جنحة حجز الحرية

جنحة حجز الحرية

يعتبر حق الانسان في الحرية حق طبيعي يتمتع به ويستخدمه طالما أن ذلك بشكل لا يخالف القانون ولا يتعارض معه .

ولقد حرصت جميع الدساتير والتشريعات على حق الانسان في الحرية باعتبارها حق لصيق به بطبيعته فهو ليس حق مكتسب وإنما هو حق طبيعي يولد الانسان به ولا ينزعه منه إلا إذا تجاوز الشخص الحق في استعماله بما يخالف القانون أو يضر بمصلحة عامة.

فالأصل في الانسان البراءة وتمتعه بكامل حريته وعدم جواز التعدي عليها او انتهاكها إلا في الحالات التي يحددها القانون وذلك لتحقيق الموازنة بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في التمتع بحريته وصولا لتحقيق العدالة.

 فالحرية حق إذا ما تم الاعتداء عليه فيعتبر تعديا على أبسط قواعد السلوك الانساني التي حبى الله بها الانسان ومنحه إياه, ولذلك لقد اعتبر المشرع أن الاعتداء على هذه الحق يحرم الانسان من أبسط حقوقه في حرية التنقل والتجول مدة زمنية معينة , ولذا قام بتجريم هذا الفعل في قانون العقوبات.

أولا: مفهوم حجز الحرية

ثانيا: أركان الجريمة

ثالثا: النصوص القانونية والعقوبة المقررة

رابعا: أحكام محكمة التمييز

أولا: مفهوم حجز الحرية

ويمكن تعريفه بأنه القبض على شخص وحرمانه من حريته التي حباه الله بها دون سبب مشروع أو القبض عليه وحجزه زورا أو بادعائه بأنه يشغل وظيفة رسمية بما يؤدي إلى حرمانه من التمتع بحريته التي منحها الله له.

فحجز الحرية هو المعنى المرادف للقبض والذي عرفته لجنة حقوق الانسان سنة 1962بأنه” القبض يلغي الحياة الخاصة للفرد ويقيد حريته في التجول ويفصله عن أسرته ولا يسمح له بمباشرة الحقوق السياسية والاقتصادية المنصوص عليها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان”([1]).

وعرفه المؤتمر الدولي الخامس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في جنيف عام 1975بأنه” اجراء من اجراءات التحقيق في الدعوى الجنائية يتضمن أخذ شخص بالإكراه تحت الحراسة لفترة زمنية وجيزة استنادا لسلطة قانونية وبهدف احضاره أمام السلطة المختصة لتأمر باستمرار وضعه تحت الحراسة أو اطلاق سراحه”([2]).

وعرفه البعض أيضا بأنه” حجز المتهم لفترة قصيرة من الوقت لمنعه من القرار تمهيدا لاستجوابه بمعرفة سلطة التحقيق المختصة”([3]).

ولقد عرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه ” هو حرمان الشخص من حرية التجول دون تعليقه على قضاء فترة زمنية معينة”([4]).

ثانيا: أركان الجريمة

ويشترط لقيام الجريمة ركنين هما الركن المادي والركن المعنوي:

1- الركن المادي للجريمة

ويتكون الركن المادي من مباشرة الجاني لسلوك اجرامي من شأنه أن يتسبب في حرمان المجني عليه من حريته وايقافه وعدم تجواله وقد يكون هذا السلوك في صورة قبض أو حبس أو حجز, وهذا السلوك من شأنه أنه أن يقوم بذات الوظيفة على حد سواء من الحرمان من التنقل والتجوال.

أ- القبض

بينما عرفه البعض الآخر بأنه” حرمان الشخص من حرية التجول فترة من الوقت طالت أم قصرت واكراهه على البقاء في مكان معين أو على الانتقال إليه وذلك لسماع أقواله في جريمة نسبت إليه”([5]).

والقبض يتسبب في تقييد حرية الشخص من التنقل دون تحديد فترة زمنية معينه بعكس الحجز أو الحبس الذي يتمثل في تقييد حرية الشخص لفترة زمنية محددة وذلك عن طريق الحكم عليه نتيجة مخالفته القوانين بعقوبة سالبة للحرية([6]).

ب- الحبس

ويقصد به حرمان الشخص من التنقل لفترة من الوقت نتيجة للحكم عليه بعقوبة سالبة للحرية وحبسه في أحد السجون.

ج- الحجز

ويقصد به حرمان المجني عليه من حرية التجول فترة من الوقت ويتمثل ذلك في أمر المجني عليه ويتمثل ذلك في امر المجني عليه بعدم التجول أو تهديده حتى لا يتجول في مكان خاص.

ويقوم الركن المادي المكون للجريمة بإتيان الجاني لفعل من الأفعال السابقة والتي تتكون منها جريمة حجز الحرية.

كما لا يكفي أن يقوم الجاني بأحد الأفعال السابقة وإنما لابد من أن يكون ذلك بشكل غير مشروع أي ليس له سند في القانون , كما لو قام شخص مدعيا أنه يمثل جهة امنية وقام بحجز المجني عليه ومستوقفا اياه ومقيدا حريته.

وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” لما كان الحكم المطعون فيه – على ما سلف – قد أثبت أن الطاعنين قد اقتادا المجني عليه إلى حظيرة المواشي ملكهما ثم حملاه إلى حجرة ملحقة بمسكنهما حيث احتجزاه فيها وجرى تعذيبه بتعذيبات بدنية أحدثت به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي وأن قصدهما لم ينصرف إلى اقتياده إلى مقر الشرطة وهو ما تتوافر به أركان جريمة القبض دون وجه حق المقترن بتعذيبات بدنية في حقهما المنصوص عليها في المادتين ٢٨٠ ، ٢٨٢ فقرة ثانية من قانون العقوبات ذلك بأن القبض على الشخص هو إمساكه من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حرية التجول كما يريد ودون أن يتعلق الأمر بقضاء فترة زمنية معينة كما أنه لا يشترط في التعذيبات البدنية درجة معينة من الجسامة والأمر في ذلك متروك لتقدير محكمة الموضوع تستخلصه من ظروف الدعوى ، فإن الحكم يكون قد بين الواقعة بياناً تتحقق به أركان الجريمة التي دانهما بارتكابها ، فضلاً عن أنه يبين من مدوناته أنه أورد مؤدى أقوال شهود الإثبات والتقرير الطبي في بيان واف يكفي للتدليل على ثبوت الصورة التي اقتنعت بها المحكمة واستقرت في وجدانها ، ومن ثم ينحسر عنه دعوى القصور في التسبيب ويكون ما يثار في هذا الصدد في غير محله”([7]).

2- الركن المعنوي

ويتمثل الركن المعنوي للجريمة في القصد الجنائي أي نية الجاني واتجاه ارادته لارتكاب الفعل المكون للسلوك الاجرامي وهو القبض أو الحبس أو الحجز, كما يشترط لتحقيق الركن المعنوي أن يكون الجاني عالما بأن فعله المكون للسلوك الاجرامي يؤدي إلى قيام هذه الجريمة وأن تتجه نيته إلى حرمانه من التنقل أي حجز حرية المجني عليه.

وتعتبر هذه الجريمة من الجرائم العمدية التي يكفي  لقيامها القصد الجنائي العام كما ذكرنا العلم والارادة, بحيث لو انتفي علم الجاني بأن فعله يؤدي إلى قيام الجريمة أو انتفت ارادته لحرمان المجني عليه من التنقل ففي هذه الحالة تنتفي الجريمة ولا تقوم, فإذا انتفت ارادته لارتكاب الفعل بأن أجبره شخص على حجز المجني عليه لأي سبب فتنتفى الجريمة ولا تقوم.

ثالثا: النصوص القانونية والعقوبة المقررة

لقد أورد المشرع الأردني النص على هذه الجريمة في قانون العقوبات في المادة \ 346بأنه” كل من قبض على شخص وحرمه حريته بوجه غير مشروع ، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على خمسين دينارا ، وإذا كان قد حجزه بادعائه زورا- بأنه يشغل وظيفة رسمية أو بأنه يحمل مذكرة قانونية بالقبض عليه- يعاقب بالحبس مدة ستة أشهر إلى سنتين ، وإذا وقعت هذه الأفعال على موظف أثناء وظيفته أو بسبب ما أجراه بحكم وظيفته أو على ذي إعاقة مهما بلغ عمره كانت العقوبة من ستة أشهر الى ثلاث سنوات” .

كما نصت المادة 178من ذات القانون على أنه” كل موظف أوقف أو حبس شخصا في غير الحالات التي ينص عليها القانون يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنة”.

كما نصت المادة \ 179 على أنه” اذا قبل- مديرو وحراس مراكز الإصلاح والتأهيل أو المعاهد التأديبية أو الإصلاحيات وكل من اضطلع بصلاحيتهم من الموظفين- شخصا دون مذكرة قضائية أو قرار قضائي أو استبقوه الى أبعد من الأجل المحدد ، يعاقبون بالحبس من شهر الى سنة”.

كما أورد المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية النص على جريمة حجز الحرية في نص المادة \103من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه” لا يجوز القبض على أي انسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانونا”.

وبالتمعن في هذه النصوص نجد أن المشرع الأردني في نص المادة \346 قد جعل النص عاما في بدايته حيث جعل من يقوم بالقبض أي شخص وذلك من وجهة نظرنا حماية منه لحرية الانسان التي منحه الله لها وجعل العقوبة في هذه الحالة الحبس سنة أو الغرامة التي لا تزيد على خمسن دينارا , ثم جاء المشرع وغلظ العقوبة أي جعل لها ظرف مشدد لعقوبة وهو إذا كان من قام بالحجز قد ادعى زورا بأنه يشغل وظيفة رسمية أو أنه قبض عليه بموجب مذكرة قانونية ففي هذه الحالة تتراوح العقوبة ستة أشهر إلى سنتين, ثم في نهاية المادة شدد العقوبة وجعلها من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات أي جنحة مشدده  وذلك في حالة إذا ما كانت هذه الأفعال في حق موظف أثناء تأديته وظيفته أو بسبب فعل بخصوص وظيفته.

وكذلك أورد المشرع الأردني في نص المادتين \179,178 من قانون العقوبات إذا ما تعلق الأمر بحبس أي شخص عن طريق موظف في غير الحالات التي نص عليها القانون تكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة ,  أو بدون مذكرة إذن قضائي أو حكم قضائي أو تم استبقاء الشخص أكثر من الوقت المحدد لحجزه فتكون العقوبة شهر إلى سنة

فالمشرع قد شدد على قيام الموظف بالتعرض لأي شخص لو قام بوقف أو حبس شخص أو في حالة قبول أي شخص دو مذكرة فتكون العقوبة الحبس من شهر إلى سنة.

ثم أكد المشرع وشدد على أنه لا يجوز القبض على انسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة وإلا كان اجراء مخالف للقانون.

رابعا: أحكام محكمة التمييز

1- لقد قضت محكمة التمييز الأردنية في حكم لها برقم \1724لسنة2009, جلسة 1\2\2010بأنه” وحيث أن المتهمين عند أخذهما للمجني عليهم الى منزل شقيق المتهم لم يكن بقصد خطفهما من مكان إقامتهم وإبعادهم عنه وعن ذويهم وإنما كان بقصد تأديبهم ومنعهم من الاتصال مع زوجة شقيق المتهم والتعليم عليهم هم الذين سعوا إلى مكان أخذهما وأن حجزهما المجني عليهم ثلاث ساعات للمجني عليه الأول وعشر ساعات أو أكثر لكل من المجني عليهما الآخرين فإن هذه الأفعال تشكل أركان وعناصر جنحة حجز الحرية مكررة ثلاث مرات بحدود المادتين 346 و76 من قانون العقوبات”.

2- لقد قضت محكمة التمييز الأردنية في حكم لها برقم \1346لسنة2009, جلسة 5\10\2009 بأن” وحيث ان ما قام به المتهم من أفعال اتجاه المجني عليها وشقيقتها من أفعال بعد حضور المجني عليها الى منزل المتهم بإغلاق الباب عليهن لمدة يومين ومنعها من المغادرة يشكل جنحة حجز الحرية بالاشتراك خلافاً لأحكام المادتين 346 و76 منم قانون العقوبات كما أن قيام المتهم وشريكه باحتساء المشروبات الكحولية واجبار المشتكيات على تناول المشروبات السكر رغماً عن ارادتهما يشكل جنحة السكر المقرون بالشغب خلافاً لأحكام المادة 390 من قانون العقوبات وجنحة تقديم مشروب مسكر لحدث خلافاً لأحكام المادة 391 من قانون العقوبات”.

3- لقد قضت محكمة التمييز الأردنية في حكم لها برقم\ 476لسنة2009, جلسة 15\5\2009 بأن” وحيث أن المتهمين قد احتجزوا المجني عليهما طيلة الفترة منذ إنزالها من السيارة وأخذهما إلى الغابة وحتى إعادتهم الى منطقة قريبة من شارع الأردن حيث تركوهما وحرموهما من حريتهما طيلة هذه الفترة فإنها تشكل جنحة حجز الحرية وحرمانها بالاشتراك بحدود المادتين 346 و76 من قانون العقوبات وحيث توصلت محكمة الجنايات الكبرى لذلك فيكون قرارها موافقاً للقانون”.

4- وقضت أيضا محكمة التمييز في حكم لها برقم \415لسنة2015, جلسة 5\4\2015بأن” ” وحيث أن الأفعال التي قارفها المحكوم عليه المميز والمتمثلة بأن ارتكاب المجني عليها هي سيارته معتقدة أنه يريد توصيلها إلى مكان عملها وقيامه بتغيير الاتجاه ومن ثم حصول مشاجرة بينهما في الطريق وقيامه بضرب المجني عليها على إنحاء متفرقة من جسمها ومن ثم إشهار سكينة عليها وقيامه بحجز حريتها فإن هذه الأفعال تشكل بالتطبيق القانوني سائر أركان وعناصر جريمة الحرمان من الحرية حسب أحكام المادة (346) من قانون العقوبات وعليه يكون قرار محكمة الجنايات الكبرى واقع في محله”.

5- وقضت أيضا محكمة التمييز في حكم لها برقم \2232لسنة2012, جلسة30\6\2013 بأن:

” وحيث أن الوقائع تتوفر كافة أركان وعناصر جناية السرقة طبقاً للمادة (400) من قانون العقوبات وجنحة حجز حرمان الحرية طبقاً للمادة (346) من قانون العقوبات ومخالفة الأوامر والتعليمات وعدم المحافظة على كرامة وظيفته وسلكه مسلكاً لا يتفق والاحترام الواجب لها طبقاً لأحكام (37/4) من قانون الأمن العام وبدلالة المادة (35/1) من القانون ذاته وعليه فإن محكمة الجنايات الكبرى واقع في محله”.

6- وقضت أيضا في حكم لها برقم \ 476لسنة2009, جلسة 15\5\2009بأن” وحيث أن الثابت أن المتهمين قد احتجزوا المجني عليها خلال الفترة منذ إنزالها من السيارة وأخذهما إلى الغابة وهي إعادتهم إلى منطقة قريبة من شارع الأردن وحرموها من حريتها طيلة هذه الفترة فإنها تشكل جنحة حجز حرية وحرمانها بالاشتراك بحدود المادتين (346 و 76) من قانون العقوبات وعليه فإن قرار محكمة الجنايات الكبرى واقع في محله”.

كتابة دكتور \عبدالمنعم الشرقاوي

([1]) ينظر في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 251لسنة1960, مجلس حقوق الانسان, http://www.arabhumanrights.org/treaties/bytopic.asp

([2]) د. محمد على سالم , اختصاص الشرطة في التحري عن الجرائم, رسالة دكتوراه في القانون الجنائي, جامعة بغداد , 1989, ص 268.

([3]) د. رؤوف عبيد, المشكلات العلمية الهامة في الاجراءات الجنائية, ج1, دار الفكر العربي, ط3, 1980, ص28.

([4]) حكم نقض مصري, جلسة 27\4\1959, مجموعة احكام النقض, س10, ق105, ص482.

([5]) د. عوض محمد, الوجيز في قانون الاجراءات الجنائية , ج1, دار المطبوعات الجامعية, مصر, 1990, ص224.

([6]) د. أحمد فتحي سرور, الوسيط في قانون العقوبات, القسم الخاص, دار الطباعة الحديثة, ط4, 1991, القاهرة, ص694.

([7]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 71لسنة71ق, جلسة9\10\2008, مكتب فني, س59, ق74, ص406.

Scroll to Top