وزن البينة في الدعوى الجزائية
إن وزن البينة قاعدة أصولية تختص بها المحكمة عند إصدار حكم على المشتكى عليه ظنين كان أو متهم، وهذه القاعدة تندرج تحتها عدد من القواعد الجزائية القانونية التي يجب على القاضي الجزائي التقيد بها والأخذ بها عند نظر الدعوى الجزائية، وهذه القواعد هي : المتهم بريء حتى تثبت إدانته، تقام البينة في الدعوى الجزائية بجميع طرق الإثبات، للقاضي الحكم حسب قناعته الشخصية، عدم قيام بينة على الواقعة محل الدعوى يوجب على القاضي إعلان براءة المشتكى عليه، وجوب إتباع القانون في حال نص على طريق محدد للإثبات، فهذه القواعد القانونية تدور حول البينة وتشكل أساس وزن البينة، فما هو المقصود بوزن البينة؟، سنتعرف في هذا المقال على المقصود بوزن البينة وعلى القواعد الاساسية التي تشكل وزن البينة، وعلى الجهات صاحبة الصلاحية في وزن البينة، وعلى الإختلاف بين وزن البينة وبين تقديرها، وذلك إستناداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.
جدول المحتويات
القواعد القانونية التي تحكم وزن البينة
المقصود بوزن البينة
هو وزن الأدلة المقدمة في الدعوى الجزائية فيما إذا كانت تصلح للحكم على المشتكى عليه الظنين أو المتهم بالإدانة أو البراءة، وذلك بالإستناد إلى القواعد الجزائية التي تحكم البينة الجزائية وقد نص المشرع الأردني على هذه القواعد في المادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تحدثت عن وزن البينة على النحو التالي :
- المتهم بريء حتى تثبت ادانته بحكم قطعي.
- تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الاثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية.
- اذا نص القانون على طريقة معينة للاثبات وجب التقيد بهذه الطريقة.
- اذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم او الظنين او المشتكى عليه من الجريمة المسندة اليه.
الجهة المختصة بوزن البينة
إن وزن البينة إختصاص إصيل منحه القانون للمحكمة، فالمحكمة لها الصلاحية في تقدير ووزن البينة_ وسنأتي على ذكر الإختلاف بين تقدير ووزن البينة في هذا المقال_ فللمحكمة تقدير الدليل ووزنه فيما إذا كان يمكن إقامة حكم عليه سواءً بالإدانة أو البراءة [1].
هل تمتلك النيابة العامة صلاحية وزن البينة ؟
إن النيابة العامة لا تمتلك الحق في وزن البينة، فوزن البينة هو من إختصاص المحكمة كما سبق وأن ذكرنا، فالمحكمة هي صاحبة صلاحية في إصدار الأحكام ولو جعل المشرع وزن البينة من سلطة النيابة العامة لما كُانت هناك حاجة لوجود محاكم ولغابت العدالة القضائية وذلك لصدور الأحكام من جهات غير مؤهلة ولا مختصة بإصدارها.
لكن منح القانون سلطة للنيابة العامة تتمثل بتقدير البينة، لكونها صاحبة الاختصاص في إقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال التي بينها القانون ولا يجوز تركها أو وقفها أو تعطيل سيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون، سنداً لنص المادة 2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية [2].
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز أنه لا يجوز للمحكمة أن تقرر عدم مسؤولية المشتكى عليه من جرم الاعتداء على أرض حرجية بسبب أن رئيس الوزراء أصدر أمراً بوجوب عدم اتخاذ إجراءات ضده بهذه الجريمة، مع أن الأصول الجزائية لا تجيز للمحكمة بناءً على هذا السبب ترك الدعوى العامة أو وقفها أو تعطيل سيرها، ويتوجب عليها أن تسير فيها وأن تصدر حكمها على ضوء البينات المقدمة [3].
الفرق بين تقدير البينة ووزنها
إن البينة هي الأدلة والفرق بين تقدير الأدلة ووزنها يكمن في الجهة صاحبة الصلاحية في كل منها، فالنيابة العامة تمتلك حق تقدير الأدلة دون وزنها كما ذكرنا، ويقصد بتقدير الأدلة هو حق النيابة العامة في تقدير فيما إذا كانت هذه الأدلة كافية للإحالة إلى المحكمة المختصة أم لا، أي تقدير الأدلة من حيث كفايتها للإحالة للمحكمة أم لا، أما الأخذ بالأدلة أو عدم الأخذ بها أو القناعة بالإدلة هو يدخل ضمن مفهوم وزن البينة وهذا إختصاص أصيل وفريد للمحكمة، فالنيابة العامة تصدر قراراتها إما بالإحالة إلى المحكمة أو قراراً بمنع المحاكمة، أو حفظ الأوراق، ولا تملك الحق في وزن البينة.
فتقدير الأدلة يعني تعرُف النيابة العامة بما لها من خبرة في أعمال التحقيق فيما إذا كانت الأدلة التي تحصلت عليها كافية لإحالة القضية إلى المحكمة لاستصدار حكم بالإدانة أو التجريم، أما وزن البينة فهو ترجيح دليل على آخر والإقتناع به أو الإفتناع بالأدلة في مجموعها والاستناد إليها في الحكم[4] .
القواعد القانونية التي تحكم وزن البينة
المتهم بريء حتى تثبت إدانته
هذه القاعدة القانونية هي قاعدة أساسية في الدعوى الجزائية يختص بها القاضي الجزائي، وليس للنيابة العامة أن تحكم ببراءة المتهم أو إدانته، فالمشتكى عليه المتهم بجناية أو جنحة لا يُحكم بإدانته ما لم تجد المحكمة من خلال البينات المقدمة ومن خلال وزنها لهذا البينات أي مدى قناعتها بهذه البينات كدليل إدانة على المتهم، فالنيابة العامة وإن امتلكت حق تقدير الإدلة بإحالتها إلى المحكمة فهذا لا يعني إدانتها للمتهم، فالمتهم يبقى في نظر القضاء بريء حتي يتم تقديم إدلة تقتنع المحكمة أو لا تقتنع بإدانته، وتصدر حكمها على ضوء ذلك.
تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الاثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية
تنص المادة 247/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية، وذلك ترسيخاً لمبدأ حكم القاضي حسب قناعته الوجدانية في الأدلة المقدمة أمامه، فالقاضي الجزائي له أن يحكم حسب مدى قناعته بالأدلة المقدمة في الدعوى الجزائية المقدمه أمامه، فالقانون نص أنه في حال اعتراف المشتكى عليه بالتهمة المنسوبة إليه ولم تقتنع المحكمة بإعترافه لها أن لا تاخذ بهذا الاعتراف وأن تستكمل الإجراءات القضائية وتشرع في إستماع البينات، ولها أن تأخذ ما تقتنع به من بينات وتطرح ما لم تقتنع به.
أما عن طرق الإثبات في الدعوى الجزائية فلكل من الخصوم إثبات إدعائه بجميع طرق الإثبات ولم يحصر المشرع أو يحدد طرق الإثبات في الدعوى الجزائية على عكس الدعوى المدنية.
من الأمثلة على ترسيخ مبدأ حكم القاضي حسب قناعته الشخصية
نص المادة 172/2 /4 المتعلق بالجنح في قانون أصول المحاكمات الجزائية ، حيث تنص المادة على :
2_ إذا اعترف الظنين بالتهمة يامر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات اقرب ما تكون الى الالفاظ التي استعملها في اعترافه ومن ثم تدينه المحكمة وتحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته الا اذا بدت لها اسباب كافية تقضي بعكس ذلك .
4_ اذا انكر الظنين التهمة او رفض الاجابة عليها او لم تقنع المحكمة باعترافه تشرع في استماع البينات وفقاً لما هو منصوص عليه فيما بعد.
أيضاً نص المادة 212/2/4 المتعلق بالجنايات في قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث تنص المادة على:
2_ مع مراعاة أحكام الفقرة (4) من هذه المادة اذا اعترف المتهم بالتهمة يامر الرئيس بتسجيل اعترافه بكلمات اقرب ما تكون الى الالفاظ التي استعملها في اعترافه ويجوز للمحكمة الاكتفاء باعترافه وعندئذ تحكم عليه بالعقوبة التي تستلزمها جريمته الا اذا رات خلاف ذلك.
4_ اذا انكر المتهم التهمة او رفض الاجابة او لم تقنع المحكمة باعترافه بها أو كان الجرم معاقبا عليه بالإعدام تشرع – المحكمة – في الاستماع الى شهود الاثبات.
إذا نص القانون على طريقة معينة للاثبات وجب التقيد بهذه الطريقة
مع أن القانون أعطى للمجني عليه حق إثبات الدعوى الجزائية بجميع طرق الإثبات إلا أنه في حال وجد نص قانوني ينص على تحديد طرق الإثبات في جريمة ما فيجب التقيد بهذه الطرق وعلى المحكمة استبعاد ما عداها،ومن الأمثلة على ذلك جريمة الزنا فقد نص قانون العقوبات الأردني في المادة 283 منه على إثبات الزنا فجاء بنص المادة ما يلي:
الأدلة التي تقبل وتكون حجة لاثبات جريمة الزنا هي ضبط الزاني والزانية في حالة التلبس بالفعل أو أن يصدر عنهما اعتراف قضائي أو وثائق قاطعة بوقوع الجريمة أو أن يصدر عن أحدهما اعتراف قضائي وعن الآخر وثائق قاطعة بوقوع الجريمة.
أدلة الإثبات فى الزنا هي :
أولا : التلبس
ثانيا : الاعتراف
ثالثا : الأوراق المكتوبة
رابعا : وجوده فى المحل المخصص للحريم.
فإذا لم يوجد أى دليل من الأدلة السابقة لا تحكم المحكمة بإدانة الزوج والزوجة المشتركين في جريمة الزنا.
إذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم او الظنين او المشتكى عليه من الجريمة المسندة اليه.
إن القاضي الجزائي له أن يحكم حسب قناعته الشخصية في الأدلة المقدمة أمامه ويخضع حكمه في جميع الأحوال للرقابة فيجب أن يكون حكمه معللاً تعليلاً كافياً، إلا أنه ليس للقاضي أن يحكم بناءً على قناعته الشخصية غير المستمدة من البينات المقدمة أمامه، أي ليس للقاضي أن يحكم حسب قناعته الشخصية التي ليس لها علاقة بالبينة، فليس للقاضي أن يتجاهل الأدلة التي قُدمت للمحكمة لإثبات براءة المتهم والتي تُثبت براءته، وأن يحكم بإدانة المتهم لقناعته الشخصية بذلك أو العكس ، فعلى القاضي التقيد أولاً بالبينات المقدمة وليس أنه أن يقدم هو بينات في الدعوى الجزائية ولا حتى المدنية، كما أنه على القاضي أن يبنى قناعته الشخصية من الأدلة المقدمة في الدعوى الجزائية.
وعليه أن القواعد الخاصة بوزن البينة تختص بها محكمة الموضوع فقط، وأن النيابة العامة تختص بجمع الأدلة المتعلقة بالدعوى الجزائية ومن ثم إحالة المشتكى عليه إلى القضاء ليقول كلمته الفصل بشأن هذه الأدلة ومدى ثبوتها ومدى قناعته بها، وذلك لغايات الحكم في الدعوى، فمسألة تقدير الأدلة تعود لمحكمة الموضوع ولا تملك النيابة العامة إلا حق تقدير هذه الأدلة وما إذا كانت كافية للإدانة أو التجريم من عدمه [5].
من إجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بوزن البينة في الدعوى الجزائية
حكم محكمة التمييز جزاء رقم 1568/ 2012
إن المستقر عليه في قضاء محكمة التمييز أنه لا يجوز للنيابة العامة وزن الأدلة وتقديرها، وأن هذه الصلاحية منوطة بمحاكم الموضوع كما يستفاد من نص المادة 133 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وأن القانون لا يشترط للظن على المشتكى عليه بالجرم المسند إليه أن تتوافر لديه أدلة كافية للحكم بالإدانة وإنما يكفي أن يكون هناك أدلة كافية للإحالة إلى المحكمة على أساس تقدير هذه البينات وبيان فيما إذا كانت كافية للإدانة أم لا يعود للمحكمة ذاتها ……. .
الحكم رقم 3473 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
وبالرد على أسباب التمييز:-
وبالنسبة للأسباب الأول والثاني والرابع والسابع ولغاية الثامن الدائرة حول الطعن في وزن البينات وتقديرها وسلامة النتيجة التي انتهى إليها القرار المطعون فيه بالإضافة إلى أن محكمة الجنايات الكبرى غير مختصة بنظر هذه الدعوى.
فمن استعراض محكمتنا أوراق الدعوى وما قدم فيها من بينات تجد:-
- من حيث الواقعة الجرمية:-
فقد أشارت محكمة الجنايات الكبرى بصفتها محكمة موضوع إلى البينة التي اعتمدتها في تكوين عقيدتها وقناعتها بقرارها المطعون فيه وهي بينة قانونية لها أصلها الثابت في الدعوى وتصلح أساساً لبناء حكم عليها كما نجد أن محكمة الجنايات الكبرى أنها قد عالجت دفع عدم اختصاص المحكمة بصورة قانونية لا داعي لإعادة تكرارها
وعن السبب الثالث ومفاده تخطئة محكمة الجنايات الكبرى بعدم أخذها بالبينة الدفاعية.
وبالرد عليه أنه جرى اجتهاد محكمتنا في العديد من قراراتها على أن محكمة الموضوع غير ملزمة بمناقشة البينة الدفاعية أو التعرض لها إذا ما أخذت ببينات النيابة العامة وقنعت بها مما يتعين معه رد هذا السبب.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2021، ص 308.
[2] المادة (2) :
- تختص النيابة العامة باقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها الا في الاحوال المبينة في القانون .
- وتجبر النيابة العامة على اقامتها اذا اقام المتضرر نفسه مدعياً شخصياً وفاقاً للشروط المعينة في القانون .
- ولا يجوز تركها او وقفها او تعطيل سيرها الا في الاحوال المبينة في القانون
[3] تمييز/جزاء، 93/66، مجلة النقابة 1966، ص 1088.
[4] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2021، ص 312.
[5] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، مرجع سابق، ص 312.

