بطلان العقد في القانون المدني الأردني
من منا لا يعرف أهمية العقود سواء في الحياة الشخصية أو الحياة الاقتصادية، فالعقد يُعتبر أداةً لتنظيم التزامات وحقوق الفرد في المجتمع؛ لذلك علينا أن نحرص على سلامة العقد من الجانب القانوني بأن يخلو من أي عيب يؤدي إلى بطلان العقد؛ نتيجة تخلف ركن من أركانه أو شرط من شروط الصحة، حيث يؤدي بطلان العقد إلى انعدام الأثر القانوني للعقد، واعتباره كأن لم يكن. وبهذا يكون البطلان جزاءً قانونيًا يقع على التصرف القانوني محل العقد. ونظرًا لخطورة البطلان ومدى تأثيره السلبي على معاملات الأفراد فلابد من تسليط الضوء على ماهية البطلان، وخصائصه، وأنواعه سواء كان بطلان نسبي أو بطلان مطلق، والأسباب التي تؤدي إلى بطلان العقد، والآثار المترتبة عليه سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للغير، وغير ذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثالثًا: الفرق بين بطلان العقد وفسخ العقد وعدم النفاذ والانحلال
سابعًا: صاحب الحق في التمسك بالبطلان
ثامنًا: طرق جعل العقد الباطل عقدًا صحيحًا ومنتجًا لبعض الآثار القانونية
تاسعًا: سقوط الحق في التمسك بالبطلان (الإجازة والتقادم)
عاشرًا: السوابق قضائية لأحكام بطلان العقد
وسنقدم شرحا لذلك فيما يلي:
أولًا: تعريف البطلان
هناك العديد من التعريفات للبطلان ومن هذه التعريفات ما يلي: “الجزاء الذي يقرره القانون عند تخلف ركن ما من أركان العقد (المحل والسبب والتراضي والشكل في العقود الشكلية)، كما ويحدث البطلان عندما ينعدم شرط من شروط صحة التعاقد (الأهلية والإرادة)، فإنه يعني قانونًا انعدام أي أثر قانوني للعقد الذي تم إبرامه”([1]).
كما ورد في المادة (168/1) من القانون المدني الأردني تعريف للعقد الباطل، بما نصها: “العقد الباطل ما ليس مشروعا بأصله ووصفه بان اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة”.
ثانيًا: خصائص بطلان العقود
يتميز بطلان العقد بمجموعة من الخصائص، ومن هذه الخصائص ما يلي:
- بطلان جزء من العقد ولو بسيط يُبطل كل العقد ما لم يكن الجزء الباطل غير جوهري وغير مؤثر على مقتضى العقد، “وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائمًا باعتباره عقدًا متميزًا عن العقد الأصلي حيث تبقى الأجزاء المنفصلة عن الجزء الباطل صحيحةً وملزمةً للمتعاقدين وهذه الحالة تسمى انتقاص التصرف”([2]).
- بطلان الالتزام الأصلي يبطل الالتزامات التابعة والعكس غير صحيح، حيث إن القاعدة التابع تابع؛ فبطلان الالتزام الأصلي يؤدي إلى بطلان الالتزام التابع، أما بطلان الالتزام التبعي؛ فيترتب عليه محو أثر هذا الالتزام وحده أما الالتزام الأصلي فيبقى صحيحًا.
- لا يجوز إجازة العقد الباطل أو إقراره، حيث إن العقد الباطل ليس له وجود قانوني فلا تلحقه الإجازة أو الإقرار، وإنما يكون للمتعاقدين أن يُبرما عقد جديد على وجه يتفاديان به العيب الذي جعل العقد السابق باطلًا، ولا يرتب هذا العقد الجديد آثاره إلا من تاريخ إبرامه لا من تاريخ صدور العقد الباطل.
- بطلان العقد لا يخضع للتقادم، إنما دعوى البطلان هي من تسقط بالتقادم، حيث إن “العقد الباطل معدومٌ الأثر، والعدم لا ينقلب وجودًا مهما طال عليه الزمان، أما دعوى البطلان كغيرها من الدعاوى يرد عليها التقادم المسقط تجنبًا لإعادة النظر في الأوضاع الفعلية التي استقر عليها مدة من الزمن، ولتحقيق استقرار المعاملات التي تم تنفيذها بالفعل، أما الدفع بالبطلان يبقى أبديًا لأنه يكون إذا كان العقد الباطل لم ينفذ كله أو بعضه، فطالب أحد المتعاقدين الأخر تنفيذه؛ فيكون للمدعي عليه أن يدفع بالبطلان”([3]).
- بطلان العقد مصدر الحكم به القانون، حيث لا يكون للعقد أي قيمة قانونية من وقت انعقاده ولا يحتاج إلى حكم قضائي لتقرير بطلان العقد، فالحكم الصادر بتقرير بطلان العقد ما هو إلا حكم كاشف لحالة البطلان الموجود بالفعل.
- يحق لكل من له مصلحة التمسك ببطلان العقد، ويجوز للمحكمة أن تحكم ببطلان العقد من تلقاء نفسها ولو لم يبطله أحد؛ لان البطلان يتقرر كون العقد ينطوي على مخالفة قاعدة تستهدف حماية مصلحة عامة.
ثالثًا: الفرق بين بطلان العقد وفسخ العقد وعدم النفاذ والانحلال
حتى يتضح لنا ظاهرة البطلان بشكل واضح لابد من توضيح الفرق بين البطلان وما يقاربه من الحالات التي تطرأ على العقد بعد إبرامه، وذلك فيما يلي:
- الفرق بين بطلان العقد وبين فسخ العقد
يتشابه البطلان والفسخ من حيث الأثر المترتب على كل منهما، فكلاهما يؤدي إلى إعادة الحال لما كان عليه قبل التعاقد، أي أن لهما أثر رجعي وفي حالة استحالة ذلك يجوز الحكم بالتعويض.
أما أوجه الاختلاف يمكن في وقت نشوء السبب، ومصدر الحكم به ونوعية العقود، وذلك فيما يلي:
فبالنسبة لوقت نشوء السبب: فالبطلان مرجعيته عيب في تكوين العقد، حيث أصاب أحد أركان العقد أو شروط صحته عيب أدى إلى بطلانه، أي أن البطلان يقع وقت انعقاد العقد. أما الفسخ فمرجعه خلل في تنفيذ العقد، حيث إنه ينشأ صحيح وينتج آثاره بين طرفيه إلا أن أحد أطرافه لا يقوم تنفيذ التزامه؛ فيكون للمتعاقد الآخر الحق في طلب فسخ العقد؛ ومما سبق يتبين أن الفسخ يكون لاحق لنشأته.
أما مصدر الحكم به ونوعية العقود: فالبطلان مصدره هو القانون فقط، كما أنه يرد على جميع أنواع العقود سواء كانت ملزمةً لجانب واحد أو مُلزمة للجانبين. أما الفسخ فمصدره القانون أو الاتفاق أو القضاء، والفسخ لا يقع إلا في العقود الملزمة للجانبين.
- الفرق بين بطلان العقد وعد النفاذ
البطلان يترتب عليه اعتبار العقد أو التصرف القانوني غير موجود، ولا يترتب عليه أي أثر سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير. أما عدم النفاذ هو عقد صحيح فيما بين طرفيه وينتج آثاره بينهما، ولكنه لا ينفذ في حق الغير وذلك إعمالًا لمبدأ نسبية آثار العقود.
- الفرق بين بطلان العقد وانحلال العقد
يتفق كل من البطلان والانحلال في الأثر المترتب عليهما؛ حيث يؤدي كلٌ منهما إلى زوال العقد، أما أوجه الاختلاف تكمن في مصدر الحكم به، والأثر الرجعي لزوال العقد، حيث إن البطلان يرجع إلى عيب أصاب تكوين العقد في أحد أركانه أو شروط صحته، ومصدر الحكم به القانون فقط. ويؤدي زوال العقد إلى اعتباره كأن لم يكن ولا يرتب أي أثر قانوني، وذلك بأثر رجعي. أما الانحلال يرد على عقد نشأ صحيحًا ثم ينحل، ومصدر الحكم به قد يكون القانون أو الاتفاق أو الإرادة المنفردة لأحد طرفي العقد، ولا يكون لزوال العقد أثر رجعي.
رابعًا: أنواع البطلان
يستقر الفقه التقليدي على تقسيم البطلان حسب النظر إلى أركان العقد وشروط صحة العقد إلى نوعين؛ بطلان مطلق إذا تخلف أحد أركان العقد، وإلى بطلان نسبي إذا تخلف شرط من شروط صحة العقد؛ مما يؤدي إلى اختلاف حكم العقد الباطل بطلانًا مطلقًا عن حكم العقد الباطل بطلانًا نسبيًا، وذلك فيما يلي:
- البطلان المطلق
يُعتبر العقد باطلًا بطلانًا مطلقًا إذا تخلف ركن أو أكثر من أركان انعقاده، ويتم ذلك إذا انعدم الرضاء أو تخلف المحل أو السبب أو كانا غير مشروعين أو تخلف شكل العقد إذا اشترط القانون أو الاتفاق شكلاً لانعقاده. ويعتبر العقد غير موجود قانونًا فهو والعدم سواء؛ وذلك لخطورة العيب الذي لحق العقد، ولأن البطلان المطلق يتقرر؛ كون العقد انطوى على مخالفة قاعدة تستهدف حماية مصلحة عامة.
وفي حالة البطلان المطلق لا ينعقد العقد ولا يرتب أي أثر قانوني حيث يزول العقد بأثر رجعى، ويجوز أن يتمسك كلا الطرفين ولكل ذي مصلحه بالبطلان والامتناع عن تنفيذه، وللمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها في أي وقت ولا تصححه الإجازة ولا التقادم.
- البطلان النسبي
يُعتبر العقد باطلًا بطلانًا نسبيًا إذا تخلف شرط من شروط صحة العقد، رغم توافر أركان العقد فيه، ويتم ذلك إذا وجد عيب من عيوب الإرادة كالإكراه والتدليس والغلط والاستغلال أو نقص في أهليه أحد الطرفين، ويُعتبر العقد صحيحًا، ويترتب عليه آثاره غير أنه معيبٌ يمكن أن يُقضى ببطلانه ما لم يُجيزه الطرف المقرر لمصلحته البطلان؛ وذلك لأن العيب الذي شاب العقد أقل خطورة ويكون قابلًا للإصلاح، ولأن البطلان النسبي يتقرر لانطواء إبرام العقد على مخالفة قاعدة تستهدف حماية مصلحة خاصة.
وفي هذه الحالة يُعتبر العقد صحيحًا وملزمًا لأطرافه، ويُرتب آثاره القانونية، ولكنه يكون مهددًا بالبطلان، حيث يجوز للمتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته؛ بسبب نقص أهليته أن يطلب إبطاله أو أن يجيزه. وفي حالة تمسك من تقرر البطلان لمصلحته بحقه في بطلان العقد؛ يتقرر البطلان ويزول العقد بأثر رجعى ولا يرتب أي أثر قانوني كالعقد الباطل بطلانًا مطلقًا.
أما إذا أجاز من تقرر البطلان لمصلحته العقد فيكون عقد صحيح في الحال وواجب النفاذ، ويطلب إلزامه من الطرف الآخر وتنفيذ التزاماته، وكذلك إذا سكت مدة معينه؛ سقط حقه في طلب الإبطال بالتقادم والعقد ينشأ صحيحًا.
خامسًا: أسباب البطلان
تختلف أسباب بطلان العقد بحسب ما إذا كان بطلان مطلق أو بطلان نسبي، وذلك على النحو الآتي:
- أسباب البطلان المطلق
يكون العقد باطلَا بطلانًا مطلقًا إذا تخلف ركن من أركانه أو شرط من شروط صحنه، وذلك وفقًا لما يلي:
- تخلف ركن التراضي: ويتمثل في انعدام الرضا، كما لو تم إبرام العقد تحت تأثير الغلط المانع أو الإكراه المادي، وفى حالة عدم تطابق القبول مع الإيجاب.
- انعدام أهلية أحد المتعاقدين: وذلك إذا كان أحد المتعاقدين منعدم الأهلية، وليس ناقص الأهلية، ومن أمثلة منعدم الأهلية المجنون، والصبي غير المميز، ويتبين ذلك فيما ورد في المادة (117) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “ليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة”.
وكذلك المادة (128) من القانون ذاته نصت على:
“1- المعتوه هو في حكم الصغير المميز.
2- المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز”، وأيضًا المادة (129) من القانون ذاته نصت على أنه: “يسري على تصرفات المحجور للغفلة أو السفه ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام”.
- تخلف ركن السبب أو كان غير مشروع، فبما أن السبب هو الهدف من التعاقد؛ فلابد أن يكون مشروعًا؛ لكي يُنتج العقد أثره وغير ذلك يؤدي إلى بطلان العقد. وذلك وفقًا لما ورد في المادة (165) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “السبب هو الغرض المباشر المقصود من العقد، ويجب أن يكون موجودًا وصحيحًا ومباحًا غير مخالف للنظام العام أو الآداب”.
- إذا كان المحل غير موجود، أو مستحيل، أو غير مشروع ،أو غير معين ،أو غير قابل للتعيين، فلابد أن يكون محل التعاقد موجودًا سواء كان شيء عيني أو أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل، وأن يكون معنيًا تعيينًا نافيًا للجهالة أو قابل للتحديد، وأن يكون قابلًا للتعامل من حيث طبيعته، ولا يكون مخالفًا للقانون أو للنظام العام. وذلك وفقًا لما ورد في المادة (158) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “في التصرفات المالية يشترط أن يكون المحل مالًا متقوما، ويصح أن يكون عينًا أو منفعةً أو أي حق مالي آخر، كما يصح أن يكون عملًا أو امتناعًا عن عمل”. وكذلك المادة (159) من القانون ذاته قد نصت على: “إذا كان المحل مستحيلًا في ذاته وقت العقد كان العقد باطلًا”.
وأيضًا ودر في المادة (161) الآتي: “يشترط في عقود المعاوضات المالية أن يكون المحل معينًا تعيينًا نافيًا للجهالة الفاحشة بالإشارة إليه أو إلى مكانه الخاص إن كان موجودًا وقت العقد أو ببيان الأوصاف المميزة له مع ذكر مقداره، إن كان من المقدرات أو بنحو ذلك؛ مما تنتفي به الجهالة الفاحشة، وإذا كان المحل معلومًا للمتعاقدين فلا حاجة إلى وصفه وتعريفه بوجه آخر، فإذا لم يُعين المحل على النحو المقدم كان العقد باطلًا”.
هذا فضلًا عما ورد في المادة (163): “يشترط أن يكون المحل قابلًا لحكم العقد، فإن منع الشارع التعامل في شيء أو كان مخالفًا للنظام العام أو للآداب كان العقد باطلًا”.
- تخلف الشكل في العقد الشكلي: وذلك عندما يكون الشكل ركن من أركان العقد ولا ينعد العقد إلا إذا تحقق. وهذا ما نصت عليه المادة (105) من القانون المدني الأردني التي نصت على: “إذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضًا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد”.
مثال ذلك اشتراط التسجيل لنقل الملكية، وذلك طبقا لما ورد في المادة (1148) من القانون المذكور حيث نصت على أنه: “لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى بين المتعاقدين وفي حق الغير إلا بالتسجيل وفقًا لأحكام القوانين الخاصة به”.
- أسباب البطلان النسبي
يكون العقد باطلًا بطلانًا نسبيًا إذا تخلف شرط من شروط الصحة وهما الإرادة والأهلية، وذلك كالآتي:
- إذا كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية: فلكي يُعتد بالعقد ويكون صحيحًا لابد أن يصدر من شخص ذا أهلية، وذلك وفقا لما ورد في المادة (116) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون”.
- إذا شاب أحد المتعاقدين عيب من عيوب الإرادة: ففي هذه الحالة الإرادة لم تكن منعدمة، وإنما شابها عيب أثر في إرادة المتعاقد ، ومن هذه العيوب الإكراه والغلط والتدليس والاستغلال، ومثال ذلك أن ينصب الغلط في التعاقد على ماهية العقد أو شرط من شروط صحته وذلك طبقا لما ورد في المادة (152) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “إذا وقع الغلط في ماهية العقد أو في شرط من شروط الانعقاد أو في المحل بطل العقد”.
أو كان الإكراه وهو إجبار شخص بغير حق على أن يُبرم العقد دون رضاه بأن يهدده بأن يلحق خطر جسيم بجسده أو ماله، وفرق المشرع بين نوعين من الإكراه، إكراه ملجئ وإكراه غير ملجئ وذلك في المادة (138) من القانون المذكور حيث نصت علي: “الإكراه الُملجأ يعدم الرضا ويفسد الاختيار وغير الملجأ يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار”.
- إذا ورد نص في القانون يقضى بالبطلان النسبي للعقد: في هذه الحالة يُعتبر العقد صحيحًا ويلزم أطرافه ويرتب آثاره القانونية، ولكنه غير منفذ في حق الغير، مثال ذلك بيع ملك الغير حيث يكون للمشترى طلب إبطال العقد وذلك طبقًا للمادة (550) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أنه: “ولا يسري البيع في حق مالك العين المبيعة ولو أجازه المشتري”.
سادسًا: آثار البطلان
الأصل العام أن العقد الباطل عديم الأثر سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للغير، ويزول أثره ليس في المستقبل فقط، وإنما يزول بأثر رجعي ويصبح هو والعدم سواء، “وهذا يثير صعوبات في علاقة المتعاقدين بعضهم مع بعض أو في علاقة المتعاقدين مع الغير، ومن ثم هناك حالات استثنائية ينتج فيها العقد الباطل بعض آثار العقد الصحيح” ([4]) وذلك لرغبة المشرع في حماية واستقرار المعاملات، وسنوضح الأثر المترتب على البطلان بالنسبة للمتعاقدين والمترتب بالنسبة للغير فيما يلي:
- أثر البطلان بالنسبة للمتعاقدين
يترتب على بطلان العقد زوال الأثر القانوني له وعودة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، وذلك بناءً على ما نصت عليه المادة (168) من القانون المدني، ويؤدي ذلك إلى عدم جواز المطالبة بتنفيذ الالتزامات، وإن طالب أحد العاقدين بشي من ذلك كان للطرف الآخر أن يدفع هذه المطالبة ببطلان العقد، ويلتزم كلٌ من طرفي العقد بأن يرد للآخر ما حصل عليه بموجب العقد الذي تم إبطاله إذا تم تنفيذ العقد الباطل.
“وهذا ما أكد عليه الفقه الإسلامي، إذ قرر أن العقد الباطل يفقد وجوده الشرعي ولا يرتب أي أثر، ومن ثمَّ لا يملك أي من العاقدين أن يجبر الأخر على تنفيذه، وإذا نفذ العاقد طواعيةً سواء كان يعلم بالبطلان أو لا يعلم كان من حقه استرجاع ما سلمه تنفيذا للعقد”([5]).
ولا يقتصر الرد على محل العقد فقط، بل يتضمن ثماره أيضًا التي جماها أحد المتعاقدين من محل العقد خلال الفترة التي حاز فيه محل العقد.
غير أن الالتزام بالرد يرد عليه بعض الاستثناءات التي ترجع لاعتبارات الواقع كاستحالة الرد أو حماية الطرف حسن النية واستقرار المعاملات ومراعاة بعض المصالح الجديرة بالحماية وذلك فيما يلي:
- استحالة الرد عينيًا إذا كان الشيء قد هلك أو تلف: وهنا يتعذر الرد وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، فيلتزم المتعاقد بتعويض الآخر عن قيمة الشيء، وتقدير قيمة التعويض تخضع لتقدير القاضي.
- استحالة الرد بسبب طبيعة العقد: فلا يمكن إعمال الأثر الرجعي في العقود الزمنية كعقود الإيجار وعقود العمل؛ حيث يستحيل رد المنفعة التي حصل عليها المستأجر نتيجة العقد الباطل وكذلك رد العمل الذي قام به العامل، فيلتزم المستأجر وصاحب العمل في هذه الأحوال بدفع تعويض مقابل المنفعة أو العمل والتي في الغالب تكون بمقدار أجرة المثل، ولكن لا تُعتبر أجرًا وإنما تُعد تعويضًا يخضع لتقدير القاضي ولأحكام التعويض.
- استثنى المشرع المتعاقد القاصر من قاعدة الالتزام بالرد: فإذا كان العقد باطلًا أو قابلًا للإبطال بسبب فقدان أو نقصان أهلية أحد العاقدين، فإن هذا العاقد يسترجع ما أوفى به طبقًا للقاعدة ذاتها، لكنه لا يلتزم بأن يرجع للعاقد الأخر إلا بقدر ما عاد عليه من نفع سواء كان مادي أو معنوي، وذلك الاستثناء تم تقريره لحماية القاصرين. مثال ذلك أن باع القاصر شقته وقبض الثمن واستخدم جزء من الثمن في إشباع متطلباته، وأنفق باقي الثمن على اللهو أو إشباع شهواته، ففي هذه الحالة لا يلتزم إلا برد الجزء من الثمن الذي استخدمه في المنفعة الحقيقية دون الذي استخدمه في اللهو.
- احتفاظ العاقد حسن النية (لا يعلم بسبب البطلان) بالثمار والعوائد التي جناها من العقد الباطل: وفقًا لمبدأ الأثر الرجعي للبطلان يتعين إرجاع الثمار والعوائد مع الأصل موضوع الالتزام التعاقدي الذي تقرر بطلانها خلال المدة الفاصلة بين تاريخ التعاقد وتاريخ البطلان ولا حق له إلا في استرداد المصروفات الضرورية التي أنفقت لحفظ الشيء، ولكن المشرع الأردني استثني من هذه القاعدة الحائز حسن النية حيث لا يسأل إلا عن إرجاع العقار الأصلي وما وجد في حوزته من ثمار وقت رفع دعوى البطلان دون أن يسأل عن الثمار التي جناها قبل ذلك الوقت.
- آثار البطلان بالنسبة للغير
لابد أولًا قبل التطرق إلى الآثار أن نعرف المقصود بالغير وهو: “كل من تلقى عينًا أو حقًا من أحد طرفي العقد الباطل”([6]). ويترتب على بطلان العقد زوال الأثر القانوني له سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للغير، ولكن يرد على هذا الأصل استثناءات عديدة؛ لحماية الغير حسن النية، وسنوضح ذلك فيما يلي:
- القاعدة العامة
“إعمالا للقاعدة التي تقتضي أنه لا أحد بإمكانه أن ينقل إلى غير الأكثر مما يملك، فبطلان سند المتصرف يستتبع زوال سند المتصرف إليه؛ لأنه ما يبنى على باطل فهو باطل. وعليه إذا كان العاقدين في العقد الباطل قد فوت حقه إلى الغير، فإن حق الغير ينعدم بالبطلان”([7]).
فإذا كان أحد الطرفين في العقد الباطل قد تصرف في حقه إلى الغير، فإن حق الغير يزول بالتبعية لزوال هذا العقد بالبطلان مثال ذلك لو باع المشتري بعقد باطل العقار إلى مشتري ثاني فعند تقرير بطلان هذا العقد؛ يحق للبائع أن يسترد العقار من المشتري الثاني، وكذلك إذا تم تأجير العين أو وقع عليها رهن وتم إبطال العقد؛ يسترد المتعاقد العين دون أن يسأل على إيجار أو رهن.
- الاستثناء على القاعدة العامة
وقد ورد في القانون مجموعة استثناءات تبقى فيها حقوق الغير على الشيء المتصل بالعقد الباطل، وهي كما يلي:
– الحيازة في المنقول سند الملكية: استثنى المشرع الغير الحائز حسن النية وجعل له الحق في أن يحتفظ بالمنقول محل التعامل إذا كانت حيازته بسبب صحيح، ويجهل ما يشوب سند المتعاقد من بطلان ولا يمكن مطالبته برده استنادًا إلى هذه القاعد وذلك لاستقرار المعاملات.
– اكتساب ملكية العقار بالتقادم الخمسي: إذا كان محل التعامل عقاراً كان للغير حسن النية أن يكتسب ملكيته بالتقادم الخمسي دون أن يتأثر بإبطال سند من تصرف إلية في العقار وذلك إذا حاز العقار مدة قدرها (15) سنة بحسن نية وأن يكون سند ملكية المتصرف باطلًا بطلانًا نسيبًا وليس بطلانًا مطلقًا.
– اكتساب الغير حسن النية حقًا عينيًا على العقار الذي يرد عليه العقد الذي فسخ وذلك قبل تسجيل دعوى البطلان: عندها يبقى حقه ولا يتأثر بالأثر الرجعي للبطلان مثال ذلك لو قام المشتري برهن المبيع بدين عليه للغير حسن النية الذي قام بتسجيل الرهن في دائرة التسجيل، وبعد ذلك بطل العقد؛ فيعود المبيع للبائع محملًا بالرهن.
– أعمال الإدارة الصادرة لصالح الغير حسن النية: فإذا كسب الغير حسن النية حقًا يتعلق بالشيء الذي ورد عليه العقد الباطل -وذلك بمقتضى عقد من عقود الإدارة- فإن هذا الحق يبقى بالرغم من البطلان. مثال ذلك إبطال عقد البيع لا يؤدي إلى إبطال عقد الإيجار الصادر للغير حسن النية بشرط أن يكون عقد الإيجار تم إبرامه قبل دعوى البطلان، وأن يكون الأجر مناسب ومدة الإيجار معقولة.
سابعًا: صاحب الحق في التمسك بالبطلان
يختلف صاحب الحق في التمسك بالبطلان بحسب ما إذا كان البطلان مطلق أم نسبي، وذلك فيما يلي:
- صاحب الحق في التمسك بالبطلان المطلق
وفقًا لما ورد في المادة (168/2) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: ” ولكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها”. ويبين ذلك أنه يجوز لكل من له مصلحة قانونية ومشروعه التمسك ببطلان العقد وذلك عن طريق الدفع بالبطلان أمام المحكمة أو رفع دعوى بطلان، ويكون صاحب الحق في التمسك بالبطلان كل من:
– يجوز للمتعاقدين أن يتمسكا بالبطلان سواء المتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته أو المتعاقد الأخر.
– وأيضا يجوز للخلف العام (ورثة المتعاقدين) أو الخلف الخاص (الدائنين والراهنين) التمسك ببطلان العقد؛ لأن لهم مصلحة في ذلك.
– ويجوز للمحكمة أن تقضي ببطلان العقد من تلقاء نفسها حتى ولو لم يتمسك به أحد المتعاقدين.
– كما يجوز للغير الذي له مصلحة قانونية أن يتمسك ببطلان العقد طالما يتأثر بالعقد بطريقة غير مباشرة، ومثال ذلك يحق للجار طلب بطلان عقد بيع منزل جاره الذي يستغله في الدعارة، أما إذا لم يكن للغير مصلحة قانونية لا يحق له التمسك ببطلان العقد، مثال ذلك أن التاجر ليس أية مصلحة في رفع دعوى بطلان شركة تجارية ليتخلص من منافستها له.
- صاحب الحق في التمسك بالبطلان النسبي
يحق فقط للمتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته -لنقص أهليته أو شاب إرادته أحد عيوب الرضا- أن يتمسك ببطلان العقد، ولا يجوز للمتعاقد الأخر أن يتمسك بالبطلان، كما لا يحق للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها، وأيضا لا يجوز للغير التمسك بالبطلان، غير أنه يكون للخلف العام أو الخاص للمتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته الحق في التمسك بالبطلان، ولكن نيابة عن المتعاقد وليس باسمهم الخاص.
ثامنًا: طرق جعل العقد الباطل عقدًا صحيحًا ومنتجًا لبعض الآثار القانونية
رغبة المشرع في المحافظة على استقرار المعاملات وتوفير الوقت والجهد والاقتصاد في النفقات التي تتكبد نتيجة إبرام عقد جديد، كل هذه الأسباب جعله يعطى للمتعاقدين فرصه لإبقاء العقد الباطل، وذلك من خلال انتقاص العقد أو تصحيح العقد أو تحويل العقد، وذلك فيما يلي:
- تصحيح العقد الباطل
هناك بعض العقود لا يكون أطراف العقد في مراكز متساوية، ويكون طرف أقوى من الطرف الأخر كعقد العمل مثلا؛ لذلك يضع المشرع بعض القواعد القانونية لحماية الطرف الضعيف، فإذا تم إبرام العقد بالمخالفة لهذه القواعد يبطل العقد. فسبب البطلان هنا وجود شروط مخالفةً للنصوص الأمرة، فيجوز تصحيح العقد بأن تحل النصوص الأمرة محل الشروط الباطلة ويصبح عقدًا صحيحًا ومنتجًا لأثره القانوني. ونلاحظ أن تصحيح العقد يتم في العقد الباطل بطلانًا مطلقًا فقط؛ لمخالفته لقواعد تتعلق بالنظام العام، ويتم التصحيح بقوة القانون دون حاجة إلى إرادة المتعاقدين.
- انتقاص العقد (بطلان جزء من العقد)
وفي هذه الحالة يكون العقد باطل في جزء منه، مثل أن يكون فقط شرط منه باطل في هذا الحال يبطل الشق الباطل ويبقى الصحيح من العقد؛ فيبطل العقد كله. ولرغبة المشرع في استقرار المعاملات أقر إذا تضمن العقد شرط غير مشروع، وكان لا يخالف مقتضى العقد؛ فإن ذلك الشرط هو الذي يبطل ويظل العقد صحيحًا ويرتب آثاره. وذلك وفقا للمادة رقم (169/1) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “إذا كان العقد في شق منه باطلًا؛ بطل العقد كله، إلا إذا كانت حصة كل شق معينة؛ فإنه يبطل في الشق الباطل ويبقى صحيحًا في الباقي”. ويشترط لتنفيذ انتقاص العقد الآتي:
- أن يكون الشرط الباطل مستقلًا عن باقي العقد ولا يؤثر على تكييف العقد.
- اتجاه إرادة المتعاقدين إلى استبعاد هذا الشرط الباطل وأنه لا يؤثر على رغبته في إتمام التعاقد، أما إذا تبين أن الشرط الباطل هو الباعث الدافع لأحد المتعاقدين فإن العقد يُبطل بكامله.
ونلاحظ أن انتقاص العقد يتم في البطلان المطلق أو البطلان النسبي، وأنه يتوقف على إرادة المتعاقدين أي لا يجوز أن يقضي به القاضي من تلقاء نفسه.
- تحويل العقد الباطل
يقصد به وسيلة فنية تستهدف الإبقاء على الرابطة العقدية الباطلة في ثوب جديد مختلف عن العقد المقصود أصلًا، أي إذا تم إبطال العقد وتبين أن هذا العقد يتضمن عناصر عقد آخر صحيح لم يقصده المتعاقدان، هنا يتم تحويل العقد الباطل إلى العقد الصحيح المكتمل عناصره وأركانه، وفي هذه الحالة يتم تغيير تكييف العقد وطبيعته، مثال ذلك عقد بيع مدون في ورقة رسمية وكان الثمن فيه تافها جعل البيع باطلًا لتخلف ركن الثمن، ففي هذه الحالة يتحول البيع إلى هبه صحيحة؛ لتوافر عناصرها. أو بطلان الكمبيالة التي لا تستوفي شروطها الشكلية ممكن أن تتحول إلى سند دين عادي. ويشترط لتحويل العقد الباطل الشروط الآتية:
- يجب أن يُنصب البطلان على كل العقد أو على شق منه لا يقبل الانفصال عن جملة التصرف، فإذا أمكن فصل الشق الباطل دون تغيير طبيعة العقد؛ فإنه يتم انتقاص العقد وليس تحوله.
- يجب استيفاء أركان العقد الجديد من خلال العقد الباطل وليس من خارجه، تحول العقد يكون غير جائز إذا كان ذلك يستلزم إدخال عنصر جديد؛ لينعقد العقد.
- نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى الارتباط بالعقد الجديد لو تبينا ما بالعقد الأصلي من أسباب البطلان أي يكفي مجرد احتمال هذا الرضاء وليست النية الحقيقة؛ لأنها اتجهت إلى العقد الباطل، وتوافر احتمال النية يخضع لتقدير القاضي.
تاسعًا: سقوط الحق في التمسك بالبطلان (الإجازة والتقادم)
لا يسقط الحق في التمسك بالبطلان المطلق مهما طال الزمن حيث لا يصحح العقد تقادم ولا يجوز إجازة العقد الباطل بطلانًا مطلقًا لأن “الأمر في حالة البطلان المطلق يتعلق بمصلحة أساسية للجماعة فإنه لا يصح التنازل عما يتعلق بصالح الجماعة نظرًا لمساسه بالمصلحة العامة”([8]).
أما العقد الباطل بطلانً نسبيًا يمكن تصحيحه سواء بإجازته أو بالتقادم، وسنوضح ذلك فيما يلي:
- الإجازة
يُقصد بالإجازة كل عمل قانوني صادر من جانب واحد يُراد به تصحيح العقد برفع العيب الذي يلحقه، فلا حاجة لاقتران قبول بها، ولا يمكن الرجوع فيها بحجة أنَّ القبول لم يصدر.
وبذلك يتضح أن الإجازة تصرف قانوني بصدر بالإرادة المنفردة للمتعاقد الذي تقرر البطلان لمصلحته دون حاجة إلى قبول من الطرف الأخر، وإنما يكفي أن يكون مستوفيًا الشروط والأركان المحققة له كتصرف قانوني. وذلك وفقًا للمادة رقم (169/2) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: ” وإذا كان العقد في شق منه موقوفًا، توقف في الموقوف على الإجازة فإن أجيز، نفذ العقد كله، وان لم يجز بطل في هذا الشق فقط بحصته من العوض وبقي في النافذ بحصته”.
والإجازة ممكن أن تكون صريحةً بصدور فعل أو عبارة تدل على اتجاه نيته إلى إجازة العقد القابل للإبطال أو قد تكون ضمنية تفهم من تصرفه أو سكوته، وذلك وفقًا للمادة رقم (173) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “تكون الإجازة بالفعل أو بالقول أو بأي لفظ يدل عليها صراحة أو دلالة. – ويعتبر السكوت إجازة إن دل على الرضا عرفا”.
ويترتب على الإجازة استقرار وجود العقد نهائيا ويزول حق المتعاقد في طلب إبطال العقد وذلك من التاريخ الذي تم فيه العقد وليس تاريخ الإجازة أي أن للإجازة أثر رجعي بشرط عدم الإخلال بحقوق الغير. وتؤدي الإجازة إلى زوال العيب الذي لحق بالعقد ويصبح العقد صحيحًا محققًا لآثاره، ولكن هذا لا يمنع من طلب إبطال العقد إذا كان هناك عيب أخر غير الذي تم إجازته كإبرام القاصر عقد إيجار وبه غلط فإجازته العقد بعد بلوغ سن الرشد لا يمنعه من طلب إبطال العقد بسبب الغلط.
- التقادم
يسقط الحق في إبطال العقد إذا لم يتمسك به صاحبه خلال مدة معينة، يبدأ سريان هذه المدة في حالة نقص الأهلية من اليوم الذي يزول فيه هذا السبب، وفي حالة الغلط أو التدليس من اليوم الذي ينكشف فيه، وفي حالة الإكراه من يوم انقطاعه، وفي كل حالة لا يجوز التمسك بحق الإبطال لغلط أو تدليس أو إكراه إذا انقضت مدة قدرها (١٥) عام من وقت إتمام العقد وقرر المشرع ذلك لاستقرار المعاملات، وذلك وفقا للمادة (168/3) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “ولا تسمع دعوى البطلان بعد مضي خمس عشرة سنة من وقت العقد”. أما إذا كان العقد الباطل لم ينفد بعد، وطالب أحد طرفيه بتنفيذه بعد ما فاتت مدة التقادم فإن للطرف الأخر أن يدفع ببطلانه اعتبارًا إلى أن الدفع بالبطلان لا يتقادم.
عاشرًا: السوابق قضائية لأحكام بطلان العقد
لقد ورد في الحكم رقم (2372) لسنة 2021م الصادر من محكمة تمييز حقوق الآتي: “وفي هذا نجد أن المدعى عليها …. لم تكن وقت توقيع عقد الإيجار مع المدعي مالكة لقطعة الأرض المتعلقة بذلك العقد ولم تكن مالكة حق التصرف أو حق المنفعة فإن عقدها عقد فضولي، ……وحيث إن صاحب الحق بالتصرف بقطعة الأرض رفض إجازة العقد الأمر الذي يترتب عليه بطلان العقد عملًا بالمواد (171 و172 و175 و660) من القانون المدني فإن ذلك يستلزم الحكم بإلزام المدعى عليهما بدفع المبلغ المقبوض من المدعي كبدل أجور مستحقة تنفيذًا للعقد الباطل والبالغ (10.685) دينارًا، وكذلك رسوم التنازل عن العقد وتصديقه والبالغة (1.039) دينارًا و(550) فلسًا، وحيث إن المحكمة طبقت القانون تطبيقًا سليمًا فإنه يتوجب رد هذه الأسباب، …..وفي هذا نجد أن العقد الباطل لا يرتب أثرًا عملًا بأحكام المادة (168) من القانون المدني ولا يوجب الحكم بأية تعويضات في مواجهة طرفيه، وإنما يوجب إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد بإلزام المؤجر …. برد الأجور المقبوضة منها، لهذا نقرر رد التمييز وتأييد القرار المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها”.
كما قضت محكمة تمييز حقوق في حكمها رقم (2862) لسنة 2020م بأن: “في ضوء ثبوت هذه الوقائع فإن مناط الفصل في هذه الدعوى هو بيان الأثر القانوني للحكم الصادر في الدعوى رقم (1055/2012) والذي قضى بإبطال عقد الإيجار على مطالبة المميز ضدها بالأجور في هذه الدعوى، ……..وحيث إن الحكم الصادر بالدعوى رقم (1055/2012) المكتسب الدرجة القطعية كان مرده أن البناء الكائن فيه المأجور لم يكن يتوافر على إذن أشغال وبما يعني أن عقد الإيجار منذ نشوئه كان باطلاً، ……..ومؤدى هذا البطلان في ضوء المادة (168) من القانون المدني عدم قابلية العقد لترتيب آثاره العقدية فليس بإمكان أحد المتعاقدين أن يطالب الآخر بتنفيذ الموجبات العقدية إذ لا يستطيع المؤجر مطالبة المستأجر بدفع الأجرة المتفق عليها في العقد إلا أنه وبالوقت ذاته فإن بطلان العقد لا يفوت حق المؤجر في اقتضاء تعويض من المستأجر عن المنفعة التي استوفاها الأخير وليس الأجر المسمى”.
وجاء في حكم محكمة تمييز حقوق رقم (1254) لسنة 2020 م بأنه: “وحيث يتبين لمحكمتنا أن اتفاقية الاستثمار سالفة الإشارة قد تضمنت المتاجرة والاستثمار بالذهب وهذا الاتفاق هو اتفاق ممنوع بالقانون وذلك وفقاً لما نصت عليه المادتان (9 و14) من قانون مراقبة العملة الأجنبية رقم (95) لسنة 1966م وأن المدعي (المميز) “…….” لم يقدم ما يثبت موافقة البنك المركزي على السماح له بالتعامل بالذهب وفقاً لما تقضي به المادة سالفة الإشارة وبالبناء عليه فإن هذا العقد والمتمثل بالاتفاقية وملحقها يكون باطلاً لا يرتب أي أثر ولا ترد عليه الإجازة وفقاً للمادة (168) من القانون المدني ويترتب على ذلك وعملاً بالمادة (248) من القانون ذاته إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد وذلك كأثر من آثار بطلان الاتفاقية وملحقها ويكون ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في قرارها المطعون فيه موافقاً للقانون وهذه الأسباب لا ترد عليه ويتعين ردها”.
إعداد: محمد محمود
[1]– علي فبلاني، الالتزامات النظرية العامة للعقد، ص (251).
[2]– د/ زيد قدري الترجمان، الموجز في القانون المدني نظرية الالتزام الجزء الأول، ص (160).
[3]– عبد القادر العرعاري، الكتاب الأول نظرية العقد، ص (174و 175).
[4]– المختار بن أحمد عطار، النظرية العامة للالتزامات في ضوء القانون المغربي، ص (229).
[5]– عبد الحق الصافي، الوجيز في القانون المدني (الجزء الأول)، ص (534).
[6]– عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني م س، ص (255). وكذلك المزيد على محامي في الأردن ،
[7]– زعيم أسماء، البطلان كنظام قانوني أحكامه وقواعده وآثاره على صحة العقود، ص (40).
[8]– توفيق حسن فرج، مصادر الالتزام، ص (246).

