محل الوفاء
بدايةً يجب التنويه أن المقصود من عنوان المقال “محل الوفاء” هنا هو موضوع الوفاء، أي ذات الشيء أو الالتزام أو الفعل أو العمل أو الامتناع عن عمل، وليس المكان أو الزمان الذي يُنفذ فيه الالتزام كما قد يتبادر إلى الأذهان. والملاحظ أن “محل الوفاء” بعناصره المحددة بالوفاء بالشيء ذاته، والوفاء به كاملًا، والاستثناءات التي ترد عليه، وتعيين جهة الوفاء، لم تحظ هذه العناصر بالدراسة الكافية؛ وذلك على عكس الالتزام بالوفاء بشكل عام -أيًّا كان محله- الذي تناولته العديد من الدراسات القانونية؛ ولذلك سوف نتناول جميع العناصر المتعلقة بمحل الوفاء من خلال هذا المقال، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
ثانيًا: أركان وشروط محل الوفاء في القانون المدني الأردني
ثالثًا: القواعد والمبادئ التي تحكم محل الوفاء
رابعًا: اختلاف وتعدد محل الوفاء في العقد ذاته
خامسًا: لمن يكون أداء محل الوفاء:
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بمحل الوفاء
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريف محل الوفاء
يمكن تعريف محل الوفاء بأنه: “الشيء المستحق بذاته للدائن على المدين بموجب المصدر الذي أنشأ الالتزام، أي هو ما التزم المدين بأدائه للدائن”([1]).
ثانيًا: أركان وشروط محل الوفاء في القانون المدني الأردني
عند تناول القانون الأردني لمحل الوفاء؛ فإننا نجده يذكر شروط محل الوفاء دون الأركان. وبالرجوع إلى نصوص مواد القانون المدني الأردني المختلفة يتبين أن شروط محل الوفاء تتمثل فيما يلي:
1. أن يكون موجودًا:
يُستفاد هذا الشرط من (المادة 157) من القانون المدني الأردني بنصها على أنه: “يجب أن يكون لكل عقد محل يُضاف إليه”. ويقصد بالوجود هنا “عدم الاستحالة”، سندًا لنص (المادة 159) من القانون سالف الذكر بنصها على أنه: “إذا كان المحل مستحيلًا في ذاته وقت العقد كان العقد باطلًا”؛ لذا فإذا انعدم محل الوفاء؛ انعدم الالتزام بالوفاء ذاته، ويصبح العقد منتهيًّا، ويكون من حق أي من طرفي العقد أن يطب تعويضًا عما أصابه من أضرار من الطرف الآخر إن كان له موجبًا.
2. أن يكون معينًا تعيينًا نافيًا للجهالة:
يشترط القانون الأردني في محل الوفاء أن يكون معينًا تعيينًا نافيًا للجهالة، بكافة صور التعيين التي يصبح معها معلومًا للطرفين، حيث تنص المادة (161/1) على أنه: “يشترط في عقود المعاوضات المالية أن يكون المحل معينًا تعيينًا نافيًا للجهالة الفاحشة بالإشارة إليه أو إلى مكانه الخاص إن كان موجودًا وقت العقد أو ببيان الأوصاف المميزة له مع ذكر مقداره إن كان من المقدرات أو بنحو ذلك مما تنتفي به الجهالة الفاحشة”.
وقد حدد المشرع الأردني على سبيل المثال لا الحصر عدة طرق لتعيين محل الوفاء، وتمثلت هذه الطرق في الآتي:
- الإشارة إلى محل الوفاء في العقد بتحديده عينيًا بما لا يجوز معه أن يحل شيء آخر محله مثل أن يكون محل الوفاء العقار رقم (8) مثلًا الكائن في المدينة والشارع المحددين في العقد مع تحديد ما يحده من جميع الاتجاهات.
- تحديد مكان وجوده بما يميزه عن غيره؛ لكي يُمكن الاستدلال عليه ومعرفته، وذلك مثل أن يكون محل الوفاء الثمار المطروحة في المزرعة المملوكة لشخص معين والكائنة في مكان محدد.
والطريقة الأولى والثانية يمكن استخدامهما في حال كان محل الوفاء موجودًا وقت التعاقد، لكن إذا كان محل الوفاء من الأمور المستقبلية بأن كان عبارة عن التزام أو عمل محدد سيُنفذ في المستقبل فيتعين هنا تحديده بوصفه وصفًا دقيقًا مع ذكره كميته أو مقداره إن أمكن، أو ذكر الخصائص الذي يتميز بها، وذلك مثل أن يكون محل الوفاء توريد نوع محدد من الفاكهة بجودة محددة وبكمية محددة في العقد.
3. صلاحية محل الوفاء للتعاقد:
يشترط المشرع الأردني صلاحية المحل للتعاقد وذلك بألا يكون فيه مانع أدبي يتعارض معه، وذلك استنادًا لما نصت عليه (المادة 163/1) بنصها على أنه: “يشترط أن يكون المحل قابلًا لحكم العقد”. وقد أورد المشرع في إيضاح هذه المادة بعض التصرفات التي من شأنها أن تجعل المحل غير قابلًا للحكم وهي:
- مخالفة المحل للآداب العامة، أو الأخلاق.
- الاعتداء على أموال الناس وأكلها بالباطل.
- بيع الميتة والخمر والخنزير بالنسبة للمسلم.
- بيع الملكيات العامة كالأنهار والمساجد والطرق.
- بيع ما لا يملك.
ومن خلال الأمثلة المضروبة يتبين أنه إذا كان محل الوفاء يُخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو العادات والتقاليد المتعارف عليها في الدولة، أو كان مملوكًا لغير المتصرف فيه، أو من الأموال العامة؛ فحينها يكون هذا المحل غير صالحًا للتعاقد عليه، ويكون العقد في حد ذاته باطلًا.
ثالثًا: القواعد والمبادئ التي تحكم محل الوفاء
“نُلاحظ أن القواعد والمبادئ التي تحكم محل الوفاء من حيث إنه التزام مدني، هي ترجمة عملية لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين؛ فالعقد عندما يُبرم على موضوع أو حالة معينين، تتمخض فيه مصلحة فعلية لكليهما، أصلًا أو تبعًا، ويصبح من اللازم انفاذ هذا العقد على الوجه الذي تم الاتفاق عليه دون أي مؤثر خارجي، ناهيك عن أن العقد بما يشتمل عليه من أركان وشروط، فإنها تنحصر في شخوص المتعاقدين وخصوص الموضوع محل التعاقد؛ فلا وجه حينئذ لإدخال طرف أجنبي في تفاصيل هذا العقد”([2]).
ومن الجدير بالذكر أن الوفاء بالالتزام الذي تم التعاقد عليه ذاته، والوفاء بهذا الالتزام كاملًا دون تجزئة -من حيث الأصل- هي من مخرجات قاعدة أن العقد شريعة المتعاقدين كأصل عام. ويمكن القول إن القواعد والمبادئ التي تحكم محل الوفاء تتمحور حول ثلاثة مبادئ أساسية تتمثل فيما يلي:
1. الوفاء بالدين ذاته المستحق:
وفقًا للقانون المدني الأردني ينقضي الالتزام بوفاء المدين (الملتزم) بما التزم به، ويتمثل قيام المدين بما التزم -كما وضحها الفقهاء- في رد المقترض الدين إلى المُقرض، وتسليم البائع المبيع إلى المشتري، وأداء المشتري بدوره الثمن إلى البائع، وغير ذلك من الصور.
ونستدل على جوب التزام المدين بالوفاء بالدين ذاته من (المادة 329) من القانون المدني الأردني بنصها على أنه: “1. إذا كان الدين مما يتعين بالتعيين فليس للمدين أن يدفع غيره بدلًا عنه دون رضاء الدائن حتى لو كان هذا البدل مساويًا في القيمة للشيء المستحق أو كانت له قيمة أعلى. 2. أما إذا كان مما لا يتعين بالتعيين وعُيّن في العقد فللمدين دفع مثله وإن لم يرض الدائن”. ويتضح لنا من النص سالف الذكر أن المشرع الأردني قد ميز بين حالتين من الوفاء حسب محل الوفاء ذاته، وهما:
الحالة الأولى: أن يكون محل الوفاء مُعين بالذات:
في هذه الحالة يجب على الموفي أن يلتزم بأداء عين محل الوفاء ذاته؛ وذلك لأن الالتزام وقع على هذا المحل بالذات، ويكون للموفي أن يؤدي مثل محل الوفاء ولكن يستلزم هنا رضا الدائن، ويتعين أن يكون رضاه خاليًا من أي عيب من عيوب الرضا.
وفي هذا الصدد يُثار تساؤل بشأن كيفية إبراء ذمة الموفي في حال تعذر عليه الوفاء بالمحل ذاته؛ بأن تلف المحل أو هلك ونحو ذلك؟! ونجد أن المشرع الأردني نص في هذا الصدد على تحمل الموفي تبعة تلف أو هلاك محل الوفاء بصرف النظر عن الكيفية التي بها هذا التلف أو الهلاك، سواء كان نتاج تقصير من الموفي أم عدم تقصير منه، كما جعل حالة وضع اليد على المحل وتلفه أو هلاكه نتيجة لذلك سببًا للرجوع على المتسبب صاحب اليد بضمان التلف أو الهلاك؛ وذلك عملًا بمبدأ تضمين صاحب اليد المُتلف طالما أن محل الالتزام تحت يده مطلقًا في عقود الضمان.
الحالة الثانية: أن يكون محل الوفاء غير مُعين بالذات:
في هذه الحالة يمكن للموفي أن يلتزم بأداء مثل محل الوفاء لا عينه بالذات، دون استلزام رضاء الموفي له؛ وذلك لأن حق الأخير لم يتعلق بالذات بل بالمثل المطابق في أشياء تتماثل وتتطابق.
2. الوفاء بكامل الدين (عدم تجزئة الوفاء)
“الوفاء بكامل الدين المستحق على المدين هو الأصل والقاعدة الأساسية في الوفاء بالالتزام بأنواعه المختلفة، وهذا الوفاء يتعين أن يكون دفعةً واحدةً؛ فلا يُجبر الدائن على قبول وفاء جزئي، ولكن هذه القاعدة ليست من النظام العام بحيث لا يجوز الاتفاق على خلافها؛ فيجوز تجزئة الوفاء في الحالات الآتية([3]):
- إذا وجد اتفاق بين الطرفين على تجزئة الوفاء.
- في حالة وقوع المقاصة.
- سلطة القاضي في تجزئة الوفاء بمنح المدين نظرة إلى ميسرة.
- إذا تعدد الكفلاء لدين واحد وكانوا غير متضامنين فيما بينهم، جاز لأي منهم عندما يطلبه الدائن بالوفاء أن يقوم بتجزئة الدين ويوفي جزء منه فقط، ويتحمل سائر الكفلاء نصيبهم من الدين.
- وفاة الدائن وانقسام حقه على ورثته: فكل وارث يستوفي جزء من الدين بما يُقابل حصته فيه.
- الدين المتنازَع في جزء منه بين الدائن والمدين وقبول الدائن استيفاء الجزء المعترف به”.
والملاحظ أنه كما يجوز للدائن أن يتسمك بقاعدة عدم جواز تجزئة الوفاء، فإنه يجوز للمدين أن يتمسك بها، فله الحق في أن يصر على أداء الدين بأكمله حتى ولو كان الدائن يريد اقتصار الوفاء على جزء منه.
ونستند في القواعد القانونية التي تحكم الوفاء إلى نصوص القانون المدني الأردني ذات الصلة، فقد نصت (المادة 330) على أنه: “1. ليس للمدين أن يجبر الدائن على قبول وفاء جزئي بحقه ما لم يوجد اتفاق أو نص يجيز ذلك. 2.فإذا كان الدين متنازعًا في جزء منه وقبل الدائن أن يستوفي الجزء المعترف به فليس للمدين أن يرفض الوفاء بهذا الجزء”.
وفي هذا الشأن يُثار تساؤل هام جدًا بشأن ماذا لو أضيفت مصروفات ونفقات أخرى إلى محل الوفاء؟! فقد عالج المشرع الأردني هذه المسألة، حيث إن قاعدة “عدم تجزئة الوفاء” لا تنصرف فقط إلى أصل الدين بل تسري كذلك بالنسبة لملحقاته مثل المصاريف والفوائد، وبالتالي لا يجوز للمدين أن يقوم بإجبار الدائن على قبول الوفاء بأصل الدين منفصلًا عن ملحقاته، وذلك سندًا (للمادة 331) من القانون المدني الأردني بما نصها: “إذا كان المدين ملزمًا بأن يوفي مع الدين أية نفقات وكان ما أداه لا يفي بالدين مع تلك النفقات حسم ما أدى من حساب النفقات ثم من أصل الدين هذا ما لم يتفق على غيره”.
3. تعيين جهة الدفع عند تعدد الديون
نظم المشرع الأردني مسألة تعيين جهة الدفع عند تعدد الديون في (المادتين 332 و333) من القانون المدني الأردني. حيث نصت (المادة 332) على أنه: “إذا تعددت الديون في ذمة المدين وكانت لدائن واحد ومن جنس واحد وكان ما أداه المدين لا يفي بهذه الديون جميعًا جاز للمدين عند الوفاء أن يُعيّن الدين الذي يريد الوفاء به ما لم يوجد نص قانوني أو اتفاقي يحول دون هذا التعيين”.
ونصت (المادة 333) على أنه: “إذا لم يُعيّن الدين على الوجه المبين في المادة السابقة كان الحسم من حساب الدين الذي حل فإذا تعددت الديون الحالّة فمن حساب أشدها كلفة على المدين فإذا تساوت الديون في الكلفة فمن حساب الدين الذي يعيّنه الدائن”.
يُمكن أن نستخلص القواعد التي تحكم تعيين جهة الوفاء من خلال المادتين سالفتي الذكر، وذلك على النحو التالي:
- منح المشرع الأردني العاقدين حرية الاتفاق على تعيين جهة الدفع من حيث المبدأ وذلك تأسيسًا على عبارة (أو اتفاقي) الواردة في المادة سالفة الذكر والتي تجيز لهما الاتفاق على هذا التعيين.
- بالنظر إلى جواز اتفاق العاقدين على تعيين جهة الدفع -كما أسلفنا- يمكن القول إن مسألة تعيين جهة الوفاء ليست من النظام العام.
- احتفظ القانون لنفسه بالحق في هذا التعيين أو إبطاله في حالات معينة، تأسيسًا على عبارة (ما لم يوجد مانع قانوني)، وبمدلول تعيين الدين الأشد كلفة على المدين؛ إذ يرجع تقدير شدة الدين إلى قناعة قاضي محكمة الموضوع والذي بدوره يُقرر حسم الدين الذي تقتنع المحكمة بأولويته في الوفاء، وإن كنا نُفضل في هذا الصدد أن تكون عنونة تعيين جهة الوفاء هنا للقضاء لا للقانون فحسب؛ لأن تعيين جهة الوفاء هنا قرره القاضي بناءً على قناعاته دون الإشارة إلى نص قانوني مُعين ألزم بتعيين جهة الوفاء, وإن كانت النصوص القانونية أو الاتفاقية التي تتدخل في مسألة تعيين جهة الوفاء ما هي إلا نصوص أو اتفاقات مانعة للمدين من ممارسة حق تعيين جهة الوفاء في أحوال معينة، وليست نصوص موجبة للتعيين. وبالتالي نرى أنه من الأصح اعتبار هذه الحالة تعيينات قضائية يحددها قاضي الموضوع وفقًا لقناعاته وليس تعيينات قانونية.
- في حالة عدم تعيين جهة الوفاء على النحو السالف، فقد أعطى القانون الأولوية للدين الحال؛ وذلك لأنه أولى بالوفاء من الدين الذي لم يحل أجل استحقاقه بعد.
- في حال تساوت الديون في آجال استحقاقها أي كان أجل استحقاقها جميعًا يحل في نفس الوقت يتم النظر إلى الدين الأكثر كلفة على عاتق المدين؛ وذلك لرفع الكلفة الأشد عنه والتخفيف عليه.
- في حال تساوت الديون في آجال استحقاقها وكلفتها ولم يكن ثمة اتفاق أو قانون يقضي بغير ذلك فقد أعطى القانون للدائن الحق في تعيين جهة الوفاء.
ويمكن القول -بشكل عام- أن تعيين جهة الوفاء عند تعدد الديون يتكفل به المدين أولًا، ثم نص القانون، ثم الدائن.
رابعًا: اختلاف وتعدد محل الوفاء في العقد ذاته
من الوارد أن يختلف محل الوفاء في العقد ذاته، وذلك في العقود التي يترتب على إبرامها التزامات على كل طرف من طرفي العقد، بحيث يكون على كلٍ منها التزامًا محددًا، والتزام كل طرف على استقلال يكون محلًا للوفاء بحد ذاته، إذ يكون محل الوفاء في التزام البائع المبيع المبرم عليه التعاقد، ويكون محل الوفاء بالنسبة للمشتري الثمن المتفق عليه.
وكذلك يُمكن أن يتعدد محل الوفاء في العقد الواحد بالنسبة إلى أحد طرفي العقد دون الآخر، وذلك يمكن أن يقع في عقد التوريد مثلًا، إذ كان الاتفاق على توريد أنواع مختلفة من الآلات الموصوفة وصفًا دقيقًا، فحينها تكون كل آلة بحد ذاتها محلًا للوفاء في هذا العقد.
خامسًا: لمن يكون أداء محل الوفاء:
الأصل في الوفاء أن يكون للدائن نفسه من قِبل المدين ذاته؛ لأنهما طرف العلاقة في الالتزام التعاقدي، وهما أصحاب المصلحة فيما يترتب عليه العقد، ولكن يمكن أن يكون الوفاء لغير المدين، وبيان ذلك فيما يلي:
1. الوفاء للدائن في القانون المدني الأردني:
حددت (المادة 320) من القانون المدني الأردني لمن يكون الوفاء بنصها على أنه: “يكون الوفاء للدائن أو لنائبه ويعتبر ذا صفة في استيفاء الدين من يقدم للمدين مخالصة صادرة من الدائن، إلا إذا كان متفقًا على أن الوفاء يكون للدائن شخصيًا”.
فالأصل أن الدائن هو ذو الصفة في استيفاء الدين. ويلحق بصفة الدائن نائبه سواء كانت النيابة قانونية أم قضائية أو اتفاقية، كالولي أو الوصي والقيم ومتولي أو ناظر الوقف والوكيل.
“وقد جعل القانون الوفاء لهذه الأشخاص جائزًا من حيث الأداء، ومبرئًا للذمة من حيث الحكم؛ فالدائن ربما طرئت عليه بعض عوارض الأهلية التي لا يستقيم معها صحة الوفاء، ومن ذلك ما لو كان الموفى له من دائن ونحوه قاصرًا فلا بد من ولي يقوم مقامه في القبض، أو كان يتيمًا فلا بد من وصي يقوم مقامه، أو كان مجنونًا، أو محجورًا عليه؛ لسفه أو إعسار”([4]).
كما يجوز وفاء الالتزام للخلف العام أو الخلف الخاص، وفقًا لنص (المادة 206) من القانون المدني الأردني: “أثر العقد بالنسبة إلى الغير ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو من طبيعة التعامل أو من نص القانون أن هذا الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام”.
وكذلك (المادة 207) من القانون ذاته بما نصها: “إذا أنشأ العقد حقوقًا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص فإن هذه الحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه”.
وفي هذا الصدد جاء في شرح القانون المدني أن: “الأصل أن الدائن هو الذي يستوفي الدين وكذلك خلفه العام أو خلفه الخاص، والعبرة بثبوت صفة الدائن تكون وقت الوفاء، كما يجوز أن يتم الوفاء لنائب الدائن، كالولي أو الوصي أو القيم، والوكيل بموجب توكيل خاص أو توكيل عام”([5]).
أما بالنسبة لموضوع اعتبار الوفاء لنائب الدائن بسبب عوارض الأهلية؛ كالجنون، والعته، والصغر، الاغماء، والمرض، والموت، والسف، والسفر، والإكراه؛ فقد تناولته (المادة 321) من القانون المدني الأردني فنصت على اعتبار الأهلية في الدائن لكي يصح الوفاء له، بنصها على أنه: “إذا كان الدائن غير كامل الأهلية فلا تبرأ ذمة المدين إلا بالوفاء لوليه”. ويتضح لنا من نص المادة سالفة الذكر أن المشرع الأردني يشترط توافر أهلية التصرف لدى الدائن (الموفى له)؛ وبالتالي إذا كان قاصرًا فلا يجوز الوفاء اللهم إلا لنائبه القانوني (كالولي أو الوصي).
2. الوفاء لغير الدائن في القانون المدني الأردني:
“حتى يكون الوفاء صحيحًا ومبرئًا لذمة المدين، يجب أن يكون للدائن أو نائبه؛ إلا أن الوفاء قد يتم لشخص لا صفة له في استيفاء الدين، فما هو حكمه في هذه الحالة؟ هل يعتبر الوفاء قد تم، أم على الموفي أن يقوم بالوفاء مرة أخرى”([6]).
يمكن القول في مطلع الإجابة على هذا التساؤل أن الأصل في الوفاء لغير الدائن أنه غير مبرئًا لذمة المدين، ولا يكون مبرئًا للذمة إلا في بعض الحالات التي حددها المشرع الأردني، وهي:
- إقرار الدائن الوفاء بعد حدوثه.
- أن تعود على الدائن منفعة من هذا الوفاء الذي قد تم للغير، كالوفاء لدائن الدائن.
- الوفاء بحسن نية لمن ظهر بمظهر الدائن، كالوفاء لشخص كان يُعتقد كونه وارثًا، ثم اتضح بعد ذلك أنه غير وارث.
سادسًا: السوابق القضائية الخاصة بمحل الوفاء
لقد ورد في الحكم رقم (1559) لسنة 2017م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 11/5/2017م بما نصه: “1- يجب أن يكون لكل عقد محل يضاف إليه، ويشترط أن يكون المحل قابل لحكم العقد وإن منع الشارع التعامل في شيء أو كان مخالفًا للنظام العام أو للآداب كان العقد باطلًا ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الأحكام المتعلقة بالأحوال كالأهلية والميراث والأحكام المتعلقة بالانتقال والإجراءات اللازمة للتصرف في الوقف والتصرف في مال محجور ومال الوقف الدولة وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية، وفقًا لأحكام المادتين (163) و (157) من القانون المدني. 2- إن العقد الباطل ما ليس مشروعًا بأصله ووصفه بأن اختل ركنه أو محله والغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي أثر ولا ترد عليه الإجازة ولكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان وللمحكمة إن تقضي من تلقاء نفسها وفقًا لأحكام المادة (168) من القانون المدني”.
لقد ورد في الحكم رقم (495) لسنة 1990م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 10/11/1990م بما نصه: “نجد عن أسباب التمييز أن المادة 329 من القانون المدني نصت على ما يلي: 1. إذا كان الدين مما يتعين بالتعيين فليس للمدين أن يدفع غيره بدلًا عنه دون رضا الدائن حتى لو كان هذا البدل مساويًا في القيمة للشيء المستحق أو كانت له قيمة أعلى. 2. إذا كان مما لا يتعين بالتعيين وعُيّن في العقد فللمدين دفع مثله وإن لم يرض الدائن”.
وما ورد في الحكم رقم (4347) لسنة 2021م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 23/9/2021م بما نصه: ” 3- ليس للمدين أن يجبر الدائن على قبول وفاء جزئي لحقه ما لم يوجد اتفاق أو نص يجيز ذلك وفق المادة (330/1) من القانون المدني”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) د. ياسين الجبوري، المبسوط شرح القانون المدني الأردني.
([2]) طارق أحمد محمد عمرو، محل الوفاء في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون المدني الأردني، (ص95).
([3]) طارق أحمد محمد عمرو، محل الوفاء في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون المدني الأردني، (ص107).
([4]) طارق أحمد محمد عمرو، محل الوفاء في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون المدني الأردني، (ص21).
([5]) د. ياسين الجبوري، المبسوط شرح القانون المدني الأردني، (ص48-49).
([6]) طارق أحمد محمد عمرو، محل الوفاء في الفقه الإسلامي مقارنًا بالقانون المدني الأردني، (ص33).

