القناعة الشخصية للقاضي الجزائي

القناعة الشخصية للقاضي الجزائي

يقع عبء تحقيق العدالة في مختلف الدول على رجال القانون، سواء انتموا للسلطة التشريعية، أم القضائية أم التنفيذية، ولكل منهم دور لا يقل أهمية عن غيره في هذا الشأن، وحديثنا هنا منصب على السلطة القضائية وبشكل خاص في تحقيقها للعدالة استناداً على مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي، وفيما يلي سنتعرف على المقصود به ثم ننتقل للحديث عن خصائصه ونطاق تطبيقه والقيود المفروضة عليه.

أولاً: المقصود بمبدأ القناعة الشخصية:

ثانياً: خصائص مبدأ القناعة الشخصية:

ثالثاً: نطاق تطبيق مبدأ القناعة الشخصية:

رابعاً: القيود والاستثناءات على مبدأ القناعة الشخصية:

خامساً: موقف القضاء الأردني من المبدأ:

أولاً: المقصود بمبدأ القناعة الشخصية:

يقصد بمبدأ القناعة الشخصية “اقتناع القاضي بالأدلة المطروحة أمامه أو استبعاده لها بعد تمحيص وتدقيق للوصول لحكم بالإدانة أو البراءة”.

وقد نص المشرع الأردني على ذلك المبدأ في المادة (147 / 2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء بها: “تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية”.

فمبدأ القناعة الشخصية يعطي للقاضي الجزائي سلطة التصرف في أدلة الإثبات وفقاً لما يتفق مع اقتناعه بها، دون أن يتقيد بأسلوب معين من أساليب الإثبات، فله مطلق الحرية في الأخذ بأي دليل واستبعاد غيره، فسلطته هي سلطة تقديرية لتحديد قيمة الأدلة والتنسيق فيما بينها للوصول لحكم بإدانة المتهم أو براءته[1].

ولا يعني ذلك أن يحكم القاضي على هواه، فالمشرع ألزم القاضي الجزائي أن يتحرى المنطق في تفكيره الذي أدى إلى اقتناعه بالدليل أو استبعاده، ولا يلزم القاضي بذكر الأسباب التي أدت إلى اقتناعه أو عدم اقتناعه بدليل ما، فحريته كاملة في تقدير قيمة كل دليل دون الخضوع لرقابة محكمة التمييز.

وقد أخذت محكمة التمييز بمبدأ القناعة الشخصية في الحكم رقم (754) لسنة 2019 بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 14 / 5 / 2019 “وحيث وجدت المحكمة وبخصوص ما آثاره وكيل الدفاع بمرافعاته الخطية فإن هذا الدفاع هو دفاع موضوعي ينصب على البينات وحيث أن المحكمة قد أوردت من البينات ما أطمأنت إليه وقنعت به ووجدته متسانداً مع بعضه البعض ومتفقاً مع الواقع المستمد من مجمل تلك البينات وفي حدود ما أخذت به منها عملاً بمبدأ تجزئة الدليل الواحد والأخذ منه بما تطمئن إليه المحكمة وطرح ما عداه وأن ذلك كان عملاً بصلاحياتها المؤسسة على مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي والمنصوص عليها في المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية”.

ثانياً: خصائص مبدأ القناعة الشخصية:

تعتمد الأحكام في المحاكمات الجزائية على اقتناع القاضي بما يراه من أدلة مطروحة أمامه، وله مطلق الحرية في الأخذ بدليل دون الآخر، ولهذا المبدأ مجموعة من الخصائص هي.

1_ اقتناع القاضي:

يقصد باقتناع القاضي “أن تتكون لديه صورة ذهنية عن الحقيقة يرتاح لها ضميره استناداً على الأدلة التي أخذ بها”، فسلطة القاضي هي سلطة تقديرية في الأخذ بالأدلة أو استبعادها كما سبق أن بينا، فهو غير ملزم أن يحكم بإدانة متهم توافرت ضده عدة أدلة تدينه لا يقتنع بها القاضي، كما أنه غير ملزم بالحكم ببراءة متهم لم تكفي الأدلة لإدانته ولكنه استشف من أحدها دليلاً للإدانة، فله مطلق الحرية في حكمه طالما استند على أدلة مطروحة في الدعوى التي ينظرها، وقد أقرت بذلك محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في الحكم رقم (399 / 2007) هيئة خماسية بتاريخ 3 / 5 / 2007 “من المقرر فقهاً وقضاءً أن قاضي الموضوع في المسائل الجزائية وهو في سبيل تكوين قناعته يستطيع أن يأخذ بالبينة التي يطمئن إليها ويستبعد البينة التي لا يطمئن إليها كما له أن يأخذ بجزء من هذه البينات ويستبعد الباقي ولو قدمت النيابة شهادة شاهد”.

2_ دور القاضي الإيجابي:

ويعتمد الدور الإيجابي للقاضي على سعيه للوصول إلى الحقيقة استناداً إلى وقائع القضية والأدلة المطروحة أمامه، فدور القاضي غير مقيد وعليه أن يتحرى الأدلة بنفسه واستكمال النواقص منها حتى يصل إلى الحقيقة.

3_ عدم تقييد الأدلة:

يصعب الإثبات في القضايا الجزائية بسبب احتياط المجرمين وعملهم بالخفاء بعد تخطيط شديد لتنفيذ الجريمة، أو نجاح البعض في طمس معالم جريمته بعد القيام بها، كما ساهم التطور التكنولوجي في ابتكار أساليب حديثة للجرائم، لذا أطلق المشرع للخصوم الحرية في الالتجاء إلى أي دليل يساعدهم على إثبات حقوقهم للحد من تلك الجرائم وحماية المجتمع من الخارجين عن القانون.

4_ استنادً المبدأ على العلم والمعرفة:

يستند مبدأ القناعة الشخصية للقاضي على العلم والمعرفة كوسائل مساعدة للوصول إلى الحقيقة، مما يقلل من وقوع القاضي في الأخطاء.

ثالثاً: نطاق تطبيق مبدأ القناعة الشخصية:

مبدأ القناعة الشخصية للقاضي هو مبدأ عام يطبق على كل أنواع المحاكم، كما يطبق على جميع مراحل الدعوى الجزائية التي يختلف تطبيق المبدأ فيها بحسب المرحلة التي تمر بها الدعوى الجزائية.

1. تطبيق المبدأ على كل أنواع المحاكم:

يطبق مبدأ القناعة الشخصية للقاضي على كل أنواع القضاء الجزائي سواء كان مخالفات، جنح أو جنايات، وهذا ما وضحه المشرع في نص المادة (147 / 2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء بها: “تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية”.

2. تطبيق المبدأ على كل مراحل الدعوى الجزائية:

تمر الدعوى الجزائية في الجنح والجنايات بمرحلتين هما:

أ) التحقيق الابتدائي: ويقصد به الإجراء الذي يسبق المحاكمة، ولا يحق للمحقق إصدار قرارات فاصلة في الدعوى بل يصدر قرارات تعبر عن قناعته الشخصية بالدعوى المطروحة أمامه دون اشتراط وصول الأدلة إلى اليقين، بل يكفي توافر أدلة تفيد شك المحقق في ارتكاب الجريمة، لأن الشك يفسر ضد المتهم في مرحلة التحقيق، بينما يفسر لصالحه في مرحلة المحاكمة التي يلزم عند حكمها بالإدانة أن تستند إلى أدلة مؤكدة بعكس مرحلة التحقيق التي يكفي أن يقوم الاتهام فيها على الشبهات والدلائل.

ب) المحاكمة: وهي المرحلة التي يتحدد فيها مصير الدعوى الجزائية قبل صدور الحكم بالبراءة أو الإدانة بعد ثبوت الأدلة.

رابعاً: القيود والاستثناءات على مبدأ القناعة الشخصية:

وضع المشرع الأردنى بعض القيود والاستثناءات على مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي.

1. القيود على مبدأ القناعة الشخصية:

ينظم مبدأ القناعة الشخصية مجموعة من القيود التي تعد بمثابة الضمانة للمتهمين ضد تحكمات القضاة أو تسرعهم في الأحكام، بالإضافة للحفاظ على حقوق الدفاع وتنظيم سير العدالة، فحرية القاضي ليست حرية تحكمية بل حرية تستند على الأصول والضوابط الواجب اتباعها للحفاظ على الحقوق والالتزام بتطبيق القانون، وتتمثل القيود على مبدأ القناعة الشخصية للقاضي في الآتي:

أ) بناء الاقتناع على اليقين:

يلزم لإصدار القاضي حكمه في قضية ما أن يصل لاقتناعه التام بهذا الحكم، وألا يكون هناك أي شك في صحة حكمه، فالشك يفسر لمصلحة المتهم حيث أن الأصل في الإنسان البراءة، فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته، وهذا ما أقره المشرع في نص المادة (147 / 1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته حيث نصت على: “المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قطعي”، لذلك يكفي أن يحكم القاضي ببراءة المتهم إذا تشكك في صحة إسناد التهم إليه اعتماداً على قاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”.

وهذا هو الفرق بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة، حيث أنه في مرحلة التحقيق لا يشترط أن يقتنع القاضي بإدانة المتهم إذ يكفي ترجيح إدانته على براءته، فسلطة التحقيق تنحصر في النظر إلى مدى كفاية الأدلة لإحالة المدعى عليه إلى المحاكمة أو عدم إحالته.

وقد أقرت محكمة التمييز بذلك في حكمها رقم (24 / 1977) هيئة خماسية الصادر بتاريخ 1 / 1 / 1977 حيث جاء فيه: “إنه من الأفضل أن تبرئ المحكمة ألف مجرم من أن تدين بريئاً واحداً يكون محله عندما تكون البينة محل شك”.

ومما سبق يتبين أنه يلزم أن يبني القاضي عقيدته على عدم الشك، وأن تبنى هذه العقيدة على درجة عالية من الثقة التي لا تهتز بأي احتمال آخر.

ب) بناء الاقتناع على أدلة مطروحة للنقاش:

يجب أن يستند القاضي على اقتناعه إلى أدلة يمكن طرحها للمناقشة في جلسة المحاكمة، فلا يجوز أن يستند إلى معلومات شخصية أو أدلة سرية لا يمكن أن تطرح للمناقشة أمام الخصوم.

وهذا ما أكده المشرع الأردني في نص المادة (148 / 1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته حيث جاء بها: “لا يجوز للقاضي أن يعتمد إلا البينات التي قدمت أثناء المحاكمة وتناقش فيها الخصوم بصورة علنية”.

كما أوجب أن يكون الدليل الذي استند إليه القاضي في حكمه له أصل في أوراق الدعوى المطروحة أمامه وإلا كان حكمه معيباً يقتضي النقض[2].

ج) بناء الاقتناع على أدلة مشروعة:

أتاح القانون للقاضي الجزائي مطلق الحرية في الأخذ بالأدلة أو طرحها جانباً طالما كانت في الإطار الذي حدده القانون، ولكن يلزم أن يؤسس القاضي قناعته على الأدلة التي جاءت وفقاً لإجراءات قانونية سليمة، لا على أدلة جاءت بناء على إجراءات مخالفة للقانون، وذلك ترسيخاً لمبدأ الشرعية الإجرائية الذي نهى عن فرض أي عقوبة على الأشخاص إلا من خلال الإجراءات القانونية التي حددها المشرع حتى يتحقق التوازن بين حق الدولة في فرض العقوبة وبين حق المتهم في احترام حقوقه الأساسية، لذلك يبطل الدليل الذي يستند على إجراءات باطلة وفقاً لقاعدة “ما بُني على باطل فهو باطل” حتى وإن كان هذا الدليل يتفق مع الحقيقة.

د) أن يكون الحكم مسبباً:

يجب أن يبين القاضي المصادر التي استند عليها في تكوين قناعته حتى تتمكن محكمة التمييز من التحقق من اعتراف القانون بهذه المصادر، وهذا لا يتعارض مع حرية القاضي في الاقتناع بالأدلة أو استبعادها التي لا تخضع لرقابة محكمة التمييز، بل ما يخضع للرقابة هي المصادر فقط، فيلزم أن يسبب القاضي أحكامه وإلا كانت معرضة للرقابة من محكمة التمييز، فحرية القاضي مقيدة بضرورة التسبيب كما جاء في نص المادة (182) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته التي نصت على: “يجب أن يشتمل الحكم النهائي على العلل والأسباب الموجبة له وأن تذكر فيه المادة القانونية المنطبق عليها الفعل وهل هو قابل للطعن أم لا”.

وتكمن ضرورة تسبيب الحكم في ضمان حسن سير العدالة، نتيجة لتريث القاضي أثناء نظره للدعوى، بالإضافة للرقابة على قراراته من قبل أصحاب الشأن، وقد أكدت على ذلك محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في الحكم رقم (671 / 2002) هيئة عامة الصادر بتاريخ 14 / 7 / 2002 حيث جاء به: “فقد ساقت المحكمة الواقعة التي قنعت بها بصورة جلية واضحة، وناقشت البينات التي استندت إليها مناقشة مستفيضة، ودللت على الواقعة بعد استعراض البينات التي اعتمدتها”[3].

 .2الاستثناءات على حرية القاضي في تكوين قناعته:

الأصل أن يكون للقاضي مطلق الحرية في الأخذ بالألة أو استبعادها، فهو لا يتقيد بأدلة بعينها، إلا أنه ترد بعض الاستثناءات على هذا المبدأ مثل:

أ) إثبات المسائل غير الجزائية:

في كثير من الدعاوى يتوقف الفصل في الدعاوى الجزائية على الفصل في مسائل غير جزائية، وفي هذه الحالة يجب أن يتبع القاضي طرق الإثبات التي تخص المسائل الغير جزائية احتراماً لمبدأ وحدة القضاء، فكل مسألة يجب أن يتم إثباتها وفقاً للقانون الذي تنتمي إليه حتى وإن تغيرت الجهة القضائية التي تنظرها.

ومن الأمثلة على ذلك أن تكون للمواد المدنية، التجارية أو الأحوال الشخصية علاقة بالجريمة التي تنظرها المحكمة الجزائية مثل العقود المرتبطة بجريمة خيانة الأمانة، فيتعين على القاضي الجزائي الذي ينظر قضية خيانة الأمانة أن يبحث عن أدلة وجود عقد الأمانة في المواد المدنية.

وحتى يتحقق هذا الاستثناء يجب تحقق شرطين:

الشرط الأول: هو أن تكون المسألة الغير جزائية ضرورية للفصل في الدعوى الجزائية.

 الشرط الثاني: فهو ألا تكون المسألة الغير جزائية مكونة للسلوك الإجرامي بل مفترض للجريمة، فمثلاً في جريمة خيانة الأمانة فإن الجريمة هي الإخلال بالثقة وليست بالعقد.

وعلى القاضي أن يتبع طرق الإثبات الخاصة بالمسائل الغير جزائية متى ما توافرت هذه الشروط، وقد أقر المشرع الأردني بذلك في نص المادة (149) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته التي جاء بها: “إذا وجد ادعاء بالحق الشخصي مع القضية الجزائية وجب على القاضي اتباع قواعد الإثبات الخاصة به”.

ب) حجية الضبوط:

أوجب المشرع الأردني على القاضي الجزائي التقيد بما ورد في بعض الضبوط الى أن يثبت عكسها أو تزويرها، وتنقسم هذه الضبوط الى نوعين هما:

النوع الأول: الضبوط الملزم القاضي بالعمل بها إلى أن يثبت تزويرها، والقاضي هنا ملزم بالأخذ بها حتى وإن خالفت قناعته وعقيدته، مثل: محاضر المحاكم، قرارات الأحكام وشهادات الميلاد فلا يجوز إثبات عكسها إلا إذا ثبت تزويرها.

النوع الثاني: الضبوط الملزم القاضي بالعمل بها الى أن يثبت عكسها، والأصل في هذه الضبوط هي صحتها لذا تأخذ بها المحكمة دون الاحتياج لأدلة آخرى، مع كفالة حق المشتكى عليه إثبات عكسها، ومن الأمثلة على هذه الضبوط: الضبوط المنظمة من قبل الآثار والتموين وضبط المخالفات المنظمة من قبل رقيب السير، فهذه الضبوط هي الاستثناء من مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي، وقد نص المشرع الأردني على ذلك في المادة (150) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته التي نصت على : “يعمل بالضبط الذي ينظمه أفراد الضابطة العدلية في الجنح والمخالفات المكلفون بإثباتها بموجب أحكام القوانين الخاصة وللمشتكى عليه إثبات عكسها بجميع طرق الإثبات”، كما حدد المشرع الضوابط اللازمة لحجية هذه الضبوط في نص المادة (151) من ذات القانون حيث نصت على: “لكي تكون للضبط قوة إثباتية يجب: أ- أن يكون قد نظم ضمن حدود اختصاص الموظف وأثناء قيامه بمهام وظيفته، ب- أن يكون الموظف قد شهد الواقعة بنفسه، ج- أن يكون الضبط صحيحاً في الشكل، أما الضبوط الآخرى فتكون جميعها كمعلومات عادية”.

وجدير بالذكر أن حجية هذه الضبوط ليست مطلقة، وللخصوم إثبات عكس ما ورد بها بكافة طرق الإثبات، بعكس القاضي الذي لا يحق له ذلك، وفي حالة تمكن الخصوم من إثبات عكس ما ورد في هذه الضبوط يكون للقاضي السلطة في تقدير قيمة الدليل العكسي الذي قدمه الخصوم وفقاً لقناعته الشخصية مثل باقي أدلة الدعوى التي ينظرها، وقد وضح المشرع ذلك في نص المادة (314) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وتعديلاته حيث جاء بها: “1- إذا تبين أن الإسناد الرسمية مزورة بكاملها أو ببعض مندرجاتها تقضي المحكمة التي ترى دعوى التزوير بإبطال مفعول السند أو بإعادته الى حالته الأصلية بشطب ما أضيف إليه أو إثبات ما حذف منه، 2- ويسطر في ذيل السند خلاصة عن الحكم القطعي، 3- تعاد الأوراق التي اتخذت مداراً للمقابلة والمضاهاة الى مصادرها أو الى الأشخاص الذين قدموها”.

خامساً: موقف التشريع والقضاء الأردني من مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي:

1. موقف التشريع الأردني من مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي:

أخذ المشرع الأردني بمبدأ القناعة الشخصية للقاضي ونص صراحة على ذلك في المادة (147 / 2) التي جاء بها: “تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية”، كما نص في المادة (162 / 2) من نفس القانون على: “للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى وفي أي دور من أدوار المحاكمة فيها بتقديم أي دليل وبدعوة أي شاهد تراه لازماً لظهور الحقيقة”.

كما جاء في نص المادة (201) من ذات القانون: “1- يتمتع رئيس محكمة الجنايات بسلطة يكون له بمقتضاها الحق في أن يتخذ من تلقاء نفسه جميع التدابير التي يراها مؤدية لتأمين العدالة، 2- ويكل القانون إلى ضميره وشرفه بذل غاية جهده في سبيل هذا الأمر”.

وأشار كذلك في نص المادة (226 / 1) من نفس القانون إلى: “للمحكمة أثناء النظر في الدعوى أن تستدعي من تلقاء نفسها أي شخص لاستماع أقواله كشاهد إذا رأت أن ذلك يساعد على إظهار الحقيقة، ولها إصدار مذكرة إحضار إذا دعت الضرورة لذلك، ولها أيضاً أن تسمع شهادة أي إنسان يحضر من تلقاء نفسه لإبداء معلومات في الدعوى”.

2. موقف القضاء الأردني من مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي:

أعطى المشرع الأردني للقاضي الجزائي مطلق الحرية في الأخذ بأدلة الإثبات أو استبعادها مع التشديد على استناد قناعته على أدلة[4]، وقد جاء في العديد من قرارت محكمة التمييز التسليم بهذا المبدأ، فقد أقرت محكمة التمييز بذلك المبدأ في الحكم رقم (560) لسنة 2021 الصادر بتاريخ 19 / 4 / 2021 ” ومن خلال النص القانوني سالف الذكر وجدت المحكمة بأن المشرع قد أرسى قاعدة عامة مفادها بأن الأصل أن المتهم برئ ما لم تثبت إدانته بحكم، كما أن الأصل في الإثبات أنه جائز بجميع طرق الإثبات وقد أرسى المشرع أيضاً مبدأ القناعة الشخصية للقاضي الجزائي الأمر الذي يعني بأن المشرع قد افترض قرينة البراءة ما لم يثبت عكس هذه القرينة بأدلة قانونية سليمة مستوفية لشروط إعمالها ويقع على عاتق النيابة العامة دحض هذه القرينة من خلال تقديم بينة الإثبات”.

كما قضت في الحكم رقم (1102 / 2007) الصادر بتاريخ 3 / 10 / 2007 بأنه: “للقاضي الجزائي الحرية الكاملة في تكون قناعته استناداً لنص المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية شريطة أن تستند هذه القناعة للبينات المقدمة وأن تكون مستمدة منها”[5].

إعداد/ سمر محمد.

[1] رائد صبار الازيرجاي، القرينة ودورها في الإثبات في المسائل الجزائية (دارسة مقارنة في القانونين الأردني والعراقي)، 2010 / 2011، ص 63.

[2]  رائد صبار الازيرجاي، القرينة ودورها في الإثبات في المسائل الجزائية (دارسة مقارنة في القانونين الأردني والعراقي)، 2010 / 2011،  ص 74.

[3] رائد صبار الازيرجاي، القرينة ودورها في الإثبات في المسائل الجزائية (دارسة مقارنة في القانونين الأردني والعراقي)، 2010 / 2011، ص 80.

[4] الرمامنة، ابراهيم محمد علي، مبدأ حرية الإثبات الجزائي في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، 2016، ص 83.

[5] الرمامنة، ابراهيم محمد علي، مبدأ حرية الإثبات الجزائي في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، 2016، ص 83.

Scroll to Top