جريمة خرق حرمة المنازل

جريمة خرق حرمة المنازل

تعتبر الحياة الخاصة والمحافظة على خصوصيتها من أهم الحقوق التي اهتمت القوانين الوضعية ومن قبلها الشرائع السماوية بتقريرها للإنسان وإسباغ الحماية عليها، ومن أهم مكونات تلك الحياة هي المنازل أو المساكن التي يسكنها الإنسان، لا سيما وأنها المكان الأساسي والرئيسي للإنسان الذي يتمتع فيه بخصوصيته وبحياته الخاصة، ويخلو فيه إلى نفسه وأسرته، ويكون هو محل ومستودع أسراره الشخصية.

لذلك كانت حرمة المنزل أو المسكن الخاص بالفرد محل حماية من قبل المشرع الأردني، حيث خصص لتلك الحماية أكثر من نص قانوني، كان أحد أهم تلك النصوص نص (المادة 347) من قانون العقوبات، والخاصة بتجريم الاعتداء على حرمة المنازل، وترجع أهمية هذا النص إلى أنه قد تعرض بشكل صريح لتلك الجريمة موضحاً صور ارتكابها وعقوبتها والظروف المشددة لتلك العقوبة، وسوف يكون تعرضنا لتلك الجريمة في ظل ما جاء بنص تجريمها سالف البيان.

أولاً: التعريف بماهية حرمة المنزل

ثانياً: أركان جريمة خرق حرمة المنازل

ثالثاً: عقوبة جريمة خرق حرمة المنازل

رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

خامساً: الخاتمة

أولاً: التعريف بماهية حرمة المنزل

1- تعريف حرمة المنزل

تعد حرمة المنزل بمثابة لما يمتلكه الإنسان من حق في التمتع بالحياة الخاصة، فمن أهم مشتملات هذا الحق ألا يكون هناك من يتابع صاحبه أو يلاحقه، وأن يكون هناك حد فاصل بينه وبين الآخرين بحيث يمكنه في خلال مساحته الخاصة أن ينفرد بنفسه وأسرته بعيداً عن عيونهم ومسامعهم، وهو ما يعد المغزى والمضمون للحق في حرمة المنزل.

وقد قرر الدستور الأردني كفالة الحرمة للحياة الشخصية لأي مواطن أردني، وجرم أي اعتداء عليها من أي نوع، وذلك فيما نص عليه بـ (المادة 7/2) منه من أن (2- كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين يعاقب عليها القانون)، وشمل بالحماية حرمة المساكن فيما قرره بـ (المادة 10) منه من أن (للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبالكيفية المنصوص عليها فيه).

ويتمثل مضمون هذا الحق في أنه وبموجبه يمنع الغير من الدخول إلى المنزل الخاص بالشخص دون الحصول على إذن من هذا الشخص، إلا في الحالات التي يقررها القانون ويقرر فيها إباحة الدخول إلى المنزل دون إذن صاحبه في حالات معينة ووفقاً لإجراءات محددة ومشددة[1].

أما عن حرمة المنزل فإن لفظ الحرمة له مدلولين متباينين من حيث السعة والشمولية، المدلول الأول يتسم بالضيق والخصوصية ويتمثل في أن حرمة المنزل يقصد بها منع اقتحامه أو الدخول إليه أو تفتيش محتوياته إلا بموافقة ورضا قاطنيه، ويستثنى من ذلك الأحوال التي حددها القانون فقط وبالطريقة والإجراءات التي يقررها القانون في شأن ذلك، أما المدلول الثاني – وهو الذي نرى تأييده – فيتمثل في أن حرمة المنازل يقصد بها الحرية الكاملة لأصحابها في تنظيم منازلهم واستعمالها بالشكل الذي لا يتعارض مع النظم والآداب العامة، بجانب ما أخذ به المدلول الضيق لها من منع اقتحامه أو الدخول إليه أو تفتيش محتوياته إلا بموافقة ورضا قاطنيه، ويستثنى من ذلك الأحوال التي حددها القانون فقط وبالطريقة والإجراءات التي يقررها القانون في شأن ذلك، ويرجع تأييدنا للمفهوم الواسع لحرمة المنزل إلى أن القاعدة العامة – والتي تعد الأصل – هي حرمة المنزل، والاستثناء هو إباحة تخطي حرمة المنزل في ظل حدود وضوابط معينة، وبالتالي فإن الاستثناء يلزم أن يكون أضيق بكثير من القاعدة العامة.

ويعد مفهوم المنزل مفهوماً نسبياً، أي أنه يتباين من وقت إلى آخر ومن مكان إلى مكان، لذلك قد نجد اختلافاً بين تعريفه في وقت أو زمان ما عن تعريفه في وقت أو زمان آخر، إلا أن التعريف الوسطي المتوازن الذي يمكن أن يصلح لوصف المنزل بشكل عام يتناسب مع أي وقت أو مكان يتمثل في أن المنزل هو المكان الذي يعده الفرد ويجهزه للإقامة به سواء كانت إقامة دائمة أو متقطعة، وكافة ما يتبع هذا المكان من توابع وأماكن معدة لخدمته سواء كانت متصلة به أو تقع على مقربة منه أو تعد عنصر مكمل له[2].

وبتطور الحياة أصبح للمنزل (المسكن) أكثر من مدلول، فلم يعد يقتصر فقط على محل سكن ومأوى الفرد لكنه امتد ليشمل مدلوله مكان عمله أيضاً في بعض التشريعات، خاصة وأن التطور الذي طرأ على كافة مجالات الحياة جعل من مكان ممارسة نشاط الإنسان وعمله مختلفاً عن مكان مأواه وسكنه، ولذلك امتدت تلك الحماية لتشمل مكان عمل الفرد وممارسته لنشاطه، بل وتشمل أيضاً أي مكان قد يتخذه الفرد للإقامة المؤقتة كما هو الحال في غرف الفنادق التي يتم استئجارها للإقامة، ومكاتب المحامين وغيرها من أماك السكن أو ممارسة العمل.

إلا أن المشرع الأردني قد قصر مسمى المنزل على المكان المعد للسكن فقط دون العمل وممارسة النشاط فأسماه، ويتبين لنا ذلك من مضمون نص (المادة 2) من قانون العقوبات الأردني، والتي نصت على أن (تعني عبارة بيت السكن المحل المخصص للسكنى أو أي قسم من بناية اتخذه المالك أو الساكن اذ ذاك مسكناً له ولعائلته وضيوفه وخدمه أو لأي منهم وإن لم يكن مسكوناً بالفعل وقت ارتكاب الجريمة، وتشمل أيضاً توابعه وملحقاته المتصلة التي يضمها معه سور واحد).

وهو ما يمكننا أن ننتهي معه إلى أن حرمة المنزل وخصوصيته باعتباره حق للفرد يقصد به صيانة وحماية حق الإنسان في صون حرمة منزله، والحفاظ على مكنونات نفسه وأسراره به، وذلك دون أن يخشى من أي اعتداء على تلك الخصوصية، وهو ما تكفله له النصوص القانونية التي تجرم الاعتداء على تلك الحرمة والخصوصية، وتستثني في ذات الوقت من تلك الحماية بعض الحالات التي يؤذن فيها من قبل السلطات المختصة بذلك، ولكن في ظل إجراءات محددة وفي أضيق الحدود.

ويأخذ حكم المنزل وذات الحماية المقررة له كافة ملحقاته التي تخصص لخدمته كالحديقة والمخزن السلم والجراج وغيرها من الملحقات المعدة لتتبع المنزل في استخدامه وتخصص لخدمته ومنافعه، ولكن أهم شرط هو اتصالها بالمنزل بغض النظر عن مكان وجودها سواء أعلاه أو بجانبه أو أسفله[3].

2- الحكمة من تقرير حرمة المنزل

اختلف الفقه القانوني في شأن تحديد الحكمة من تقرير حرمة المنازل وتجريم الاعتداء عليها، وتحديد المصلحة التي تقررت لحمايتها، حيث رأى البعض أن الحكمة من ذلك تنبع من استهداف حماية المنزل ذاته، واستندوا في ذلك إلى أن الاعتداء على المنزل لو تم حتى أثناء عدم وجود صاحبه فيه يعد اعتداء وخرق لحرمة المنزل، وبالتالي فإن الحماية موجهة للمنزل وليس لصاحبه.

في حين يرى البعض الآخر ان مناط التجريم هنا لخرق حرمة المنزل هو حماية لحق الخصوصية المقرر للفرد، وذلك باعتباره المكان الذي يلجأ إليه ليكون على راحته، ويتحلل من الرسميات ويجري محادثاته في خصوصية، وغيرها من الأمور الأخرى التي يقوم بها في ظل علمه بأنه لا يمكن لأحد أن يكسر خصوصيته أو يطلع عليها[4]، وهذا الرأي هو الرأي الصائب.

ثانياً: أركان جريمة خرق حرمة المنازل

تقوم جريمة خرق حرمة المنازل على ثلاثة أركان رئيسية وهي الركن المفترض والركن المادي والركن المعنوي، حيث يتمثل الركن المفترض في محل الجريمة، بينما يتمثل الركن المادي في الفعل أو السلوك الإجرامي، وأخيراً الركن المعنوي في القصد الجنائي لدى الجاني لارتكاب السلوك الإجرامي.

1- الركن المفترض

بداية فقد جرم المشرع فعل خرق حرمة المنازل من حيث الأصل لحماية خصوصية صاحبه الذي يسكنه، وبالتالي فإن المشرع قد سبغ الحماية على كل من المنزل – والذي أوضحنا تعريفه سلفاً – وملحقاته.

وبالتالي فإن محل الجريمة يجب أن يتوافر له وصف المنزل أو المسكن أو ملحقاته، فيجب أن يكون المكان المعتدى عليه هو منزل أو مكان معد للسكن أو أحد ملحقاتهما كالبدروم والمخزن والحديقة وغيرها من الأماكن التي تخدم المنزل وتتبعه.

كما أنه ومما سبق يكون دخول المنزل المهجور الذي لا يُعرف له مالك أو ساكن فعلاً لا يعاقب عليه القانون، حيث إنه بانتفاء وجود ساكن أو مالك يجعل من الحديث عن الحرمة والخصوصية غير ذي جدوى، نظراً لانتفاء الحق والمصلحة التي يحميها القانون، وبالتالي لا يكون هناك مسؤولية جنائية على مرتكبه.

2- الركن المادي

استهل المشرع الأردني نص (المادة 347/1) من قانون العقوبات ببيان للسلوك الإجرامي الذي يرتكبه الجاني في جريمة خرق حرمة المنازل، حيث جاء بصدر تلك المادة أن (1- من دخل مسكن آخر أو ملحقات مسكنه خلافاً لإرادة ذلك الآخر وكذلك من مكث في الأماكن المذكورة خلافاً لإرادة من له الحق في إقصائه عنها …).

وهو ما يتبين معه أن الركن المادي يلزم أن يتحقق السلوك الإجرامي من قبل الجاني في إحدى صورتين إما الدخول أو المكوث (البقاء)، وفي ظل تحقق شرط رئيسي يتمثل في أن يكون الدخول أو المكوث (البقاء) قد تم ضد رغبة وإرادة صاحب الحق في منحه الإذن بذلك، بجانب محل الجريمة الذي تقع عليه الجريمة، والنتيجة الإجرامية المترتبة على هذا السلوك، وسنتناول في النقاط التالية صورتي السلوك الإجرامي وشرط تجريمه.

أ- الدخول إلى المسكن

الصورة الأولى من صورتي السلوك الإجرامي تتمثل في فعل إيجابي وهو فعل الدخول، والمقصود بالدخول هنا هو ولوج الجاني مسكن المجني عليه، وهو ما يستشف منه أنه يجب أن يكون الجاني قد دلف إلى المسكن بكامل جسده وليس بجزء منه فقط، فالدخول إذاً هو أن ينتقل جسد الجاني بصورة فعلية من خارج حدود المنزل أو المسكن أو أحد ملحقاته إلى داخل تلك الحدود.

ولم يشترط القانون في تجريم هذا الفعل أن يتم على صورة معينة أو من منفذ محدد، فيمكن أن يكون الدخول من خلال فتح باب المنزل أو كسره أو من خلال النافذة أو من أي طريق كان، فالقانون لا يعتد في تجريم خرق حرمة المنزل بطريقة الدخول، ولكنه يعتد بحدوث فعل الدخول بشكل فعلي أياً كانت الوسيلة التي تم من خلالها.

وهو ما يستدل منه أنه إذا قام شخص بإدخال يده أو قدمه أو رأسه إلى داخل منزل شخص آخر، أو قام باستراق النظر عبر نافذة المنزل ليرى ما بداخله، أو أن يتنصت عليه من الخارج ليسمع ما يدور بداخله، أو غيرها من الأفعال التي تتم من خارج المنزل فلا تعد تلك الأفعال من قبيل السلوك الإجرامي لجريمة خرق حرمة المنزل، وإن كانت تصلح لتكون سلوكاً إجرامياً لجريمة أخرى كجريمة إقلاق الراحة أو استراق السمع والتنصت[5].

وقد يتمثل السلوك الإجرامي في دخول الجاني عنوة وبشكل مفاجئ بحيث لا يمنح صاحب المنزل الفرصة لردعه، كما يمكن أن يدخل متسللاً دون أن يراه صاحب المنزل، أو يقتحم الجاني المنزل باستخدام القوة، أو يدخل بأي أسلوب آخر بغض النظر عن صورته، حيث إن المشرع لم يتطلب شكل معين في طريقة الدخول، وإن كان قد اعتبر بعض أساليب الدخول حال تحققها بمثابة ظرف مشدد لعقوبة المعتدي وهو ما سنوضحه عند التعرض لعقوبة الجريمة.

ب- المكوث في المسكن

ثاني صورتي السلوك الإجرامي تتمثل في فعل سلبي بالامتناع وهو البقاء في المنزل أو ملحقاته والمكوث فيه، والمقصود بتلك الصورة هو أن الجاني يكون بالفعل قد تواجد داخل المنزل أو ملحقاته برضا وإرادته صاحبه ثم رفض مغادرته عندما طلب منه ذلك، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك وكان الجاني قد دخل إلى المنزل دون إرادة صاحبه فإن السلوك الإجرامي يكون قد تحقق بالدخول وليس بالمكوث والبقاء.

فالمكوث بالمنزل أو ملحقاته يكون مباحاً ولا تتحقق معه جريمة خرق حرمة المنزل طالما صاحبته موافقة ورضا من صاحب المنزل على ذلك البقاء، ولا يعد الجاني مرتكباً لتلك الجريمة إلا بعد أن يتصل علمه بإرادة ورغبة صاحب المنزل في أن يغادره الجاني، وعلى الرغم من ذلك يظل باقياً في المنزل ويمتنع عن مغادرته، فعندئذ يعد مرتكباً لجريمة خرق حرمة المنزل.

ج- شرط تجريم فعل الدخول أو المكوث

حتى يكون فعل الدخول أو المكوث (البقاء) ممثلاً للسلوك الإجرامي في جريمة خرق حرمة المنازل فقد اشترط القانون أن يكون كلاً منهما – الدخول أو المكوث – قد تم على خلاف إرادة صاحب المنزل وضد رغبته ودون إذنه أو موافقته.

إلا أنه ينبغي أن تكون إرادة مالك المنزل أو ملحقاته صريحة وواضحة، بغض النظر عن الطريقة المستخدمة فيها كما لو كانت باللفظ الصريح الدال على المغادرة، أو بالإشارة الصريحة التي يستفاد منها ضمنياً رغبته في مغادرة الجاني لمنزله، إلا أنه بالنسبة للتعبير الضمني عن الإرادة فهو يمكن تصوره في فعل الدخول، فلو رفض صاحب المنزل دخول الجاني فيمكنه أن يعبر عن ذلك ضمنياً كما لو قام بغلق الباب في وجهه أو حتى الامتناع عن فتح الباب له وتركه موصداً، إلا أنه لا يمكن تصوره في حالة الامتناع عن المغادرة والمكوث في المنزل، حيث لا يمكن أن يستفاد رفض صاحب المنزل لوجود الجاني في منزله بعد استقباله له، فيجب في تلك الحالة أن يكون الإعلان عن رغبة صاحب المنزل في مغادرة الجاني صريحاً، وذلك حتى يمكن التيقن من ارتكاب الجاني للسلوك الإجرامي المتمثل في الامتناع عن مغادرة المنزل.

وبالتالي فإن دخول الجاني إلى منزل المجني عليه برضاه وبقائه فيه مشروط باستمرار هذا الرضا، وأن تظل إرادة المجني عليه قائمة بوجود الجاني داخل منزله، فإذا ما زالت تلك الإرادة والرضا بوجوده، وأعلن المجني عليه عن رغبته في أن يترك الجاني منزله، فإنه ومنذ لحظة إعلانه عن ذلك يصبح الجاني مرتكباً لجريمة خرق حرمة المنزل متى رفض المغادرة.

مما نستخلص معه أن الجاني، حتى لو كان مكوثه في المنزل ضد إرادة صاحبه والتي لم يعلن عنها وتركها طي الكتمان، فإن فعل المكوث هنا لا يعاقب عليه قانوناً، حيث أن مناط العقاب هو إعلان صاحب المنزل عن رغبته – الصريحة – في مغادرة الجاني لمنزله.

ولا مجال هنا للحديث عن النتيجة الإجرامية باعتبارها نتيجة مفترضة تتحقق بمجرد دخول الجاني للمنزل أو مكوثه فيه ضد إرادة صاحبه ودون موافقته أو إذنه، فالنتيجة الإجرامية المتمثلة في خرق حرمة المنزل تتحقق بمجرد وجود الجاني داخل المنزل – دخولاً أو مكوثاً – ضد إرادة صاحبه.

3- الركن المعنوي

يتطلب القانون في جريمة خرق حرمة المنازل توافر الركن المعنوي لها، والركن المعنوي هنا هو القصد العام فقط، ويقصد بالقصد الجنائي العام أن يتوافر لدى الجاني العلم والإرادة، فالعلم لدى الجاني هو علمه بأن دخوله للمنزل أو مكوثه فيه – حسب الفعل المكون للسلوك الإجرامي – بدون إرادة صاحبه سيشكل جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبة محددة، واتجاه إرادته إلى الدخول إلى منزل المجني عليه أو المكوث فيه دون موافقة صاحبه – المجني عليه – وضد إرادته.

وبالتالي فإن الركن المعنوي يعتبر متحققاً متى كان الجاني على علم بأن المنزل الذي يدخل إليه أو إلى ملحقاته هو منزل شخص آخر، وأن دخوله إليه أو مكوثه فيه يتم ضد إرادة صاحب هذا المنزل ودون رغبته أو موافقته، وأن تتجه إرادته إلى دخول المنزل أو المكوث فيه دون إرادة وموافقة صاحبه.

ومتى انتفى العلم أو الإرادة لدى الجاني، كما لو دخل إلى منزل الغير وهو يظن أنه منزله أو منزل شخص سمح له بدخول منزله، أو لم ينتبه إلى رغبة صاحب المنزل في أن يغادره، أو كان واقعاً تحت إكراه وتهديد من الغير بهدف إجباره على ارتكاب فعل الدخول أو المكوث، فقام على إثر ذلك الإكراه بارتكاب هذا الفعل ضد إرادته، فلا يتحقق الركن المعنوي في حقه ولا يستحق أي عقوبة لانتفاء القصد الجنائي لديه.

ثالثاً: عقوبة جريمة خرق حرمة المنازل

بالرجوع إلى نص (المادة 347) من قانون العقوبات الأردني نجد أن المشرع قد قرر لجريمة خرق حرمة المنازل عقوبة في ظروفها العادية، أي التي لا تقترن بأي ظرف من الظروف المشددة للعقوبة، فتوقع على من يدخل منزل الغير أو ملحقات هذا المنزل أو يمكث في أياً منهما ضد إرادة صاحب المنزل عقوبة تتمثل في الحبس لمدة لا يزيد حدها الأقصى عن ستة أشهر.

وقد جعل المشرع تلك الجريمة في صورتها العادية من جرائم الشكوى، أي أن تحريك الدعوى الجنائية في هذه الجريمة لا يتم إلا بناء على شكوى من المجني عليه المتمثل في صاحب العقار أو قاطنه أو صاحب الحق في سكناه.

في حين شدد العقوبة لتصبح الحبس لمدة حدها الأدنى ثلاثة أشهر وحدها الأقصى سنة إذا ما توافر أياً من الظروف المشددة للعقوبة والتي بيانها كالتالي:

– أن يكون الفعل المرتكب من الجاني قد تم ارتكابه ليلاً، وهذا الظرف المشدد للعقوبة هو من الظروف الخطرة التي تشدد عقوبة بعض الجرائم الأخرى كما هو الحال في السرقة.

– أن يكون السلوك الإجرامي قد تم ارتكابه مقترناً باستخدام العنف على الأشخاص، أو باللجوء إلى الكسر، أو استخدم فيه سلاح.

– أن يكون السلوك الإجرامي قد تم ارتكابه من قبل عدة أشخاص مجتمعين.

فإذا ما توافرت أي حالة من تلك الحالات فإن العقوبة التي توقع على الجاني تصبح عقوبة مشددة كما هو مبين سلفاً.

رابعاً: أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة

– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 2033 لسنة 2021 تمييز جزاء والصادر بجلسة 9/9/2021 والمتضمن أن (كما وجدت المحكمة بأن الأفعال التي ارتكبها المتهم والمتمثلة بدخوله لمنزل المشتكي ليلاً عنوة وبتهديد المجني عليه بواسطة أداة حادة ودون موافقة المشتكي تشكل كافة أركان وعناصر جنحة خرق حرمة المنازل خلافاً لأحكام المادة (347/2) من قانون العقوبات).

– حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية رقم 3506 لسنة 2020 تمييز جزاء والصادر بجلسة 23/2/2021 والمتضمن أن (وفي الحالة المعروضة نجد أن أفعال المتهم تمثلت في واقعتين الأولى وهي دخوله إلى منزل ذوي المجني عليها دون إذن من أحد من خلال الباب المفتوح، ولكنه مردود فقط وهذه الأفعال تشكل كافة أركان وعناصر جرم خرق حرمة المنازل خلافاً لأحكام المادة (347) عقوبات).

– حكم محكمة بداية جزاء عجلون بصفتها الاستئنافية رقم 279 لسنة 2021 والصادر بجلسة 10/5/2021 والمتضمن أن (كما تجد المحكمة أن أركان وعناصر جرم خرق حرمة المنازل هي: أولاً: محل الجريمة وهو بيت السكن أو أحد ملحقاته التي عرفها المشرع في المادة (2) من قانون العقوبات. ثانياً: الركن المادي المتمثل بالسلوك الإجرامي وهي الحركة العضوية الإرادية الصادرة من الجاني والتي تحدث تغيير في العالم الخارجي والمتمثلة بالاعتداء على الحق الذي حماه القانون لصاحب المنزل بعدم الدخول إليه والمكوث فيه إلا بإرادته ورضاه والنتيجة الجرمية المتمثلة بالاعتداء على المنزل الذي اعتبره المشرع مستودع لسر الإنسان ومنع الدخول إليه إلا في الأحوال التي نص عليها القانون أو في حالة موافقة صاحب البيت على ذلك. ثالثاً: القصد الجرمي وهو إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون والتي تتطلب العلم بأن هذا البيت أو المنزل مسكون وأنه يعود حق السكن فيه لأشخاص غير الجاني وأنه لا يحق الدخول إليه إلا برضا وموافقة صاحبه ومع ذلك يقدم على الدخول بهذا المنزل بدون رضا وموافقة صاحبه حيث إن العلم والإرادة مفترضان حتى يثبت العكس من المشتكى عليه. رابعاً الدخول ليلاً إلى مسكن (فيما يتعلق بخرق حرمة منزل ليلاً)).

خامساً: الخاتمة

تعتبر الحياة الخاصة للإنسان هي الحياة التي يمارسها بعيداً عن عيون الغير، وعلى الرغم من أهمية حق الإنسان في خصوصيته وفي حرمة منزله، إلا أن تلك الحرية ليست مطلقة، بمعنى أن الإنسان يتمتع بحرمة كاملة لمنزله كقاعدة عامة، إلا أنها كأي قاعدة عامة ترد عليها استثناءات سنتناولها في مقال قادم بإذن الله، وسنجد معه أن تلك الاستثناءات لا تكون إلا في أضيق الحدود وفي ظل إجراءات مشددة، وهو ما يجعلنا ننتهي إلى أن موقف المشرع الأردني من حماية حرمة المنازل كان موقفاً يستحق الإشادة.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – فيصل شطناوي – حقوق الإنسان وحرياته الأساسية – الطبعة الأولى – دار الحامد – الأردن – 1998 – ص 147.

[2] – كوثر عبد الهادي الجاف – التنظيم الدستوري: علاقة الدولة بالفرد – دار الكتب القانونية – مصر – 2015 – ص49.

[3] – عبد المهيمن بكر – إجراءات الأدلة الجنائية – دار النهضة العربية – مصر – 1997 – ص269.

[4] -كامل السعيد – شرح قانون العقوبات: الجرائم الواقعة على الشرف والحرية – دار الثقافة – الأردن – 2002 – ص190.

[5] – حامد راشد – الحماية الجنائية للحق في حرمة المسكن: دراسة مقارنة – رسالة دكتوراة غير منشورة – كلية الحقوق – جامعة القاهرة – مصر – 1987 – ص 189.

Scroll to Top