده غير ثابت وبالتالي يعد ابناً غير شرعي، حيث أن الواقعة المنسوبة للمجني عليه في الحالة الأخيرة هي واقعة معينة تستهدف تحقيق دلالة محددة، وهو ما يجعل تقدير ما إذا كان الفعل المسند للمجني عليه يمثل ذماً من عدمه راجعاً لمحكمة الموضوع، والتي تستخدم سلطتها التقديرية في تحديد ذلك من خلال ظروف كل حالة على حدة[6].
ويجب أن نتعرض أيضاً إلى بعض النقاط الهامة في شأن الواقعة التي يتم نسبتها وإسنادها للمجني عليه (الموظف)، فعلى الرغم من لزوم أن تكون واقعة تستوجب تحقير الموظف، إلا أنه لا يستلزم ذلك ان يكون تحقير الموظف من المجتمع بأسره، ولكن يكفي في هذا الشأن أن تكون تلك الواقعة التي تنسب إليه متسببة في تحقيره من طرف المجتمع المحيط به والمكون ممن يتعامل معهم الموظف أو يحيا بينهم.
كما أن تلك الواقعة لا يستلزم تجريم نسبتها للمجني عليه أن تكون واقعة صحيحة وحقيقية، بل تقوم الجريمة حتى لو كانت هذه الواقعة مكذوبة وغير حقيقية، فيكون فعل الإسناد معاقباً عليه قانوناً متى تم نسبة الواقعة المحددة للموظف سواء كانت تلك الواقعة صحيحة أم لا، حيث أن مناط التجريم هو أن تكون الواقعة المسندة للموظف تحط من قدره.
3- الركن المعنوي
يقصد بالركن المعنوي للجريمة القصد الجنائي لدى مرتكبها، ويعتبر هذا الركن من الأركان الهامة باعتباره يوضح الحالة الداخلية لدى مرتكب الجريمة، وبالتالي يتيح الوقوف على مدى الخطورة الإجرامية لديه، ومدى استهدافه ونيته لتنفيذ تلك الجريمة، وبالمجمل فالركن المعنوي يقصد به اتجاه نية وإرادة الشخص لارتكاب الفعل المادي للجريمة، وهو على علم وإدراك تام بأن ذلك يمثل جريمة مكتملة الأركان.
وتختلف الجرائم بين جرائم يلزم فيها توافر القصد الجنائي العام، وجرائم يلزم فيها توافر القصد الجنائي الخاص بجانب نظيره العام، إلا أن جريمة ذم الموظف تعد من الجرائم التي يلزم فيها توافر القصد الجنائي بصورته العامة دون الخاصة، بحيث يتحقق الركن المعنوي في حق الجاني متى توافر لديه العلم بأن فعل الذم الذي يرتكبه يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، والإرادة المتمثلة في قيامه بفعل الذم بقصد إذاعته وتحقيق الجريمة.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق جريمة ذم الموظف على سبيل الخطأ أو عدم الاحتراز، فهي جريمة مقصودة أي لا يقوم بها فاعلها إلا إذا كان ركنها المعنوي متحققاً لديه بشكل مسبق، فعندما يقوم الجاني بارتكاب الركن المادي للجريمة – فعل الذم – وهو على علم وإدراك بأن الواقعة التي ينسبها للموظف سوف تمس باعتباره وكرامته، وتتجه إرادته على الرغم من ذلك العلم لارتكاب ذلك الفعل، فإن الجريمة بركنيها المادي والمعنوي قد تحققت لديه.
وأخيراً ينتفي الركن المعنوي في حق الجاني متى لم يكن في نيته أو قصده أن يذاع فعل الإسناد على الغير، وأن ذلك كان حادث عرضي نتج عن محادثة تمت بصوت مرتفع فوصلت لأسماع آخرين، ففي تلك الحالة ينتفي القصد الجنائي في حق الجاني وبالتالي ينهار الركن المعنوي للجريمة، ولا يكون هناك مسئولية جنائية عليه في هذا الشأن.
ثالثاً: عقوبة جريمة ذم الموظف المجرمة بنص المادة (191) عقوبات
تضمن نص التجريم الرقيم (191) من قانون العقوبات العقوبة التي توقع على مرتكب جريمة ذم الموظف أثناء وظيفته، حيث حددها المشرع بالحبس الذي تبدأ مدته كحد أدنى من ثلاثة أشهر، وتصل إلى حد أقصى مدته سنتين.
وبمطالعة نص المادة (192/1) عقوبات نجد أن المشرع قد حظر قبول طلب الجاني بإثبات صحة الواقعة التي أسندها للموظف، إلا أنه قد أباح له ذلك الطلب في حالتين، الحالة الأولى أن تكون تلك الواقعة المسندة إلى المجني عليه متعلقة بمهام وواجبات وظيفته، والحالة الثانية أو أن تكون تلك الواقعة هي جريمة تستلزم في حد ذاتها العقاب عليها وفقاً للقانون، ويتفرع عن ذلك أمرين:
– الأمر الأول: يخص الحالة الأولى والتي تكون الواقعة المنسوبة للموظف من قبل الجاني هي واقعة تتعلق بمهام وواجبات وظيفته، فإذا تمكن الجاني من إثبات أن الواقعة التي نسبها للموظف صحيحة فإنه يفلت من العقوبة ويصبح بريئاً من جريمة الذم، أما إذا ثبت براءة الموظف من تلك الواقعة فيتم معاقبة الجاني بالعقوبة المحددة قانوناً لجريمة ذم الموظف.
– الأمر الثاني: يخص الحالة الثانية والتي تكون الواقعة المنسوبة للموظف تمثل جريمة يستحق الموظف عنها عقوبة حال ثبوتها في حقه، فإذا ثبت براءة الموظف منها بعد قيام السلطات المختصة بملاحقته والتحقيق معه، وثبت أن الجاني كان على علم ببراءته منها عندما نسبها إليه، فإن الجاني هنا لا يعاقب على جريمة الذم، ولكنه يعاقب عن جريمة الافتراء طبقاً لنص المادتين (209) و(210) عقوبات.
رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
سوف نقتصر على إيراد حكم من أحكام محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية والتي حددت وصف شامل لجريمة ذم موظف عام متمثلاً في هيئة قضائية، وهو الحكم رقم 951 لسنة 2009 تمييز جزاء والصادر بجلسة 17/6/2009 والمتضمن أن (حيث أن ما جاء في المادتين الصحفيتين المنشورتين من وصفه لإحدى محاكم التنظيم القضائي وهي محكمة العدل العليا بأنها أخلت بواجبات الوظيفة القضائية، ومخالفتها القانون وعدم تقيدها بحجية القرارات القضائية وهي من واجباتها القضائية فان ذلك يشكل طعناً بحق المحاكم وماسا بحرمتها واحترامها بما يوفر الركن الأول من أركان هذه الجريمة، وحيث أن الظنين نشر هذه المادة المنظمة هذه العبارات في صحيفتي ….. و….. وهما صحيفتان يوميتان ومن وسائل الإعلام في المملكة فيكون الركن الثاني متوافراً في الفعل أيضاً، وحيث أنه قد عبر عن قصده تعبيراً صريحاً بالتشكيك في قيام المحكمة بواجبات وظيفتها القضائية ومخالفتها للقانون وعدم تقيدها بحجية القرارات القضائية، وكان ذلك في معرض شكواه وتعليقه على حكم صادر عن هذه المحكمة خسر بموجبه دعواه، فإن القصد الجرمي قد توافر بالمعنى المقصود، كما أن ما ورد في العبارة الواردة في المادة الصحفية المنشورة من إسناده إلى محكمة العدل العليا وقضائها من أنها تخطئ أخطاءً جسيمة توجب مساءلتها فإن هذه المادة ولو كانت في معرض الشك والاستفهام من شأنها أن تنال من شرف هذه المحكمة وكرامتها وهيبتها يؤدي إلى نزع الثقة في هذه المحكمة وعزوف المتقاضين الذين ينشدون العدالة عنها وأن هذه المادة قد تم نشرها بين الناس بإحدى وسائل الإعلام وهي صحيفتي ……… و…….. فإن ذلك يشكل أركان وعناصر جنحة ذم المحاكم بالمعنى الوارد في المادة (191) من قانون العقوبات).
خامساً: الخاتمة
يعتبر تجريم ذم الموظف وقدحه وتحقيره من أهم الضمانات التي كفل بها المشرع الحماية للموظف العام عند قيامه بمهام وظيفته، فليس من المتصور أن يتمكن الموظف من تأدية وظيفته على أكمل وجه وهو يقع تحت تهديد يتمثل في تعرضه لأي اعتداء قولي أو فعلي أثناء مباشرته لها، لذلك كان الاهتمام بحماية الموظف جنائياً هو اهتمام جم، ولا أبلغ من دليل على ذلك أن المشرع لم يحصنه ويحميه من الاعتداء الفعلي، ولكنه كفل له أيضاً الحماية من أي قول يمكن أن يمس أغلى ما يمتلكه وهو كرامته وشرفه واعتباره، ولن نجد قانوناً يخلو من ذلك التجريم الذي يهدف لتحقيق الحماية للموظف، بما يضمن معه حسن واستمرارية عمل المرافق العامة، وبالتالي قدرة الدولة على تحقيق أهدافها.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – محمود مصطفى – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – دار النهضة العربية – مصر – 1984 – ص231.
[2] – محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات: القسم الخاص – مطابع جامعة القاهرة – مصر – 1986 – ص 150.
[3]– عادل سقف الحيط – جرائم الذم والقدح والتحقير عبر الوسائط الإلكترونية: دراسة مقارنة – الطبعة الثانية – دار الثقافة – الأردن – 2015 – ص 85.
[4] – محمد عودة الجبور – الجرائم الواقعة على الأشخاص – الطبعة الثانية – دار وائل – الأردن – 2011 – ص 393. وانظر مقال محامي جرائم إنترنت، منشور على موقع محامي الأردن – حماة الحق.
[5] – سالم الموسوي – جرائم السب والقذف عبر القنوات الفضائية – الطبعة الأولى – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2012 – ص34.
[6] – كامل السعيد – شرح قانون العقوبات: الجرائم الواقعة على الشرف والحرية – الطبعة الثالثة – دار الثقافة – الأردن – 2002 – ص 51.

