الإثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

الإثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

إن الدعوى الجزائية تقوم على إجراءات وقواعد قانونية مختلفة نوعاً ما عن القواعد القانونية المتبعة في الدعوى المدنية، وذلك نظراً لمواضيع الدعوى الجزائية والتي تقوم بمجملها على وقوع الجرائم، التي تعد خطيرة على المجتمع، لذلك شدد المشرع في الإجراءات الجزائية لأنها تمس مباشرة حقوق الأفراد وحرياتهم ، فهيا تستلزم الملاحقة أو القبض أو التفتيش أو التوقيف، ومن جهة أخرى فتح المشرع باب إثبات الدعوة الجزائية على مصرعيه، فقواعد الإثبات في الدعوى الجزائية تنص على جواز الإثبات بكافة طرق الإثبات وللقاضي أن يحكم حسب قناعته الشخصية، فالقاضي الجزائي له دور إيجابي في دعوى الحق العام على عكس القاضي المدني الذي يقتصر عمله على تقدير الأدلة، وطرق الإثبات في الدعوى الجزائية هي الاعتراف والشهادة والخبرة والبينة الخطية وهي الإثبات بالكتابة والقرائن، فهل يجوز الإثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية، هذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال، إستناداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.

جدول المحتويات

المقصود بالاثبات الجزائي

المقصود بالبينة الخطية

حرية الإثبات الجزائي

حجية الاثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

الاستثناء على الاثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

الحكمة من إستثناء الرسائل المتبادلة بين المشتكى عليه ومحاميه

المقصود بالاثبات الجزائي

المقصود بالاثبات في اللغة هوالحجة أو الدليل، ويدل أيضا على البرهان أو البينة ، والإثبات الجزائي كمصطلح قانوني هو إقامة الدليل على وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعل معين أو براءته منها ، والأدلة في الدعوى الجزائية هي الاعتراف وشهادة الشهود والخبرة والبينة الخطية والقرائن، فالدعوى الجزائية يمكن إثباتها بجميع طرق الإثبات، كما جاء بنص المادة 147/2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، حيث جاء فيها :

تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الاثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية.

وتهدف قواعد الاثبات الجزائي إلى الإتيان بيقين آخر مناقض ليقين البراءة، فالأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قطعي، فالأصل أن الانسان بريء ويفترض أن مرتكب الجريمة هو بريء حتى تقوم أدلة على اثبات عكس ذلك[1]، لذلك نجد أن مهمة القاضي الجزائي أوسع من مهمة القاضي المدني فالقاضي المدني تقتصر مهمة على تقدير الأدلة أما القاضي الجزائي فله دور ايجابي يتمثل بتمحيص الأدلة والتأكد من صحتها ومدى اقتناعه بها.

تحت أي نوع من الأدلة يندرج الإثبات بالرسائل ؟

يعد الاثبات بالرسائل أحد أنواع الإثبات بالبينة الخطية.

المقصود بالبينة الخطية

هي الدليل الكتابي أو المحررات، ويقصد بالمحرر هو صك يتضمن مجموعة من العلامات والرموز التي تنتقل بها الأفكار والمعاني من شخص لأخر بمجرد النظر إليها [2]، والرسائل تعد بينة خطية كونها عبارة عن أوراق تتضمن معلومات من شأنها أن تكون دليلاً في الإثبات الجزائي، كأن تتضمن الرسالة اعتراف من المتهم بارتكاب الجريمة، أو تتضمن معلومات تؤكد إدانته أو تساعد على إدانته كأن تتضمن اسم شاهد مهم في واقعة معينة.

حرية الإثبات الجزائي

كما سبق وأن ذكرنا أن البينة في الدعوى الجزائية تقام بجميع طرق الإثبات وللقاضي أن يحكم حسب قناعته الشخصية في الأدلة المقدمة أمامه،فحرية الإثبات تقابلها الحرية في الاقتناع الذي يجب أن يكون مبرراً،  إلا أنه هناك استثناءات على هذه الحرية بأن يقيد النص القانوني الإثبات الجزائي بطرق محددة على بسيل الحصر مثل الإثبات في جريمة الزنى، كما قد يحظر المشرع بعد الأدلة من الاثبات فيجعلها غير منتجة في الدعوى، كعدم جواز الإثبات بالرسائل المتبادلة بين المشتكى عليه ومحاميه، فقد جاء بنص المادة 152 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ما يلي:

لا يجوز اثبات واقعة بالرسائل المتبادلة بين المتهم او الظنين او المشتكى عليه ومحاميه.

حجية الاثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

وعليه وأن كان القانون الأردني قد أخذ بمبدأ حرية الإثبات الجزائي، بأن أجاز إثبات الدعوى الجزائية بجميع طرق الاثبات سواءً كان الاثبات كتابياً أو شفهياً، فالمهم أن يقتنع القاضي بالدليل المقدم بالإضافة إلا أن المشرع حسب موضوع الإثبات بالرسائل فليس لها حجية خاصة في الاثبات سواءً كانت رسمية أو غير رسمية فللقاضي مطلق الحرية في تقدير الدليل الكتابي في الدعوى الجزائي، فله أن يأخذ بما جاء في الورقة المعروضة أمامه أو أن يطرحها جانباً في حال لم يقتنع بها [3].

الاستثناء على الاثبات بالرسائل في الدعوى الجزائية

كما سبق وأن ذكرنا أن جواز الإثبات بالرسائل يرد عليه استثناء وهو عدم جواز إثبات الدعوى الجزائية بالرسائل المتبادلة بين المشتكى عليه ظنين كان أم متهم ومحاميه .

الحكمة من إستثناء الرسائل المتبادلة بين المشتكى عليه ومحاميه

حفاظاً على السر المنهي

المحامي مؤتمن على أسرار موكليه ومسؤول عنها مهنياً وجنائياً ،  فالسرية هي واجب مهني لا يحتم على المحامي عدم إفشاء أي معلومات تتعلق بقضايا موكليه، فالواجب الاخلاقي يوجب  المحافظة على سر المهنة، وقد عرف الإلتزام المنهي ب أنه التزام تقرر للمصلحة الخاصة والعامة أيضاً، وتتجلى تلك المصلحة العامة في العلاقة بين المحامي والمهنة [4]، ويعرف أيضاً على الواجب القانوني الذي بمقتضاه يلتزم المحامي تجاه موكليه بعدم أفشاء أسرارهم للغير” [5]، افلتزام المحامي بكتمان المعلومات التي تمتاز أو المكتسبة لطابع السرية والتي أطلع عليها بصفته المهنية وعدم إفشائها في غير الحالات المسموح بها قانوناً هو من قبيل السر المهني، وبتالي لا يجوز الإطلاع على الرسائل المتبادلة بين المشتكى عليه ومحاميه لانها من قبيل أسرار المهنة التي لا يجوز الإطلاع عليها .

حفاظاُ على قدسية مهنة المحاماة

 فالمحاماة مهنة لها قدسية خاصة تقوم على حفاظ أسرار الموكلين ، وتشجع هذه السرية علىى الشفافية بين الموكل والمحامي ليتسنى له الدفاع عنه أو لتخفيف العقوبة عنه ، فالإستثناءات في الإثبات الجزائي ترد لتحقيق بعض الضمانات الهادفة إلى إظهار الحقيقة، أو حماية حقوق الدفاع،أو الحفاظ على بعض الاعتبارات الاجتماعية أو الأسرية، فإفشاء الأسرار يعمل على زعزعة الثقة بذات المهنة ومن يمتهنها.

ومع أن المحامي لا يستطيع الادلاء بالشهادة بالمعلومات السرية المتعلقة بمهنته الا أننا نرى أن المعني بالسر أذا لم يكن له مصلحة مشروعة بالكتمان فيحق للمحامي الإفشاء من مثل تعلق تلك المعلومات بجرائم ارتكبت أو يشرع في ارتكابها ما يجعل المحامي ملزم قانوناً بالإبلاغ عنها تحقيقاً لمصلحة العدالة، والتي يعد المحامي أحد أطرافها وما قد يترتب على ذلك من إنقاذ لبريء يكون ترجيح مصلحته أولى من مصلحة الموكل في الكتمان [6].

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة السادسة،2021 ، ص 230.

[2] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العريية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988.

[3] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 270.

[4] د. سيد أحمد محمود، دور المحامي في المنظومة القضائية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة بدون سنة نشر، ص ٣٩ .

[5] بلال عدنان بدر، المسؤولية المدنية للمحامي، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية. بيروت, ٢٠٠٧ ,ص 200.

[6] د. سلام عبد الزهراء الفاتلاوي، مفهوم التزام المحامي بعدم إفشاءالسرالمهني، مجلةالمحقق الحلي للعلوم القانونيةوالسياسية،العددالأول/ السنةالتاسعة ٢.

Scroll to Top